اكتمل ✓
أسباب التفكك الأسري وتأثير التقنيات الحديثة والزيادة السكانية على الأسرة - والله أعلم

ما أسباب التفكك الأسري في العصر الحديث وكيف يمكن معالجته وإعادة الترابط الأسري؟

أسباب التفكك الأسري تعود بشكل رئيسي إلى الزيادة السكانية التي أضعفت الضبط الاجتماعي، والتطور الهائل في الاتصالات والتقنيات الحديثة التي غيّرت البرنامج اليومي للإنسان وشغلته بالملهيات. كما أسهمت الفردية المتنامية وغياب الأب والأم عن البيت في تفكك الروابط الأسرية. والحل يكمن في التوعية وتغيير الثقافة والعودة إلى القيم الدينية والأخلاقية مع الاعتراف بأن البرنامج اليومي للإنسان قد تغيّر جذريًا.

20 دقيقة قراءة
  • هل يمكن أن تكون التقنيات الحديثة والهواتف الذكية هي السبب الأول في تفكك الأسرة وليس الفقر أو الجهل الديني؟

  • الزيادة السكانية تُضعف الضبط الاجتماعي وتُفقد الإنسان الرغبة في المودة والتواصل مع جيرانه وأسرته.

  • التطور الهائل في الاتصالات والمواصلات غيّر البرنامج اليومي للإنسان وأثقله حتى أصبح الترابط الأسري في آخر الأولويات.

  • الفردية المتنامية تُذيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة وكل أشكال الترابط الاجتماعي.

  • غياب أحد الوالدين عن البيت سواء بسبب العمل أو غيره هو المحرك الأساسي لتفكك الأسرة وتضرر الأبناء.

  • فكر ما بعد الحداثة يدعو صراحةً إلى إنهاء الأسرة واللغة والدين، وهو موثق في كتب منذ عقود ويجب معرفته لمواجهته.

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن الترابط الأسري

[المذيع: أستاذ حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، وقل رب زدني علمًا، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك.

أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنتحدث معه في هذه الحلقة عن قضية هامة وقضية محورية وهي الأسرة.

كيف تكون هذه الأسرة سعيدة من خلال ما نسميه دائمًا بهذا الترابط الأسري الذي أصبح يعاني من ضعف كبير، وأصبح المشهد واضحًا بشكل كبير أن كل فرد من أفراد الأسرة في الغالب الأعم أو في مجموع هذه المشاهد يعيش في جزيرة منعزلة عن الآخرين في الأسرة الواحدة.

ما الأسباب التي أدت إلى هذا الخلل وإلى ضعف الترابط الأسري؟ اسمحوا لي أن ألقي بكل هذه الأسئلة على فضيلة الإمام مولانا الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلتكم.

سؤال المذيع عن المفهوم الحقيقي للترابط الأسري وبداية إجابة الشيخ

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

[المذيع]: مولانا، الترابط الأسري عندما نفهم معناه في البداية، بالتأكيد سنعرف أسباب الخلل الذي حدث بعد ذلك في هذا الترابط، ما هو المفهوم الحقيقي للترابط الأسري؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

يحدث في المجتمعات تغيرات جذرية، وعلماء الاجتماع البشري يعالجون هذا ويبحثون عن الأسباب ويتأملون ويتدبرون ما حولهم من أسباب هذه الظاهرة.

ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدن وتفكك الروابط الأسرية في أوروبا

حدثت قبل ذلك في أوروبا قضية الهجرة من الريف إلى المدن، وهي القضية التي سببت العشوائيات حول لندن وباريس، وغرب أوروبا كله كان يعاني من مشكلة العشوائيات.

وبدأ الأدب في القرن التاسع عشر يتحدث عن شعور ذلك الذي يعيش في العشوائيات، ويتحدث أيضًا عن تفكك الروابط الأسرية وكيف إنها ذهبت مع الريح، حتى أن هناك رواية بهذا الاسم تتحدث عن الصراع بين الجنوب والشمال الأمريكي وتُسمى "ذهب مع الريح".

يقصدون بها أشياء كثيرة، من ضمنها الترابط الأسري، ومن ضمنها الأصول التي كانت تقوم عليها الأسرة، ومن ضمنها العلاقات الاجتماعية بين الغني والفقير، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الخادم والمخدوم، وبين الأستاذ والتلميذ، وبين أطراف المجتمع المختلفة التى حدث لها تغير.

التغيرات المستمرة في المجتمعات وأسباب تفكك الأسرة في القرن الحادي والعشرين

ثم إن هذا التغير يحدث في كل حين ويأتي بعصر جديد يحتاج منا أن نبحث في أسبابه. فها نحن نعيش الآن في بدايات القرن الواحد والعشرين، وقد انقضى منه عقد، والعقد الثاني على وشك الانتهاء، ونحن في هذا الخُمس الأول من القرن الواحد والعشرين.

ما الأسباب التي تجعل الأسرة في روابطها تتفكك وتتفكك بهذه القسوة في بعض الأحيان؟ لدرجة أننا قد لا نستوعب -وقد تربينا على مبادئ معينة وقيم معينة- ما يرغبه أبناؤنا أو يفعله أحفادنا؟

زيادة السكان في مصر كسبب رئيسي لتفكك الروابط الأسرية

فأنا أُرجع هذا إلى عدة أسباب. السبب الأول في مصر -ونحن نتحدث عنها بالأساس باعتبارها أنها تمثل تمثيلًا دقيقًا المنطقة بأكملها، تمثل السودان وليبيا وسوريا والشام والعراق وما حولها في هذا المجال- فمصر المشكلة التي تعاني منها هي زيادة السكان، وزيادة السكان تسبب بلا شك تفككًا وذوبان الروابط الأسرية وتجعلها بهذه الأوضاع التي نشكو منها جميعًا.

زيادة السكان يترتب عليها أمر خطير من عدم الضبط الاجتماعي.

