ما الفرق بين النسخ والتخصيص والبداء وما حكم نسبة البداء إلى الله؟
النسخ رفع حكم شرعي ثابت بدليل متأخر، بينما التخصيص بيان المراد باللفظ العام دون رفع حكمه. أما البداء فيستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما مستحيل على الله تعالى عقلاً ونقلاً. ويختلف النسخ عن البداء في أن الناسخ وهو الله يعلم أزلاً ابتداء الحكم وانتهاءه، بخلاف البداء الذي لا يكون إلا من المخلوقين المحدودي العلم.
- •
هل النسخ والتخصيص شيء واحد أم بينهما فروق جوهرية تبلغ تسعة عشر فرقاً في أصول الفقه؟
- •
التخصيص ترك بعض الأفراد من العام، بينما النسخ رفع الحكم في بعض الأزمان أو كلها.
- •
النسخ يبطل دلالة اللفظ المنسوخ في المستقبل بالكلية، أما التخصيص فيُبقي دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقةً أو مجازاً.
- •
البداء في اللغة يعني الظهور بعد الخفاء أو نشأة رأي جديد، وكلا المعنيين يستلزم سبق الجهل المستحيل على الله عقلاً ونقلاً.
- •
الفرق الجوهري بين النسخ والبداء أن الله يعلم أزلاً ابتداء الحكم وانتهاءه، بخلاف صاحب البداء الذي يجهل مآل أمره.
- •
إن أُريد بالبداء مجرد الإزالة بمعنى النسخ فلا مانع منه، لكن الأولى البُعد عن هذا اللفظ لكونه شعاراً للروافض.
- 1
أول فرقين بين النسخ والتخصيص: الأول يتعلق بالأزمان والثاني بالأعيان، مع تعقيب الغزالي بأن الفارق الحقيقي هو الأحوال مقابل الأزمان.
- 2
النسخ أعم من التخصيص لشموله كل الأفراد، ووصفه بالتبديل مردود لأن التبديل يصدق على الردة وليست نسخاً.
- 3
النسخ يبطل دلالة اللفظ مستقبلاً بالكلية ويجوز تأخيره، بينما التخصيص يُبقي الدلالة على الباقي ولا يجوز تأخيره.
- 4
النسخ رفع حكم ثابت ويجوز به نسخ الشرائع، والناسخ يجب تأخره، بينما التخصيص بيان للمراد ويجوز اقترانه بالعام.
- 5
التخصيص أوسع أدواتاً من النسخ إذ يجوز بالعقل والإجماع والأخبار، بينما النسخ مقصور على الخطاب وأحكام الشرع.
- 6
تخصيص المقطوع بالمظنون جائز ونسخه به غير جائز، وخلاصة الفروق أنها أحكام ولوازم لكل منهما لا فروق ذاتية.
- 7
البداء في اللغة معنيان: الظهور بعد الخفاء، ونشأة رأي جديد، وكلاهما موثق بشواهد قرآنية ومعجمية.
- 8
البداء مستحيل على الله عقلاً لأنه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، والله متصف بالعلم الأزلي المحيط بكل شيء.
- 9
آيات قرآنية متعددة تثبت إحاطة علم الله بكل شيء وتدل على استحالة البداء عليه تعالى نقلاً.
- 10
الباجي يُفرق بين النسخ والبداء بأن الله عالم بمآل الأمر عند إصداره، ويرد شبهة العبث بأن التكليف بالعزم فائدة شرعية.
- 11
البداء بمعنى الإزالة مرادف للنسخ لغةً والخلاف لفظي، أما بمعنى الظهور بعد الخفاء فمستحيل على الله.
- 12
البداء بمعنى الإزالة أو افتتاح أمر جديد لا إشكال فيه لمرادفته النسخ، والإشكال فقط في المعاني المستلزمة للجهل.
- 13
معاني البداء المتقاربة كلها تؤدي إلى سبق الجهل ووضوح المصلحة بعد خفائها، وهذا يباين النسخ من وجوه جوهرية.
- 14
ثلاثة فروق جوهرية: النسخ من الله وحده، والناسخ يعلم أزلاً الابتداء والانتهاء والبديل، بخلاف صاحب البداء الجاهل بمآل أمره.
