اكتمل ✓
الفصل 2

هل يجوز وصف الله بالجهة والمكان وما حجة العلماء على نفي الفوقية المكانية عنه؟

لا يجوز وصف الله سبحانه وتعالى بالجهة أو المكان، إذ أجمع أئمة الإسلام كأبي حنيفة والشافعي والطحاوي على أن الله كان ولا مكان وهو على ما عليه كان. والدليل على ذلك أن الله قديم لا تسبقه أولية، فالفوقية المكانية صفة حادثة لا تصلح لله، فضلاً عن أن الله يخالف الحوادث ولا يشبهه شيء.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز وصف الله بالجهة والمكان، وما موقف أئمة الإسلام من هذه المسألة العقدية الخطيرة؟

  • أجمع علي بن أبي طالب وأبو حنيفة والشافعي على أن الله كان ولا مكان وهو على ما عليه كان.

  • أكد الإمام الطحاوي في عقيدته أن الله تعالى لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.

  • صفة القدم الثابتة لله تنفي الفوقية المكانية، لأن العلو المكاني صفة حادثة نتجت عن حادث وهو خلق العالم.

  • مخالفة الله للحوادث تسلب عنه الجرمية والعرضية ولوازمهما كالتحيز والقيام بالغير والتجزئة.

  • لا يجوز السؤال عن الله بـ"أين" بقصد معرفة جهة ذاته، وما ورد في الشرع مما ظاهره الجهة يُؤوَّل على معنى الملكوت.

إصرار المتشددين على وصف الله بالجهة ورد الأئمة الأوائل

من الأشياء التي يصر عليه من يسمون أنفسهم بالمتشددين وصف الله بالجهة والمكان، ويزعمون إثبات الفوقية المكانية له سبحانه وتعالى. وهذا الإصرار منهم يتعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه تنزيه الله سبحانه وتعالى، وذلك لما يلي:

قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

«كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان» .

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه:

«قلت: أرأيت لو قيل: أين الله تعالى؟ يقال له: كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كل شيء» .

قال الإمام الشافعي: إنه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان، ولا يجوز عليه التغيير في ذاته، ولا التبديل في صفاته» .

العقيدة الطحاوية وصفة القدم كدليل على نفي المكان عن الله

ويؤكد ذلك الإمام الطحاوي –رحمه الله- في عقيدته الطحاوية بقوله:

«ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات» .

واستحالة وصف الله سبحانه وتعالى بالجهة المكان تنطلق من أن أهل الحق من المسلمين يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى قديم، أي أنهم يثبتون صفة القدم، وهو القدم الذاتي ويعني عدم افتتاح الوجود، أو هو عدم الأولية للوجود، وهو ما استفيد من كتاب الله في قوله:

﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد:3].

وقوله صلى الله عليه وسلم:

«أنت الأول فليس قبلك شيء» .

آثار صفة القدم في إبطال الفوقية المكانية والعلو الحسي

فصفة القدم تنفي أن يسبق وجوده وجود شيء قبله أو وجود شيء معه. لذا فهي تسلب معنى تقدم الخلق عليه. فصفات الله سبحانه وتعالى كذلك قديمة لا تتغير بحدوث الحوادث وإثبات الجهة والمكان معناه يقتضي هذا التغير، بمعنى أن الله لم يكن متصفا بالفوقية من حيث الجهة إلا بعد أن خلق العالم، فقبل خلق العالم لم يكن في جهة الفوق لعدم وجود ما هو في جهة السفل، وبهذا تكون الفوقية المكانية أو العلو المكاني صفة حادثة نتجت عن حادث؛ ولذا فهي لا تصلح صفة لله سبحانه وتعالى.

معنى مخالفة الله للحوادث ونفي الجرمية والعرضية عنه

كما يؤمن المسلمون بمخالفته سبحانه وتعالى للحوادث، وتعني مخالفة الحوادث في حقائقها، فهي تسلب الجرمية والعرضية والكلية والجزئية ولوازمها عنه تعالى، فلازم الجرمية التحيز، ولازم العرضية القيام بالغير، ولازم الكلية الكبر والتجزئة، ولازم الجزئية الصغر إلى غير ذلك، فإذا ألقى الشيطان في ذهن الإنسان: إذا لم يكن المولى جرما ولا عرضا ولا كلا ولا جزءا فما حقيقته، فقل في ردك ذلك لا يعلم الله إلا الله.

أدلة القرآن والسنة على نفي المثلية وإثبات مخالفة الحوادث

واستفيدت هذه الصفة من قوله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11]،

ومن السنة النبوية ما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله عز و جل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإِخلاص:1، 2] قال: الصمد الذي لم يلد ﴿وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخلاص:3، 4] لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت و ليس شيء يموت إلا سيورث و أن الله لا يموت و لا يورث ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإِخلاص: 4] قال: لم يكن له شبيه و لا عدل و ليس كمثله شيء» . فوصف نفسه سبحانه، ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم، بسلب المثل والنقائص التي لا تليق به، ففهم المؤمنون أنه سبحانه مخالف للحوادث.