مقارنة بين القرية المحدودة والمدينة المزدحمة في الضبط الاجتماعي

ومعنى الضبط الاجتماعي؛ إذا قارنت بين قرية محدودة السكان يعرف السكان بعضهم بعضًا. كان الناس قديمًا يعرفون من يأتي إلى المسجد، وكانوا يفتقدون من يحضر إلى المسجد في صلاة الفجر، فيذهبون إليه ليطمئنوا عليه إذا غاب، فلا بد أنه مريض أو لديه مشكلة.

هذا الترابط يُعَدُّ من أنواع التدخل فيما لا يعنيك؛ أنك تذهب لتسأل عن صديقك صاحبك أو رفيقك الذي يأتي ليصلي صلاة الجماعة في المسجد، فكأنه يريد أن يقول لك: وما شأنك أيها المتطفل؟ لماذا تأتي إلي؟

فتحول المعروف منكرًا وتحول المنكر معروفًا، وأصبحت القلوب وكأنها ماتت، لم يعد القلب يشتغل ويخاف ويحزن ويفرح.

اختفاء الحياة الاجتماعية في الحارة المصرية بسبب كثرة السكان وقلة الضبط

هذه الحياة التي نراها في الأفلام بالأسود والأبيض في الحارة المصرية لم تعد موجودة. ما السبب في هذا؟ كثرة السكان، الذى نتج عنه قلة الضبط الاجتماعي.

لا يوجد شيء اسمه أن أدخل بيت والناس لا يعرفون لماذا أدخل ومتى أدخل ومن الذي في هذا البيت، وسأخرج متى، وخرجت متى، وخرجت كيف، وإلى آخره.

كانت هناك قوانين للاجتماع البشري وقوانين لقضايا المودة والحب، وقوانين لقضايا العيب والخطأ والأصول وغير الأصول، كانت الناس تعيش فيها. الآن أسير في الشارع، لا يعرفني أحد ولا يعرف أحد ماذا أفعل، وأيضًا هو لا يريد أن يعرفني ولا أن أعرفه.

انفراط الأسرة وتنامي الفردية والعزلة في المجتمع المعاصر

فانفرط الحال، وانفرطت الأسرة مع هذا الانفراط؛ لأن الولد خرج فذهب إلى المدرسة أو ذهب إلى النادي أو ذهب حتى إلى المسجد، فوجد نفس الشعور العام أن أحدًا لا يهتم بأحد، وأن أحدًا لا يريد أن يكون في صحبة أحد.

وكلما ازدادت الفردية ازدادت العزلة.

[المذيع]: ما معنى الفردية هنا يا مولانا؟

[الشيخ]: تعني أنني أريد أن أعيش وحدي، ولا دخل لي بغيري ولا دخل لغيري بي. المقصود أن لا تتدخل، لماذا ستتدخل في أموري؟ دعني أعيش كما أريد، وأن أفعل ما أشاء.

خطورة مبدأ الحرية المطلقة وترك الإنسان دون رقابة مجتمعية

والآخر يقول له: اتركه يعمل اتركه يمر، أي دعه يفعل ما يريد بغض النظر عن منظومة القيم، عن الحلال والحرام، عن الدنيا والآخرة، عن العواقب والمآلات.

إنني لو تركتك تعيش كما شئت فإنك ستتبع الشهوات والرغبات. لو تركتك تعيش كما شئت فإن هذا يحتاج أن تكون عالمًا بأشياء كثيرة جدًا أنت لست عالمًا بها، فأنت ترفض خبرة الآخرين وخبرة الأجيال السابقة.

ولذلك فإن ضعف الرقابة المجتمعية يمثل أحد الأسباب الرئيسية لذوبان الروابط الاجتماعية في الأسرة.

تأثير التطور الرهيب في الاتصالات والمواصلات على الترابط الأسري

كذلك السكن في الجوار؛ فنحن أصبحنا وكأننا في عالم واحد وفي قرية واحدة بناءً على تطور رهيب في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة.

هذا التطور الهائل في ذلك المثلث المفزع جعلنا نعيش في اليابان وفي أمريكا في غرف نومنا، أي أننا ونحن نائمون نشغل الشاشة أو جهاز العرض أو التلفاز ونجلس نشاهد أمريكا ونشاهد اليابان ونشاهد الحدث وهو يقع.

لقد شاهدنا بأعيننا الطائرتين اللتين استهدفتا البرج [برج التجارة العالمى] في أحداث الحادي عشر من سبتمبر على البث المباشر، وأهل أمريكا ما زالوا نائمين في عام ألفين وواحد، أي منذ خمسة عشر عامًا، وكان حينها ما زال العالم لم يتطور إلى هذا التطور الرهيب الذي هو عليه الآن في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة.

الاكتشافات التقنية الحديثة وتغيير البرنامج اليومي للإنسان والعلاقات الأسرية

هذه الأمور الثلاثة [التطور الرهيب فى الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة]، وبعد اكتشافنا الكهرباء، والهاتف، والراديو والتلفزيون والسينما، والإنترنت، كل ذلك اكتشفه الإنسان من ألف وثمانمئة وثلاثين إلى ألف وتسعمئة وثلاثين، وفي هذه المائة سنة اكتشف الإنسان كل شيء.

فغيّر برنامج الإنسان اليومي بما فيها العلاقات الأسرية، وعلى رأسها العلاقات الأسرية. فأصبحنا في الجوار، أصبحنا نعيش مع بعضنا. أصبح كل فعل موجود في مصر يؤثر على الألمان، وكل ما يحدث في ضواحي باريس يؤثر على مصر.

لم يكن الأمر بهذه الحدة في الماضي.

دخول الحديد في صناعة السفن وتسارع التغيرات كل عشر سنوات

وعندما دخل الحديد في صناعة السفن سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، كان حدثًا كبيرًا جدًا؛ لأنه غيّر من كيفية النقل واللوجستيات في العالم.

لكننا الآن نحن نتغير مرة كل عشر سنوات لنصل إلى هذه الحالة من الانفراط والإنفلات التي يعيشها الإنسان عامة وفي مصر أيضًا.

