اكتمل ✓

ما مصادر المعرفة في الإسلام وكيف تتفاعل الوحي والعقل والمنطق في بناء الأحكام الشرعية؟

مصادر المعرفة في الإسلام تتمثل في الوحي والوجود، والوجود يشمل العقل والحس والعرف والعادة والفطرة. العقل المسلم التراثي كان يستخرج أحكامه من هذه المصادر مجتمعةً، فالصلاة واجبة بحكم الشرع، والنار محرقة بحكم الحس، وعدم اجتماع النقيضين حكم عقل. توقف المزج بين الوحي والوجود في العصر الحديث أوجد ازدواجية في الفكر والتعليم والثقافة.

ما مصادر المعرفة في الإسلام وكيف تتفاعل الوحي والعقل والمنطق في بناء الأحكام الشرعية؟
ما مصادر المعرفة في الإسلام وكيف تتفاعل الوحي والعقل والمنطق في بناء الأحكام الشرعية؟
3 دقائق قراءة
  • هل قضية تاريخانية النص الديني هي نفس قضية خلق القرآن التي أثيرت في القرن الثالث الهجري بمسمى جديد؟

  • القرآن الكريم مطلق يتجاوز الزمان والمكان، وادعاء تاريخانيته هو عين القول بمخلوقيته بعنوان مستجد.

  • مصادر المعرفة في الإسلام تشمل الوحي والوجود، والوجود يضم العقل والحس والعرف والعادة والفطرة.

  • توقف المزج بين الوحي والوجود في العصر الحديث أفرز ازدواجية في الفكر والتعليم والثقافة الإسلامية.

  • المنطق المستخدم في العلوم الإسلامية هو في جوهره منطق عربي إسلامي، وما بقي من أرسطو هو الاسم فقط لا القواعد.

  • الأخضري لخّص موقف العلماء من المنطق بأن جوازه مشروط بكمال القريحة وانضباطه بالقرآن والسنة وقواعد العربية.

استمرار قضية خلق القرآن وتجددها في ثوب تاريخانية النص

مصادر التشريع الإسلامي 14

أشرنا في المقال السابق إلى أن قضية (خلْق القرآن) التي أثيرت في الربع الثاني من القرن الثالث الهجري لا تزال مطروحة بكل قوة، لكن بألفاظ وعناوين مستجدة. وذكرنا أن لدينا توجّهًا معاصرًا يتبناه أناس من أمثال نصر حامد أبو زيد، سعيد عشماوي، محمد أركون.. يرى أن القرآن زمنيّ تاريخاني!! أليس هذا هو عين القول بمخلوقية القرآن ؟ "فالقرآن مخلوق" تعني أنه حادث، والحادث كائن بعد أن لم يكن؛ وبالتالي كان له مكان، فإذا ذهب المكان والمكين (وهما عَرَضان)..بقى القرآنُ تاريخًا، فيقولون: "تاريخانية النصّ".. نفس القصة بعنوان أو مدخل آخر، كأن القضايا لم تنعدم تمامًا..إنما تبدلت الأسماء والمداخل.

ونحن نقول: إن القرآن العظيم مطلق، ليس زمانيًا ولا تاريخيًا.. فالقرآن غض طرىّ كأنه نزل الساعة، يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحداث والأحوال.

إمكان توظيف علم الكلام التراثي مع الحاجة لضبط الصياغة المعاصرة

ومن ثم، يمكن أن نستفيد-مثلًا- من علم الكلام –كما في الأصل المقرر هنا- من الكليات، كما يمكن ألا نعدم فائدة جزئياته في قضايانا الحالية. بل يمكن الزعم أن كل سمات العصر يمكن التعاطي معها من خلال "علم الكلام" التراثي.. لكن ما نحتاج إليه فعلًا هو "ضبط الصياغة الملائمة" كما أشير أعلاه، فالنموذج المعرفي والمداخل والمشكلات..كلها أسماؤها وصياغاتها صارت مختلفة!!

