هل والدا النبي في النار وما صحة حديث إن أبي وأباك في النار وكيف يُجاب عنه؟
والدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله لا يعذب أحداً حتى يرسل إليه نذيراً. أما حديث «إن أبي وأباك في النار» فيمكن تأويله بأن المقصود به عمه أبو طالب لا أبوه الحقيقي، إذ العرب تطلق الأب على العم. وإن أبى المخالف التأويل فالحديث خبر آحاد يُرد لمعارضته الآيات القاطعة الصريحة التي تنفي العذاب قبل إرسال الرسل.
- •
هل والدا النبي في النار؟ هذه القضية تمس محبة النبي وتعظيمه وتثير إشكالاً عقدياً خطيراً عند المسلمين.
- •
الحديث بسوء عن والدي النبي يؤذيه صلى الله عليه وسلم، وقد نهى الله صراحة عن أذية رسوله بآيات صريحة في التوبة والأحزاب.
- •
أهل السنة والجماعة يعتقدون أن من لم تبلغه رسالة لا يُعذَّب، استناداً إلى آيات قرآنية متعددة كقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾.
- •
النصوص القرآنية تؤكد أن قوم النبي لم يأتهم نذير من قبله، مما يثبت أن أبويه من أهل الفترة غير المحجوجين.
- •
حديث «إن أبي وأباك في النار» يُجاب عنه بالتأويل بإرادة العم أبي طالب، أو برده لمعارضته الآيات القاطعة وفق منهج الأئمة كالخطيب البغدادي والنووي.
- •
آيات اصطفاء النسب النبوي ووصف أصوله بالطاهرة الطيبة تدل على نجاة والديه، وهو ما يتوافق مع قاعدة رد خبر الآحاد عند معارضته القطعي من القرآن.
- 1
القول بأن والدي النبي في النار قضية تمس محبة النبي وتعظيمه وتُسيء المسلمين حين يسمعونها.
- 2
الكلام بسوء عن والدي النبي أذية له محرمة، وقد توعد الله مؤذي رسوله بعذاب أليم في آيات صريحة.
- 3
أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة لا يُعذَّبون، وهو مذهب أهل السنة المستند إلى آيات قرآنية متعددة.
- 4
الآيات القرآنية تنفي صراحة أن يكون والدا النبي قد بلغتهم رسالة من قبل، فلا حجة قامت عليهم.
- 5
والدا النبي من أهل الفترة غير المعذبين، وقد أكد الشاطبي أن الله لا يؤاخذ أحداً إلا بعد إرسال الرسل.
- 6
القاسمي وابن تيمية يؤكدان أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد إبلاغ الرسالة، وهو ما ينطبق على والدي النبي.
- 7
آية ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ تدل على أن أصول النبي كانوا ساجدين مؤمنين، وهو دليل خاص على نجاة والديه.
- 8
أحاديث اصطفاء النسب النبوي ووصف أصوله بالطاهرة الطيبة تنافي الشرك وتدل على نجاة والديه.
- 9
المخالفون يستشهدون بحديثي مسلم: عدم الإذن بالاستغفار للأم، وقول النبي إن أبي وأباك في النار.
- 10
حديث الاستغفار لا يصرح بأن الأم في النار، وحديث إن أبي وأباك في النار يُحمل على إرادة العم أبي طالب.
- 11
حديث إن أبي وأباك في النار يُرد إذا أبى المخالف التأويل، لمعارضته الآيات القاطعة وفق قاعدة الخطيب البغدادي.
- 12
البخاري وابن المديني ردا حديث خلق التربة يوم السبت لمعارضته القرآن، وهو نموذج على منهج رد الآحاد.
- 13
النووي رد ظاهر حديث متفق عليه لمخالفته القرآن والإجماع، مقرراً قاعدة وجوب ترك ظاهر الآحاد عند معارضة القطعي.