[المذيع]: ربما لم تكن هذه الحدود عائقًا لتدفق هذه المعلومات، بل أصبح الآن الإنسان يعيش في متر مربع ويتعرف على العالم كله. هل هناك أسباب أخرى لهذا الخلل كالظروف الاقتصادية وصعوبة الحياة؟ سنجيب على هذه التساؤلات بعد قليل، ابقوا معنا.

تقرير ميداني حول اختلاف الترابط الأسري بين الماضي والحاضر

[تقرير إعلامي]

[المراسلة: آية حسام]: هل تري أن الترابط الأسري اختلف عن الماضي؟

[مواطن 1]: نعم، لقد اختلف جدًا. فقد كان الذي يربط الأسرة هو الأم والأب، فإذا توفيت الأم أو توفي الأب انتهى الأمر.

[مواطن 2]:كان قديمًا في الترابط الأسري يوجد المحبة، كان الكبار يجمعون الأسر. هؤلاء الناس ماتوا، الأولاد لم يعودوا كما كانوا من قبل.

[مواطن 3]: أنا والدي كان يوميًا يجلس ويتحدث معي ومع إخوتي: كيف حالكم؟ ما أخباركم؟ الآن الأب من الممكن ألا يرى أبناءه لمدة أسبوع.

انشغال أفراد الأسرة بالأجهزة الإلكترونية وغياب التواصل الحقيقي

[مواطن 4]: أفراد الأسرة داخل المنزل الواحد الآن مشغولين، تجد كل واحد ممسكًا بهاتفه المحمول ولا أحد ينظر للآخر، ولم يعد هناك أي ترابط على الإطلاق. حتى عندما يذهبوا إلى أي مكان يكونوا على نفس الوضع.

[مواطن 5]: لقد انتهى هذا الكلام من زمان، الترابط الأسري كان موجودًا قديمًا عند الفلاحين.

[المراسلة]: ماذا نفعل إذا أردنا أن نعيد الترابط الأسري مثل الماضي؟

[مواطن 6]: أولًا نعود لديننا، ثانيًا نعود لعاداتنا وتقاليدنا وأخلاقياتنا التي كانت منذ عشرين سنة.

[مواطن 7]:كان من المفترض أن يكون هناك شيء في الدين نعلمه للأطفال الصغار منذ صغرهم كمحبة الأسرة والترابط وصلة الرحم وأن يكون هناك احترام. وأيضًا المدرسة لها دور.

أهمية التواجد والقيام بالمهام لتحقيق الترابط الأسري

[مواطن 8]: على الأقل يجب أن تجتمع العائلة كل عشرة أو خمسة عشر يومًا، بغض النظر عن وجود مناسبة أم لا.

[الضيف: دكتور مدحت عبد الهادي استشارى علاقات أسرية]:

الترابط يعني التواجد والقيام بالمهام؛ فالتواجد يعني أن الأب والأم موجودان باستمرار، والقيام بالمهام يعني أن كل واحد منهم يؤدي دوره تجاه الأولاد وتجاه الآخر.

لأن أساس الترابط الأسري أو التفكك الأسري هو فشل العلاقة ما بين الزوج والزوجة أو الرجل والمرأة، هذا هو الأساس، ولذلك تكون الضحية هنا هي الأسرة بأكملها وخصوصًا الأولاد.

تأثير غياب الأب والأم عن البيت على التفكك الأسري

عمل المرأة وخروجها خارج البيت يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في دورها داخل البيت، وهذا مما لا شك فيه. والرجل أيضًا، أنا لا أقول فقط المرأة حتى لا تفهم بعض النساء أننا منحازون للرجال.

الرجل عندما يخرج خارج البيت، بمعنى أنه أنهى عمله وعاد، وخرج وجلس مع أصدقائه، أو جلس في اجتماعات أخرى في العمل بعد ساعات العمل، ماذا سيحدث؟ سيغيب عن دوره في البيت.

وبالتالي يكون أيضًا هنا قد فهم دوره داخل البيت بشكل خاطئ. فغياب أحد الطرفين سواء كان بسبب العمل أو بغير سبب العمل، هو في النهاية يؤدي إلى التفكك الأسري.

الأمراض المجتمعية الناتجة عن التفكك الأسري وأهمية التوعية والخطاب الديني

الأمراض التي نراها في المجتمع حاليًا شيء مخيف، أساسها التفكك الأسري أو عدم القيام من الأب والأم بأدوارهما الحقيقية، والأساس هو عدم التواجد داخل البيت وداخل الأسرة.

الحل الأساسي هنا يستوجب التوعية وتغيير الثقافة. الدولة لها دور، نعم الدولة لها دور في المناهج الدراسية، وفي إبراز قيمة الأسرة وقيمة التواجد مرة أخرى.

طبعًا الخطاب الديني مهم جدًا سواء في الجامع أو في الكنيسة؛ لأن هذا هو الذي يُرجع الناس لتُحب بعضها، هو الذي يُقلل حدة الفردانية المنتشرة حاليًا.

أيضاً البرامج التثقيفية في الإعلام لها دور مهم جدًا أيضًا، ويمكن أن تكون هناك توجيهات من الدولة لهذا الأمر.

تعليق المذيع على التقرير الميداني وسؤال عن أسباب ضعف الترابط الأسري

[المذيع]: أهلاً بكم أعزائي المشاهدين، أذكر السادة المشاهدين بسؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما سبب ضعف الترابط الأسري؟. مولانا الإمام، بعض الإجابات من السادة الذين كانوا في التقرير حول الخلل الذى أرجعوه للزمن، وأنه [الترابط الأسري] قديمًا كان موجودًا ولكن الآن لا؛ لأن الناس الذين كانوا يعرفون الأصول غير موجودين الآن. ما تعليق فضيلتكم؟

كثرة الملهيات ووسائل التواصل الاجتماعي وأثرها على الترابط الأسري

[الشيخ]: فى الماضي لم تكن كل هذه الملهيات موجودة. الملهاه التي نعيش فيها الآن تزداد، لم يكن هناك واتساب وفيسبوك وتويتر وانستجرام، ومئات القنوات بل آلاف القنوات؛ لأن الآن حتى أبسط قمر الصناعي به ما يزيد على ألف وخمسمائة قناة.

