اكتمل ✓

كيف بدأ تدوين السنة النبوية في عصر التابعين وما دور علم الجرح والتعديل في حمايتها من الوضع؟

بدأ تدوين السنة النبوية في منتصف القرن الأول الهجري، ويشهد على ذلك صحيفة همام بن منبه التي تضم 138 حديثًا ونقلها الإمام أحمد في مسنده. ولما ظهر الوضع في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، اتجه العلماء إلى تأسيس علم الجرح والتعديل لتمييز الرواة والحكم عليهم. ثم جاء عمر بن عبد العزيز ليأمر بالتدوين الرسمي الشامل، فكتب إلى ولاته في جميع البلدان بجمع السنة، وقام الزهري بتنفيذ ذلك الأمر.

كيف بدأ تدوين السنة النبوية في عصر التابعين وما دور علم الجرح والتعديل في حمايتها من الوضع؟
كيف بدأ تدوين السنة النبوية في عصر التابعين وما دور علم الجرح والتعديل في حمايتها من الوضع؟
4 دقائق قراءة
  • كيف تثبت صحيفة همام بن منبه أن الحديث النبوي دُوِّن في منتصف القرن الأول الهجري وليس في القرن الثاني؟

  • صحيفة همام بن منبه تضم 138 حديثًا نقلها الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه، وهي حجة قاطعة على التدوين المبكر للسنة.

  • اهتم التابعون كسعيد بن جبير والحسن البصري وعامر الشعبي بكتابة الحديث وحفظه في صحف، مما يدل على استمرارية التدوين عبر الأجيال.

  • شاعت الكتابة حتى بين الأمراء، إذ كان عمر بن عبد العزيز يحمل قرطاسًا فيه حديث أعجبه بين صلاتي الظهر والعصر.

  • ظهور الوضع في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية دفع العلماء إلى تأسيس علم الجرح والتعديل لتمييز الرواة وصون السنة من التحريف.

  • أصدر عمر بن عبد العزيز أمرًا رسميًا بتدوين السنة شمل جميع البلدان، ونفّذه الزهري بجمع السنن دفترًا دفترًا وإرسالها إلى الولايات.

اهمية صحيفة همام بن منبه في اثبات التدوين المبكر للحديث

مصادر التشريع الإسلامي 7

تكلمنا في المقالة السابقة عن اهتمام التابعين بنقل السنة، وكيف أنهم ساروا على درب الصحابة رضوان الله عليهم، ووقف بنا الكلام أثناء الحديث عن صحيفة وهمام بن منبه الصنعاني، ومما يزيد من توثيق هذه الصحيفة أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في مسنده، كما نقل الإمام البخاري عددًا كثيرًا من أحاديثها في صحيحه، وتضم صحيفة همام مائة وثمانية وثلاثين حديثًا، ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية؛ لأنها حجة قاطعة علي أن الحديث النبوي قد دون في عصر مبكر، وتصحح القول بأن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الهجري الثاني ، وذلك أن همامًا لقي أبا هريرة قبل وفاته، وقد توفي أبو هريرة رضي الله عنه 59 هـ، فمعنى ذلك أن الوثيقة دونت في منتصف القرن الأول الهجري.

نماذج من التابعين الذين كتبوا الحديث وحفظوا السنة في صحف

وهذا سعيد بن جبير الأسدى، (المتوفى سنة 95هـ) كان يكتب عن ابن عباس حتى تمتلئ صحفه، وكان للحسن بن أبى الحسن البصرى كُتُبٌ يتعاهدها، فقد قال إن لنا كُتُبًا كنا نتعاهدها، وممن كتب في هذه الفترة التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبى المتوفى سنة 103 هـ، فقد روى عنه أنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم، إذا اعتدت المرأة وورثت ثم ساق فيه أحاديث.

ويبرز من جيل التابعين عدد آخر من العلماء الذين اهتموا بالحديث واحتفظوا بأجزاء وصحف كانوا يروونها؛ منهم محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي (المتوفى سنة 126هـ) والذي كتب بعض أحاديث الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، وقد وصلت إلينا من آثاره أحاديث أبى الزبير عن غير جابر، جمعها أبو الشيخ عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهاني (المتوفى سنة 369 هـ) وقد طبع بتحقيق بدر بن عبد الله البدر طبعة مكتبة الرشد بالرياض 1417، وأيوب بن أبى تميمة السختياني (المتوفى سنة 131هـ) وقد وصل إلينا بعض حديثه جمعه إسماعيل بن إسحاق القاضي البصري (المتوفى سنة 282 هـ) وهو مخطوط في المكتبة الظاهرية مجموع 4/2 ويقع في خمس عشرة ورقة وغير هؤلاء كثير.