- 14
الخلاصة أن والدي النبي ناجيان إما بالتأويل أو برد الآحاد المعارض للقرآن، وكلاهما مسلك الأئمة الأعلام.
ما أثر القول بأن والدي النبي في النار على محبته وتعظيمه؟
القول بأن مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم النار يُسيء المسلمين ويمس مكانته في قلوبهم. هذه القضية تجعل الشعور وكأن حب النبي عند أصحاب هذا القول لم يبلغ القدر المطلوب. ضم هذه القضية إلى غيرها يكشف أن تعظيم النبي ليس راسخاً عند من يقولون بذلك.
ما حكم الكلام بسوء عن والدي النبي وهل يُعد أذية له؟
الحديث بسوء عن والدي النبي صلى الله عليه وسلم يؤذيه، والله تعالى توعد الذين يؤذون رسول الله بعذاب أليم في قوله: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾. كما لعن الله في الدنيا والآخرة من يؤذي الله ورسوله. ونهى الله المؤمنين عن مشابهة من آذوا موسى عليه السلام. لذلك لا يُقال إلا ما يرضي الله ورسوله ولا يُتجرأ على مقامه الشريف.
هل والدا النبي في النار وما حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة؟
آباء النبي وأجداده إن وقع بعضهم فيما يظهر أنه شرك فهم غير مشركين لأنه لم يُرسل إليهم رسول. أهل السنة والجماعة قاطبة يعتقدون أن من وقع في شرك في فترة ما بين النبيين لا يُعذَّب. والأدلة على ذلك كثيرة منها: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ و﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون﴾. فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل.
هل يمكن أن يكون والدا النبي قد بلغتهم الحجة وأشركوا بعدها؟
هذا الاحتمال لا يسعفه نقل، بل جاءت النصوص تنفيه وتؤكد عكسه. قال تعالى: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير﴾. وقال سبحانه: ﴿لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك﴾. فالآيات صريحة في أن قوم النبي لم يأتهم نذير قبله، مما يقطع باحتمال بلوغ الحجة لوالديه.
ما الدليل على أن والدي النبي من أهل الفترة وما قول العلماء في حكمهم؟
النصوص السابقة دلت على أن والدي النبي غير معذبين لا لأنهما أبواه بل لأنهما من جملة أهل الفترة. قال الشاطبي: جرت سنته سبحانه في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولكل جزاء مثله. فحكم والدي النبي هو حكم سائر أهل الفترة المستقر عند المسلمين.
ما قول ابن تيمية والقاسمي في حكم من لم تبلغه الرسالة؟
قال القاسمي في تفسيره: استحال في سنة الله المبنية على الحكم البالغة أن يعذب قوماً حتى يبعث إليهم رسولاً لإقامة الحجة وقطعاً للعذر. وقال ابن تيمية: إن الكتاب والسنة دلا على أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأساً. وهذا يؤكد أن والدي النبي داخلان في هذا الحكم.
ما دلالة آية ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ على نجاة والدي النبي؟
قوله تعالى ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ دليل خاص على نجاة والدي النبي بخصوصهما فوق الدليل العام لأهل الفترة. فعن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية: أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبياً. فهذا يدل على أن أصول النبي كانوا ساجدين مؤمنين لا مشركين.
كيف تدل أحاديث اصطفاء نسب النبي على طهارة والديه وبُعدهما عن الشرك؟
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني هاشم واصطفاني من بني هاشم». وقال: «إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير قرنهم». ووصف رسول الله أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك، إذ قال تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾. فلا يجتمع وصف الطهارة مع الشرك.
ما الحديثان اللذان يستشهد بهما المخالفون على أن والدي النبي في النار؟
يستشهد المخالفون بحديثين من صحيح مسلم: الأول أن النبي قال «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». والثاني أن رجلاً سأل النبي عن أبيه فقال: «في النار، فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار». وهذان الحديثان هما محل الاعتراض والنقاش في هذه المسألة.