وعدد المواقع الموجودة على الإنترنت في العالم تجاوز الأربعة عشر مليارًا، ونحن جميعًا عددنا سبعة مليارات نسمة تقريبا، فمعنى ذلك أن كل شخص مقابله عدد موقعان.

وإذا أخذنا فى الإعتبار عدد الأطفال الفقراء في إفريقيا وأولئك الذين يعانون المجاعات أو اللاجئين الذين لا يتوفر لهم الدخول على شبكة الإنترنت، إذن كل شخص سيكون مقابله أربعة أو خمسة مواقع.

صورة معبرة عن زيارة العائلة للجدة وانشغال الجميع بالهواتف

ولكن الذي حدث أن الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة أثرت في الناس وشغلتهم، ووجدت هناك ما يشغلهم.

هناك صورة معبرة نُشرت عن أن العائلة كلها ذهبت لزيارة الجدة، لكن كل واحد ممسك بهاتفه الخاصمشغول به وهي تنظر لهم بذهول. هذه الصورة معبرة أنه حتى لو ذهبوا وزاروا وودوا العائلة، فإن كل واحد في انفراده.

والدكتور قال كلمة الانفراد، قمنا بترجمتها من علماء الاجتماع بمصطلح الفردية، أي أن أعيش وحدي، لا أحد له شأن بي، أفعل ما أريد وأخوض تجربتي كما أشاء.

خطورة الفردية على النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بينما عندما نتركه يخوض تجربته يبكي في النهاية ويأتي بمشاكل، لكن عليه أن يتحمل. هذه هي المصيبة التي ستذوب معها النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والترابط الأسري.

نحن نبذل مجهودًا كبيرًا لكي نجمع أولادنا يوم الجمعة لنفطر معًا، إنما بالمجهود.

لكن في الماضي، كانت الأسرة لابد أن تتناول وجبة الغداء معًا، وكان للغداء موعد محدد، وهذا الموعد ليس عند الأغنياء فقط، فهم كان لهم أوضاع معينة.

تفاصيل نظام الغداء العائلي قديمًا والانضباط في المواعيد

كانت درجة حرارة الغرفة لا بد أن تكون كدرجة حرارة الماء، يعني المياه تكون درجة حرارتها مساوية لدرجة حرارة الغرفة. وإذا كنا سنتغدى الساعة الثالثة، فعندما تدق الساعة الثالثة بالضبط علينا جميعًا أن نكون على المائدة.

لكننا الآن لأن هناك إمكانية للاتصالات، أذهب من شرق المدينة لغربها في ساعتين، ولذلك أصبح يوم الإنسان مثقلًا.

انشغال الناس بالمنافع والمصالح وأثر الجهل بالدين على الترابط الأسري

ولذلك أصبحت قضية الترابط الأسري تأتي بعد ذلك، إلى أن قالوا إن الدنيا تلاهي مليانة ملاهي تركوها كما هي [مقولة شعبية تدل على الإنشغال الشديد]. فلماذا يقول الحكماء هذه المقولة؟ لأننا منشغلين عن الترابط الأسري بالمنافع والمصالح والأموال والسعي على الرزق.

فالحقيقة ليست القضية أن نعود إلى ديننا، بل إن جزءًا من هذه المشكلة هو جهلنا بديننا، وجزء من هذه المشكلة انهيار المنظومة الأخلاقية.

لكن حتى لو عادت المنظومة الأخلاقية، وحتى لو كان كل واحد منا أصبح من علماء الدين وفقهائه، أيضًا ستظل هذه القضية كما هي. لأن البرنامج اليومي للإنسان إختلف، وإضطرب وأثقل.

قصة الشيخ مع والده وأثر الاتصالات والمواصلات في تيسير الحياة

وأنا على وشك الانتهاء من الدكتوراه، تلقيت اتصالاً هاتفًيا من والدي يقول لي: يا علي، أنا أشعر بالمرض، وهو على بعد مائة كيلومتر من القاهرة. قلت له: سأكون عندك حالًا؛ لأن هناك هاتف فهناك اتصال.

لأن معي سيارة، فأنا قادر على أن أذهب إليه حالًا. فنزلت وركبت السيارة وصليت الفجر في الطريق، وصلت إليه في خلال ساعتين، وجدته متعبًا فذهبت به إلى المستشفى في القاهرة في ساعتين أخرى.

كانت الساعة السابعة صباحًا وهو كان في المستشفى. هذا في مرض موته، دخل المستشفى ومات.

تأمل في القدر الإلهي وما كان سيحدث لولا وسائل الاتصال الحديثة

وأنا أتأمل هذا الحدث، أقول سبحان الله، انظر إلى القدر، أنه يراد له هذا الترتيب، هذا القدر ما كان يمكن أن يحدث لو أنه لا يوجد هاتف ولا توجد سيارة ولا توجد هذه الأشياء كلها.

ماذا كان سيحدث؟ كانت ستحدث الوفاة، فهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. لقد مات بعد ستة وثلاثين ساعة من هذا [من إنتقاله الى المستشفى فى القاهره].

كان سيموت ولكن في بني سويف وليس هنا، وسيصلني الخبر بعدها بيومين أو ثلاثة، فترة وصول الخبر إلى القاهرة، وفترة ذهابي إليه في يوم؛ لأنها أكثر من مسافة قصر، فكانت تستغرق يومين سيرًا على الأقدام. لكن هذا كله اختُزِل في أربع ساعات.

لو كان الإمام النووي يملك هاتفًا لانشغل عن التأليف والعلم

فإذن الإمام النووي وهو يسكن على بُعد ستين كيلومترًا من والديه في نوى، كان لديه وقت ليُنجز ويكتب ويتفرغ للعلم.

