اكتمل ✓

كيف وثّق المسلمون السنة النبوية وما منهج الصحابة في قبول الأخبار وحفظ مصادر التشريع الإسلامي؟

مصادر التشريع الإسلامي الأساسية هي القرآن والسنة النبوية. وثّق المسلمون السنة بجهود علمية فريدة لم تتكرر في تاريخ البشرية، إذ رحل الصحابة في طلب الحديث الواحد وأقلّ بعضهم الرواية خشية الخطأ. ووضع الصحابة ضوابط دقيقة لقبول الأخبار، أبرزها التثبت والتحري وتقوية الحديث بتعدد الرواة.

كيف وثّق المسلمون السنة النبوية وما منهج الصحابة في قبول الأخبار وحفظ مصادر التشريع الإسلامي؟
كيف وثّق المسلمون السنة النبوية وما منهج الصحابة في قبول الأخبار وحفظ مصادر التشريع الإسلامي؟
4 دقائق قراءة
  • هل يعلم المسلمون أن بعض كبار الصحابة المقربين من النبي كادوا لا يروون حديثاً واحداً خشية الوقوع في الخطأ؟

  • مصادر التشريع الإسلامي الأساسية هي القرآن الكريم والسنة النبوية، وتوثيق السنة جهد علمي فريد لم يتكرر في تاريخ البشرية.

  • رحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر كامل من أجل حديث واحد، وتناوب عمر وجاره النزول على النبي لنقل أخبار كل يوم.

  • أبو هريرة روى أكثر من خمسة آلاف حديث رغم صحبته للنبي نحو ثلاث سنوات فقط، وذلك لملازمته الدائمة له.

  • وضع الصحابة ضوابط دقيقة لقبول الأخبار، أبرزها منهج أبي بكر في التثبت والتحري كما في قصة ميراث الجدة.

  • اشترط عمر بن الخطاب تعدد الرواة لتقوية خبر الواحد، ترقياً بالحديث من درجة الظن إلى درجة العلم.

تمهيد حول مصادر التشريع الإسلامي والتركيز على توثيق السنة النبوية

مصادر التشريع الإسلامي 2

ذكرنا في المقالة السابقة أن مصادر التشريع الإسلامي القرآن والسنة بالأساس، وأن هناك عشرة أسئلة جالت بذهن المجتهد نحاول أن نجيب عنها، وأجابنا على السؤال الأول وهو ما الحجة في دين الله؟ والسؤال الثاني: كيف وصل إلينا الكتاب والسنة؟ فتكلمنا عن توثيق القرآن، وفي هذه الحلقة نتكلم عن توثيق السنة.

  1. بذل المسلمون جهدا مبدعا وغير مكرر في توثيق كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشئوا علوما كثيرة، ولم يحدث مثل ذلك أبدا لأي نبي أو مفكر أو عالم أو شاعر أو أديب في تاريخ البشرية فهو أمر فريد اختص بكلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويحسن بنا أن نفصل كيفية التوثيق في عهد الصحابة والتابعين دلالة على ما حدث بعد ذلك في العصور التالية وإلى يومنا هذا، حتى يعلم الناس بعض الذي حدث، ودقته، وكيف اتبع المسلمون المنهج العلمي بما لا مزيد بعده من الدقة.

نماذج من عناية الصحابة برواية الحديث ورحلتهم في طلبه

كان للصحابة –رضوان الله عليهم- عناية شديدة في رواية الحديث ونقله، فرحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلي عبد الله بن أُنَيْس في حديث واحد [ذكره البخاري في صحيحه]. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:

«إني كنت وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئتُه بخبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله» [رواه البخاري]

وعن أبى هريرة -رضي الله عنه- أنه قال:

«إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حَدَّثْتُ حديثًا، ثم يتلو (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:159-160] إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْقُ في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون» [رواه البخاري].

سبب كثرة رواية أبي هريرة وموقف الصحابة المقلين من الحديث

  1. وإنما اشتد إنكارهم علي أبى هريرة -رضي الله عنه-؛ لأنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من ثلاث سنين؛ فإنه أسلم عام خيبر، ومع ذلك كان أكثر الصحابة رواية لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا.

ولم تكن رواية الحديث هي الصفة الغالبة علي صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بل التزمت طائفة من أكابر الصحابة المقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإقلالَ من الرواية عنه صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر الصديق، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، والعباس بن عبد المطلب، بل كان بعضهم يكاد لا يروى شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل أحد العشرة المبشرين بالجنة.

دوافع تقليل بعض الصحابة من الرواية والتحذير من الكذب على النبي

  1. ووجهة نظر هؤلاء المقلين كراهية التحريف، أو الزيادة في الرواية، أو النقصان منها، أو خشيتهم من وقوع الخطأ في الحديث حتى لا ينالهم قوله صلى الله عليه وسلم:

«من كذب عَلي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» [رواه البخاري ومسلم]

وقد وضع الصحابة بعض الضوابط لقبول الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم وإن لم تدون في عصرهم ومن تلك الضوابط الاحتياط في قبول الأخبار .