والسؤال الآن: من أين جاء العقل المسلم التراثي بهذه الردود والأحكام التي حكم بها على الوجود بل والغيب من ورائه؟

مصادر المعرفة في الإسلام بين الوحي والوجود وتعامل العقل المسلم معها

هذا يدخل فيما نعرفه اليوم بـ"مصادر المعرفة" أو ما يسمى "الابستمولوجي". فمصادر المعرفة عندنا تتمثل في الوحي والوجود. إن المسلم كان يأتي لموضوع العلم ويقبل التعرض لأي موضوع.. مع خصوصية إجاباته عن مسائل هذا العلم.. مستندًا في ذلك إلى مرجعيته ومستفيدًا من القواعد العقلية التي تتوافق مع الإطار الذي يتحرك فيه، فيستخرج أحكامه على المسائل من مصادر متعددة.

فهناك أحكام استخرجها هذا الموروث من النقل (الوحي) ، وأخرى من العقل، وأخرى من العُرف، ومن العادة أو الحس، ومن الفطرة،..الخ، وكل هذه العناصر والمصادر المذكورة - عدا النقل أو الشرع- تسمَّى "الوجود".

أمثلة على الأحكام الشرعية والعقلية والحسية وأثر توقف المزج بين الوحي والوجود

فـ"الصلاة واجبة": حكم شرع ونقل، و"النار محرقة": حكم عادة أو حسٍّ أو تجربة، و]واحد زائد واحد يساوي اثنين[: حكم عقل، وكذا "عدم اجتماع النقيضين" هو حكم عقل، .. وهكذا.

وتوقُّف عملية المزج والوصل الجميل بين هذين المصدرين (الوحي والوجود) في الزمن الراهن هو الذي أوجد عندنا ازداوجية الفكر والتعليم والثقافة. وافتقادنا لمعرفة عناصر الإدراك العقلي عند هؤلاء المنتجين لهذه العلوم الموروثة (أي كيف كانوا يبنون تصوراتهم؟ كيف كانوا يكتبون ما يتصورونه..؟) هو الذي نراه عند أصحاب العلوم الاجتماعية اليوم، ونسعى لتجاوزه.

تساؤل حول إدخال المنطق الأرسطي إلى العلوم الإسلامية وموقف علماء التراث

ثم إن القول بأن علماء التراث الإسلامي كانوا يجعلون العقل من بين مصادرهم للمعرفة والحكم على الأشياء، يطرح التساؤل حول ما يُقال من إدخالهم المنطق الأرسطي على العلوم الإسلامية، وهذا يحتاج لوقفة مهمة.

ففي كتاب "المقابسات" أورد أبو حيان التوحيدي مناظرات بين أبي سليمان المنطقي وبين أهل النحو واللغة (الذين تميزوا بتأسيسهم علومهم اللغوية على علم عقليّ ما، لكنه من داخل الدائرة الإسلامية، غير مستورد لا عن أرسطو ولا غيره). وجرى في هذه المناقشات جدال، وكانت الغلبة غالبًا لأهل العربية.

تكون المنطق العربي المشترك ولبس إطلاق اسم المنطق بين الأرسطي والعربي

وبالتأمل نجد أن الذي قاله أهل العربية، هذا هو "المنطق" الذي أخذناه بعد ذلك، وأن منطق أرسطو تقاطعَ معه في مساحة هي "مشترك العقل البشري"، وأن الباقي من أرسطو رُفض، وأن الباقي من قبل علماء العربية استقرَّ.. إلا أن الاسم الذي غلب على ما نستعمله من هذه القواعد، هو الاسم الذي نُقل عن أرسطو: "المنطق".. فالذي بقى من قواعد أرسطو هو الاسم فقط.

لقد أورثنا هذا لبسًا قائمًا إلى الآن، حيث أصبحت كلمة "منطق" تُطلق ويُقصد بها المنطق الأرسطي، وتُطلق ويُقصد بها المنطق العربي، كما تُطلق ويُقصد بها المشترك بين المنطقيْن.. وهكذا. فكأن الأسماء ضاقت علينا فلم نجد للقواعد العقلية العربية اسمًا آخر غير كلمة "المنطق".