لكن لو كان الإمام النووي يمتلك هاتفًا، وكانت أمه تطمئن عليه، وخالته تسأل عنه، ووالده يقول له: كيف حالك يا إمام؟ وهكذا، لأصبح مشغولًا.

يقول الناس أن هذه الأشياء [وسائل الإتصال] يسَّرت الحياة، لا، هي خففت من المجهود الجسدي. ولكنها ضيعت في المقابل أشياء كثيرة من ضمنها الترابط الأسري.

الأسباب الحقيقية لتفكك الأسرة ليست الفقر بل التقنيات وزيادة السكان

البحث يكون عن الأسباب الحقيقية. فقضية أننا جاهلون بديننا أو أننا تركنا منظومة قيمنا أو أننا أصبحنا نعاني في الحالة الاقتصادية، الحالة الإقتصادية ليست مبرر فقد كان الصحابة الكرام فقراء، وكانت روايات الفقر وروايات الصبر على الفقر روايات شديدة، ومع ذلك كان هؤلاء الفقراء بينهم ترابط أسري.

إذن حالة الاقتصاد ليس لها علاقة بهذا؛ لأننا نعيش في ترف، نحن في خير، وانظر إلى البلاد المحيطة بنا، نحن في خير عميم.

إذن الذى تغير هو التقنيات والمواصلات والاتصالات وزيادة السكان.

الازدحام السكاني يقلل الضبط الاجتماعي ورغبة الإنسان في المودة

محمد علي باشا عندما جاء كان عدد السكان مليونين ونصف، واليوم نحن ما يزيد عن المائة مليون.

فالازدحام يُقلل من الضبط الاجتماعي ويُقلل من رغبة الإنسان في المودة وفي أن يعيش كإنسان وفي أن يسأل عليه أحد، أن يحتاج إلى من يحبه، يمل ويقول: اتركوني في حالي! وهكذا نعيش فىالفردية.

ولأننا أصبحنا في الجوار، ونستمع للشرق وللغرب، ويحدث من كل ذلك هذا البلاء الذي نعيش فيه، وإذا تحطمت الأسرة ستكون مصيبة عظيمة، لن يكون ذلك جيدًا لا لأنفسنا ولا للمجتمع البشري.

سؤال المذيع عن علاقة الزيادة السكانية بخروج الأب والأم للعمل وتفكك الأسرة

[المذيع]: مولانا الإمام، هل الزيادة السكانية التي يصاحبها عدم ضبط المجتمع. هو الذي جعل أيضًا الأب يعمل بوظيفتين، والأم تخرج للعمل، والأولاد لا يجدون الأب والأم في المشهد بصورة كبيرة، فحدث نوع من التفكك الأسري وعدم الترابط؟

ارتفاع مستوى المعيشة وضرورة امتلاك الثلاجة ووسائل المواصلات

[الشيخ]: في الماضي كانت الأسرة التي تمتلك ثلاجة تعد من أغنى الأغنياء، وكان لدينا في البيت المصري شيء اسمه النملية، وهذه النملية يحفظون فيها الطعام، فعندما يحفظون فيها الطعام، لا يفسد في اليوم التالي.

أما اليوم، ومع التلوث الناشئ من عوادم السيارات وعوادم المصانع وغيرها، وكل هذا يُعد من تطور الاتصالات والمواصلات. إذا تركت طعامي حتى اليوم التالي بدون ثلاجة سيفسد,

إذن فيجب أن يمتلك أفقر الفقراء ثلاجة فقط لكي يحفظ طعامه.

ارتفاع متطلبات الحياة واضطرار الإنسان للعمل في أكثر من وظيفة

اليوم في مدينة بها خمسة وعشرون مليون إنسان مثل القاهرة، لا بد أن يكون لدى المرء وسيلة مواصلات؛ لأنه لن تستقيم حياته.

فإذن يقال لك: الشيء لزوم الشيء، فقد ارتفع مستوى المعيشة بحيث أصبح الإنسان يخرج من عمله ليدخل في عمل آخر وعمل ثالث لكي يستطيع توفير متطلبات الحياة.

كان من الممكن أن يكتفي، والآن لا يكتفي، وهذا ليس طمعًا منه، بل لأن مقتضيات الحياة هكذا.

خطورة كثرة الإنجاب وعدم القدرة على رعاية الأبناء

لكن الغريب العجيب من عنده خمسة أو ستة أطفال، يتساءل الناس: لماذا أنجبت خمسة؟ ولماذا أنجبت ستة؟ لقد ارتكبت جريمة! فيرد أنكم لم تخبرونا بضرورة تنظيم الأسرة.

وصوت المجتمع المصري قد بُحَّ، لضبط النسل من عهد عبد الناصر إلى الآن، ثم يقول لك: أنتم لم تخبرونا. لا، أنت تحب الأولاد وكثرة الإنجاب، ثم بعد ذلك تكون غير قادر على رعايتهم أو القيام بمسؤوليتك تجاههم.

زيادة السكان بلاء بما بعده بلاء، ويجب علينا أن ننتبه إلى هذا السرطان، وننبه الناس أنكم تقتلون أنفسكم بأنفسكم عندما تكثرون الوهن.

حديث النبي عن الكثرة التي تصبح غثاء والتوازن بين التكاثر والقدرة على الرعاية

قال النبي ﷺ: « أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم ، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ» [صحيح أبى داود: 4297]

فالنبي أمرنا بالزيادة إلى حد معين، بعدها نقف وإلا سنصل إلى الغثاء الأحوى. فالنبي قال لنا هذا وقال لنا هذه.

فإذن سيأتي شخص مسكين لا يفهم، يأخذ موضوع تكاثروا ولا يأخذ موضوع «أنتم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل»، يجب علينا أن نفهم هذه القضية.

