اكتمل ✓

كيف تُفهم مصادر التشريع الإسلامي في ضوء العقل التراثي والنماذج المعرفية الحديثة؟

فهم مصادر التشريع الإسلامي يستلزم إدراك عناصر تكوين العقلية التراثية أولاً، ثم التتبع والاستقراء والتجريد والتفعيل لربط النص بالواقع المعاصر. الفارق الجوهري بين النموذج المعرفي الإسلامي والغربي يكمن في أن المعرفة الإسلامية تقوم على مصدرين: الوحي والوجود، بينما تقتصر المعرفة الغربية على الوجود وحده. كما أن مفهوم العلم في الإسلام أوسع من مفهوم الـ Science التجريبي، إذ يشمل الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل سواء كان عقلياً أو تجريبياً أو غيره.

كيف تُفهم مصادر التشريع الإسلامي في ضوء العقل التراثي والنماذج المعرفية الحديثة؟
كيف تُفهم مصادر التشريع الإسلامي في ضوء العقل التراثي والنماذج المعرفية الحديثة؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن للباحث المعاصر أن يفهم التراث الإسلامي دون الوقوع في فخ المصطلحات الملتبسة بين العلوم الحديثة والنصوص الأصيلة؟

  • استقر أهل السنة على الأخذ بالمنطق العربي بعد القرن السابع، مع التمييز بينه وبين المنطق الأرسطي الذي انتقده ابن تيمية وغيره.

  • فهم الموروث الحضاري الإسلامي يمر بمراحل متتالية: إدراك العقلية التراثية، ثم التتبع والاستقراء، ثم التجريد والتفعيل، وصولاً إلى ربط النص بالواقع.

  • النموذج المعرفي الإسلامي يقوم على مصدرين للمعرفة هما الوحي والوجود، بينما يقتصر النموذج الغربي على الوجود وحده، وكلاهما قيمي بطبيعته.

  • مفهوم العلم في الإسلام أشمل من الـ Science الغربي؛ إذ يعني الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، سواء كان عقلياً أو تجريبياً أو عادياً.

  • إشكالية الترجمة تُعيق نقل المفاهيم الإسلامية إلى اللغات الأخرى، خلافاً للترمنولوجي الهندوكي الذي نُقل بعناية إلى قواميس مفصّلة في اللغات الغربية.

تطور موقف أهل السنة من علم المنطق وتمييز المنطق الأرسطي والعربي

مصادر التشريع الإسلامي 15

تكلمنا في المقالة السابقة عن بزوغ علم المنطق وموقف المسلمين منه في بداية الأمر، ثم لما استقر الحال بعد أبي حيان وغيره، استقر العمل لدى أهل السُّـنّة على الأخذ بهذا المنطق، ودخل في الكثير من صياغات الأصول والعلوم الإسلامية بعد القرن السابع بهذا المعنى، وحُمِل كلام المعترضين كابن تيمية وغيره على نقض المنطق الأرسطي، وحُمِل كلام غيرهم من المؤيدين على المنطق العربي، وقد سُمىّ "منطقًا"؛ لأنه تكلم في الموضوع ذاته الذي تكلم فيه المنطق الأرسطي؛ أي تصحيح وترشيد الفهم: التفكير السليم المستقيم.

وظيفة المنطق في منع الخطأ والتنبيه لطلب المعاني لا الألفاظ

فالمنطق يمنع الخطأ في الفهم كما يفعل النحو في المنطق اللفظي. فأرسطو أعطانا الفكرة؛ أن نضع آلة قانونية تعصم مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ- ثم وضعها المسلم من عنده ومن لغته، وهو يمارس السُّـنَّة والكتاب ليهتدي به إلى الصواب. فتنبَّه! إنك تتعامل مع إطار زمنيّ واسع، مع تغيرات متتابعة مستعرضة، مع مدارس متعددة، مع اصطلاحات قد تتضارب.. فإياك إياك والألفاظ، إياك أن تتوقف إلا عند المعاني..لأنهم قالوا: (من طلب الحقائق من الألفاظ هَلَك) هكذا عبَّر الغزالي، فانظر في معنى المنطق: ما هو حق؟ وما هو باطل؟

