اكتمل ✓
الفصل 15

ما هو مستند الإجماع وما الفرق بين إجماع الحكم وإجماع الفتوى؟

مستند الإجماع إما دليل تفصيلي يرفع الدليل من الظنية إلى القطعية، وإما دليل جملي مبني على استقراء القواعد الكلية للشريعة كتحقيق المصلحة ودرء المفسدة. وينقسم الإجماع إلى إجماع الحكم في المسائل الدينية المحضة الذي لا بد له من سند، وإجماع الفتوى في القضايا الدنيوية المتغيرة المبني على الدليل الجملي. ويجوز لأهل الإجماع ذكره دون ذكر مستنده، ويجب المصير إليه وإن جُهل دليله.

4 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يقع الإجماع بلا مستند، وما موقف جمهور الأصوليين من ذلك؟

  • مستند الإجماع إما دليل تفصيلي يرفع الدليل من الظنية إلى القطعية، وإما دليل جملي مبني على القواعد الكلية للشريعة.

  • الدليل الجملي يشمل تحقيق المصلحة ودرء المفسدة ورفع الحرج والضرر والمحافظة على مقاصد الشريعة الخمسة.

  • ذهب بعضهم إلى جواز الإجماع بلا مستند بالتوفيق الإلهي، لكن الآمدي وصفه بأنه قول طائفة شاذة وأنكره جمهور العلماء.

  • ينقسم الإجماع إلى إجماع الحكم في المسائل الدينية المحضة، وإجماع الفتوى في القضايا الدنيوية المتغيرة بتغير الزمان والمكان.

  • يجوز لأهل الإجماع ذكره دون ذكر مستنده، ويجب المصير إليه حتى مع جهل الدليل الذي وقع به وفق ما قرره الشافعي وأبو إسحاق الإسفراييني.

تقسيم مستند الإجماع بين الدليل التفصيلي والجملي ووظائفه الأساسية

ويتعلق بمباحث الإجماع، قضية البحث عن مستنده، وقد تقرر في الأصول أن الإجماع قد يكون له مستند من دليل تفصيلي، وقد لا يكون له مستند إلا الدليل الجملي، بل ذهب بعضهم إلى القول بالإجماع عن غير مستند.

فإن كان من النوع الأول، ففائدته:

أولاً: نقل ذلك الدليل التفصيلي من الظنية إلى القطعية بحيث لا يجوز البحث في معناه بعد الإجماع.

ثانياً: عدم البحث عن كيفية دلالته على المدلول.

ثالثاً: تأكيد الدليل التفصيلي حتى لو كان قطعيا عند من أجاز الإجماع عن قطعي، وإن كان في هذه الحالة لا ترجيح لمسألة بكثرة الدليل كما هو مذهب المحققين من الأصوليين حيث قاسوها على عدم الترجيح بكثرة الشهود، لأن الاعتبار عندنا بالقوة لا بالعدد .

مستند الإجماع بالدليل الجملي واستقراء القواعد الكلية للشريعة

أما إذا كان من النوع الثاني وهو ما كان له دليل جملي، فإنه يكون حينئذ معتمداً على استقراء الشريعة، وهو ما يسمي بالقواعد الكلية للشريعة من العمل على تحقيق المصلحة، ودرء المفسدة، ورفع الحرج والضرر، والعمل باليقين، وطرح الشك، والبراءة الأصلية، وسد الذريعة الموصلة إلى مفسدة، وعدم مخالفة العرف، والمحافظة على مقاصد المكلفين بحفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال، ونحو ذلك من معالم الشريعة التي نقصدها عند قولنا (الدليل الجملي).

القول بإمكان وقوع الإجماع بلا مستند ونقد لفظة التبخيت

وذهب بعضهم إلى إمكان وقوع الإجماع من غير مستند، وذلك بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من غير أن يكون لهم مستند يستندون إليه.

قال الآمدي عن هذا: إنه قول طائفة شاذة.

وقال صاحب شرح طلعة الشمس: إنه قول لبعض أهل الأهواء .

وقال الرازي في المحصول: قال قوم يجوز صدوره عن التبخيت .

