اكتمل ✓
الفصل 7

ما حكمة النسخ في الإسلام ولماذا تعددت الشرائع السماوية وتدرجت الأحكام؟

حكمة النسخ في الإسلام ترجع إلى مراعاة أحوال البشر في مراحل تطورهم، كما يتطور الطفل من الضعف إلى النضج. فالشرائع السابقة جاءت ملائمة لأدوار البشرية المختلفة، ثم جاء الإسلام خاتماً لها جامعاً لمصالح الإنسانية. أما النسخ داخل الإسلام فحكمته التدرج بالأمة إلى الكمال رفقاً بها، ورحمةً من الله بالتخفيف عن عباده والتوسعة عليهم.

3 دقائق قراءة
  • لماذا تعددت الشرائع السماوية ولم يكتفِ الله بشريعة واحدة منذ البداية؟

  • شبّه الأصوليون تطور البشرية بتطور الطفل من السذاجة والضعف إلى النضج والاستواء.

  • جاء الإسلام خاتماً للأديان حين بلغ العالم أوان نضجه، جامعاً لمصالح الإنسانية ومرونة القواعد.

  • حكمة النسخ داخل الإسلام هي التدرج بالأمة رويداً رويداً لأن الطفرة المفاجئة كانت ستُميت الدين في مهده.

  • اتبع الإسلام سياسة البدء بالحكم المخير ثم الانتقال إلى الإلزام، كما في تحريم الخمر وشرعية القتال.

  • أكد الإمام الشافعي أن حكمة النسخ هي رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم.

تشبيه تطور البشرية بالطفولة لبيان نسخ الشرائع السابقة

قال الأصوليون:

إن حكمته سبحانه وتعالى في أن الإسلام نسخٌ للشرائع السابقة عليه كلها، ترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع، وبيان ذلك: -

أن الإنسان بنوعه يتقلب كما يتقلب الطفل - في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دوراً غيره.

فالبشر أول عهدهم بالوجود، كانوا كالوليد أول عهده بالدنيا سذاجة، وبساطة، وضعفا، وجهالة، ثم أخذوا يتحولون من هذا رويدا رويدا، ومروا في هذا التحول، أو مرت عليهم أعراض متباينة، ومتباعدة، ومختلفة من ضالة العقل، وظلمة الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة على تفاوت في ذلك بينهم - اقتضي وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت، حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان كلها، ومتمما للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية، ومصالح الإنسانية، ومرونة القواعد، وقد وَفَّق الإسلام بين مطالب الروح والجسد، وآخي بين العلم والدين، ونَظَّم علاقة الإنسان بالله، وبالعالم كله من أفراد، وأسر، وجماعات، وأمم، وشعوب، وحيوان، ونبات، وجماد، مما جعله بحق شرعا عاما صالحا لكل زمان ومكان، خالدا إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها .

حكمة النسخ داخل الإسلام لتربية الأمة في مرحلة الانتقال

  • وأما حكمة الله تعالى في أن نَسَخَ بعضَ أحكام الإسلام ببعض، فترجع إلى سياسة الأمة، وتعهدها بما يرقيها ويمحصها، وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها، حين صدعها الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بدعوته، كانت تعاني فترة انتقال شاقة، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها، وموروثاتها وعاداتها، خصوصا ما هو معروف عند العرب، الذين شوفهوا بالإسلام، من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم، فلو أخذ العرب بهذا الدين مرة واحدة، لأدىّي ذلك إلى نقيض المقصود، ولمات الإسلام في مهده فلم يجد أنصاراً يعتنقونه، ويدافعون عنه، لأن الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان، من هنا جاءت الشريعة الإسلامية تمشي على مهل، متآلفة لهم، ومتلطفة في دعوتهم، متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا .

التدرج من الحكم المخير إلى الإلزام وأمثلة تطبيقية

فالحكم المراد للشارع قد يكون في وقت ما شديدا لا يحصل الغرض المقصود منه، لما يترتب على تشريعه في هذا الوقت من أن الناس ينفرون من الدخول في الإسلام.

فاتبع الإسلام سياسة رشيدة وهي: أن يبدأ بحكم مخير، فإذا ما لقي منهم قبولا وعملوا به، ثم تقدم الزمن، وشعر الناس من أنفسهم بالحاجة إلى غيره، بعد ما ظهرت مفاسد التخيير، أو عدم تحصيله للمصالح، وتهيأت النفوس للحكم الجديد، جاء وحي السماء بالأمر.

حصل ذلك في كثير من الأحكام، كتحريم الخمر، وشرعية القتال، وغيرهما .

النسخ من الأشد إلى الأخف بوصفه رحمة وتوسعة إلهية

وقد يكون النسخ من الأشد إلى الأخف، وهذا تمشيا مع المصلحة، فإذا كانت المصلحة في تبديل حكم بحكم، وشريعة بشريعة، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وذكر الإمام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة: أن حكمة النسخ هي رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمة، وأثابهم على أن الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ .

استمالة القلوب وتحويل القبلة والتأكيد على رحمة النسخ

وقد تكون الحكمة من النسخ استمالة القلوب إلى هذا الدين الجديد، كما في مسألة القبلة فقد أمر الله سبحانه وتعالى، نبيه بعد أن هاجر إلى المدينة بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة، ليستميل قلوب اليهود الذين يقيمون في المدينة، وليبين لهم أن وجهة الرسل كلها واحدة، فتتهيأ نفوسهم لقبول ما جاء به، إذا ما تحولت القبلة إلى الكعبة، وليظهر ما علم الله مما تكنه نفوسهم.

