اكتمل ✓

ما هي ضوابط التثبت في نقل السنة النبوية التي اتبعها الصحابة وكيف حافظوا على الحديث؟

اتبع الصحابة رضي الله عنهم جملة من الضوابط الدقيقة للتثبت في نقل السنة النبوية، أبرزها: الاستحلاف، واشتراط اللقيا والسماع، وعرض الأحاديث على القرآن الكريم، وعرض السنة على السنة، وعرض السنة على القياس. وقد سبق الصحابة البخاريَّ في الاهتمام بشرط اللقيا والسماع، مما يدل على مدى عنايتهم بصيانة الحديث النبوي وضبطه.

ما هي ضوابط التثبت في نقل السنة النبوية التي اتبعها الصحابة وكيف حافظوا على الحديث؟
ما هي ضوابط التثبت في نقل السنة النبوية التي اتبعها الصحابة وكيف حافظوا على الحديث؟
4 دقائق قراءة
  • هل كان الصحابة يقبلون كل حديث يُروى عن النبي دون تمحيص؟ الواقع أنهم وضعوا ضوابط دقيقة بالغة الصرامة.

  • التزم علي بن أبي طالب ضابط الاستحلاف، إذ كان يطلب من الراوي أن يحلف قبل أن يصدقه في ما يرويه عن النبي.

  • اشترط الصحابة اللقيا والسماع المباشر في نقل الحديث، وتجلى ذلك في رحلة جابر بن عبد الله لسماع حديث واحد من عبد الله بن أنيس.

  • كان الصحابة يعرضون الأحاديث على القرآن الكريم، ومن ذلك إنكار عائشة لفهم عمر في حديث تعذيب الميت ببكاء أهله.

  • من ضوابطهم أيضاً عرض السنة على السنة وعرض السنة على القياس، كما فعل ابن عباس مع حديث الوضوء مما مست النار.

  • بلغ عدد الصحابة الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة وأربعة عشر ألف صحابي وفق ما ذكره أبو زرعة الرازي.

استكمال الحديث عن عناية الصحابة بالتثبت في نقل السنة النبوية

مصادر التشريع الإسلامي 3

ذكرنا في المقالة السابقة شدة اعتناء الصحابة رضوان الله عليهم بوضع الضوابط لنقل السنة النبوية المشرفة، ورأينا كيف احتاطوا في ذلك، ورأينا كيف كان يتثبت سيدنا عمر بن الخطاب من خبر الواحد، ويبحث عمن يعضده.

وفي هذه الحلقة نكمل الكلام عن اعتناء الصحابة بالتثبت والاحتياط في نقل السنة بدقة بالغة، فقد ورد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ما يدل علي تثبته في الحديث، فعن بُسْر بن سعيد أنه قال: أتى عثمان المقاعد، فدعا بوضوء، فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا يتوضأ، يا هؤلاء: أكذاك؟ قالوا: نعم. لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده» [رواه أحمد في مسنده].

منهج علي بن أبي طالب في الاستحلاف وضابط اللقيا والسماع عند الصحابة

وكذلك التزم الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه ضابط التثبت من الأخبار عن طريق الاستحلاف فرويه عنه أنه قال: «قال كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته» [رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه والترمذي في سننه]. وكل ما رُوى عن الصحابة في ذلك الصدد اقتصر علي التثبت والاستظهار في سبيل المحافظة علي السنة المطهرة.

  1. ومن ضوابط النقل عند الصحابة سمة تسمى «اللقيا والسماع» وقد اشتهر صحيح البخاري بأنه هو الذي اشترط هذا الشرط في صحيحه مما جعل صحيحه أعلى كتب السنة توثيقا وضبطا.

إلا أن الصحابة سبقوا البخاري في الاهتمام بهذا الشرط، ففي رحلة جابر بن عبد الله رضي الله عنه إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث واحد دليل على ذلك، حيث كان بإمكانه أن يرسل له رسالة أو يحصل الحديث بأي شكل بغير لقاء، إلا أنهم اعتنوا باللقاء والسماع حتى يثبت النقل.