الذي ينجب ولدًا أو ينجب اثنين على الأكثر، هذا يصلح أن يصنع ترابطًا أسريًا وستكون الرغبات قريبة. أما الذي أنجب خمسة أو ستة أو سبعة أبناء فهو لن يستطيع.

انشغال الأب بتوفير الاحتياجات وتفلت الأبناء في مجتمع منفلت

ولكي يوفر لهم احتياجاتهم يجب أن ينشغل، وبما أنه لا رقيب عليهم سيتفلتون في مجتمع يتفلت معهم، وتنفرط الأسرة.

[المذيع]: لا بد وأن نبحث عن حلول لمشكلة الزيادة السكانية ربما نقف عند بعض هذه الحلول بعد قليل، انتظرونا.

سؤال المذيع عن وصفة عملية لإعادة الترابط الأسري وخطورة انهيار الأسرة

[المذيع]: أهلًا بكم أعزائي المشاهدين. مولانا الإمام، فضيلتك قلت إن انهيار الأسرة هذا مصيبة لنا جميعاً لماذا وكيف توجد وصفة بسيطة نستطيع تطبيقها كبرنامج عمل نحولها إلى ورشة نتدرب عليها لكي نعيد هذا الترابط فيتماسك المجتمع؟

[الشيخ]: رقم واحد، انهيار الأسرة وهي الخلية الأولى للمجتمع، فتخيل أن الخلية الأولى المكونة لكل النظام الاجتماعي انهارت.

ذهب المجتمع في خبر كان، خرج ولم يعد، تاه المجتمع، يتحطم المجتمع، يضرب بعضه ببعض إذا انهارت الأسرة.

مدارس ما بعد الحداثة ودعوتها لإنهاء الأسرة واللغة والدين والثقافة

المدارس المتشددة والمتعصبة المتطرفة من ما بعد الحداثة ، تدعو إلى إنهاء الأسرة، واللغة، والدين، والثقافة الموروثة التي نسميها أحيانًا فلكلورًا.

وتدعو إلى إنهاء ما يسمونه الخمسة الكرام:

  1. اللغة
  2. والأسرة
  3. والدولة
  4. والدين
  5. والثقافة

[المذيع]: **ماذا سيبقى بعد ذلك؟! **

فكرة تقسيم العالم إلى أربعمائة دولة ومؤدى ذلك في انهيار الأسرة

[الشيخ]: منذ زمن بعيد، وعندما كانوا يُنشئون الأولمبيات، كانوا يفكرون أن تقوم الرياضة مقام الحروب. وما بعد الحداثة تريد ألا تكون هناك حروب، ومن أجل أن نصل إلى عدم وجود حروب، يجب أن نقسِّم العالم إلى أربعمائة دولة.

فنحن الآن مئتان وثلاثون دولة في العالم، وهم أكثر من عشرة آلاف نسمة، ونريد أن نقسمهم إلى أربعمائة دولة، كل دولة يكون فيها خصوصيتها.

مثلًا، نحن عندنا في الإسلام، نجعل دولة للسلفية ودولة للصوفية ودولة للإرهابية وهكذا. هذا التقسيم الشيطاني مؤداه في النهاية انهيار الأسرة وعدم الاعتماد على الدولة، ومنظمات المجتمع المدني تحل محلها. وعدم الاعتماد على اللغة حتى تصبح لنا لغة جديدة.

ما بعد الحداثة مكتوبة في الكتب منذ عقود وليست مؤامرة بل واقع مدوّن

وعدم الاعتماد على الدين والثقافة. وبعض الناس يقولون: ما هذا الجنون؟

لكن هذا ما هو مكتوب في كتب ما بعد الحداثة منذ عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، وهذه القضية قائمة منذ عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين موجودة، ليس فيها مؤامرة ولا شيء، إنها موجودة ومعروضة.

لدرجة أن هناك مدارس تحمل اسمها ما بعد بعد الحداثة، أي أنهم تجاوزوا ما بعد الحداثة.

ففي النهاية، هذا أمر مرغوب فيه عند بعض البشر أن نعيش كل واحد برأسه.

الشذوذ الجنسي وتعدد أشكال الأسرة كنتيجة لفكر ما بعد الحداثة

وهو ما جعلهم يروجوا أن الشذوذ الجنسي من حقوق الإنسان؛ لأجل أن يتزوج رجل رجلًا، وتتزوج المرأة امرأة، وأن يفعل كل شخص ما يريد.

فأصبح هناك واحد وعشرون صورة للأسر ليست هي الأسرة الطبيعية التي خلقها الله. هذه واحدة من واحد وعشرين، فيمكن أن تكون الأسرة من رجل ورجل، أو امرأة وامرأة، أو رجل وامرأة، أو رجل وامرأتان، أو ست ورجلان.

وحتى النظام القانوني الغربي لا يتحمل كل هذا، وأدخلوا في القضية الجينوم، وأدخلوا في القضية قضايا الجندر، وأدخلوا في القضية حقوق الإنسان، وهذه مهزلة.

ضرورة القراءة والاطلاع على فكر ما بعد الحداثة لمواجهته

ولكننا كثيرًا لا نقرأ بل ولا نترجم، أي كل هذه البلايا التي تحدث منذخمسة وتسعين حتى الآن، أي منذ واحد وعشرون سنة نحن لا نقرأه.

يجب أن نعرفه لكي نتقيه، يجب أن نعرفه لكي نحسب حسابه، يجب أن نعرفه لكي نفسر ما هي هذه المخلوقات التي تظهر لنا في التلفزيونات وتتكلم كلامًا بأن الأمر نسبي فقط.

خطورة النسبية الأخلاقية وتحويل الحرام إلى حلال بالاستفتاء الشعبي

ماذا يعني الأمر النسبي فقط؟ مثلًا: هل الكذب حلال أم حرام؟ يريدونك، يريدونك أن تجري استفتاء على الإنترنت واسأل مائة شخص إذا كان الكذب حلالًا أم حرامًا، فسيقول سبعون منهم إنه حلال.

