اكتمل ✓
الفصل 7

ما الفرق بين إجماع العامة وإجماع الخاصة وهل حجية الإجماع قطعية أم ظنية؟

الفرق بين إجماع العامة وإجماع الخاصة يقتصر على عنصر إمكان النقل الصحيح المنتشر للأمة، وكلاهما يندرج تحت المعلوم من الدين بالضرورة بدرجات متفاوتة. وقد أطلق جمهور الأصوليين القطعية على حجية الإجماع، ومنهم الشافعي والغزالي وإمام الحرمين، في حين ذهب الرازي إلى أنه ظني. وأجاب القرافي بأن المدرك وإن كان ظنياً فلا يلزم أن يكون المدلول ظنياً، وأن القطع يحصل بالاستقراء التام لنصوص الشريعة لا بدليل واحد منفرد.

3 دقائق قراءة
  • هل إجماع العامة وإجماع الخاصة شيء واحد أم بينهما فرق جوهري في أصول الفقه؟

  • الفرق بين إجماع العامة وإجماع الخاصة يقتصر على عنصر إمكان النقل الصحيح المنتشر، وكلاهما يرتبط بالمعلوم من الدين بالضرورة بدرجات متفاوتة.

  • الدليل على إمكان وقوع الإجماع هو الحصول الفعلي، كإجماع الأمة على أن شهر الصيام رمضان وأن القبلة الكعبة وتحريم الجمع بين أكثر من أربع نسوة.

  • أطلق القطعية على حجية الإجماع جمهور الأصوليين، منهم الشافعي والغزالي وإمام الحرمين الجويني وأبو إسحاق الشيرازي وغيرهم.

  • خالف الإمام الرازي الجمهور وذهب إلى أن حجية الإجماع ظنية، محتجاً بأن أدلة أصل الإجماع لا تفيد العلم.

  • أجاب القرافي بأن القطع يحصل بالاستقراء التام لنصوص الشريعة وأقضية الصحابة مجتمعةً، وأن ظنية المدرك لا تستلزم ظنية المدلول.

بيان العلاقة بين إجماع العامة وإجماع الخاصة والمعلوم من الدين بالضرورة

الذي أراه -والله أعلم- أنه لا فرق بين ما يسميه الشافعي إجماع العامة وبين ما يسميه إجماع الخاصة إلا في العنصر الثالث، وهو إمكان نقله للأمة نقلا صحيحا مع انتشار ذلك النقل، وهو ما يتبين من بعض الأمثلة التي ضربناها لإجماع العامة الذي تقتصر معرفته على بعض العلماء دون بعض؛ وعليه فيمكن أن يقال: إن الإجماع هو المعلوم من الدين بالضرورة إذا سلمنا بأن للمعلوم من الدين بالضرورة درجات بحسب تفاوت الناس في إدراكه.

الدليل العملي على إمكان وقوع الإجماع وتحققه في الأحكام الشرعية

الدليل على إمكان وقوع الإجماع والعلم به ونقله:

فإذا سلمنا بكل ما سبق كان الدليل على إمكان وقوع الإجماع، وإمكان العلم به، وإمكان نقله هو الحصول الفعلي، الذي نراه جليا في كثير من الأحكام الشرعية، بل في جل مسائل الشرع الأصلية ، فأجمعت الأمة على أن شهر الصيام هو رمضان، وعلى أن الكعبة هي القبلة، وعلى أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وإلى حل البيع، والإجارة، وحرمة الغيبة، والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، وأكل الخنزير، وأجمعت على فرض الحجاب على النساء، وعلى حفظ العقل، والنفس، والعرض، والدين، والمال، إلى غير ذلك كثير مما لا يجوز مخالفته بحال.

إثبات قطعية حجية الإجماع وأقوال الأئمة في ذلك

قطعية الإجماع:

لقد أطلق القطعية على حجية الإجماع: إمام الأصوليين الإمام الشافعي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والخطيب البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وابن بَرهان، والغزالي، والدبوسي، وشمس الأئمة.

بل نقل غيرُ واحد إجماعَ القائلين بحجية الإجماع على أنه قطعي، ومنهم الرازي مع أنه خالف ذلك، ونسبه الأصفهاني إلى الأكثرين، وقال ابن النجار: وهذا مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأربعة وأتباعهم، وغيرهم من المتكلمين .

موقف الإمام الرازي القائل بظنية الإجماع وبيان حجته

وخالفهم الإمام الرازي فذهب إلى أنه ظني، صرح بذلك في عدة مواضع حتى قال: إن أدلة أصل الإجماع ليست مفيدة للعلم، فما تفرع عليها أولي أن لا يفيد العلم، بل غايته الظن .