تلخيص الأخضري لموقف العلماء من تعلم المنطق وضوابطه

وقد لاحظ بعض العلماء ذلك، فقام الشيخ الشاب الأخضري بتلخيص المسألة في كتاب اسمه "السُّلَّم"- وكان عمره واحدًا وعشرين عامًا- فقال مثلًا:

وابن الصلاح والنوويُّ حرَّما

وقال غيرٌ: ينبغي أن يُعلما

والقولةُ المشهورةُ الصحيحةْ

جوازُهُ لكامــلِ القريحةْ

ممارسِ السُّـنَّةِ والكـتابِ

ليهتدي بـهِ إلى الصوابِ

التمييز بين الكلام المستورد والقواعد العقلية المشتركة واستقرار عمل أهل السنة

ففرَّق الرجلُ بين الكلام المستورد الفارغ، وبين هذه القواعد المقررة التي اشترك فيها العقلاء، والتي ينبغي أن تكون منضبطة بالقرآن والسنَّة وقواعد العربية والقريحة الصحيحة.

وعندما استقر الحال بعد أبي حيان وغيره، استقر العمل لدى أهل السُّـنّة على الأخذ بهذا المنطق، ودخل في الكثير من صياغات الأصول والعلوم الإسلامية بعد القرن السابع بهذا المعنى، وحُمِل كلام المعترضين كابن تيمية وغيره على نقض المنطق الأرسطي، وحُمِل كلام غيرهم من المؤيدين على المنطق العربي، وقد سُمىّ "منطقًا"؛ لأنه تكلم في الموضوع ذاته الذي تكلم فيه المنطق الأرسطي؛ أي تصحيح وترشيد الفهم: التفكير السليم المستقيم:

تشبيه وظيفة المنطق بالنسبة للعقل بوظيفة النحو بالنسبة للسان

فنسبة المنطقِ للجَنانِ

كنسبةِ النحوِ إلى اللسانِ

(يتبع)

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يرى فيه أصحاب تاريخانية النص الديني في القرآن الكريم؟

أنه زمني تاريخي مرتبط بعصر نزوله

ما المصادر التي يشملها مفهوم الوجود في منظومة مصادر المعرفة الإسلامية؟

العقل والحس والعرف والعادة والفطرة

أي من الأمثلة التالية يمثل حكماً عقلياً خالصاً وفق التصنيف الإسلامي التراثي؟

عدم اجتماع النقيضين

ما الأثر الرئيسي لتوقف المزج بين الوحي والوجود في العصر الحديث؟

ازدواجية الفكر والتعليم والثقافة

ما الكتاب الذي أورد فيه أبو حيان التوحيدي مناظرات بين أبي سليمان المنطقي وأهل النحو واللغة؟

المقابسات

ما الذي بقي فعلاً من المنطق الأرسطي في العلوم الإسلامية وفق ما استقر عليه العلماء؟

الاسم فقط دون القواعد

ما الشرط الرئيسي الذي وضعه الأخضري لجواز تعلم المنطق؟

أن يكون كامل القريحة ممارساً للكتاب والسنة

كم كان عمر الأخضري حين ألّف كتاب السلم في المنطق؟

واحد وعشرين عاماً

بماذا شبّه العلماء وظيفة المنطق بالنسبة للعقل؟

بوظيفة النحو بالنسبة للسان

على ماذا حُمل كلام ابن تيمية في نقد المنطق وفق ما استقر عليه العلماء؟

نقض المنطق الأرسطي تحديداً

ما الذي يميز المنطق العربي الإسلامي عن المنطق الأرسطي وفق التحليل التراثي؟

أن المنطق العربي نشأ من داخل الدائرة الإسلامية

من هم المفكرون المعاصرون الذين يتبنون تاريخانية النص القرآني؟

نصر حامد أبو زيد وسعيد عشماوي ومحمد أركون من أبرز من يتبنون هذا التوجه الذي يرى أن القرآن زمني تاريخي.