مراحل فهم الموروث الحضاري الإسلامي وربط النص بالواقع المعاصر

والخلاصة أن فهم الموروث الحضاري الإسلامي يحتاج إلى إدراك عناصر تكوين العقلية التراثية أولًا، وهذه المرحلة تحتاج إلى جهد ومثابرة! ثم تتوالى مراحل الاستفادة من: التتبع والاستقراء، ثم التجريد فالتفعيل، في تسلسل بموجبه يمكن أن نستفيد لحياتنا المعاصرة. بعد ذلك لابد من إدراك الواقع وربط النص المفهوم به، فيكون التشغيل أو التطبيق.

مشكلات الباحث المعاصر بين ضعف معرفة التراث والمسافة مع العلوم الحديثة

هناك العديد من المشكلات التي تواجه عقل الباحث أو طالب العلم المعاصر عند الاقتراب من تراثه. لعل أولاها- تتعلق بالباحث نفسه؛ وتتمثل في ضآلة المعرفة بمعلومات التراث في جزئياته وكلياته، وثانيتها-وهي التي نقف عندها- تتعلق بالمسافة بين التراث وبين العلم الحديث؛ وتتمثل في كمّ المصطلحات الملتبسة بين لغة العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة وبين النصوص التراثية، بل ونصوص الأصليْن (الكتاب والسُّنة) نفسها.

قضية الإطلاق والنسبية في النظر إلى النموذج المعرفي الإسلامي والغربي

إن ثمة أفكارًا ومفاهيم شائعة حول التراث الإسلامي ونموذجه المعرفي، ليست سوى تلبيسات طرأت من منهجيات العلوم الحديثة، من قبيل قضية الإطلاق والنسبية. فلا يمكن القول إن النموذج المعرفي الإسلامي مطلق وإن الغربي نسبي، هذا الكلام باطل. وبطلانه يتمثل في أن القول "بالنسبية" كأساس هو أيضًا إطلاق؛ حيث يمثل منطلقًا لا نقاش فيه. وبالتالي مهما أنكر هؤلاء الإطلاقَ فهم يقعون فيه، ولابد علينا من فك هذا الاشتباك!

القيمية والمادية واختلاف مصدر القيم بين النموذج الإسلامي والغربي

وكذلك قضية القيمية والمادّية، ودعوى أن النموذج الإسلامي قيمي، وأن النموذج الغربي مادي غير قيمي، هو كلام خطأ ملتبس؛ لأن النموذج الغربي قيمي أيضًا. الفارق بين النموذجين أن النموذج الإسلامي يعتمد الوحي مصدرًا لمعرفته والآخر لا يعتمد الوحي. أو أن المعرفة الإسلامية قائمة على مصدرين: الوحي والوجود..في حين أن المعرفة الأخرى قائمة على الوجود وحده. ليس الخلاف في التناول العلمي بقيم أو بدون، فالقيم لازمة والتحيز حتم، لكن الفارق يدور حول: من الذي سوف يحدّد هذه القيم؟ فالغربي -ومن على شاكلته- يصطدم معي فعلاً في نموذجي حين أقول: إنني اعتمد على الوحي في معرفتي. يقول: لا مانع أن تؤمن بالوحي؛ لأن نموذجي (أي الغربي) يقول: أنت حر في إيمانك، أما أن تجعل الوحي مصدرًا للمعرفة فلا.. فالوحي مصدر إيمان فقط.

ثنائية الدين والعلم وحصر المعرفة في الساينس التجريبي عند الغرب

ثم قضية الدين (أو الإيمان) والعلم: هم يفرقون بين المعرفة والإيمان، ويجعلونها ثنائية متقابلة، ويجعلون مسألة الإيمان خارج العلم، ويقصرون العلم على مفهوم الـ Science. والواقع أن العلم (الساينس) كلمة موضوعة بازاء "العلم التجريبي الذي لا يثبت إلا بالمشاهدة"، وإذا جرى تعميم هذا المفهوم على كل ما هو "علم وعلمي"، فإن مسألة وجود الله سبحانه وتعالى تعد مسألة غير علمية؛ لأننا لم نشهد الله سبحانه وتعالى وقضية الإلوهية لا تدخل المعمل.