قال القرافي تعليقا على كلام الرازي: قلت: هذه اللفظة اختلفت تأويلات الناس لها، ونقلتها في أنواع التصحيف، فقال سراج الدين: لا يجوز صدور الإجماع عن الشبهة، كأنه رأي أن معناها التبخيت بالحاء المهملة، ولا شك أن هذا مشكل، لأن الأمارة تصيب وتخطئ، وهو قد قال: لا يجوز صدور الإجماع من غير دلالة وأمارة، فجعل محل النزاع فيما عدا الأمارة، مع أن الشبهة هي أمارة تحتمل الصواب والخطأ. هذا ما على هذا التفسير ويعضد هذا التفسير قول المصنف بعد هذا في الجواب:

"يلزم صدور الإجماع لا عن دلالة ولا عن أمارة وأنتم لا تقولون به"

فجعل قولهم لا يخرج عن الأمارة وهو مناقض لما قاله في أول المسألة.

موقف الأصوليين من التوفيق في الإجماع وتقسيمه إلى كاشف ومنشئ

وقال الآمدي في الإحكام:

"اتفق الكل على أن الأمة لا تجمع إلا عن مأخذ يوجب اجتماعهم خلافا لمن شذ، فقال: يجوز الإجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند"

فصرح بما تقتضي الحاء المعجمة.

وقال أبو الحسين في المعتمد: لا تجتمع الأمة تبخيتا، كلفظ المصنف غير أنه قال بعده: وأجازه قوم بالتوفيق لا بالتوقيف، فكأن المصنف والله أعلم اقتصر على لفظه الأول دون الثاني فدخله التصحيف والتحريف، وكذلك اقتصر عليه القاضي عبد الوهاب المالكي في الملخص وقال: لا يجوز إجماعهم لغير مدرك شرعي بالتبخيت .

وقال ابن بَرْهَان في الأوسط: قال جماعة من المتكلمين: يجوز أن يجمعوا لغير مستند، بل يوفقهم الله تعالى للصدق والصواب أهـ.

وعليه فإن ما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن الإجماع منه كاشف، ومنه منشئ، ويعني بالكاشف: ما كان مستنده دليلاً تفصيليا لم يصل إلينا، أو دليلا جمليا، حيث لا يوجد في المسألة دليل تفصيلي، ويعني بالإجماع المنشئ: الإجماع الذي يصدر من جماعة المجتهدين من غير دليل.

أقول: بناء على ما تقدم يكون ذلك التقسيم قد أنكره جماهير العلماء، ولم يقول بالإجماع المنشئ إلا طائفة لم تسم في كتب الأصول.

تعريف إجماع الحكم كنوع أول من أنواع الإجماع عند المعاصرين

وأري أنه يجب التفريق بين نوعين من أنواع الإجماع كما ذهب إليه الشيخ على حسب الله في كتابه أصول التشريع .

حيث ذهب إلى أن الإجماع نوعان:

أولهما:

"إجماع الأمة على حكم مسألة من المسائل الدينية المحضة أو التي لا يستقل العقل بإدراكها، وهذا لابد له من سند" أ هـ.

وهذا أسميه: إجماع الحكم.

إجماع الفتوى في القضايا الدنيوية المتغيرة وارتباطه بالمصلحة

ثانيهما:

"اتفاق أولي الأمر في الأمة على حكم مسألة لم ينص على حكمها في كتاب أو سنة، مما هو مجال للرأي، من مصالح الأمة الدنيوية، التي تختلف باختلاف الزمان أو المكان، كالإجماع على إمامة شخص بعينه أو على إعلان حرب على عدو، أو على وضع حد أعلى لملكية الأرض إذا كان في ذلك مصلحة للأمة" أهـ.

أقول: وهذا النوع يختلف باختلاف الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال، ولكنه أيضا يحتاج إلى دليل جملي من رفع الضرر، والحرج، ودرء المفسدة، وتحصيل المصالح الخ كما تقدم.

وهذا أسميه: إجماع الفتوي.

وهذا النوع من الإجماع المبني على ما ذكرنا يتم نسخه صورة، لا حقيقة؛ حيث تتغير الفتوي طبقا لتغير الواقع، إلا أن الحقيقة واحدة في كل منهما، وهي: أن تصرفات ولي الأمر منوطة بمصلحة الأمة، وفي تسمية هذا القسم إجماعا، حكمة، حيث إنه يحقق التعريف في كثير من صوره، ولكنه يختلف في بعض أحكامه، كما رأينا عن الإجماع بمفهومه المشهور.