- 15
البداء بمعنى تغير الأحوال مع علم الله جائز لفظاً لكن البُعد عنه أسلم لكونه شعاراً للروافض المعتقدين جوازه على الله.
ما الفرق بين النسخ والتخصيص من حيث تعلقهما بالأزمان والأعيان والأحوال؟
التخصيص ترك بعض الأعيان من العام، بينما النسخ ترك بعض الأزمان. وقد أضاف الغزالي أن التخصيص يرد على الفعل في بعض الأحوال، بينما النسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، مستدركاً أن الأعيان والأزمان ليستا من أفعال المكلفين أصلاً.
هل النسخ أعم من التخصيص وما الرأي في وصف النسخ بالتبديل؟
التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد، بينما النسخ يكون لكل الأفراد، فالنسخ على هذا أعم، وهو رأي البيضاوي وإن خالفه الرازي. أما وصف النسخ بالتبديل فقد رده القاضي أبو الطيب بأن الردة تبديل وليست نسخاً، مستشهداً بالآية الكريمة.
كيف يختلف النسخ عن التخصيص في تعلقهما بحكم الفرد والجماعة وفي أثرهما على دلالة الألفاظ؟
النسخ يتطرق إلى كل حكم سواء أكان ثابتاً في حق شخص واحد أم أشخاص كثيرة، بينما التخصيص لا يدخل في الأمر الموجه لمأمور واحد. كذلك يبطل النسخ دلالة اللفظ المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية، بينما يُبقي التخصيص دلالة اللفظ على ما بقي تحته. ويجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، بخلاف التخصيص الذي لا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصوص اتفاقاً.
ما الفرق بين النسخ والتخصيص من حيث نسخ الشرائع وبيان المراد باللفظ العام وتقدم الناسخ؟
يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز ذلك في التخصيص. والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بينما التخصيص بيان المراد باللفظ العام. ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ ولا مقترناً به، بل يجب أن يتأخر عنه، بخلاف التخصيص الذي يجوز أن يكون مقترناً بالعام أو متقدماً عليه أو متأخراً عنه.
هل يجوز التخصيص بالإجماع وبأدلة العقل وهل يجري النسخ في الأخبار؟
النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، بينما التخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع. ويجوز التخصيص بالإجماع دون النسخ. كذلك يجوز التخصيص في الأخبار والأحكام معاً، بينما النسخ يختص بأحكام الشرع دون الأخبار.
هل يجوز تخصيص المقطوع بالمظنون ونسخه به وما خلاصة الفروق بين النسخ والتخصيص؟
تخصيص المقطوع بالمظنون واقع ومقبول، بينما نسخه به غير واقع. ويجوز نسخ الأمر بخلاف التخصيص على خلاف فيه. وقد نبّه الزركشي إلى أن أكثر هذه الفروق التسعة عشر هي في الحقيقة أحكام أو لوازم ثابتة لأحدهما دون الآخر لا فروق ذاتية.
ما معنى البداء في اللغة العربية وما معنياه اللذان يُستعمل فيهما؟
البداء في لغة العرب يُطلق على معنيين: الأول الظهور بعد الخفاء كقول المسافرين بدت لنا مآذن المدينة، ومنه قوله تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}. والثاني نشأة رأي جديد لم يكن موجوداً، كما في قوله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين}.
لماذا يستحيل البداء على الله تعالى عقلاً وما وجه الاستدلال على ذلك؟
البداء بمعنييه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما مستحيل على الله تعالى. فالعقل يُقرر أن الله متصف أزلاً وأبداً بالعلم الواسع المحيط بكل شيء، وأنه لا يمكن أن يكون حادثاً ولا محلاً للحوادث، وإلا لكان ناقصاً عاجزاً لا يصلح للألوهية. وقد ثبت أن الله هو الخالق المبدع لهذا الكون بما فيه من شمس وقمر ونجوم، فيستحيل عليه الجهل والحدوث.
ما الأدلة النقلية من القرآن الكريم على استحالة البداء على الله تعالى؟
الأدلة النقلية على استحالة البداء كثيرة، منها قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}، وقوله: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}، وقوله: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل}. هذه النصوص تثبت إحاطة الله بكل شيء علماً وأنه القديم المتصرف في ملكه، فيستحيل عليه البداء بمعنييه.