منهج أبي بكر الصديق في التثبت من الأخبار وقصة ميراث الجدة

  1. كان أول من احتاط في قبول الأخبار أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال:

«جاءت الجدة إلي أبى بكر -رضي الله عنه- تسأله ميراثها فقال لها أبو بكر ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق رضي الله عنه» [رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه]، فكانت رؤية أبى بكر -رضي الله عنه- هي التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية مطلقًا.

منهج عمر بن الخطاب في خبر الواحد وتقوية الحديث بتعدد الرواة

  1. ثاني تلك الضوابط التوقف في قبول خبر الواحد والتثبت من نقله، وبذلك الضابط تمسك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعن أبى سعيد الخدري قال:

«كنت جالسًا في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا. قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثا فلم يرد علي، فرجعتُ. فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فَسَلَّمْتُ على بابك ثلاثًا، فلم يردوا علي، فرجعت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يُؤذن له فليرجع، فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتُك. فقال أُبَىُّ بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به» [رواه مسلم في صحيحه].

فرأى عمر –رضي الله عنه- أن يتأكد عنده خبر أبى موسى بقول صحابي آخر، فهذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حث علي تكثير طرق الحديث لكي يترقى من درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوَهَم وذلك نادر على ثقتين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المصدران الأساسيان للتشريع الإسلامي؟

القرآن والسنة

كم مسافة الرحلة التي قطعها جابر بن عبد الله لأجل حديث واحد؟

مسيرة شهر

كم حديثاً روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً

في أي عام أسلم أبو هريرة رضي الله عنه؟

عام خيبر

ما الدافع الرئيسي لإقلال بعض كبار الصحابة من رواية الحديث؟

خشية التحريف والوقوع في الخطأ

من هو الصحابي الذي كاد لا يروي شيئاً رغم كونه أحد العشرة المبشرين بالجنة؟

سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل

ما الذي طلبه أبو بكر الصديق من المغيرة بن شعبة حين أخبره بحديث ميراث الجدة؟

أن يأتي بشاهد آخر

ما نصيب الجدة من الميراث الذي أقره أبو بكر الصديق بناءً على السنة النبوية؟

السدس

ما الضابط الذي تمسك به عمر بن الخطاب في قبول الأخبار؟

التوقف في قبول خبر الواحد والتثبت بتعدد الرواة

ما الحديث الذي استشهد به أبو موسى الأشعري أمام عمر بن الخطاب؟

حديث الاستئذان ثلاثاً

لماذا رأى عمر بن الخطاب أن رواية الثقتين أقوى من رواية الواحد؟

لأن الواحد يجوز عليه النسيان والوهم وذلك نادر على ثقتين

من الذي شهد مع المغيرة بن شعبة بصحة حديث ميراث الجدة؟

محمد بن مسلمة

ما الذي يميز توثيق السنة النبوية عن توثيق كلام أي شخصية أخرى في التاريخ؟

بذل المسلمون جهداً علمياً فريداً في توثيق كلام النبي لم يتكرر لأي نبي أو مفكر أو عالم أو شاعر في تاريخ البشرية، وأنشأوا لذلك علوماً كثيرة.

لماذا كان أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث رغم قِصَر صحبته للنبي؟

لأنه لازم النبي بشبع بطنه وحضر ما لم يحضره غيره، بينما كان المهاجرون مشغولين بالتجارة والأنصار بأعمالهم.

ما الآية القرآنية التي استند إليها أبو هريرة لتبرير كثرة روايته للحديث؟

استند إلى قوله تعالى: 'إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون' [البقرة: 159].

من هم أبرز الصحابة الذين آثروا الإقلال من رواية الحديث؟

أبو بكر الصديق، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، والعباس بن عبد المطلب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.

ما الحديث النبوي الذي جعل الصحابة يتحرزون من الرواية خشية الخطأ؟

حديث 'من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار' رواه البخاري ومسلم.

كيف تناوب عمر بن الخطاب وجاره في متابعة أخبار النبي؟

كانا يتناوبان النزول على النبي، فإذا نزل أحدهما جاء الآخر بخبر ذلك اليوم من الأمر وغيره.

ما الفرق بين منهج أبي بكر في قبول الأخبار وسد باب الرواية؟

كانت رؤية أبي بكر التثبت والتحري لا سد باب الرواية مطلقاً، فكان يطلب شاهداً آخر لتأكيد الخبر دون رفضه ابتداءً.

ما الغاية من تكثير طرق الحديث عند الصحابة؟

الغاية ترقية الحديث من درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم وذلك نادر على ثقتين.

من الذي شهد لأبي موسى الأشعري بصحة حديث الاستئذان أمام عمر بن الخطاب؟

أُبيّ بن كعب، وكان أصغر القوم في المجلس هو أبو سعيد الخدري الذي ذهب معه.

ما الضوابط التي وضعها الصحابة لقبول الأخبار عن النبي؟

الاحتياط في قبول الأخبار، والتثبت والتحري كما فعل أبو بكر، والتوقف في قبول خبر الواحد وتقويته بتعدد الرواة كما فعل عمر.

ما الذي يدل عليه تفصيل منهج الصحابة والتابعين في توثيق السنة؟

يدل على ما حدث في العصور التالية إلى يومنا هذا من دقة التوثيق، واتباع المسلمين للمنهج العلمي بما لا مزيد بعده من الدقة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!