اكتمل ✓
الفصل 21

هل يجوز نسخ القياس بالنص أو الإجماع وما الفرق بين القياس الأجلى والأخفى في النسخ؟

القياس لا ينسخ بالنص ولا بالإجماع؛ لأن من شروط العمل بالقياس ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وُجد المخالف بطل العمل بالقياس لزوال شرطه لا نسخاً. والراجح عند البيضاوي والإسنوي أن القياس لا ينسخه إلا قياس أقوى منه وهو القياس الأجلى، أما القياس المساوي أو الأخفى فلا ينسخ القياس الأجلى.

5 دقائق قراءة
  • هل يُعدّ بطلان العمل بالقياس عند وجود نص مخالف نسخاً حقيقياً أم مجرد زوال شرط؟

  • القياس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يمكن رفعه بالنص، أما الإجماع فلا ينعقد في حياته فلا ينسخ به.

  • اشترط البيضاوي والإسنوي أن يكون الناسخ للقياس قياساً أجلى أقوى منه، لا مساوياً ولا أخفى.

  • فصّل الآمدي بين القياس ذي العلة المنصوصة الذي يجوز نسخه، والقياس ذي العلة المستنبطة الذي لا يُسمى رفعه نسخاً.

  • القياس الظني لا يصلح ناسخاً للنص أو الإجماع بالاتفاق، والقياس القطعي وإن منع إثبات حكم آخر فلا يُسمى نسخاً لكونه ليس خطاباً.

  • الرأي الراجح أن القياس الأدنى هو المنسوخ والقياس الأجلى هو الناسخ، ولا يكون القياس ناسخاً ومنسوخاً على خلاف ذلك.

تحرير المسألة الأولى وعبارة الرازي في نسخ القياس

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى في كونه منسوخاً :

قال الإمام الرازي في المحصول: نسخ القياس إما أن يكون في زمان حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعد وفاته.

فإن كان حال حياته، فلا يمتنع رفعه بالنص، أو بالإجماع، أو بالقياس.

وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يجوز نسخه في المعنى، وإن كان ذلك لا يسمى نسخاً في اللفظ .

هذه العبارة بظاهرها تفيد أن القياس في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ينسخ بالإجماع، وهو غير صحيح؛ لأن الإمام قد صرَّح قبل هذه العبارة بقليل بأن الإجماع لا ينعقد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم .

كما صرَّح في موضع آخر بأن القياس لا ينسخ بالإجماع .

وإذا عُلِمَ أن من شرط القياس ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، علم أنه لا ينسخ القياس بالنص كذلك؛ لأنه عند ظهور النص المخالف للقياس؛ يزول العمل بالقياس لزوال شرطه، وزوال الشىء لزوال شرطه لا يعتبر نسخاً، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.

حصر نسخ القياس في القياس الأجلى وبيان تعليله

وحينئذ لم يبق من عبارة الإمام الرازي السابقة إلا القياس، ويجب تقييد القياس بالأجلي؛ لأن القياس المساوي والأخفي لا ينسخان القياس الأجلي، وهذا هو مختار الإمام البيضاوي، حيث قال: "القياس إنما ينسخ بقياس أجلي منه".

وبيان ذلك أن القياس لا ينسخ بغير القياس الأجلي: كالنص، والإجماع، والقياس الأخفي، والمساوي.

أما أن القياس لا ينسخ بالنص، ولا بالإجماع: فلأن شرط العمل بالقياس ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وجد ما يخالفه من ذلك فقد بطل العمل به.

وأما أنه لا ينسخ بالقياس المساوي: فلأن ذلك يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين على الآخر، بدون مرجِّح، وهو باطل.

وأما أنه لا ينسخ بالقياس الأخفي: فلأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح، وترك الراجح، وهو باطل.

وإذا بطل أن يكون غير القياس ناسخاً للقياس: تعين أن يكون الناسخ له هو القياس الأجلي، وهو مختار الإسنوي .

الأقوال المحكية عن الآمدي في منع نسخ القياس أو التفصيل

رأي الآمدي:- حكي الآمدي في كون القياس منسوخاً قولين، ثم اختار غيرهما.