كيف رد الباجي على من زعم أن النسخ من البداء وعلى شبهة العبث في الأمر ثم النهي؟
قال الباجي إن البداء حقيقته استدراك علم كان خفياً، وهذا لا ينطبق على النسخ لأن الله حين أمر بالفعل كان عالماً بأنه سينتهي عنه وعالماً بما يؤول إليه الحال. أما شبهة العبث في الأمر ثم النهي فردّها بأن الفائدة قد تكون تكليف المكلف بالعزم على الفعل في وقت العبادة واعتقاد وجوبه، وهذه فائدة شرعية معتبرة.
متى يكون البداء مرادفاً للنسخ ومتى يكون مستحيلاً على الله تعالى؟
البداء بمعناه الأول وهو الظهور بعد الخفاء أو نشأة رأي جديد لا يليق بالله لاستلزامه الجهل. أما إن أُريد بالبداء الإزالة بمعنى أن الحكم كان موجوداً ثم أزاله الله، فهذا واقع في قدرته سبحانه ويكون البداء هنا مرادفاً للإزالة التي يُطلق النسخ لغةً عليها، ويكون الخلاف لفظياً لا حقيقياً.
ما الحالات التي يكون فيها البداء مرادفاً للنسخ فلا إشكال فيه؟
إذا كان البداء بمعنى الإزالة على ما يُقال في النسخ، أو كان بمعنى افتتاح أمر لم يكن، فهذا لا إشكال فيه إذ هما بمعنى النسخ. وإنما يقع الإشكال حين يُراد بالبداء الظهور بعد الخفاء أو نشأة رأي جديد أو استدراك علم كان مستتراً، فهذه المعاني تستلزم سبق الجهل وهو مستحيل على الله.
ما المعاني المتقاربة للبداء التي تستلزم سبق الجهل وكيف تباين النسخ؟
المعاني المستلزمة للجهل في البداء هي: الظهور بعد الخفاء، ونشأة رأي جديد، واستدراك علم كان مستتراً، وتبيّن شيء بعد استبهامه. هذه المعاني المتقاربة تؤدي كلها إلى معنى واحد هو سبق الجهل بالأمور ووضوح المصلحة بعد خفائها، وهذا المعنى مباين للنسخ من وجوه جوهرية.
ما الفروق الجوهرية بين النسخ والبداء من جهة الفاعل والعلم بالابتداء والانتهاء؟
أولاً: النسخ لا يكون إلا من الله وحده الذي يملك رفع الأحكام، بينما البداء لا يكون إلا من المخلوقين المحدودي العلم. ثانياً: الناسخ يعلم أزلاً ما يكون عليه الأمر عند صدوره، بخلاف صاحب البداء الذي قد يأمر بشيء ثم يتبين له الخطأ فيعدل عنه. ثالثاً: في النسخ يعلم الله ابتداء الحكم وانتهاءه والحكم البديل، بخلاف صاحب البداء الذي يجهل متى ينتهي العمل به وهل فيه مصلحة.
ما الحكم في إطلاق لفظ البداء على تغير الأحوال مع سابق علم الله ولماذا يُنصح بتجنبه؟
إن أُريد بالبداء تبيّن شيء بعد استبهامه على معنى أن الأمور لم تكن ظاهرة لله فهذا محض افتراء تنزه الله عنه. أما إن أُريد به تغير الأحوال مع سابق علم الله بكل حالة فلا مانع من هذا الإطلاق، لكن الأولى البُعد عن هذا اللفظ لأن القائل بالبداء هم الروافض الذين يعتقدون جواز النسخ على الله مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء.
النسخ رفع حكم شرعي بعلم إلهي أزلي، والبداء استدراك جهل مستحيل على الله، والتخصيص بيان للمراد لا رفع للحكم.
الفرق بين النسخ والتخصيص يقوم على أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته في الزمان، بينما التخصيص بيان المراد باللفظ العام في الأفراد دون رفع الحكم. وقد أحصى العلماء تسعة عشر فرقاً بين المصطلحين، أبرزها أن التخصيص يجوز أن يكون مقترناً بالعام أو متقدماً عليه، بينما يجب أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن التخصيص يجوز بأدلة العقل والإجماع بخلاف النسخ.