ما الجواب عن حديث إن أبي وأباك في النار وحديث عدم الإذن بالاستغفار للأم؟
الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أم النبي في النار، وعدم الإذن بالاستغفار لا يدل على أنها مشركة، وإلا ما جاز أن يأذن له ربه بزيارة قبرها إذ لا تجوز زيارة قبور المشركين. أما الحديث الثاني فيمكن حمله على أن المقصود عمه أبو طالب الذي مات بعد البعثة ولم يعلن إسلامه، والعرب تطلق الأب على العم كما في قصة إبراهيم وعمه آزر الذي سماه القرآن أباه.
هل يجوز رد حديث إن أبي وأباك في النار لمعارضته الآيات القرآنية القاطعة؟
إذا رفض المخالف التأويل وأراد الأخذ بظاهر الحديث فإن ذلك يستلزم رد الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عدم العذاب قبل الرسالة. وهذا مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون. وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي بأن الخبر يُرد إذا خالف نص الكتاب أو السنة المتواترة.
ما مثال من التراث على رد المحدثين لحديث صحيح لمعارضته القرآن؟
رد المحدثون كالبخاري وابن المديني حديث «خلق الله التربة يوم السبت» رغم أنه في صحيح مسلم، وذلك لأنه يعارض القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾. وقد ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره. وهذا يثبت أن رد الحديث لمعارضة القرآن منهج راسخ عند أئمة الحديث.
كيف تعامل النووي مع حديث عائشة في فرض الصلاة ركعتين وما وجه الاستدلال به هنا؟
رد الإمام النووي ظاهر حديث عائشة «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر» رغم أنه متفق عليه. وذكر أن ظاهره يخالف نص القرآن وإجماع المسلمين في تسمية صلاة السفر مقصورة. وقرر قاعدة: «متى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعاً وجب ترك ظاهره». وهذا يؤكد أن رد ظاهر الحديث المعارض للقرآن منهج الأئمة لا الشذوذ.
ما الخلاصة في مسألة نجاة والدي النبي وما المسلكان المتاحان للمخالف؟
المخالف أمام مسلكين: إما التأويل وهو الأولى لعدم رد النصوص بحمل الحديث على إرادة العم أبي طالب، وإما رد هذه الأخبار الآحاد لمعارضتها القطعي الصريح من القرآن وهو مسلك الأئمة الأعلام. وعلى أية حال فقد ثبت أن والدي النبي ناجيان بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم، وصحة حديث «إن أبي وأباك في النار» لا تعني قبول ظاهره المعارض للقرآن.
والدا النبي من أهل الفترة الذين لا يُعذَّبون، وحديث إن أبي وأباك في النار مؤوَّل أو مردود لمعارضته القرآن القطعي.
حديث «إن أبي وأباك في النار» خبر آحاد يعارض آيات قرآنية قاطعة تنفي العذاب قبل إرسال الرسل، كقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾. وأهل السنة والجماعة قاطبة يعتقدون أن من لم تبلغه رسالة لا تقوم عليه الحجة، وهو ما أكده الشاطبي وابن تيمية والقاسمي في نصوص صريحة.
يمكن الجواب عن الحديث بمسلكين: الأول التأويل بأن المقصود بالأب هو العم أبو طالب، إذ العرب تطلق الأب على العم كما في قصة إبراهيم وعمه آزر. والثاني رد الحديث لمعارضته القطعي من القرآن، وهو منهج الأئمة كالخطيب البغدادي والنووي الذي رد ظاهر حديث متفق عليه لمخالفته نص القرآن وإجماع المسلمين. وعلى كلا المسلكين فوالدا النبي ناجيان.
أبرز ما تستفيد منه
- والدا النبي من أهل الفترة ولا تقوم عليهم الحجة لعدم بلوغ الرسالة إليهم.
- حديث «إن أبي وأباك في النار» يُحمل على إرادة العم أبي طالب لا الأب الحقيقي.