عرض الأحاديث على القرآن ومواقف عمر وعائشة وفاطمة بنت قيس

  1. ومن الضوابط كذلك أنهم كانوا يعرضون الأحاديث على القرآن الكريم، ومن ذلك أن بعض الصحابة –رضي الله عنهم- قد رد بعض الأحاديث؛ لأنها في نظرهم تخالف كتاب الله تعالى، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله عليه، وفهم رضي الله عنه أنه عام وأن التعذيب بسبب بكاء الأهل علي الميت»، فأنكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذلك الفهم، واحتجت بقوله تعالى:

(وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [الأنعام:164].

ومن ذلك ما روي: أن عمر سمع حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها سكنى ولا نفقة. قال عمر: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندرى لعلها حفظت أو نسيت. لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل:

(لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [ الطلاق:1]» [رواه مسلم في صحيحه].

عرض السنة على السنة في مسألة ما يوجب الغسل بين الأحاديث

  1. ومن الضوابط التي اعتنى بها الصحابة في نقل السنة النبوية، عرض السنة على السنة،وذلك فيما ظاهره التعارض بين الأحاديث، ما ورد في اختلاف الصحابة –رضي الله عنهم- فيما يوجب الغسل، فذكروا ما ورد عن عائشة رضي الله عنها، حيث قالت:: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم» [رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه]، وكان قد احتج بعضهم بما روي عن أبى سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إنما الماء من الماء» [رواه مسلم].

عرض السنة على القياس في مسألة الوضوء مما مست النار

  1. ومنها كذلك عرض السنة على القياس ،ومن ذلك ما روي عن أبي سلمة، عن أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الوضوء مما مست النار ولو من ثَوْرِ أَقِطٍ، قال: فقال ابن عباس: «يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟» [رواه الترمذي].

فكل هذه الضوابط التي اعتنى بها الصحابة في نقل السنة النبوية المشرفة إنما تشير إلي مدى اهتمام الصحابة رضي الله عنهم برواية الحديث والعناية به وصيانته.

صعوبة حصر عدد الصحابة وتمهيد لذكر أعدادهم في الغزوات

  1. وقد ينظر الناظر في كثرة كتب السنة، وكثرة عدد الأحاديث بها، ويسأل نفسه كم كان عدد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رووا كل هذه الأحاديث؟ ولذا فمن تمام الفائدة أن نذكر عدد الصحابة رضوان الله عليهم، ونبين القول في ذلك، إلا أن حصر الصحابة رضي الله عنهم بالعد والإحصاء متعذر؛ لتفرقهم في البلدان، ولأنهم كثرة بالغة، ومن حدهم من العلماء فإنه من باب التقريب.

ذكر كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان هذا.

تقدير أعداد الصحابة في فتح مكة وحجة الوداع وقول أبي زرعة

وقد وردت بعض الروايات تذكر عدد الصحابة في بعض المشاهد والغزوات، فعن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك علي رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلي مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيدَ -وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد- أفطر وأفطروا وحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع تسعون ألفا من المسلمين» [رواه البخاري].

وسأل رجل أبا زرعة الرازي فقال له يا أبا زرعة أليس يقال حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: ومن قال ذا، قَلْقَلَ الله أنيابَه هذا قول الزنادقة، ومَنْ يُحْصِى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه. قيل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومَنْ بينهما، والأعراب، ومَنْ شهد معه حجة الوداع.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الضابط الذي اتبعه علي بن أبي طالب للتثبت من الأحاديث التي يرويها له الصحابة؟

الاستحلاف قبل قبول الرواية

بماذا احتجت عائشة رضي الله عنها حين أنكرت فهم عمر لحديث تعذيب الميت ببكاء أهله؟

بقوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى

ما الحديث الذي احتج به بعض الصحابة على أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال؟