والقول بأن حكمة الله تعالى من النسخ هي رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم هو الأصوب، يؤيده قول الله تعالى:

{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الآية

؛ فالتخفيف لأجل الضعفاء، لا شك أنه رحمة نزلت بهم .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

بمَ شبّه الأصوليون تطور البشرية لتفسير حكمة تعدد الشرائع السماوية؟

بتطور الطفل من الضعف إلى النضج

ما الذي جعل الإسلام شرعاً عاماً صالحاً لكل زمان ومكان وفق ما ذكره الأصوليون؟

جمعه لمصالح الإنسانية ومرونة قواعده والتوفيق بين مطالب الروح والجسد

لماذا لم يأخذ الإسلام العرب بجميع أحكامه دفعةً واحدة؟

لأن الطفرة المفاجئة مستحيلة على الإنسان وكانت ستُفضي إلى نقيض المقصود

ما السياسة التشريعية التي اتبعها الإسلام في تطبيق الأحكام الشاقة؟

البدء بالحكم المخير ثم الانتقال إلى الإلزام عند تهيؤ النفوس

أيٌّ من الأحكام التالية يُضرب به المثل على التدرج التشريعي في الإسلام؟

تحريم الخمر وشرعية القتال

ما الحكمة التي ذكرها الإمام الشافعي في الرسالة من وراء النسخ؟

رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم

ما الحكمة من أمر النبي بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة بعد الهجرة إلى المدينة؟

لاستمالة قلوب اليهود وبيان أن وجهة الرسل كلها واحدة

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها على أن التخفيف في الأحكام رحمة من الله؟

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا

متى جاء الإسلام خاتماً للأديان وفق ما ذكره الأصوليون؟

حين بلغ العالم أوان نضجه وربطت المدنية بين أقطاره وشعوبه

ما الذي يحدث حين يُشرَّع حكم شديد في غير وقته المناسب وفق المنهج الأصولي؟

ينفر الناس من الدخول في الإسلام ويُفضي إلى نقيض المقصود

ما المقصود بنسخ الشرائع السابقة بالإسلام؟

يعني أن الإسلام جاء ليحل محل جميع الشرائع السابقة عليه، لأنه أكمل تشريع جاء حين بلغت البشرية أوان نضجها واستوائها.

بمَ وصف الأصوليون حال البشر في أول عهدهم بالوجود؟

وصفوهم بالسذاجة والبساطة والضعف والجهالة، كالوليد أول عهده بالدنيا.

ما الأعراض التي مرت على البشرية في مراحل تطورها وفق الأصوليين؟

مرت عليهم أعراض متباينة من ضلالة العقل وظلمة الجهل وطيش الشباب وغشم القوة، على تفاوت بينهم.

كيف نظّم الإسلام علاقة الإنسان بما حوله؟

نظّم الإسلام علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد.

ما أشق ما واجهه العرب حين دعاهم الرسول إلى الإسلام؟

كان أشق ما يكون عليهم ترك عقائدهم وموروثاتهم وعاداتهم، خصوصاً ما اعتبروه من مفاخرهم وأمجادهم.

لماذا وصف الأصوليون الطفرة المفاجئة في تطبيق الأحكام بأنها مستحيلة؟

لأن الإنسان لا يطيق التحول الكامل المفاجئ في معتقداته وعاداته، وكان ذلك سيُفضي إلى نفور الناس وموت الإسلام في مهده.

ما الشرط الذي يجب توافره قبل الانتقال من الحكم المخير إلى الحكم الملزم؟

يجب أن يكون الناس قد قبلوا الحكم المخير وعملوا به، وأن تتهيأ نفوسهم للحكم الجديد، وأن تظهر مفاسد التخيير أو عدم تحصيله للمصالح.

ما الفرق بين النسخ من الأشد إلى الأخف والنسخ من الأخف إلى الأشد؟

النسخ من الأشد إلى الأخف يعني التخفيف عن المكلفين مراعاةً للمصلحة وهو الأكثر ذكراً في باب الرحمة، أما النسخ من الأخف إلى الأشد فيأتي حين تقتضي المصلحة تشديد الحكم.

ما الثواب الذي ذكره الإمام الشافعي للمكلفين على الانتهاء إلى الأحكام المثبتة بعد النسخ؟

ذكر الإمام الشافعي أن الله أثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم بالجنة والنجاة من عذابه.

إلى أين كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم بعد الهجرة إلى المدينة قبل تحويل القبلة؟

كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في الصلاة بأمر من الله سبحانه وتعالى.

ما الهدف الذي أراد الله تحقيقه من خلال تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟

أراد الله إظهار ما تكنه نفوس اليهود، وتهيئة نفوسهم لقبول ما جاء به الرسول بعد أن استُميلت قلوبهم بالتوجه إلى بيت المقدس.

ما الدليل القرآني الذي يؤيد أن التخفيف في الأحكام رحمة من الله بالضعفاء؟

قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا}، وهو دليل صريح على أن التخفيف لأجل الضعفاء رحمة نزلت بهم.

ما الكتاب الذي استُشهد به لبيان حكمة النسخ من منظور الإمام الشافعي؟

استُشهد بكتاب الرسالة للإمام الشافعي رضي الله عنه.

كيف وفّق الإسلام بين متطلبات الإنسان المختلفة ليكون صالحاً لكل زمان ومكان؟

وفّق الإسلام بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظّم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله، مع مرونة القواعد وجمع مصالح الإنسانية.

ما المقصود بقول الأصوليين إن الإسلام جاء حين ربطت المدنية بين أقطار العالم وشعوبه؟

يقصدون أن الإسلام جاء في مرحلة نضج حضاري وتواصل بين الشعوب، مما جعله مهيأً لاستقبال شريعة عالمية خاتمة تصلح للجميع.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!