أما البداء فيستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما مستحيل على الله تعالى بالدليل العقلي والنقلي. والفارق الجوهري بين النسخ والبداء أن الله يعلم أزلاً ابتداء الحكم وانتهاءه والحكم البديل، بخلاف صاحب البداء من المخلوقين الذي يجهل مآل أمره. وإن أُريد بالبداء مجرد الإزالة فهو مرادف للنسخ لفظاً، والأولى البُعد عن هذا اللفظ لكونه شعاراً للروافض.
أبرز ما تستفيد منه
- النسخ رفع حكم شرعي ثابت بدليل متأخر، والتخصيص بيان المراد من اللفظ العام.
- البداء بمعنى الظهور بعد الخفاء أو نشأة رأي جديد مستحيل على الله عقلاً ونقلاً.
- الناسخ يعلم أزلاً ابتداء الحكم وانتهاءه، بخلاف صاحب البداء الذي يجهل مآل أمره.
- إن أُريد بالبداء الإزالة فهو مرادف للنسخ، والبُعد عن هذا اللفظ أسلم لكونه شعاراً للروافض.
تعريف أولي للفروق بين النسخ والتخصيص وتحديد مجال كل منهما
- الفرق بين النسخ والتخصيص الفرق الأول: أن التخصيص ترك بعض الأعيان، والنسخ ترك بعض الأزمان.
قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني.
الثاني: أن التخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال، بخلاف النسخ فإنه لا يتناول إلا الأزمان، قال الغزالي: وهذا ليس بصحيح، فإن الأعيان والأزمان ليستا من أفعال المكلَّفين، والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، والتخصيص يرد على الفعل في بعض الأحوال ا هـ [1].
عموم النسخ وخصوص التخصيص ونقد وصف النسخ بالتبديل
الثالث: التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد، بخلاف النسخ فإنه يكون لكل الأفراد، وعلى هذا فالنسخ أعم، قاله البيضاوى [2]، لكن اختار الرازي خلافه [3].
الرابع: أن التخصيص تقليل، والنسخ تبديل، حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي، وقال: هذا اللفظ جميل، ولكن ريعه قليل، ومعناه مستحيل؛ لأن الردة تبديل وليست بنسخ؛ قال تعالى:
{فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} [4].
تعلق النسخ بحكم الفرد والجماعة وأثره على دلالة الألفاظ
الخامس: أن النسخ يتطرق إلى كل حكم سواء أكان ثابتا في حق شخص واحد، أم أشخاص كثيرة، والتخصيص لا يتطرق إلى الأول.
ومنهم من عَبَّر عن هذا بعبارة أخرى فقال: التخصيص لا يدخل في الأمر لمأمور واحد، والنسخ يدخل فيه.
السادس: أن التخصيص يبقى دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا على الخلاف، والنسخ يبطل دلالة حقيقة المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية.
السابع: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، وأما التخصيص فلا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصوص وفاقا.
نسخ الشرائع ورفع الحكم في مقابل بيان المراد بالعموم
الثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز التخصيص.
التاسع: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بخلاف التخصيص فإنه بيان المراد باللفظ العام. ذكره القفال الشاشي والعبادي في زيادته، وهذا على رأي القاضي، وأما على رأي غيره فينبغي أن نقول: انتهاء حكم، بخلاف التخصيص.
العاشر: أن التخصيص بيان ما أُريد بالعموم، والنسخ بيان ما لم يُرَدْ بالمنسوخ ذكره الماوردي.
الحادي عشر: أن التخصيص يجوز أن يكون مقترِنا بالعام، أو متقدِّما عليه، أو متأخِّرا عنه. ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدِّما على المنسوخ ولا مقترِنا به، بل يجب أن يتأخَّر عنه.
طرق النسخ والتخصيص ومجالهما في الأحكام والأخبار والإجماع
الثاني عشر: أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل، والقرائن، وسائر أدلة السمع.
الثالث عشر: أن التخصيص يجوز أن يكون بالإجماع، والنسخ لا يجوز أن يكون بالإجماع.