لماذا يُعدّ القول بتاريخانية النص امتداداً لقضية خلق القرآن؟

لأن القول بأن القرآن مخلوق يعني أنه حادث في زمان ومكان، وإذا انتهى الزمان والمكان بقي القرآن تاريخاً، وهو ما تعبر عنه تاريخانية النص بمصطلح مختلف.

ما المقصود بمصطلح الابستمولوجيا في السياق الإسلامي؟

يقصد به علم مصادر المعرفة، وفي الإسلام تتمثل هذه المصادر في الوحي والوجود بمصادره المتعددة من عقل وحس وعرف وعادة وفطرة.

ما الفرق بين الوحي والوجود بوصفهما مصدرين للمعرفة الإسلامية؟

الوحي هو النقل الشرعي من القرآن والسنة، أما الوجود فيشمل كل ما عداه من عقل وحس وعرف وعادة وفطرة.

ما مثال الحكم الشرعي النقلي في التصنيف الإسلامي التراثي؟

وجوب الصلاة مثال على الحكم الشرعي النقلي المستمد من الوحي مباشرة.

ما مثال الحكم الحسي أو التجريبي في التصنيف الإسلامي التراثي؟

إحراق النار مثال على الحكم الحسي أو التجريبي المستمد من الملاحظة والتجربة.

ما الإشكالية التي أوجدها توقف المزج بين الوحي والوجود في العصر الحديث؟

أوجد ازدواجية في الفكر والتعليم والثقافة، وأفضى إلى افتقاد معرفة عناصر الإدراك العقلي عند المنتجين للعلوم الموروثة.

ما كتاب أبي حيان التوحيدي الذي تضمن مناظرات المنطقيين وأهل العربية؟

كتاب المقابسات الذي أورد فيه مناظرات بين أبي سليمان المنطقي وأهل النحو واللغة، وكانت الغلبة غالباً لأهل العربية.

ما المساحة المشتركة بين المنطق العربي والمنطق الأرسطي؟

تقاطعا في مساحة هي مشترك العقل البشري، أما ما زاد على ذلك من المنطق الأرسطي فقد رُفض، وما استقر من قبل علماء العربية بقي.

ما اللبس المصطلحي الذي نشأ عن تسمية المنطق العربي بالمنطق؟

أصبحت كلمة منطق تُطلق ويُقصد بها المنطق الأرسطي تارةً، والمنطق العربي تارةً أخرى، والمشترك بينهما تارةً ثالثة، مما أوجد لبساً قائماً حتى اليوم.

ما اسم الكتاب الذي لخّص فيه الأخضري موقف العلماء من المنطق؟

كتاب السلم الذي ألّفه الأخضري وهو في الحادية والعشرين من عمره.

ما موقف ابن الصلاح والنووي من تعلم المنطق؟

ذهبا إلى تحريم تعلم المنطق، في حين رأى غيرهم أنه ينبغي أن يُعلَّم، والقول المشهور الصحيح هو جوازه بشروط.

ما الضوابط التي وضعها العلماء لقبول القواعد العقلية في العلوم الإسلامية؟

أن تكون منضبطة بالقرآن والسنة وقواعد العربية والقريحة الصحيحة، مع التمييز بين الكلام المستورد الفارغ والقواعد المقررة المشتركة.

متى دخل المنطق العربي في صياغات الأصول والعلوم الإسلامية بصورة واسعة؟

دخل في كثير من صياغات الأصول والعلوم الإسلامية بعد القرن السابع الهجري.

ما الغاية الأساسية من المنطق وفق تعريف العلماء؟

الغاية هي تصحيح وترشيد الفهم والتفكير السليم المستقيم، كما يضبط النحو الكلام ويصونه من الخطأ اللغوي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!