جواب القرافي على ظنية مدارك الإجماع وتمييز المدرك عن المدلول

وأجاب الإمام القرافي عليه، فقال رحمه الله تعالى: "تقدم أن مدرك أصول الفقه قطعية، وأن كل دليل ذكرنا، فنحن نريده مضافا لما معه في الشريعة في الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال، وأقضية الصحابة، وذلك إذا حصل بالاستقراء أفاد القطع، فالإجماع قطعي، وأصله قطعي، لكن بعض مدركه ليس قطعيا، وذلك لا يقدح في أن المجموع يفيد القطع، ولا في أن المطلوب قطعي.

سلمنا أن المدرك ظني، لكن لا يلزم أن المدلول لا يكون قطعيا، كما تقدم بيانه في أن الحكم معلوم، والظن واقع في طريقه، ويثبت هنالك أن المبني على الشك معلوم، فضلا عن المبني على الظن" اهـ ما أردته من كلام القرافي رحمه الله.

حل القرافي لإشكال العمومات وتكفير مخالف الإجماع بالاستقراء والمجموع

كما أجاب القرافي جوابا حسنا طويلاً على اعتراض المعترض على حجية الإجماع بقوله: " إن الفقهاء أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المُنْكِر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر، ولا يفسق، إذا كان ذلك الإنكار لتأويل، ثم يقولون: الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر" ، فقال رحمه الله تعالى:

الإجماع قطعي لأجل دلالة كل عموم، لا بالنظر إلى ذلك العموم وحده، بل جميع أصول الفقه -مسائله المشهورة- قطعية، ومدرك القطع فيها يحصل لمن حصل له الاستقراء التام في نصوص الشريعة وأقضية الصحابة في فتاويهم ومناظراتهم، والاطلاع على كثرة واردات السنة في أعيان تلك المسائل، فيحصل القطع حينئذٍ، أما بمجرد آية أو خبر فلا، فهذا هو معنى قول العلماء: "مسائل أصول الفقه قطعية"، وليس من الممكن أن يوضع في كتاب جميع تلك الأمور التي تُحَصِّل العلم، كما أنا نقطع بسخاء حاتم، وبشجاعة عَلِىي؛ لكثرة الاستقراء لأخبارهما، ولو أنا لم نجد إلا كتابا سطرت فيه حكايات كثيرة عنهما لم يحصل لنا القطع، فوضع العلماء في كتب أصول الفقه أصول المدارك دون نهاياتها تنبيها عليها، وحينئذ يتجه قولهم: إن مخالف الإجماع يكفر لمخالفته القطعي، ومخالف العموم لا يكفر لمخالفته الظني، وليس في ذلك ترجيح الفرع على الأصل؛ لأن أصل الإجماع في التحقيق: إنما هو ذلك المجموع الذي أشرنا إليه، ولو خالف أحد ذلك المجموع كفرناه وسوينا بين الفرع والأصل، بل نكفره بذلك الأصل القطعي بطريق الأولي، لكونه أصلاً قطعياً. وإذا لم نكفره بمخالفة عموم واحد نكون قد رجحنا الفرع على بعض أصله، ولا غرو في ذلك حينئذ. فتأمل ذلك، فإن المصنف (يقصد الإمام الرازى) قد أكثر التشنيع في هذا المقام، وأداه صعوبة هذا الموضع إلى أن قال: الإجماع ظني، وهو خلاف إجماع من تقدمه -كما حكاه هو ههنا-، وما سببه إلا عدمُ النظر في هذا البحث، فتأمله تخلص من هذه الضوائق إن شاء الله تعالى" .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما العنصر الوحيد الذي يفرق بين إجماع العامة وإجماع الخاصة؟