الرابع عشر: أن التخصيص يجوز أن يكون في الأخبار والأحكام، والنسخ يختص بأحكام الشرع.
الخامس عشر: التخصيص على الفور، والنسخ على التراخي. ذكره الماوردي، وقال الزركشي: وفيه نظر.
قيمة الأدلة في تخصيص القطعي وحكم نسخ الأمر وخاتمة الفروق
السادس عشر: أن تخصيص المقطوع بالمظنون واقع، ونسخه به غير واقع.
السابع عشر:أن التخصيص لا يدخل في غير العام، بخلاف النسخ فإنه يرفع حكم العام والخاص.
الثامن عشر: أنه يجوز نسخ الأمر، بخلاف التخصيص، على خلاف فيه.
التاسع عشر: أن التخصيص يُؤْذِن بأن المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه، والنسخ يحقق أن كل ما يتناوله اللفظ مراد في الحال، وإن كان غير مراد فيما بعده، وكان اللفظ المطلَق لا يدل عل الزمان أصلا، وإنما يدل على الفعل، ثم الزمان ظرف [5].
قال الزركشي: واعلم أن هذه الفروق أكثرها أحكام، أو لوازم ثابتة لأحدهما دون الآخر.
تعريف البداء لغوياً ومعنييه والتمهيد للمقارنة مع النسخ
- الفرق بين النسخ والبداء لكي نَفْرِق بين النسخ والبداء، لا بد وأن نُعَرِّفَ البداء أولاً، ونثبت حقيقته، ثم نقارن بينه وبين النسخ، فيتضح لنا بعد تصور كل منهما الحق الذي لا مرية فيه.
قال العلماء: البداء، يطلق في لغة العرب على معنيين:-
أحدهما: الظهور بعد الخفاء، كما يقول المسافرون: بدت لنا مآذن المدينة، يعنون أنها ظهرت لهم، فرأوها بعد أن كانوا لا يرونها، ومن الآيات التي استَعْمَل فيها القرآنُ الكريم البداءَ بهذا المعنى قول الله تعالى:
{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا} [6].
وثانيهما: نشأة رأي جديد لم يكن موجودا، جاء في القاموس:
"وبدا له من الأمر بدوا، وبداء، وبداة، أي: نشأ له فيه رأى" ا هـ،
ومنه قوله تعالى:
{ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [7].
وجاء في المعجم الوسيط: بدا بدوا وبداء ظهر، وبدا له في الأمر كذا: جدَّ له فيه رأى [8].
استلزام البداء للجهل وحدوث العلم والدليل العقلي على استحالته
وظاهر أن البداء بالمعنيين يستلزم سبق الجهل، وحدوث العلم، وكلاهما مُحالُُ على الله تعالى، يشهد لذلك العقل والنقل.
أما العقل: فإنه يقرر نتيجة للنظر الصحيح في هذا العالم: أن الله عز وجل مُتَّصِفُُ أزلا وأبدا بالعلم الواسع المحيط بكل شيء، كما هدانا النظر الصحيح في هذا العالم على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون حادثا، ولا مَحَلاًّ للحوادث، وإلا لكان ناقصا، وعليه فلا يكون إلها، إذ الجاهل عاجز عن أن يخلق هذا العالم بهذا النظام المعجِز، ومثله في عجزه الحادث، وقد ثبت أن الله تعالى هو الخالق المبدِع لهذا الكون كله بما فيه من عجائب: شمس، وقمر، ونجوم، وكواكب، وليل، ونهار
{وكل في فلك يسبحون} [9]،
فيستحيل إذاً عليه الجهل والحدوث، وكلاهما يستلزم البداء، فالعقل يحكم باستحالة ذلك على الله
{تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا} [10].
الأدلة النقلية على استحالة البداء وتقرير إحاطة العلم الإلهي
أما الأدلة النقلية على استحالة البداء على الله تعالى فكثيرة تثبت إحاطة الله تعالى بكل شيء علما، وأنه الخالق لا غيره، القديم المتصرِّف في ملكه كيف يشاء.
من ذلك قوله تعالى:
{ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [11].
وقوله تعالى:
{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [12].
وقوله تعالى:
{والله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [13].