تعريف العلم في الإسلام والتمييز بينه وبين المعرفة وحدود الساينس

أما عندنا فهذا غير مقبول؛ لأن "العلم" عندنا هو "الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، سواء كان في المعمل أو في العقل أو بالعادة…الخ". و"العلم" عندنا غير المعرفة؛ لأن العلم لا يستدعي سبق الجهل على خلاف "المعرفة" التي تستدعي ذلك.

فالمشكلة في اللبس الكائن من عدم إمكان ترجمة كلمة "علم" العربية إلى كلمة غير "ساينس" تؤدي المعنى الواسع عندنا، وبالتالي نحتاج إلى ترجمتها شرحًا في جُمَل لا في كلمة واحدة. وبالمثل يقع اللبس من أن "ساينس" التي تعني "العلم الإمبريقي" تترجم عندنا "العلم"!!

إشكالات الترجمة وضعف نقل المفاهيم الإسلامية مقارنة بالترمنولوجي الهندوكي

ومشكلة الترجمة واختلاف أوعية اللغات المختلفة مشكلة كبيرة لابد من الانتباه لها، سواء في تناول التراث الإسلامي أو تناول العلوم الحديثة ذات الارتباط الوثيق بالآخر.

فالمفاهيم الإسلامية لم تُترجم إلى اللغات الأخرى، ولم يُبذَل فيها ما بُذل مثلاً في إعداد الترمنولوجي الهندوكي الذي نقل إلى فهم الآخرين في قواميس كبيرة ؛ حيث إن دارس الفلسفة والأديان والمجتمعات في الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما يسهل عليه أن يفهم الترمنولوجي الهندوكي حتى بالحكاية الصوتية. وعندما جاء "رينيه جينو"* الفرنسي ليترجم عن الإسلام لم يجد ما يترجم به سوى الترمينولوجي الهندوكي.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