الأول: المنع من نسخه مطلقاً، ونسب هذا القول للحنابلة، والقاضي عبد الجبار، في بعض أقواله؛ لأن القياس إذا كان مستنبطاً من الأصل فالقياس باقٍ لبقاء أصله، فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله.

الثاني: التفصيل بين القياس الموجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته.

فإن كان القياس موجوداً في زمنه، فيجوز نسخه، وإن كان القياس موجوداً بعد وفاته بأن يكون اجتهد بعض المجتهدين، فأداه القياس إلى تحريم شيء، ثم اطلع بعد ذلك على دليل يحرم هذا الشيء، فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الأول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخاً.

اختيار الآمدي في كون القياس منسوخاً وتمييز العلة المنصوصة والمستنبطة

أما اختياره هو: فيري أن القياس إن كانت علته منصوصة من الشارع، فهي في معنى النص، وهذا يجوز نسخه بنص أو قياس في معناه.

وإن كانت علته مستنبطة بنظر المجتهد، فحكمها في حقه غير ثابت بالدليل الشرعي، بل ثابت بالاستنباط، وحكم القياس هنا لا يبقى معمولاً به في الفرع، لوجود المعارض، بل يلغي، ولكن لا يسمي هذا نسخاً؛ لأن الحكم الثابت بالقياس المستنبط العلة ليس ثابتاً بخطاب الشارع، والنسخ هو رفع الحكم الشرعي الثابت بالخطاب الشرعي، هذا ملخص ما قاله الآمدي في كون القياس منسوخاً .

بداية المسألة الثانية وأقوال الآمدي في كون القياس ناسخاً

المسألة الثانية: كون القياس ناسخاً

وقد حكي الآمدي فيها ثلاثة أقوال، ثم اختار غيرها، أما الأقوال الثلاثة فهي:

لا يكون القياس ناسخاً لغيره مطلقاً، سواء كان جلياً أم خفياً.

يكون القياس ناسخاً مطلقاً، جلياً كان، أو خفياً.

إن كان القياس خفياً، لا يكون ناسخاً، وإن كان جلياً يكون ناسخاً.

المختار للآمدي: إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة، فهي في معنى النص فيصح النسخ به.

وإن كانت العلة مستنبطة بنظر المجتهد: فإما أن يكون القياس قطعياً أو ظنياً.

فإن كان قطعياً: فإنه وإن كان مانعاً من إثبات حكم دليل آخر سواء كان نصاً أو قياساً، فلا يكون ذلك نسخاً، وإن كان في معنى النسخ؛ لكونه ليس بخطاب، والنسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع حكمِ خطابٍ سابق.

وإن كان القياس ظنياً: فيمتنع أن يكون ناسخاً؛ لأن المنسوخ حكمه إما أن يكون نصاً أو إجماعاً أو قياساً، والأول والثاني محال، إن كان النص والإجماع خاصاً، لكون النص والإجماع مقدَّماً على القياس بالاتفاق.

منع النسخ بالقياس الظني وأمثلة القطعي والظني ونسخ القياس بالقياس

وإن كان الإجماع عاماً فلا نسخ؛ لأن القياس ليس بخطاب شرعي، والناسخ لا بد أن يكون خطاباً شرعياً كما تقدم.

وإن كان قياساً فلا بد وأن يكون القياس الثاني راجحاً على الأول .

ومثال القياس القطعي: قياس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء، ليثبت التحريم في الضرب كما ثبت في التأفيف.

ومثال القياس الظني: قياس السفرجل على البر بجامع الطُّعم في كُلٍّ، لتثبت في السفرجل حرمة التفاضل فيه كما ثبتت الحرمة في البر.

ومثال نسخ القياس بالقياس: قياس السفرجل مثلاً على البر بجامع الطُّعْم في كُلٍّ، لتثبت حرمة التفاضل فيه كما ثبتت في البر، ثم ينص الشارع بعد ذلك على إباحة التفاضل في الموز لعلة التَّفَكُّه به مثلاً، وهذه العلة توجد في السفرجل، ويكون وجودها فيه أظهر من وجودها في الموز، فيقاس السفرجل على الموز بجامع التَّفَكُّه في كُلٍّ، لتثبت إباحة التفاضل في السفرجل، كما ثبتت في الموز.