وقوله سبحانه وتعالى:
{ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} [14].
من هذه النصوص وغيرها يثبت أن الله تعالى يستحيل عليه البداء بالمعنيين السابقين؛ لأنهما يلحقان العجز بالله تعالى، تعالى عن ذلك علوا كبيرا [15].
تحليل الباجي لحقيقة البداء والرد على شبهة العبث في النسخ
يقول القاضي أبو الوليد الباجي في كتابه إحكام الفصول في أحكام الأصول رداً على من رأى أن النسخ من البداء:
"والبداء معناه وحقيقته استدراك علم ما كان خفيا مستترا، ممن بدا له العلم به بعد خفائه عليه، فلذلك يقال: بدا الفجر إذا ظهر، وبدا الكوكب، ومنه قوله تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} [16] وليس أحدهما من معنى الآخر في شيء؛ لأن الأول لا يوجب لله تعالى صفة مستحيلة، لأنه حين أمره بالفعل - عالم بأنه سينتهي عنه، وعالم بما يؤول إليه الحال فيه، والذي يبدو له، والله تعالى منزه عن ذلك.
وإن أردتم بالبداء الإزالة على ما نقوله في النسخ: فلا يمنع معناه، ويكون الخلاف في العبارة.
فإن قالوا: فلا فائدة في أن يأمر الباري - تعالى - بالفعل، ثم ينهي عنه قبل وقت فعله، وهذا من جملة العبث واللغو، والباري سبحانه منزَّه عن ذلك.
والجواب: أن يقال لهم من أين قلتم أنه من جملة العبث واللغو، دللوا على هذا إن كنتم قادرين.
وجواب ثان: وهو أنه لا يمتنع أن تكون الفائدة فيه تكليف المكلَّف العزم على الفعل في وقت العبادة، واعتقاد وجوبه [17].
التفريق بين البداء كاستدراك علم والبداء كإزالة موافقة للنسخ
فالبداء بالمعنى الأول لا يليق بالله تعالى لما قدمنا من أدلة تثبت أن الله جل جلاله عليم بكل شيء.
أما إن كان المراد بالبداء: الإزالة، بمعنى أن الحكم كان موجودا، ثم أزاله الله تعالى فهو واقع في قدرته سبحانه وتعالى، فلا يمتنع هذا؛ إذ يكون البداء هنا مرادفا للإزالة التي يطلق النسخ لغة عليها، وبهذا يكون الخلاف لفظيا. ولا يكون البداء هنا مستحيلا على هذا المعنى المقرَّر.
تمهيد لتمييز الفروق بين البداء والنسخ بعد بيان حقيقتهما
وحيث قد بينا معنى البداء، وأصبح واضحا، يمكننا أن نذكر الفرق بين البداء وبين النسخ ليكون القارئ على بينة من أمره فنقول:
إذا كان البداء بمعنى الإزالة على ما نقوله في النسخ، أو كان بمعنى افتتاح أمر لم يكن، فهذا لا شيء فيه إذ هما بمعنى النسخ الذي نحن بصدده.
معاني البداء المستلزمة لسبق الجهل وبيان مباينتها للنسخ
أما إذا كان البداء -كما قدمنا -: إما الظهور بعد الخفاء، أو نشأة رأي جديد، أو استدراك علم ما كان خفيا مستترا مما بدا له العلم به بعد خفائه عليه، أو كان معناه تَبَيُّن شيء بعد استبهام شيء.
هذه المعاني متقاربة تؤدي كلها إلى معنى واحد هو سبق الجهل بالأمور، ووضوح المصلحة بعد أن كانت خفية، فهذا المعنى مباين للنسخ من وجوه [18]، نجملها فيما يلي:
الفروق الجوهرية بين النسخ والبداء من جهة الفاعل والعلم بالمآل
أولاً: أن النسخ لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الذي يملك رفع الأحكام عن العباد أو تقريرها، أما البداء فلا يكون إلا من المخلوقين، ولا يمكن أن يوصف به الله عز وجل؛ لأن المخلوقين علمهم محدود، قال تعالى:
{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [19].