- خبر الآحاد يُرد إذا عارض الآيات القاطعة الصريحة وفق منهج الأئمة الأعلام.
- آيات اصطفاء النسب النبوي ووصف أصوله بالطاهرة تدل على نجاة جميع آبائه.
اتهام المتشددين لوالدي النبي بالنار وآثاره على محبته وتعظيمه
هذه واحدة من قضاياهم التي تسيء المسلمين إذا سمعوا بها، وهي أنهم يقرون بأن مصير والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم النار يوم القيامة. تلك القضية التي إذا ضممناها لباقي القضايا لشعورنا وكأن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبهم ليست على القدر المطلوب، وكان حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم لم يصدق.
حرمة أذية النبي بالقول في والديه والاستدلال بآيات الأذى
لا شك أن الحب يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شك كذلك أن الحديث بسوء عن أبويه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقد قال تعالى:
﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [1]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [2]
، ولقد نهانا الله صراحة عن أذية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومشابهة اليهود - لعنهم الله- في ذلك، فقال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ [3]
، قال القاضي: فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ويرضي رسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولا نتجرأ على مقامه الشريف ونؤذيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالكلام بما لا يرضيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .
حكم آباء النبي وأهل الفترة وعدم تعذيب من لم تبلغه الرسالة
واعلم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأجداده إن ثبت وقوع بعضهم فيما يظهر أنه شرك فإنهم غير مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسل إليهم رسول، فأهل السنة والجماعة قاطبة يعتقدون أن من وقع في شرك وبدل شرائع التوحيد في الفترة ما بين النبي والنبي لا يعذب، والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [4]
وقوله سبحانه:
﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ﴾ [5]
وقوله تعالى:
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [6]
وقوله عز وجل:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [7]
، فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غير محجوجين برحمة الله وفضله.
دلالة الآيات على عدم العذاب قبل النذير ورد احتمال بلوغ الحجة
هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهل الحق أهل السنة والجماعة، أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا، وقد يقول قائل لعل أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أرسل إليهم نذير، وهم أشركوا بعد بلوغ الحجة، فهذا لا يسعفه نقل، بل جاءت النصوص تنفيه، وتؤكد عكس ذلك قال تعالى:
﴿وَمَآ ءَاتَيْنَٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ﴾ [8]
وقال سبحانه:
﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [9]
وقال عز وجل:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىٓ أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَٰلِمُونَ﴾ [10].
إثبات أن أبوي النبي من أهل الفترة واستشهاد بكلام الشاطبي
فدلت النصوص السابقة على أن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم غير معذبين، لا لأنهما أبويه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؛ بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين، قال الشاطبي: جرت سنته سبحانه في خلقه: أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله [11].
نصوص القاسمي وابن تيمية في عدم العذاب إلا بعد الرسالة
وقال القاسمي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ما نصه: «وما صحَّ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهم رسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر» [12].
قال ابن تيمية: « إن الكتاب والسنة قد دلت على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذِّبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل، لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية» [13].
دلالة آية وتقلبك في الساجدين على طهارة نسب النبي
أما ما يدل على نجاة أبويه بخصوصهما دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة فهو قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [14] فعن ابن عباس رضي الله عنه ـ في قوله تعالى: وتقلبك في الساجدين ـ قال: أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبياً [15].
أحاديث اصطفاء نسب النبي ووصف أصوله بالطاهرة الطيبة
وعن هذا فعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [16].
وعن عمه العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
« إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً » [17].
فوصف رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك، قال تعالى يصف المشركين:
﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [18].
اعتراض المخالفين بحديثي مسلم حول استغفار الأم ومصير الأب
أما يثيره المخالفون بسبب ورود حديثين آحاد يعارضان ما ذكر من الآيات القاطعة، وهما حديثا مسلم؛ الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» [19].