شيوع كتابة الحديث بين العلماء والامراء واثر ذلك في العصر الاول

وهكذا شاعت الكتابة بين مختلف الطبقات في ذلك العصر، حتى إن الأمراء قد ظهرت عنايتهم بالكتابة، فهذا الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز (المتوفى سنة 101 هـ) يروى عنه أبو قلابة قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قِرْطَاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر وهو معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الكتاب ؟ قال: حديث، حدثني به عَوْن بن عبد الله فأعجبني، فكتبته.

ولم يعد أحد ينكر كتابة الحديث في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني، وعليه فقد نشطت الحركة العلمية وازداد التدوين والقراءة علي العلماء، ولكن ذلك كان بشكل فردى، ومع كثرة الكتابة في ذلك العصر إلا أنه قد ظهرت أمور أقلقت العلماء واستنفرت همتهم للحفاظ علي الحديث الشريف فمن تلك الأمور المستجدة:

ظهور الوضع في الحديث ونشاة علم الجرح والتعديل وخشية ضياع العلم

  1. ظهور الوضع بسبب الخلافات السياسية أو المذهبية، حتى إنه ظهرت أحاديث وروايات أنكرها كثير من المتخصصين في الحديث، أمثال الزهري (المتوفى سنة 124 هـ) حيث يقول: لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثًا ولا أذنت في كتابته. وعلى أثر ذلك اتجه العلماء إلي وضع علم يحفظ الرواية من التحريف أو الكذب، فاهتموا بتمييز الرجال، والحكم عليهم، فكانت تلك بذور علم يسمى علم الجرح والتعديل
  2. خشية ذهاب العلم بموت العلماء الحاملين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يضيع ميراث النبوة.

مبادرة العلماء واولياء الامر وعلى راسهم عمر بن عبد العزيز لتدوين السنة

وتلك الأمور دفعت العلماء إلي خدمة السنة وكتابتها، حتى إن أولياء الأمر اتجهوا إلي تدوين السنة، فحمل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الأموي لواء ذلك الاتجاه، فكتب إلي عامله علي المدينة أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (المتوفى سنة 117هـ) قال: اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني خشيت دروس العلم وذهابه، وأمره في موطن آخر بجَمْع رواية عَمْرَة بنت عبد الرحمن الأنصارية (المتوفية سنة 98هـ) وكانت خالة أبى بكر بن حزم، وقد نشأت في حجر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وجَمْع أحاديث القاسم بن محمد بن أبى بكر (المتوفى سنة 107هـ) وقد تلقى العلم عن عمته عائشة رضي الله عنها، ثم وَسَّعَ الخليفة عمر بن عبد العزيز دائرة أمر كتابة الحديث حتى شملت كل البلدان، فكتب إلي ولاته انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه، وقد شارك العلماء في تلك الخدمة مشاركة فعالة، فقام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (المتوفى سنة 124هـ) بجمع السنن بأمر من عمر بن عبد العزيز، وقد وصلت تلك الصحف التي جمعها ابن شهاب لعمر بن عبد العزيز. قال ابن شهاب: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلي كل أرض له عليها سلطان دفترًا، ولكن لم يكتب لعمر بن عبد العزيز رؤية ثمار دعوته تلك كاملة فقد توفي قبل إتمام ذلك الأمر.

اعتبار امر عمر بن عبد العزيز اول تدوين رسمي وتمهيد الزهري للمصنفات

وقد عد علماء الحديث أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة أول تدوين للحديث ورددوا في كتبهم عبارة وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع علي رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز، ويفهم من هذا أن التدوين المعتمد من أولياء الأمور كان في عهد عمر بن عبد العزيز أما تقييده وحفظه في الصحف والأجزاء فقد مارسه الصحابة ومَنْ بعدهم من كبار التابعين.

وقد مَهَّدَتْ محاولة ابن شهاب الزهري لجمع الحديث الطريق لمن بعده من العلماء فظهرت مصنفات منها:

كتاب ابن جريج في الاثار والتفسير عن عطاء واصحاب ابن عباس

  1. كتاب عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (المتوفى سنة 150 هـ) فقد جمعه بمكة في الآثار وشيء من التفسير عن عطاء بن أبى رباح المتوفى سنة 114، وغيره من أصحاب ابن عباس.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم حديثًا تضم صحيفة همام بن منبه؟