وبذلك يكون القياس الثاني مثبتاً لإباحة التفاضل في السفرجل، والقياس الأول مثبتا لحرمته، ويكون القياس الثاني ناسخاً للقياس الأول، لكون القياس الثاني أقوي، وأظهر من القياس الأول .

أدلة مثبتي نسخ القياس والرد عليها بالقرآن والتخصيص

واستدل المثبتون على كون القياس ناسخاً لغيره بالدليلين الآتيين:-

قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} .

وجه الاستدلال: أن هذه الآية يفهم منها أن الواحد لا يثبت أمام العشرة، فهذا نسخ حكم ثبات الواحد أمام العشرة، والوارد معناه في قوله تعالى:

{وإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفين} ،

وهذا نسخ حكم النص بالقياس.

النسخ أحد البيانين فجاز نسخه بالقياس، كالتخصيص.

ورد المانعون على ذلك:

أما بالنسبة للدليل الأول فإنما يصح أن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ثبوت الواحد للعشرة مستفاداً من القياس، وليس كذلك، بل استفادتُه إنما بطريق مفهوم اللفظ.

وبالنسبة للدليل الثاني: فإنه منقوض بالإجماع، وبدليل العقل، وبخبر الواحد، فإنه يخصص بهم، ولا ينسخ بهم .

الرأي الراجح في أن القياس لا ينسخ إلا بقياس أقوى منه

الرأي الراجح:

والذي أرجحه من هذه الأقوال رأي البيضاوي، وهو الذي مال إليه الإسنوي أن القياس لا ينسخه إلا قياس أقوى منه، أما النص والإجماع فلا ينسخان القياس، ولا ينسخهما؛ لأن من شروط العمل بالقياس: ألا يوجد ما يخالفه من نص، أو إجماع، فإذا وُجِدَ ما يخالفه فقد بطل العمل به.

أما كون القياس الأقوى هو الذي يكون ناسخاً دون المساوي والأدنى؛ فلأن القياس الأقوى يكون راجحاً على غيره بخلاف المساوي، أو الأدني.

غاية ما تقدم أن الذي يكون منسوخاً هو القياس الأدنى، أو الأخفى، والذي يكون ناسخاً هو القياس الأقوى أو الأجلى، ولا يكون القياس ناسخاً ومنسوخاً خلاف ذلك.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يُعدّ ناسخاً للقياس عند البيضاوي والإسنوي؟

القياس الأجلى الأقوى

لماذا لا يُعدّ بطلان العمل بالقياس عند وجود نص مخالف نسخاً؟

لأنه زوال شرط لا رفع حكم بخطاب شرعي

ما موقف الحنابلة والقاضي عبد الجبار من نسخ القياس كما حكاه الآمدي؟

يمنعون نسخه مطلقاً

ما الفرق بين القياس ذي العلة المنصوصة وذي العلة المستنبطة في باب النسخ عند الآمدي؟

المنصوصة في معنى النص فيجوز نسخها، والمستنبطة لا يُسمى رفعها نسخاً

لماذا لا ينسخ القياس المساوي القياسَ الآخر؟

لأن ذلك يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح

ما مثال القياس القطعي الذي ذُكر في المسألة؟

قياس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء

ما مثال القياس الظني الذي ذُكر في المسألة؟

قياس السفرجل على البر بجامع الطُّعم لتحريم التفاضل

بماذا رد المانعون على الاستدلال بآية الأنفال في جواز النسخ بالقياس؟

بأن الحكم مستفاد من مفهوم اللفظ لا من القياس

لماذا لا ينسخ القياس الأخفى القياسَ الأجلى؟

لأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح وترك الراجح

ما تعريف النسخ الذي اعتمده الآمدي في تحرير المسألة؟

رفع الحكم الشرعي الثابت بالخطاب الشرعي

في مثال نسخ القياس بالقياس المذكور، ما الجامع في القياس الأول للسفرجل على البر؟

الطُّعم

ما الذي نقض به المانعون الدليلَ الثاني للمثبتين القائل بأن النسخ كالتخصيص؟

بأن الإجماع وخبر الواحد ودليل العقل تُخصص ولا تنسخ

ما شرط العمل بالقياس المتعلق بالنص والإجماع؟

يُشترط في العمل بالقياس ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع، فإذا وُجد المخالف بطل العمل بالقياس لزوال شرطه.