والثاني: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي ؟ قال: في النار. فلما قضى دعاه. فقال: إن أبي وأباك في النار» [20].
الجواب عن حديثي استغفار الأم وإن أبي وأباك في النار
فالرد عليهم أولا: أن الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أمه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النار، وإنما عدم الإذن في الاستغفار لا يدل على أنها مشركة، وإلا ما جاز أن يأذن له ربه عز وجل أن يزور قبرها، فلا يجوز زيارة قبور المشركين وبرهم.
الحديث الثاني: يمكن حمله على أنه كان يقصد عمه؛ فإن أبا طالب مات بعد بعثته، ولم يُعلن إسلامه، والعرب يطلقون الأب على العم، كما في قوله تعالى عن إبراهيم:
﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [21]
، وأبو إبراهيم هو تارح، أو تارخ كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين.
إمكان رد حديث الآحاد لمعارضته القطعي من القرآن في مسألة الوالدين
أما إذا رفض المخالف ذلك التأويل وأراد الاستمساك بظاهر النص في الحديث الثاني، حيث لم يسعفه ظاهر النص في الحديث الأول، فنقول: نزولا على كلامكم وإذا اعتبرنا أن الحديثين دلا على أن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم غير ناجيين، فإن ذلك يجعلنا أن نرد الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عكس ذلك مما مر، وهذا هو مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون، وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي حيث قال: « وإذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الإسناد رد بأمور: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ» [22].
مثال حديث خلق التربة يوم السبت ورد المحدثين له لمخالفته القرآن
ورد المحدثون كالبخاري والمديني حديث: «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» [23]، وقد ردوه لأنه يعارض القرآن كما ذكر ذلك ابن كثير [24] في تفسيره لقوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ﴾ [25].
منهج النووي في رد ظاهر حديث عائشة عن فرض الصلاة ركعتين
وكذلك فعل الإمام النووي رضي الله عنه عندما رد ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت:
« فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» [26]،
ورغم أنه متفق عليه لم يتهاون الإمام النووي في رد ظاهره؛ حيث ذكر: «أن ظاهره أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة, وإنما صلاة الحضر زائدة, وهذا مخالف لنص القرآن وإجماع المسلمين في تسميتها مقصورة, ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعًا وجب ترك ظاهره» [27].
التخيير بين التأويل ورد الخبر وخاتمة في نجاة والدي النبي
فليختر المخالف أيًا من المسلكين إما التأويل وهو الأولى لعدم رد النصوص، وإما رد هذه الأخبار الآحاد لمعارضتها للقطعي الصريح من القرآن الكريم، وهو مسلك الأئمة الأعلام، وعلى أية حال فلعله قد ثبت أن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ناجيان، بل جميع آبائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، رزقنا الله حبه، ومعرفة قدره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما موقف أهل السنة والجماعة من مصير من وقع في الشرك في فترة ما بين النبيين؟
لا يُعذَّب لعدم بلوغ الرسالة إليه
ما الآية القرآنية التي تُعدّ أصرح دليل على عدم العذاب قبل إرسال الرسل؟
﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾
ما التأويل المقترح لحديث «إن أبي وأباك في النار» للجمع بينه وبين الآيات القاطعة؟
أن المقصود بالأب هو العم أبو طالب
ما القاعدة التي نص عليها الخطيب البغدادي في رد الأخبار؟
يُرد الخبر إذا خالف نص الكتاب أو السنة المتواترة
ما الدليل الخاص بوالدي النبي دون الدليل العام لأهل الفترة؟
آية ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ بتفسير ابن عباس
لماذا لا يدل عدم الإذن بالاستغفار لأم النبي على أنها في النار؟
لأن الإذن بزيارة قبرها يتعارض مع كونها مشركة إذ لا تجوز زيارة قبور المشركين
بماذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم أصوله في الأحاديث الواردة؟
بالطاهرة والطيبة
ما الحديث الذي رده البخاري وابن المديني لمعارضته القرآن رغم وروده في صحيح مسلم؟
حديث خلق الله التربة يوم السبت
ما القاعدة التي قررها النووي في التعامل مع حديث الآحاد المعارض للقرآن؟
متى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعاً وجب ترك ظاهره
ما الآية التي استدل بها على أن قوم النبي لم يأتهم نذير من قبله؟
﴿لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك﴾
ما الوصف الذي أطلقه القرآن على المشركين ويتعارض مع وصف أصول النبي بالطاهرة؟
﴿إنما المشركون نجس﴾
ما المسلكان المتاحان للمخالف في التعامل مع حديث «إن أبي وأباك في النار»؟
التأويل بإرادة العم أو رد الحديث لمعارضته القرآن
لماذا يُعدّ والدا النبي من أهل الفترة؟
لأنهما عاشا في الفترة بين النبيين ولم يُرسل إليهما رسول، فلم تقم عليهما الحجة الرسالية.
