اكتمل ✓
الفصل 20

هل يجوز نسخ الإجماع أو النسخ به وما حجة الجمهور في منع ذلك؟

الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به عند جمهور الأصوليين. فالنص متقدم على الإجماع فلا يصلح ناسخاً له، ولا يمكن انعقاد إجماع على خلاف إجماع آخر، كما أن القياس يبطل عند مخالفته للإجماع. وبذلك يثبت أن الإجماع لا يصلح ناسخاً ولا منسوخاً.

5 دقائق قراءة
  • هل يجوز أن ينسخ الإجماعُ حكماً ثابتاً بالنص أو أن يُنسخ هو بدليل آخر؟

  • يرى أكثر الأصوليين أن الإجماع لا ينسخ، لأن جميع النصوص متقدمة عليه ولا يصلح المتقدم ناسخاً للمتأخر.

  • لا يمكن انعقاد إجماع على خلاف إجماع آخر، إذ يلزم من ذلك أن يكون أحدهما خطأ، وهو محال.

  • القياس لا يصلح ناسخاً للإجماع لأن من شروط حجيته ألا يخالف إجماعاً منعقداً.

  • استدل المجوزون بأثر ابن عباس مع عثمان في مسألة حجب الأم، وبسقوط سهم المؤلفة قلوبهم، فرد الجمهور بأن الأول مبني على مفهوم المخالفة غير المتفق عليه، والثاني انتهاء حكم لانتهاء علته لا نسخ.

  • خلص جمهور الأصوليين إلى أن الإجماع لا يصلح ناسخاً ولا منسوخاً، وأن ما أوهم النسخ يرجع إلى زوال الشرط أو انتهاء العلة.

عرض المسألتين وبيان منع الأكثرين لنسخ الإجماع بدليل النص

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: كون الإجماع منسوخاً .

منع الأكثرون نسخ الإجماع، وأثبته الأقلون.

دليل المانعين:-

أن ما وجد من الإجماع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه، فإما أن يكون بنص من كتاب، أو سنة، أو إجماع آخر، أو قياس.

أما النص فلا يصلح أن يكون ناسخاً للإجماع، لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخراً عن المنسوخ والنص متقدِّم على الإجماع، فلا يصلح أن يكون ناسخا له.

وإنما كان النص متقدِّماً على الإجماع؛ لأن جميع النصوص متلقاة من النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع لا ينعقد في زمنه صلى الله عليه وسلم، لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد، وإن وافقهم كان قوله هو الحجة، لاستقلاله بإفادة الحكم ، فثبت أن النص متقدِّم على الإجماع؛ وحينئذ فيستحيل أن يكون ناسخاً له.

استحالة نسخ الإجماع بإجماع آخر أو بقياس عند الجمهور

وأما الثاني: وهو الإجماع فلا يصلح أن يكون ناسخاً لإجماع آخر، لاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن الأول إن لم يكن عن دليل فهو خطأ، وإن كان عن دليل، كان الثاني خطأ لوقوعه على خلاف الدليل.

وأما القياس، فلا يصلح أن يكون ناسخاً للإجماع، لأنه لا ينعقد على خلاف الإجماع؛ لأن من شرط القياس ألا يخالف نصاً أو إجماعاً، فعند مخالفة الإجماع للقياس يكون القياس باطلاً، فلا يكون حجة، فلا يصح أن يكون ناسخاً للإجماع .

حجة من يثبت نسخ الإجماع والجواب عن التخيير بين قولين

وأما دليل المثبتين: فقد احتجوا بأن الأمة إذا اجتمعت على قولين في المسألة، فإن المكلف مخير في العمل بكل من القولين، فإذا اجتمعت الأمة بعد ذلك على أحد القولين، لم يجز العمل بالقول الآخر، وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخاً لما دل عليه الإجماع الأول، من جواز العمل بكل من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني ناسخاً للإجماع الأول، فصح أن يكون الإجماع منسوخاً.

وقد رد الجمهور على ذلك بأن الأمة إذا جَّوزت للمكلَّف الأخذ بأي القولين، بشرط أن لا يحصل الإجماع على أحد القولين، فكان الإجماع الأول مشروطاً بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع، فقد زال شرط الإجماع الأول، فانتفي الإجماع الأول لانتفاء شرطه؛ لا لأن الثاني نسخه .

المسألة الثانية وبيان منع الجمهور لكون الإجماع ناسخاً للنص أو الإجماع أو القياس

المسألة الثانية – كون الإجماع ناسخاً :

يرى الجمهور عدم جواز كون الإجماع ناسخاً، وجوزه بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان.

دليل الجمهور:

أن المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصاً، أو إجماعاً، أو قياساً.

أما الأول -وهو النص-: فباطل، لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف النص لما تقدم.