لماذا لا ينعقد الإجماع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؟

صرّح الإمام الرازي بأن الإجماع لا ينعقد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لذا لا يصح القول بنسخ القياس بالإجماع في حياته.

ما الفرق بين زوال الشيء لزوال شرطه وبين النسخ؟

زوال الشيء لزوال شرطه لا يُعتبر نسخاً، أما النسخ فهو رفع الحكم الشرعي الثابت بخطاب الشارع بخطاب شرعي لاحق.

ما مختار البيضاوي في الناسخ للقياس؟

اختار البيضاوي أن القياس إنما ينسخ بقياس أجلى منه، وهو ما مال إليه الإسنوي أيضاً.

ما القول الأول المحكي عن الآمدي في كون القياس منسوخاً ومن نسبه إليه؟

القول الأول هو المنع من نسخ القياس مطلقاً، ونسبه الآمدي للحنابلة والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله.

ما حجة القائلين بالمنع المطلق من نسخ القياس؟

حجتهم أن القياس مستنبط من أصله، وبقاء الأصل يمنع تصور رفع حكم القياس مع بقاء ذلك الأصل.

ما موقف الآمدي من القياس ذي العلة المستنبطة عند وجود معارض؟

يرى الآمدي أن حكم القياس ذي العلة المستنبطة يُلغى عند وجود المعارض، لكن لا يُسمى ذلك نسخاً لأن حكمه لم يثبت بخطاب الشارع.

ما الأقوال الثلاثة المحكية عن الآمدي في كون القياس ناسخاً لغيره؟

الأول: لا يكون ناسخاً مطلقاً. الثاني: يكون ناسخاً مطلقاً جلياً أو خفياً. الثالث: إن كان جلياً يكون ناسخاً وإن كان خفياً فلا.

ما اختيار الآمدي في كون القياس ناسخاً؟

اختار أن القياس ذا العلة المنصوصة يصح أن يكون ناسخاً لكونه في معنى النص، أما ذو العلة المستنبطة القطعي فمانع لا ناسخ، والظني يمتنع أن يكون ناسخاً.

ما الجامع في مثال نسخ القياس بالقياس بين السفرجل والموز؟

الجامع هو التفكه، فقيس السفرجل على الموز بجامع التفكه في كل منهما لإثبات إباحة التفاضل في السفرجل.

لماذا يكون القياس الثاني في مثال السفرجل ناسخاً للأول؟

لأن القياس الثاني أقوى وأظهر من القياس الأول، فيكون راجحاً عليه، وهو شرط كون القياس ناسخاً لقياس آخر.

ما وجه الاستدلال بآية الأنفال على جواز النسخ بالقياس؟

يُفهم من الآية أن الواحد لا يثبت أمام العشرة، وهذا نسخ لحكم ثبات الواحد أمام العشرة الوارد في الآية الأخرى، فزعم المثبتون أنه نسخ بالقياس.

ما الضابط الراجح للقياس الناسخ والمنسوخ؟

القياس الأدنى أو الأخفى هو المنسوخ، والقياس الأقوى أو الأجلى هو الناسخ، ولا يكون القياس ناسخاً ومنسوخاً على خلاف ذلك.

هل يجوز أن ينسخ القياس النصَّ الشرعي؟

لا يجوز ذلك؛ لأن النص مقدَّم على القياس بالاتفاق، والقياس الظني لا يصلح ناسخاً للنص، والقياس القطعي وإن منع إثبات حكم آخر فلا يُسمى نسخاً لكونه ليس خطاباً شرعياً.

ما الجامع في قياس الضرب على التأفيف المذكور مثالاً للقياس القطعي؟

الجامع هو الإيذاء، فقيس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء في كل منهما لإثبات التحريم في الضرب كما ثبت في التأفيف.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!