حجية الإجماع مع جهل المستند وأقوال الأئمة في ترك الدليل

ومن كل هذا يتبين أنه يمكن لأهل الإجماع أن تذكره من غير ذكر مستنده؛ يقول الإمام الشافعي:

"أما ما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول الله: فكما قالوا إن شاء الله. وأما ما لم يحكوه - فاحتمل أن يكون قالوا حكايةً عن رسول الله واحتمل غيره.. -: فكنا نقول بما قالوا به اتباعاً لهم.." .

وقال أبو إسحاق الاسفراييني:

"لا يجب على المجتهد طلبُ الدليل الذي وقع الإجماع به، فإن ظهر له ذلك، أو نُقِلَ إليه كان أحد أدلة المسألة" .

وقال أبوالحسن السهيلي:

"إذا أجمعوا على حكم، ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالةٍ: آيةٍ، أو قياسٍ، أو غيره -: فإنه يجب المصير إليه، لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة، ولا يجب معرفتها" .

ويقول أبو إسحاق الإسفراييني:

"يجوز للمجمعين تركُ الدليل بعد اشتهار المسألة، وانعقاد الإجماع. وربما كان أصله ظاهراً محتمَلاً، أو قياسَ شَبَهٍ: عرف العصرُ الأولُ حكمةَ المشاهدة على نفي الشبه، فتركوا الدليل لما فيه من تَكَرُّه التأويل، ويقتصرون على إظهار الحكم، ليكون أمنع من الخلاف وأقطع للنزاع" .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الفائدة الأولى للإجماع المستند إلى دليل تفصيلي؟

نقل الدليل من الظنية إلى القطعية

ما الذي يُقصد بالدليل الجملي كمستند للإجماع؟

استقراء القواعد الكلية للشريعة كتحقيق المصلحة ودرء المفسدة

كيف وصف الآمدي القول بجواز وقوع الإجماع بلا مستند؟

قول طائفة شاذة

ما المقصود بالإجماع الكاشف عند بعض المعاصرين؟

الإجماع المستند إلى دليل تفصيلي لم يصل إلينا أو دليل جملي

ما الفرق الجوهري بين إجماع الحكم وإجماع الفتوى؟

إجماع الحكم في المسائل الدينية المحضة وإجماع الفتوى في القضايا الدنيوية المتغيرة

ما موقف أبي إسحاق الإسفراييني من وجوب طلب الدليل الذي وقع به الإجماع؟

لا يجب على المجتهد طلبه وإن ظهر كان أحد أدلة المسألة

ما القاعدة التي استند إليها المحققون من الأصوليين في عدم الترجيح بكثرة الأدلة؟

قياسها على عدم الترجيح بكثرة الشهود

ما الذي يميز إجماع الفتوى عن غيره من حيث الاستمرارية؟

يُنسخ صورةً لا حقيقةً إذ تتغير الفتوى بتغير الواقع

ما الحقيقة الثابتة في إجماع الفتوى رغم تغير أحكامه؟

أن تصرفات ولي الأمر منوطة بمصلحة الأمة

ما الذي قاله أبو الحسن السهيلي في حجية الإجماع مع جهل مستنده؟

يجب المصير إليه لأن الأمة لا تجمع إلا عن دلالة ولا يجب معرفتها

ما سبب جواز ترك المجمعين للدليل بعد انعقاد الإجماع وفق الإسفراييني؟

لأن الاقتصار على إظهار الحكم أمنع من الخلاف وأقطع للنزاع

ما الذي يشمله مفهوم القواعد الكلية للشريعة في سياق الدليل الجملي؟

تحقيق المصلحة ودرء المفسدة ورفع الحرج وسد الذريعة وحفظ المقاصد الخمسة

كم نوعاً لمستند الإجماع وما هي؟

مستند الإجماع نوعان: الدليل التفصيلي، والدليل الجملي المستمد من القواعد الكلية للشريعة. وذهب بعضهم إلى إمكان وقوعه بلا مستند لكنه قول شاذ.