على ماذا استقر أهل السنة بعد القرن السابع الهجري فيما يتعلق بعلم المنطق؟

الأخذ بالمنطق العربي وتوظيفه في صياغة الأصول الإسلامية

ما الذي حُمل عليه كلام ابن تيمية في نقده للمنطق؟

نقض المنطق الأرسطي تحديداً

ما المقصود بقول الغزالي 'من طلب الحقائق من الألفاظ هلك'؟

التحذير من الاقتصار على الألفاظ دون البحث في المعاني

ما المرحلة الأولى في فهم الموروث الحضاري الإسلامي وفق المنهج المقترح؟

إدراك عناصر تكوين العقلية التراثية

ما المشكلة الثانية التي تواجه الباحث المعاصر عند دراسة التراث الإسلامي؟

المسافة بين التراث والعلم الحديث وكثرة المصطلحات الملتبسة

لماذا يُعدّ القول بأن النموذج الإسلامي مطلق والغربي نسبي قولاً باطلاً؟

لأن القول بالنسبية كأساس هو في ذاته إطلاق

ما الفارق الحقيقي بين النموذج المعرفي الإسلامي والغربي وفق ما جاء في المحتوى؟

الإسلام يعتمد الوحي والوجود مصدرين للمعرفة والغرب يعتمد الوجود وحده

لماذا تُعدّ مسألة وجود الله غير علمية وفق المنهج الغربي؟

لأن العلم الغربي يقتصر على ما يُثبت بالمشاهدة التجريبية

ما تعريف العلم في الإسلام؟

الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل

ما الفرق بين العلم والمعرفة في الاصطلاح الإسلامي؟

العلم لا يستدعي سبق الجهل بخلاف المعرفة

ما الإشكالية التي واجهها رينيه جينو الفرنسي عند محاولة الترجمة عن الإسلام؟

لم يجد ترمنولوجياً إسلامياً منقولاً فاستعان بالترمنولوجي الهندوكي

ما الموقف الغربي من الوحي كمصدر للمعرفة؟

يقبل الإيمان به شخصياً لكن يرفض جعله مصدراً للمعرفة العلمية

لماذا سُمي المنطق العربي الإسلامي 'منطقاً'؟

سُمي منطقاً لأنه تناول الموضوع ذاته الذي تناوله المنطق الأرسطي، وهو تصحيح وترشيد الفهم والتفكير السليم المستقيم.

ما الدور الذي يؤديه المنطق في الفكر الإسلامي مقارنةً بالنحو؟

المنطق يمنع الخطأ في الفهم العقلي كما يمنع النحو الخطأ في المنطق اللفظي، وكلاهما آلة تعصم الذهن أو اللسان عن الزلل.

ما التسلسل الصحيح لمراحل الاستفادة من الموروث الحضاري الإسلامي؟

إدراك عناصر تكوين العقلية التراثية، ثم التتبع والاستقراء، ثم التجريد فالتفعيل، وأخيراً إدراك الواقع وربط النص به للتطبيق.

ما المشكلة الأولى التي تواجه الباحث المعاصر عند دراسة التراث الإسلامي؟

ضآلة المعرفة بمعلومات التراث في جزئياته وكلياته، وهي مشكلة تتعلق بالباحث نفسه.

كيف يقع النموذج الغربي في الإطلاق رغم ادعائه النسبية؟

لأن اعتماد النسبية كأساس ومنطلق لا نقاش فيه هو في حد ذاته إطلاق، فمنكرو الإطلاق يقعون فيه بالضرورة.

هل النموذج الغربي خالٍ من القيم؟

لا، النموذج الغربي قيمي أيضاً، والفارق الحقيقي بينه وبين الإسلامي يكمن في من يحدد هذه القيم ومن أين تُستمد.

ما الثنائية التي يقيمها الغرب بين الدين والعلم؟

يجعل الغرب الإيمان والعلم ثنائية متقابلة، ويُخرج مسائل الإيمان من دائرة العلم، ويقصر العلم على الـ Science التجريبي المشاهَد.

لماذا لا يمكن ترجمة كلمة 'علم' العربية بكلمة 'Science' الإنجليزية؟

لأن 'علم' في العربية أوسع دلالةً وتشمل كل إدراك جازم بدليل، بينما Science تعني العلم التجريبي المشاهَد فقط، مما يُفضي إلى التباس عميق.

ما الميزة التي يتمتع بها الترمنولوجي الهندوكي مقارنةً بالمفاهيم الإسلامية في اللغات الغربية؟

الترمنولوجي الهندوكي نُقل في قواميس كبيرة تُيسّر فهمه حتى بالحكاية الصوتية، بينما المفاهيم الإسلامية لم تُترجم بالعناية ذاتها.

ما الخطر الذي يُحذر منه عند دراسة التراث الإسلامي في إطاره الزمني الواسع؟

خطر التوقف عند الألفاظ دون البحث في المعاني، لأن التراث يمتد عبر إطار زمني واسع بمدارس متعددة واصطلاحات قد تتضارب.

ما الذي يعنيه الغرب بقوله إن الوحي مصدر إيمان لا مصدر معرفة؟

يعني أن الوحي مقبول في الحياة الشخصية الإيمانية، لكنه لا يُعدّ مصدراً مشروعاً للمعرفة العلمية أو الأكاديمية وفق النموذج الغربي.

ما الإشكالية اللغوية التي تنشأ عن ترجمة كلمة 'Science' إلى العربية بـ'العلم'؟

تنشأ إشكالية عكسية؛ إذ تُضيَّق دلالة 'العلم' العربي الواسع لتقتصر على المعنى التجريبي الضيق لـ Science، مما يُشوّه الفهم الإسلامي للمعرفة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!