إذن فهو حلال، جيد وجميل! هذا يعني أنه لم يعد هناك دين ولا قيم ولا أخلاق ولا مجتمع ولا أي شيء.

وفي النهاية، ماذا سنصبح؟ كل شخص سيعيش لوحده، أليس بذلك ستتحطم البشرية؟ لا، لن تتحطم، لكن جرّب. يريدنا أن نجرب!

رفض التجريب في القيم الإنسانية والتحذير من الفوضى الأخلاقية

لقد مكثتم في النظام الذي صنعتموه، وهو الذي خلقه الله مائة ألف سنة، أعطنا يا أخي ثلاثة أو أربعة آلاف سنة لنعيش في هذا البلاء الحر، في هذه الفوضى، وسترون.

سنرى ماذا؟ قال لك: علّم لي هذا الحمار، إما أن يموت الحمار، أو يموت الملك، أو أموت أنا. والحمد لله رب العالمين.

عمل شياطين، يبدو أن إبليس تركهم عندما وجد أنهم يكفون مؤونته.

سؤال أم أحمد عن احتساب الدين من زكاة المال للغارمين

[المذيع]: اسمح لنا، معي أم أحمد، أهلًا بك.

[السائل]: أيد أن أسأل فضيلة الدكتور: هناك شخص اقترض مني مبلغًا من المال، هذا الشخص موظف وافتتح محلًا لزيادة دخله، أي لزيادة رزقه. وبعد ذلك لم يستطع الاستمرار واضطر لإغلاق المحل، ولم يستطع سداد ديونه. لقد سدد لي قسطين من المبلغ واختفى قبل سداد الباقي. هل يمكن اعتباره من الغارمين وخصم هذا المبلغ من زكاة المال الخاصة بهذه السنة؟

[الشيخ]: يجوز يا أم أحمد، عند ابن سيرين -وهو من علماء التابعين- حيث يقول أنه يجوز احتساب التنازل من الزكاة. فما دام أحد المجتهدين قال ذلك، فمن الممكن أن تسيري على هذا الرأي.

سؤال الأستاذة إيمان عن صلاة والدتها المسنة التي تعاني من إفرازات دموية

[المذيع]: معي الأستاذة إيمان، إتفضلي يافندم.

[السائل]: السلام عليكم، نشكر فضيلة الدكتور وجزاه الله عنا كل خير.

سؤالي هو: والدتي سيدة كبيرة في الثمانينات من عمرها، هي خائفة من أن تغضب ربنا لأنها لا تصلي؛ لأنها تعاني من مرض يسبب إفرازات دموية، فهي خائفة من أن تصلي لئلا تغضب ربنا. حضرتك وجّه لها كلمة أو قُلْ لنا ما الحل، الوضوء صعب عليها كل مرة؟

[الشيخ]: ما دامت وصلتْ إلى هذه الحالة فلتتيمم. نُحضِر حجرًا ونضعه بجانبها، ضربة للوجه وضربة للكفين على مذهب المالكية، وتصلي بشكل عادي. تتيمم لكل صلاة والحجر بجانبها وتصلي.

نزل دم أو نزل أي شيء آخر لا يهم؛ لأن الحدث الدائم معفو عنه، وتصلي بهذه الهيئة، وربنا يتقبل منها.

توجيه الشيخ لوالدة إيمان بالصلاة بالتيمم وعدم الشعور بالتقصير

لكنها خائفة فلا تصلي. نقول لها: لا، الله قد سهّل الأمر عليكِ تسهيلًا تامًا. فأنتِ افعلي هكذا: عندما نرشدها إلى هذا، تجلس على الكرسي وتضرب يديها على هذه الحجارة الصغيرة التي سنحضرها لها لتكون بجانبها دائمًا، فربنا سبحانه وتعالى يتقبل منها. فأنا أوجه لها الكلام الآن أنه لا بد عليها أن تصلي ولكن بهذه الطريقة السهلة الميسرة بالتيمم، والتيمم بحجر أو حصاة نظيفة ومطهرة، ولا نهتم إطلاقًا بما يخرج سواء كان دمًا أو غير دم.

حكم التيمم لكبار السن وتيسير الدين في العبادات

[المذيع]: مولانا الإمام، أحيانًا عندما يتقدم ببعض أحبابنا السن فنجدهم، كما قلت فضيلتكم: بدلًا من أن تتوضأ تيمّم، وبدلًا من أن تصلي وأنت واقف لأنك متعب اجلس، فيشعر أنه مقصّر، ماذا تقول فضيلتكم لهم؟

[الشيخ]: النبي قال لنا: إياك أن تشعر أنك مقصّر. ولو أنك فقدت الماء -الفقد هنا إما فقد حسي أو فقد شرعي- ولو فقدت المياه مائة سنة، أي أنت لا تجد ماءً فتتيمم لمدة مائة سنة.

وقد شاهدنا مشايخنا وأساتذتنا وهم ذاهبون إلى المؤتمرات، يأتي متيممًا على رخام الفندق أو القاعة، ويدخل في الصلاة مباشرة.

توجيه الشيخ لأم إيمان بالصلاة دون شعور بالتقصير وختام الحلقة

ربنا قد يسرها لنا تيسيرًا عجيبًا، ونخشى أنه سيحاسبنا بعد هذا التيسير.

فأنا أقول للسيدة أم إيمان: صلّي يا أم إيمان بهذه الطريقة، ولا تشعري أبدًا بالتقصير ولا بالنقص، هذا أمر الله، وما دام أمر الله فإننا نسير وراءه ونحن مطمئنون.