ما معنى أهل الفترة في الاصطلاح الشرعي؟
هم الذين عاشوا في الفترة الزمنية بين نبيين ولم تبلغهم رسالة، وحكمهم عند أهل السنة أنهم لا يُعذَّبون.
ما الآية التي تدل على أن الله لا يهلك القرى وأهلها غافلون؟
قوله تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ من سورة الأنعام.
ما تفسير ابن عباس لآية ﴿وتقلبك في الساجدين﴾؟
قال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه الله نبياً، مما يدل على إيمان أصوله.
ما قول الشاطبي في حكم من خالف قبل إرسال الرسل؟
قال الشاطبي: جرت سنة الله في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة فلكل جزاء مثله.
ما قول ابن تيمية في حكم من لم تبلغه الرسالة جملة؟
قال ابن تيمية: من لم تبلغه الرسالة جملة لم يعذبه الله رأساً، ومن بلغته جملة دون تفصيل لم يعذبه إلا على ما قامت عليه الحجة.
لماذا تطلق العرب لفظ الأب على العم؟
هذا استعمال عربي معروف، ومنه تسمية القرآن عم إبراهيم آزر أباً في قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ وأبوه الحقيقي هو تارح.
ما الفرق بين خبر الآحاد والنص القطعي في الاستدلال الفقهي؟
النص القطعي كالقرآن الكريم يفيد اليقين ولا يُعارَض، أما خبر الآحاد فيفيد الظن ويُرد إذا خالف القطعي وفق منهج الأئمة.
ما الحديث الذي رده النووي لمخالفته القرآن والإجماع رغم كونه متفقاً عليه؟
حديث عائشة «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر»، رده النووي لأن ظاهره يخالف نص القرآن وإجماع المسلمين في تسمية صلاة السفر مقصورة.
ما الآية التي تدل على أن الله لا يهلك القرى إلا بعد بعث رسول في أمها؟
قوله تعالى: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا﴾ من سورة القصص.
ما حديث واثلة بن الأسقع الدال على اصطفاء نسب النبي؟
قال النبي: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
لماذا لا يجوز زيارة قبور المشركين وكيف يُستدل بذلك على نجاة أم النبي؟
زيارة قبور المشركين محرمة، فلما أذن الله لنبيه بزيارة قبر أمه دل ذلك على أنها ليست مشركة، وإلا لما جاز الإذن بزيارتها.
ما الآية التي تنفي وصول كتب أو نذير إلى قوم النبي قبله؟
قوله تعالى: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير﴾ من سورة سبأ.
ما الوعيد القرآني لمن يؤذي رسول الله؟
قال تعالى: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾، وقال: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾.
ما الخلاصة العقدية في مسألة مصير والدي النبي؟
والدا النبي ناجيان: إما لأنهما من أهل الفترة غير المعذبين، وإما لدلالة آية ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ وأحاديث الاصطفاء على طهارة أصوله، وحديث «إن أبي وأباك في النار» مؤوَّل أو مردود.