إمكان نقله للأمة نقلاً صحيحاً منتشراً

بماذا استدل الأصوليون على إمكان وقوع الإجماع والعلم به؟

بالحصول الفعلي في مسائل الشرع الأصلية

أيٌّ من الأحكام التالية مثال على ما أجمعت عليه الأمة في مسائل الشرع الأصلية؟

أن شهر الصيام هو رمضان وأن الكعبة هي القبلة

من الذي خالف الجمهور وذهب إلى أن حجية الإجماع ظنية لا قطعية؟

الإمام الرازي

ما الحجة التي ساقها الرازي لإثبات ظنية الإجماع؟

أن أدلة أصل الإجماع لا تفيد العلم فما تفرع عنها أولى

كيف ميّز القرافي بين المدرك والمدلول في مسألة قطعية الإجماع؟

قال إن ظنية المدرك لا تستلزم ظنية المدلول

من أين يحصل القطع بحجية الإجماع وفق القرافي؟

من الاستقراء التام لنصوص الشريعة وأقضية الصحابة مجتمعةً

لماذا يكفر مخالف الإجماع ولا يكفر مخالف العموم الواحد وفق القرافي؟

لأن الإجماع قطعي مستند إلى مجموع الأدلة بالاستقراء التام

ما الذي يقصده القرافي بقوله إن أصل الإجماع هو المجموع؟

مجموع نصوص الشريعة وأقضية الصحابة وواردات السنة في المسألة

أيٌّ من العلماء التاليين لم يُذكر ضمن القائلين بقطعية حجية الإجماع؟

ابن تيمية

ما العلاقة بين الإجماع والمعلوم من الدين بالضرورة وفق ما ذكره المؤلف؟

الإجماع هو المعلوم من الدين بالضرورة بدرجات متفاوتة

ما الفرق بين مسائل الشرع ومسائل الفقه كما أشار إليه المؤلف؟

المعلوم من الدين بالضرورة من الشرع لا من الفقه وإن ذُكر في كتب الفقه

ما تعريف إجماع العامة وكيف يختلف عن إجماع الخاصة؟

إجماع العامة وإجماع الخاصة متحدان في جوهرهما، والفرق الوحيد بينهما هو عنصر إمكان النقل الصحيح المنتشر للأمة، وقد تقتصر معرفة إجماع العامة على بعض العلماء دون بعض.

ما العلاقة بين الإجماع والمعلوم من الدين بالضرورة؟

يمكن القول إن الإجماع هو المعلوم من الدين بالضرورة إذا سُلِّم بأن للمعلوم من الدين بالضرورة درجات بحسب تفاوت الناس في إدراكه.

ما الدليل على إمكان وقوع الإجماع؟

الدليل هو الحصول الفعلي الذي يُرى جلياً في كثير من الأحكام الشرعية وجُلّ مسائل الشرع الأصلية، كالإجماع على أن شهر الصيام رمضان وأن الكعبة هي القبلة.

اذكر ثلاثة أمثلة مما أجمعت عليه الأمة في مسائل الشرع الأصلية.

أجمعت الأمة على أن شهر الصيام رمضان، وعلى أن الكعبة هي القبلة، وعلى أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وعلى حرمة الغيبة والنميمة والكذب وأكل الخنزير.

من هم أبرز العلماء الذين أطلقوا القطعية على حجية الإجماع؟

منهم الإمام الشافعي وأبو بكر الصيرفي وأبو إسحاق الشيرازي والخطيب البغدادي وإمام الحرمين الجويني وابن برهان والغزالي والدبوسي وشمس الأئمة.

ما موقف الإمام الرازي من قطعية حجية الإجماع؟

ذهب الرازي إلى أن حجية الإجماع ظنية لا قطعية، محتجاً بأن أدلة أصل الإجماع لا تفيد العلم، فما تفرع عنها أولى أن لا يفيد العلم وغايته الظن.

هل الرازي نفسه نقل إجماع القائلين بقطعية الإجماع؟

نعم، نقل الرازي إجماع القائلين بحجية الإجماع على أنه قطعي، وإن كان هو نفسه قد خالف ذلك وذهب إلى الظنية.

ما المقصود بتمييز القرافي بين المدرك والمدلول في الإجماع؟

يقصد القرافي أن بعض مدرك الإجماع قد يكون ظنياً، لكن هذا لا يقدح في كون المدلول قطعياً، إذ قد يكون الحكم معلوماً والظن واقعاً في طريقه فحسب.

كيف يحصل القطع بحجية الإجماع وفق القرافي؟

يحصل القطع لمن حصل له الاستقراء التام في نصوص الشريعة وأقضية الصحابة في فتاويهم ومناظراتهم والاطلاع على كثرة واردات السنة في أعيان تلك المسائل، لا بمجرد آية أو خبر واحد.

بماذا مثّل القرافي لإفادة الاستقراء القطعَ؟

مثّل القرافي بالقطع بسخاء حاتم وشجاعة علي رضي الله عنه، إذ يحصل القطع بهما بكثرة استقراء أخبارهما، لا بحكاية واحدة أو كتاب واحد.

لماذا لا يكفر مخالف العموم الواحد بينما يكفر مخالف الإجماع؟

لأن العموم الواحد ظني فمخالفته لا توجب التكفير، أما الإجماع فقطعي مستند إلى مجموع الأدلة بالاستقراء التام، فمخالفته مخالفة للقطعي الموجبة للتكفير.

ما معنى قول العلماء إن مسائل أصول الفقه قطعية وفق القرافي؟

معناه أن القطع يحصل بالاستقراء التام لنصوص الشريعة وأقضية الصحابة مجتمعةً، وأن العلماء وضعوا في كتب الأصول أصول المدارك دون نهاياتها تنبيهاً عليها لا حصراً لها.

ما الفرق بين مسائل الشرع ومسائل الفقه في اصطلاح المؤلف؟

المعلوم من الدين بالضرورة من الشرع لا من الفقه، وإن ذُكر في كتب الفقه من باب التوطئة لغيره أو من باب الشيء بالشيء يُذكر.

ما موقف ابن النجار من قطعية حجية الإجماع؟

قال ابن النجار إن القول بقطعية حجية الإجماع هو مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين.

ما الكتاب الذي نقل منه المؤلف جواب القرافي على الرازي؟

نقل المؤلف جواب القرافي من كتاب نفائس الأصول للقرافي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!