مائة وثمانية وثلاثون حديثًا

في أي عام توفي أبو هريرة رضي الله عنه؟

سنة 59هـ

من الذي نقل صحيفة همام بن منبه بتمامها في مسنده؟

الإمام أحمد

ما السبب الرئيسي الذي دفع العلماء إلى تأسيس علم الجرح والتعديل؟

ظهور الوضع في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية

إلى من كتب عمر بن عبد العزيز يأمره بجمع الحديث في المدينة؟

أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم

من الذي نفّذ أمر عمر بن عبد العزيز بجمع السنن دفترًا دفترًا؟

محمد بن مسلم بن شهاب الزهري

متى يُعدّ ابتداء التدوين الرسمي للحديث وفق علماء الحديث؟

على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز

أين جمع ابن جريج كتابه في الآثار؟

في مكة المكرمة

ما الذي قاله الزهري تعبيرًا عن قلقه من الأحاديث المنكرة؟

لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثًا ولا أذنت في كتابته

ما السبب الثاني الذي دفع العلماء إلى الاهتمام بتدوين السنة وحفظها؟

خشية ذهاب العلم بموت العلماء الحاملين لحديث رسول الله

عن من كان سعيد بن جبير يكتب الحديث حتى تمتلئ صحفه؟

عن ابن عباس

ما الفرق بين التدوين الفردي والتدوين الرسمي للحديث؟

التدوين الفردي مارسه الصحابة والتابعون، والتدوين الرسمي المعتمد من أولياء الأمور كان في عهد عمر بن عبد العزيز

ما الدليل التاريخي على أن الحديث النبوي دُوِّن في منتصف القرن الأول الهجري؟

صحيفة همام بن منبه التي دُوِّنت قبل وفاة أبي هريرة عام 59هـ، وتضم 138 حديثًا نقلها الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه.

ما هو علم الجرح والتعديل ولماذا نشأ؟

علم يُعنى بتمييز رواة الحديث والحكم عليهم قبولًا أو ردًّا، نشأ استجابةً لظهور أحاديث موضوعة بسبب الخلافات السياسية والمذهبية لحماية السنة من التحريف والكذب.

ما نص رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم في شأن الحديث؟

كتب إليه: اكتب إليّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني خشيت دروس العلم وذهابه.

كيف نفّذ الزهري أمر عمر بن عبد العزيز بجمع السنة؟

جمع الزهري السنن دفترًا دفترًا، ثم بعث عمر بن عبد العزيز بكل دفتر إلى كل أرض له عليها سلطان.

من هي عمرة بنت عبد الرحمن وما صلتها بأبي بكر بن حزم؟

عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المتوفية سنة 98هـ، وهي خالة أبي بكر بن حزم، نشأت في حجر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

ما الكتاب الذي جمعه ابن جريج وما موضوعه؟

كتاب في الآثار وشيء من التفسير، جمعه بمكة عن عطاء بن أبي رباح وغيره من أصحاب ابن عباس، وهو من أوائل المصنفات الحديثية.

ما الأمر المستجد الذي أقلق الزهري وكاد يدفعه إلى ترك كتابة الحديث؟

ظهور أحاديث منكرة قادمة من المشرق لا يعرفها المتخصصون، مما دل على وجود وضع وكذب في الرواية.

ما الذي يميز صحيفة همام بن منبه عن غيرها من الصحف الحديثية المبكرة؟

أنها وصلت إلينا كاملة، ونقلها الإمام أحمد بتمامها في مسنده، مما يجعلها حجة قاطعة على التدوين المبكر للسنة.

ما الفرق بين تدوين الصحابة والتابعين للحديث وبين تدوين عمر بن عبد العزيز؟

تدوين الصحابة والتابعين كان فرديًا وشخصيًا في صحف وأجزاء، أما تدوين عمر بن عبد العزيز فكان رسميًا معتمدًا من ولي الأمر وشاملًا لجميع البلدان.

من هو القاسم بن محمد بن أبي بكر وعمّن تلقى العلم؟

تابعي جليل توفي سنة 107هـ، تلقى العلم عن عمته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأمر عمر بن عبد العزيز بجمع أحاديثه.

ما الدليل على اهتمام الأمراء بكتابة الحديث في أواخر القرن الأول الهجري؟

روي أن عمر بن عبد العزيز خرج لصلاة الظهر ومعه قرطاس فيه حديث أعجبه فكتبه، وظل يحمله حتى صلاة العصر.

لماذا لم يرَ عمر بن عبد العزيز ثمار مشروع تدوين السنة كاملة؟

لأنه توفي قبل إتمام ذلك الأمر، ولم يُكتب له أن يرى نتائج دعوته للتدوين الشامل.

ما أهمية محاولة الزهري في جمع الحديث على المستوى التاريخي؟

مهّدت محاولة الزهري الطريق لمن بعده من العلماء، فظهرت مصنفات حديثية كبرى كانت امتدادًا لجهوده في جمع السنة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!