أما الثاني -وهو الإجماع-: فباطل أيضا؛ لامتناع انعقاد إجماع على خلاف إجماع آخر كما تقدم.

أما الثالث -وهو القياس-: فباطل أيضاً؛ لأن من شرط حجية القياس أن لا يخالف الإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلافه، زال القياس لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخاً .

الدليل النقلي الأول للمجوزين من أثر ابن عباس مع عثمان

دليل المجوزين:

استدل عيسى بن أبان ومن معه على جواز أن يكون الإجماع ناسخاً بأدلة نقلية، ودليل عقلي.

أما الأدلة النقلية فدليلان هما:-

الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل على عثمان رضي الله عنه،

فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث ، قال الله تعالى: {فإن كان له أخوة فلأمه السدس} فالأخوان بلسان قومك ليسا بأخوة، قال عثمان بن عفان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس .

وجه الاستدلال من هذا الأثر: أن قول عثمان هذا ظاهر في أن إجماع الصحابة على أن الأم تحجب من الثلث إلى السدس بالأخوين، قد نسخ ما تفيده الآية من الحجب بالأخوة حيث إن الإخوة جمع والأخوين مثنى، وبذلك يكون الإجماع ناسخاً للآية وهو المطلوب.

جواب الجمهور عن دليل ابن عباس وبيان دور مفهوم المخالفة والمجاز

وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن نسخ الآية -على قولكم- يتوقف على أنها تفيد أن الأم لا تحجب بالأخوين، وعلى أن الأخوين ليسا بإخوة، وكل منهما لا نقره.

فإن الآية إنما تدل على أن الأم إنما تحجب بالأخوة، أما أنها لا تحجب بالأخوين فذلك مسكوت عنه، ولو سلم دلالة الآية على أن الأم تحجب بالأخوين فذلك إنما بمفهوم المخالفة، وليس متفقاً على حجته.

وإما أن الأخوين ليسا بإخوة، فإن كان ذلك على سبيل الحقيقة فمُسَلَّم، ولكن المجاز لا منع فيه، وعلى ذلك يكون المراد من الأخوة في الآية الأخوين مجازاً، وبهذا يثبت أن الآية لا نسخ فيها.

الدليل النقلي الثاني للمجوزين من سقوط سهم المؤلفة قلوبهم

الدليل الثاني:

سقوط سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة بإجماع الصحابة، عند الحنفية ومن وافقهم، في زمن أبي بكر رضي الله عنه، روى الطبري أن عمر رضي الله عنه لما أتاه عيينة بن حصن

قال: {الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، يعني اليوم ليس مؤلفة التوبة من الآية60.}، من غير إنكار أحد من الصحابة.

ووجه الاستدلال: أن قول عمر رضي الله عنه، ظاهر في إجماع الصحابة على سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، فنسخ ما دلت عليه الآية، من ثبوت نصيبهم من الزكاة .

جواب الجمهور عن دليل المؤلفة وربطه بانتهاء العلة لا بالنسخ

ورد الجمهور على ذلك: بأن سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، ليس من باب النسخ، بل هو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علته المقررة، وهي الإعزاز للإسلام.

فإنه لما حصلت العزة للإسلام في زمن أبي بكر سقط سهم المؤلفة قلوبهم، وليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخاً .

الدليل العقلي على النسخ بالإجماع ورد الجمهور والنتيجة النهائية

أما الدليل العقلي فهو:-

أن الإجماع دليل من أدلة الشرع القطعية، فجاز النسخ به كالقرآن والسنة المتواترة.

ورد الجمهور على ذلك: بأن هذا قياس مع الفارق، فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخاً بالقياس على النص، وهو غير مُسَلَّم الصحة في مثل هذه المسائل، وإن كان صحيحاً غير أنه مما يمتنع التمسك به، فقد وجد ما يمنع كون الإجماع ناسخاً كما تقدم في دليل الجمهور .

فثبت بهذا أن الإجماع لا يصلح ناسخا، ولا منسوخاً.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الموقف الذي ذهب إليه أكثر الأصوليين من نسخ الإجماع؟