ثانياً: أن النسخ يعلم الآمر فيه أزلاً ما يكون عليه هذا الأمر عند صدوره للمكلفين، بخلاف البداء، فلا يعلم الآمر فيه من أمره شيئا إلا عند صدوره، وقد يأمر بالشىء ثم يتبين له الخطأ فيه، فيعدل عنه لظهور عدم المصلحة في الأمر الأول.
وعليه فالبداء مسبوق بالجهل دائما؛ لعدم إحاطة المخلوقين بالعلم أزلا.
فإذا نظرنا مثلا إلى مشرِّع قد أصدر تشريعا، فسرعان ما تأتي اللوائح المعدلة تتري، لما ظهر في التشريع من خلل، وهذا دأب البشر؛ لأن عقولهم قاصرة فيعملون على قدر وسعهم، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [20].
ثالثاً: أن في النسخ يعلم الآمر أنه سيرفع المنسوخ عن العباد في وقت كذا إلى بدل آخر هو كذا، أو إلى غير ما بَدَلٍ عند القائلين به حسب علمه تعالى ورحمته بعباده.
ففي النسخ معلومية الابتداء والانتهاء للناسخ وهو الله سبحانه وتعالى، بخلاف البداء فإن صاحبه لا يعلم متى ينتهي العمل به ؟ وهل فيه مصلحة ؟ وهل يلغيه إلى غيره ؟ كل هذا غيب بالنسبة لصاحب البداء.
ومن هنا نعلم أن الناسخ يعلم الحكم المنسوخ وأمده، ويعلم أيضاً الحكم الذي سيحل محله، بخلاف صاحب البداء فلا يعلم شيئا من ذلك.
خاتمة الفروق بين النسخ والبداء والتنبيه على استعمالات أهل البدع
بهذه الفروق يتضح لنا الأمر، ونعلم البداء على حقيقته، والنسخ كذلك [21]، وعلى هذا فإن أريد بالبداء: تبين شيء بعد استبهام شيء، على معنى أن الأمور لم تكن ظاهرة للمولي سبحانه وتعالى، فيحكم بخلاف الأمر الذي فيه المصلحة، ثم تظهر له المصلحة، فيعدل عن حكمه السابق فهذا محض افتراء، تَنَزَّهَ الله جل جلاله عن ذلك.
أما إذا كان معنى البداء: تغير الأحوال مع سابق علم الله بكل حالة، فلا مانع من هذا الإطلاق، ولا شيء فيه، ولكن نرى أن البعد عن مواطن الريب أسلم، خصوصا وأن القائل بالبداء الروافض، لاعتقادهم جواز النسخ على الله تعالى، مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء [22].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الفرق الأول بين النسخ والتخصيص كما قاله أبو إسحاق الإسفراييني؟
التخصيص ترك بعض الأعيان والنسخ ترك بعض الأزمان
ما الذي أضافه الغزالي في الفرق بين النسخ والتخصيص؟
أن التخصيص يرد على الفعل في بعض الأحوال والنسخ في بعض الأزمان
لماذا رد القاضي أبو الطيب وصف النسخ بالتبديل؟
لأن التبديل يصدق على الردة وليست الردة نسخاً
ما الفرق بين النسخ والتخصيص في تأثيرهما على دلالة اللفظ؟
التخصيص يبقي دلالة اللفظ على ما بقي تحته والنسخ يبطلها بالكلية
هل يجوز تأخير التخصيص عن وقت العمل بالمخصوص؟
لا يجوز اتفاقاً
ما الذي يختص به النسخ دون التخصيص من حيث مجال التطبيق؟
النسخ يختص بأحكام الشرع والتخصيص يجري في الأخبار والأحكام
هل يجوز تخصيص المقطوع بالمظنون؟
يجوز تخصيصه ولا يجوز نسخه
ما المعنى الثاني للبداء في اللغة العربية؟
نشأة رأي جديد لم يكن موجوداً
ما الدليل العقلي على استحالة البداء على الله تعالى؟
أن الله متصف أزلاً بالعلم المحيط بكل شيء ولا يمكن أن يكون محلاً للحوادث
كيف رد الباجي على شبهة العبث في الأمر بالفعل ثم النهي عنه؟
قال إن الفائدة تكليف المكلف بالعزم على الفعل واعتقاد وجوبه
ما الفرق الأول بين النسخ والبداء من جهة الفاعل؟
النسخ من الله وحده والبداء لا يكون إلا من المخلوقين
لماذا يُنصح بالبُعد عن لفظ البداء حتى في معناه الجائز؟
لأن القائل بالبداء هم الروافض المعتقدون جوازه على الله
ما الذي يعلمه الناسخ في النسخ بخلاف صاحب البداء؟
يعلم ابتداء الحكم وانتهاءه والحكم البديل أزلاً
ما الذي قاله الزركشي عن الفروق بين النسخ والتخصيص؟
إن أكثرها أحكام أو لوازم ثابتة لأحدهما دون الآخر
ما الفرق بين النسخ والتخصيص في إمكانية التخصيص بالإجماع؟
يجوز التخصيص بالإجماع ولا يجوز النسخ بالإجماع
ما تعريف التخصيص في أصول الفقه؟
التخصيص بيان المراد باللفظ العام، وهو ترك بعض الأفراد أو الأعيان من العام دون رفع الحكم.