إنما الماء من الماء

ما الضابط الذي طبّقه ابن عباس حين اعترض على حديث الوضوء مما مست النار؟

عرض السنة على القياس

ما الذي يميز صحيح البخاري عن غيره من كتب السنة وفق ما ذكره المحتوى؟

اشتراطه اللقيا والسماع في الرواية

لماذا رحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس بدلاً من مراسلته؟

لأنه أراد التثبت باللقيا والسماع المباشر

كم كان عدد المسلمين الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وفق رواية البخاري؟

تسعون ألفاً

بكم قدّر أبو زرعة الرازي عدد الصحابة الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

مائة وأربعة عشر ألفاً

لماذا يُعدّ حصر عدد الصحابة بالعد الدقيق أمراً متعذراً؟

لتفرقهم في البلدان وكثرتهم البالغة

ما موقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس في إسقاط السكنى والنفقة عن المطلقة ثلاثاً؟

رده محتجاً بآية من سورة الطلاق

ما الذي فعله عثمان بن عفان بعد أن أتم الوضوء أمام الصحابة؟

التفت إلى الحاضرين يستشهدهم على أن هذا وضوء النبي

ما المقصود بضابط الاستحلاف في رواية الحديث؟

هو أن يطلب المحدِّث من الراوي أن يحلف بالله على صحة ما يرويه قبل أن يقبل روايته، وقد اشتهر به علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ما المقصود بضابط اللقيا والسماع في علم الحديث؟

هو اشتراط اللقاء المباشر والسماع الشخصي بين الراوي والمروي عنه، وقد سبق الصحابة البخاريَّ في الاهتمام بهذا الشرط.

ما الدليل على اهتمام الصحابة بضابط اللقيا والسماع؟

رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد مباشرة، مع أنه كان بإمكانه الحصول عليه بالمراسلة.

ما حديث عائشة رضي الله عنها في مسألة موجبات الغسل؟

قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما حديث أبي سعيد الخدري في مسألة موجبات الغسل؟

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: إنما الماء من الماء، وهو يفيد أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال.

بماذا اعترض ابن عباس على حديث الوضوء مما مست النار؟

قال لأبي هريرة: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ مستنكراً بالقياس أن يُنقض الوضوء بكل ما مسته النار.

ما الآية التي استدل بها عمر بن الخطاب في رد حديث فاطمة بنت قيس؟

استدل بقوله تعالى: (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) من سورة الطلاق.

ما الآية التي استدلت بها عائشة في إنكار فهم عمر لحديث تعذيب الميت؟

استدلت بقوله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) من سورة الأنعام، مستدلة على أن أحداً لا يُعذَّب بذنب غيره.

كم كان عدد المسلمين مع النبي حين خرج لفتح مكة وفق رواية ابن عباس؟

كانوا عشرة آلاف مسلم، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة.

ما رأي أبي زرعة الرازي فيمن قال إن أحاديث النبي أربعة آلاف حديث فقط؟

أنكر ذلك إنكاراً شديداً وقال إن هذا قول الزنادقة، مؤكداً أن النبي قُبض عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي ممن رووا عنه.

من أين كان الصحابة الرواة وفق قول أبي زرعة الرازي؟

كانوا من أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب ومن شهد مع النبي حجة الوداع.

ما الذي يدل على أن الصحابة سبقوا البخاري في اشتراط اللقيا والسماع؟

رحلة جابر بن عبد الله لسماع حديث واحد مباشرة من عبد الله بن أنيس، وهو ما يثبت أن هذا الشرط كان معمولاً به قبل البخاري.

ما الضوابط الخمسة التي اعتمدها الصحابة في نقل السنة النبوية؟

الاستحلاف، واشتراط اللقيا والسماع، وعرض الأحاديث على القرآن الكريم، وعرض السنة على السنة، وعرض السنة على القياس.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!