حكم وصف الله بالحوادث وضابط السؤال بأين الله

وعليه فلا يجوز وصف الله سبحانه وتعالى بالحوادث، ولا السؤال عنه بما يقتضي وصفه بذلك، فلا يسأل عن الله بأين بقصد معرفة جهة ذاته سبحانه ومكانها؛ وإنما يجوز أن يسأل عنه بأين بقصد معرفة ملكوته سبحانه، أو ملائكته أو أي شيء يجوز السؤال عنه ووصفه بالحوادث، وعلى هذا يؤول معنى ما ورد في الشرع من السؤال بأين أو الإخبار بما ظاهره الجهة والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الموقف الصحيح من وصف الله بالجهة والمكان؟

لا يجوز وصف الله بالجهة أو المكان

ما الذي قاله أبو حنيفة رضي الله عنه عن الله والمكان؟

كان الله ولا مكان ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء

ماذا أكد الإمام الطحاوي في عقيدته بشأن الجهات؟

الله لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات

لماذا تُعدّ الفوقية المكانية صفة حادثة لا تصلح لله؟

لأنها لم تكن موجودة قبل خلق العالم فهي مرتبطة بحادث

ما معنى صفة القدم الثابتة لله سبحانه وتعالى؟

عدم افتتاح الوجود أي أنه لا أولية لوجوده

ما الآية القرآنية التي استُدل بها على صفة القدم لله؟

﴿هو الأول﴾

ما الذي تسلبه مخالفة الله للحوادث عنه تعالى؟

الجرمية والعرضية والكلية والجزئية ولوازمها

ما لازم الجرمية الذي ينتفي عن الله بسبب مخالفته للحوادث؟

التحيز

ما الآية التي استُدل بها على مخالفة الله للحوادث ونفي المثل عنه؟

﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾

متى يجوز السؤال عن الله بـ'أين'؟

يجوز بقصد معرفة ملكوته أو ملائكته لا جهة ذاته

ما سبب نزول سورة الإخلاص وفق ما روي عن أبي بن كعب؟

طلب المشركين من النبي أن ينسب لهم ربه

ما الجواب الصحيح لمن سأل: ما حقيقة الله إن لم يكن جرماً ولا عرضاً؟

لا يعلم حقيقته إلا الله

ما قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مسألة الله والمكان؟

قال: 'كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان'، مؤكداً أن الله لم يتغير بخلق المكان.

ما موقف الإمام الشافعي من صفة المكان لله؟

قال الشافعي إن الله كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان، ولا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته.

ما معنى قول الطحاوي 'لا تحويه الجهات الست'؟

يعني أن الله منزه عن أن تحيط به أي جهة من الجهات الست: فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف، خلافاً للمخلوقات.

ما الدليل النبوي على صفة القدم لله؟

قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: 'أنت الأول فليس قبلك شيء'، وهو حديث أخرجه مسلم في صحيحه.

لماذا لا تصلح الفوقية المكانية صفة لله؟

لأنها صفة حادثة نتجت عن حادث وهو خلق العالم، إذ لم يكن الله في جهة الفوق قبل وجود ما هو في جهة السفل، وصفات الله قديمة لا تتغير.

ما لازم العرضية الذي ينتفي عن الله؟

لازم العرضية هو القيام بالغير، وهذا منتفٍ عن الله لأنه مستغنٍ عن كل شيء وقائم بنفسه.

ما لازم الكلية الذي ينتفي عن الله؟

لازم الكلية هو الكبر والتجزئة، وكلاهما منتفٍ عن الله لأنه لا يتجزأ ولا يُقسَّم.

كيف استُدل بسورة الإخلاص على نفي المثل عن الله؟

جاء في الحديث أن معنى ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ أي لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، فنفت السورة كل مماثلة بين الله والمخلوقات.

ما الفرق بين السؤال الجائز والمنهي عنه بـ'أين' في حق الله؟

المنهي عنه هو السؤال بأين بقصد معرفة جهة ذات الله ومكانها. والجائز هو السؤال بأين بقصد معرفة ملكوته أو ملائكته أو ما يجوز وصفه بالحوادث.

ما الذي يقتضيه إثبات الجهة والمكان لله من محاذير عقدية؟

يقتضي إثبات الجهة أن تكون الفوقية صفة حادثة تغيرت بخلق العالم، وهذا يعني أن صفات الله تتغير بحدوث الحوادث، وهو محال على الله.

ما الذي يُفهم من قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ في سياق نفي الجهة؟

تدل الآية على أن الله مخالف للحوادث في حقائقها، فلا يشبه المخلوقات التي تتحيز وتشغل مكاناً، وبالتالي لا تنطبق عليه الجهة والمكان.

ما الصفات التي أكد الإمام الطحاوي تنزيه الله عنها؟

أكد الطحاوي تنزيه الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، وأنه لا تحويه الجهات الست.

ما معنى القدم الذاتي لله سبحانه وتعالى؟

القدم الذاتي يعني عدم افتتاح الوجود، أي أنه لا أولية لوجود الله، فهو موجود بلا ابتداء ولا يسبقه عدم.

كيف تنفي صفة القدم أن يسبق وجود الله وجود شيء آخر؟

لأن القدم يعني أنه لا شيء قبله ولا شيء معه في الأزل، فلا يمكن أن يكون ثمة مكان أو جهة سابقة لوجوده أو مصاحبة له.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!