ما تعريف النسخ في أصول الفقه؟
النسخ رفع الحكم الشرعي بعد ثبوته بدليل متأخر، وهو يتعلق بالأزمان لا بالأعيان.
هل يجوز أن يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ؟
لا يجوز أن يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ ولا مقترناً به، بل يجب أن يتأخر عنه.
ما الفرق بين النسخ والتخصيص في تعلقهما بحكم الفرد؟
النسخ يتطرق إلى كل حكم سواء أكان ثابتاً في حق شخص واحد أم أشخاص كثيرة، بينما التخصيص لا يدخل في الأمر الموجه لمأمور واحد.
ما الفرق بين النسخ والتخصيص في أدوات كل منهما؟
النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، بينما التخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع.
ما معنى البداء الأول في اللغة العربية؟
الظهور بعد الخفاء، كقول المسافرين بدت لنا مآذن المدينة، ومنه قوله تعالى: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}.
لماذا يستلزم البداء بمعنييه سبق الجهل؟
لأن الظهور بعد الخفاء يعني أن الأمر كان مجهولاً ثم ظهر، ونشأة رأي جديد تعني أن الرأي لم يكن موجوداً من قبل، وكلاهما يستلزم أن يكون العالم جاهلاً في البداية.
ما الآيات القرآنية التي استدل بها على إحاطة علم الله بكل شيء؟
منها: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}، و{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}، و{الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل}.
ما حقيقة البداء كما عرّفها الباجي؟
البداء عند الباجي هو استدراك علم ما كان خفياً مستتراً ممن بدا له العلم به بعد خفائه عليه، وهذا لا ينطبق على النسخ لأن الله عالم بمآل الأمر عند إصداره.
متى يكون البداء مرادفاً للنسخ ولا إشكال فيه؟
إذا أُريد بالبداء الإزالة بمعنى أن الحكم كان موجوداً ثم أزاله الله، أو افتتاح أمر لم يكن، فهو مرادف للنسخ والخلاف لفظي.
ما الفرق الثاني بين النسخ والبداء من جهة العلم بالمآل؟
في النسخ يعلم الله أزلاً ما يكون عليه الأمر عند صدوره، بخلاف صاحب البداء الذي قد يأمر بشيء ثم يتبين له الخطأ فيعدل عنه لظهور عدم المصلحة.
ما الفرق الثالث بين النسخ والبداء من جهة معلومية الابتداء والانتهاء؟
في النسخ يعلم الله ابتداء الحكم وانتهاءه والحكم البديل، بخلاف صاحب البداء الذي يجهل متى ينتهي العمل به وهل فيه مصلحة وهل يلغيه إلى غيره.
ما موقف الروافض من البداء؟
الروافض يعتقدون جواز البداء على الله تعالى، مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء، ولهذا يُنصح بالبُعد عن هذا اللفظ.
هل يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى؟
نعم يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى، ولا يجوز ذلك في التخصيص.
ما الفرق بين النسخ والتخصيص في الدلالة على المراد عند الخطاب؟
التخصيص يُؤذن بأن المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه، بينما النسخ يُحقق أن كل ما يتناوله اللفظ مراد في الحال وإن كان غير مراد فيما بعده.