[المذيع]: مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لك. أعزاءنا المشاهدين، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما السبب الأول الذي يُرجع إليه تفكك الروابط الأسرية في مصر والمنطقة العربية؟

زيادة السكان وما تُفضي إليه من ضعف الضبط الاجتماعي

ما الذي تدعو إليه مدارس ما بعد الحداثة المتطرفة فيما يخص الأسرة؟

إنهاء الأسرة واللغة والدين والثقافة الموروثة

ما عدد صور الأسرة غير الطبيعية التي أفرزها فكر ما بعد الحداثة وفق ما ذُكر؟

واحد وعشرون صورة

ما الركيزتان الأساسيتان اللتان يقوم عليهما الترابط الأسري؟

التواجد والقيام بالمهام

ما الذي قاله النبي ﷺ عن الكثرة التي تصبح غثاءً؟

أنتم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل ينزع الله المهابة من قلوب عدوكم

ما الحل الذي أجازه ابن سيرين فيما يخص الدين والزكاة؟

يجوز احتساب التنازل عن الدين من الزكاة

ما حكم صلاة من تعاني من حدث دائم كالإفرازات الدموية المستمرة؟

تتيمم لكل صلاة والحدث الدائم معفو عنه وصلاتها صحيحة

ما الفترة الزمنية التي اكتشف فيها الإنسان معظم الاختراعات التقنية الكبرى كالكهرباء والهاتف والراديو؟

من 1830 إلى 1930

ما عدد سكان مصر حين جاء محمد علي باشا مقارنةً بعدد سكانها اليوم؟

مليونان ونصف مقابل ما يزيد على مائة مليون اليوم

ما الذي تعنيه الفردية في سياق التفكك الأسري؟

الرغبة في العيش وحيدًا دون أن يكون لأحد شأن بالآخر

ما الخمسة الكرام التي تدعو مدارس ما بعد الحداثة إلى إنهائها؟

اللغة والأسرة والدولة والدين والثقافة

ما الكيفية الصحيحة للتيمم على مذهب المالكية وفق ما ذُكر؟

ضربة للوجه وضربة للكفين

ما أبرز سببين لتفكك الأسرة في العصر الحديث؟

الزيادة السكانية التي تُضعف الضبط الاجتماعي، والتطور الهائل في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة التي غيّرت البرنامج اليومي للإنسان.

ما معنى عدم الضبط الاجتماعي وكيف يرتبط بالزيادة السكانية؟

عدم الضبط الاجتماعي يعني أن الناس لا يعرفون بعضهم ولا يهتمون ببعضهم، وهو نتيجة مباشرة للزيادة السكانية التي تجعل الجيران غرباء عن بعضهم.

ما الفرق بين الترابط الاجتماعي في القرية المحدودة والمدينة المزدحمة؟

في القرية كان الناس يفتقدون من يغيب عن صلاة الفجر ويذهبون للاطمئنان عليه، أما في المدينة فأصبح هذا الاهتمام يُعدّ تجسسًا وتدخلًا مرفوضًا.

لماذا لا يُعدّ الفقر سببًا للتفكك الأسري؟

لأن الصحابة الكرام كانوا فقراء وكان بينهم ترابط أسري متين، مما يدل على أن الاقتصاد ليس المتغير الحاسم في التفكك الأسري.

ما أساس التفكك الأسري وفق ما ذُكر؟

أساس التفكك الأسري هو فشل العلاقة بين الزوج والزوجة، وتكون الضحية الأسرة بأكملها وخاصة الأبناء.

ما الدور الذي يؤديه الخطاب الديني في مواجهة التفكك الأسري؟

الخطاب الديني في المساجد والكنائس يُرجع الناس للمحبة والتواصل ويُقلل حدة الفردانية المنتشرة، وهو من أهم أدوات إعادة الترابط الأسري.

ما الذي يعنيه مصطلح الفردية في علم الاجتماع؟

الفردية تعني أن يريد الإنسان أن يعيش وحده لا دخل له بغيره ولا دخل لغيره به، وكلما ازدادت الفردية ازدادت العزلة الاجتماعية.

ما الحد الذي يستطيع عنده الأب بناء ترابط أسري حقيقي وفق ما ذُكر؟

من ينجب ولدًا أو اثنين على الأكثر يستطيع صنع ترابط أسري حقيقي وتكون رغباته قريبة من أبنائه، أما من أنجب خمسة أو أكثر فلن يستطيع.

ما الذي تُريده النسبية الأخلاقية من الناس وما خطورتها؟

النسبية الأخلاقية تريد جعل الحلال والحرام خاضعًا لرأي الأغلبية، مما يُلغي الدين والقيم والأخلاق ويُفضي إلى تحطم المجتمع.

ما الذي يجوز للمريض الذي لا يستطيع استخدام الماء مدة طويلة؟

يجوز له التيمم حتى لو فُقد الماء مائة سنة، سواء كان الفقد حسيًا أو شرعيًا، ويصلي بالتيمم دون حرج.

ما الصورة المعبرة التي تُجسّد ظاهرة الفردية في الأسرة الحديثة؟

صورة عائلة ذهبت لزيارة الجدة وكل فرد ممسك بهاتف الآيفون الخاص به جالسًا يلعب فيه وهي تنظر إليهم بذهول.

ما الذي يُميّز التيمم على مذهب المالكية من حيث عدد الضربات؟

التيمم على مذهب المالكية ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين، ويُجزئ ذلك عن الوضوء عند العجز عن استخدام الماء.

لماذا يجب معرفة فكر ما بعد الحداثة رغم خطورته؟

يجب معرفته لاتقائه وحساب حسابه وتفسير الظواهر الغريبة التي تظهر في الإعلام، فالجهل به يجعلنا عاجزين عن مواجهته.

ما الذي يُقلله الازدحام السكاني في نفس الإنسان وفق ما ذُكر؟

الازدحام يُقلل من الضبط الاجتماعي ومن رغبة الإنسان في المودة والعيش كإنسان، فيطلب أن يُترك وحده وتتولد الفردية.

ما الدرس الذي يُستفاد من قصة الشيخ مع والده المريض على بُعد مائة كيلومتر؟

التقنيات الحديثة كالهاتف والسيارة خففت الألم الجسدي وأتاحت التواصل في الأزمات، لكنها في المقابل ضيّعت الترابط الأسري اليومي الحقيقي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!