ما أثر الإجماع على الدليل التفصيلي من حيث القطعية والظنية؟

الإجماع المستند إلى دليل تفصيلي ينقل ذلك الدليل من الظنية إلى القطعية، بحيث لا يجوز البحث في معناه بعد انعقاد الإجماع.

لماذا لا يُرجَّح بكثرة الأدلة في المسائل الإجماعية؟

لأن المحققين من الأصوليين قاسوا ذلك على عدم الترجيح بكثرة الشهود، إذ الاعتبار عندهم بالقوة لا بالعدد.

ما القواعد الكلية للشريعة التي يستند إليها الدليل الجملي؟

تشمل: تحقيق المصلحة، ودرء المفسدة، ورفع الحرج والضرر، والعمل باليقين وطرح الشك، والبراءة الأصلية، وسد الذريعة، وعدم مخالفة العرف، وحفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال.

ما موقف صاحب شرح طلعة الشمس من القول بالإجماع بلا مستند؟

قال إنه قول لبعض أهل الأهواء.

ما معنى لفظة التبخيت في سياق مستند الإجماع؟

اختلف الأصوليون في تأويلها؛ فسّرها سراج الدين بالتبخيت بالحاء المهملة بمعنى الشبهة، وهي أمارة تحتمل الصواب والخطأ، وقد بيّن القرافي إشكالية هذا التفسير.

ما الذي صرّح به الآمدي في الإحكام بشأن مستند الإجماع؟

صرّح بأن الأمة لا تجمع إلا عن مأخذ يوجب اجتماعهم، خلافاً لمن شذّ فقال يجوز الإجماع عن توفيق لا توقيف.

ما الفرق بين التوفيق والتوقيف في سياق مستند الإجماع؟

التوقيف يعني وجود مستند شرعي يستند إليه المجتهدون، أما التوفيق فيعني أن الله يوفقهم لاختيار الصواب من غير مستند، وهو القول الشاذ المرفوض.

ما تعريف إجماع الحكم؟

هو إجماع الأمة على حكم مسألة من المسائل الدينية المحضة أو التي لا يستقل العقل بإدراكها، ولا بد له من سند شرعي.

ما تعريف إجماع الفتوى وما مثاله؟

هو اتفاق أولي الأمر على حكم مسألة دنيوية لم ينص عليها الكتاب أو السنة مما يتغير بالزمان والمكان، كالإجماع على إمامة شخص بعينه أو إعلان حرب أو وضع حد أعلى لملكية الأرض.

هل إجماع الفتوى يحتاج إلى دليل؟

نعم، يحتاج إلى دليل جملي من رفع الضرر والحرج ودرء المفسدة وتحصيل المصالح، وإن كان يتغير بتغير الواقع.

ما معنى قول إن إجماع الفتوى يُنسخ صورةً لا حقيقةً؟

يعني أن الفتوى تتغير طبقاً لتغير الواقع، لكن الحقيقة الثابتة في كلا الحالين هي أن تصرفات ولي الأمر منوطة بمصلحة الأمة.

ما الذي قاله الإمام الشافعي في الاتباع عند جهل مستند الإجماع؟

قال إنه إذا أجمعوا على شيء ولم يحكوه عن رسول الله فإنه يُتبع اتباعاً لهم، سواء احتمل أن يكون حكاية عن النبي أو غير ذلك.

لماذا قد يترك المجمعون الدليل بعد انعقاد الإجماع؟

لأن الاقتصار على إظهار الحكم أمنع من الخلاف وأقطع للنزاع، ولا سيما إذا كان الدليل الأصلي ظاهراً محتملاً أو قياس شبه.

ما موقف ابن برهان في الأوسط من الإجماع بلا مستند؟

نقل أن جماعة من المتكلمين قالوا يجوز أن يجمعوا لغير مستند بل يوفقهم الله للصدق والصواب، وهو قول مرفوض عند الجمهور.

ما الحكمة من تسمية إجماع الفتوى إجماعاً رغم اختلافه عن الإجماع المشهور؟

لأنه يحقق تعريف الإجماع في كثير من صوره، وإن كان يختلف في بعض أحكامه كتغيره بتغير الزمان والمكان.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!