منع نسخه مطلقاً

لماذا يستحيل أن يكون النص ناسخاً للإجماع؟

لأن النص متقدم على الإجماع زمناً

ما الشرط الذي يبطل القياس عند مخالفته للإجماع؟

شرط عدم مخالفة نص أو إجماع

بماذا رد الجمهور على حجة المثبتين القائلة بأن الإجماع الثاني ينسخ الأول؟

بأن الإجماع الأول زال لانتفاء شرطه لا بالنسخ

من الذي خالف الجمهور وأجاز كون الإجماع ناسخاً؟

بعض المعتزلة وعيسى بن أبان

ما وجه استدلال المجوزين بأثر ابن عباس مع عثمان؟

أن إجماع الصحابة على حجب الأم بالأخوين نسخ الآية

على أي أساس رد الجمهور على الاستدلال بأثر ابن عباس في مسألة حجب الأم؟

أن الآية ساكتة عن حكم الأخوين وما يُستدل به مبني على مفهوم المخالفة

ما العلة التي استند إليها الجمهور في تفسير سقوط سهم المؤلفة قلوبهم؟

انتهاء الحكم لانتهاء علته وهي إعزاز الإسلام

ما الدليل العقلي الذي ساقه المجوزون لإثبات النسخ بالإجماع؟

أن الإجماع دليل قطعي كالقرآن والسنة المتواترة فجاز النسخ به

كيف وصف الجمهور الدليل العقلي للمجوزين؟

قياس مع الفارق لا يصح التمسك به

ما النتيجة التي خلص إليها جمهور الأصوليين في مسألة الإجماع والنسخ؟

الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به

لماذا لا يمكن انعقاد إجماع على خلاف إجماع آخر؟

لأن ذلك يستلزم أن يكون أحد الإجماعين خطأ

ما المقصود بكون الإجماع منسوخاً في أصول الفقه؟

يُقصد به أن يرفع دليل متأخر الحكم الذي انعقد عليه الإجماع، وقد منع ذلك أكثر الأصوليين.

لماذا لا ينعقد الإجماع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟

لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد، وإن وافقهم كان قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم.

ما الفرق بين النسخ وزوال المشروط لزوال شرطه؟

النسخ رفع حكم ثابت بدليل متأخر، أما زوال المشروط لزوال شرطه فهو انتفاء الحكم لانتفاء ما يتوقف عليه، ولا يُسمى نسخاً.

ما موقف الجمهور من كون الإجماع ناسخاً للنص؟

يرى الجمهور بطلانه لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف النص أصلاً.

ما الذي قاله عثمان بن عفان لابن عباس في مسألة حجب الأم؟

قال: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس.

ما مفهوم المخالفة وما موقف العلماء من حجيته؟

مفهوم المخالفة هو دلالة اللفظ على ثبوت نقيض الحكم المذكور لما سُكت عنه، وهو غير متفق على حجيته بين الأصوليين.

ما سهم المؤلفة قلوبهم وما مصدره الشرعي؟

هو نصيب من الزكاة يُعطى لمن يُراد تأليف قلبه على الإسلام، وأصله آية مصارف الزكاة في سورة التوبة.

ما العلة التي كانت مقررة لسهم المؤلفة قلوبهم؟

علته إعزاز الإسلام وتأليف القلوب عليه، فلما حصلت العزة للإسلام في زمن أبي بكر سقط السهم لانتهاء علته.

هل يصلح القياس ناسخاً للإجماع؟ ولماذا؟

لا يصلح، لأن من شروط حجية القياس ألا يخالف إجماعاً، فإذا خالفه بطل القياس ولم يكن حجة فضلاً عن أن يكون ناسخاً.

ما الفرق بين الحقيقة والمجاز في الاستدلال بلفظ الأخوة في الآية؟

الحقيقة تقتضي أن الأخوين ليسا بإخوة لغةً، والمجاز يجيز إطلاق الأخوة على الأخوين توسعاً، وبالمجاز تنتفي دعوى النسخ.

ما الدليل النقلي الثاني الذي ساقه المجوزون لإثبات النسخ بالإجماع؟

سقوط سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة بإجماع الصحابة في زمن أبي بكر دون إنكار من أحد.

ما الفرق بين النسخ وانتهاء الحكم لانتهاء علته في مسألة المؤلفة؟

النسخ رفع حكم بدليل متأخر، أما انتهاء الحكم لانتهاء علته فهو زوال تلقائي لا يحتاج إلى دليل ناسخ مستقل.

لماذا وصف الجمهور الدليل العقلي للمجوزين بأنه قياس مع الفارق؟

لأن قياس الإجماع على القرآن في النسخ يتجاهل الفوارق الجوهرية، ولوجود أدلة تمنع كون الإجماع ناسخاً كما تقدم في دليل الجمهور.

ما الشرط الذي اعتبره الجمهور ضمنياً في الإجماع الأول على التخيير بين قولين؟

أن لا يحصل إجماع على أحد القولين، فإذا حصل الإجماع الثاني زال شرط الأول وانتفى لانتفاء شرطه.

ما الخلاصة التي انتهى إليها علم أصول الفقه في مسألة الإجماع والنسخ؟

أن الإجماع لا يصلح ناسخاً ولا منسوخاً، وهو مذهب جمهور الأصوليين المبني على أدلة عقلية ونقلية محكمة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!