اكتمل ✓
الفصل 15

ما حكم الإكثار من ذكر الله بأعداد كثيرة والالتزام بالأوراد والأحزاب في الإسلام؟

الإكثار من ذكر الله مستحب بل مأمور به صراحة في القرآن الكريم، ولا حد أعلى لعدد الذكر. الالتزام بالأوراد والأحزاب هو وسيلة مشروعة لمداومة الذكر، وهو فعل السلف الصالح والعلماء عبر القرون، ومن تركها بعد اعتيادها يكره له ذلك.

4 دقائق قراءة
  • هل يجوز ذكر الله بأعداد تزيد على ما ورد في السنة، أم أن ذلك بدعة كما يدّعي المتشددون؟

  • أمر الله المؤمنين صراحة بذكره ذكرًا كثيرًا في آيات متعددة من القرآن الكريم، وعدّ قلة الذكر من سمات المنافقين.

  • أكدت الأحاديث النبوية فضل الإكثار من الذكر، وأن من ذكر الله أكثر مما ورد فهو أفضل ممن اقتصر على الوارد.

  • الورد والحزب تطوع مشروع يلتزمه المسلم من الأذكار المأثورة وغيرها تقربًا إلى الله، وليس فرضًا مستحدثًا.

  • أجمع العلماء والسلف الصالح على مشروعية الأوراد الفردية والجماعية، ونبّهوا على وجوب قضائها عند الفوات وكراهة تركها بعد الاعتياد.

  • الالتزام بالأوراد والأحزاب هو الوسيلة الوحيدة لمداومة ذكر الله كثيرًا، والوسائل لها حكم المقاصد فهي مستحبة.

انكار المتشددين للذكر الكثير والاوراد وبيان الامر القرآني بالذكر

بعد أن حاصر المتشددون أغلب المسلمين في حياتهم وسلوكهم ومساجدهم ذهبوا ليحاصروهم في خلواتهم ومجالس ذكرهم لله سبحانه وتعالى، فنهوا الناس عن ذكر الله بأعداد كثيرة، ونهوا كذلك عن ذكر الله بالأوراد والأحزاب.

الإكثار من ذكر الله بأعداد تزيد على ما ورد في السنة مستحب، بل هو مأمور به صراحة في كتابه الله العزيز،

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ،

وامتدح الله المطبقين لهذا الأمر،

فقال تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ ،

،وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ ،

، وقال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ،

بل عد ربنا ذكر الله قليلاً من سمات المنافقين، فذمهم بهذا الوصف،

فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .

الاحاديث النبوية في فضل الذكر الكثير وتحديد بعض الاعداد

وقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : «سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» ،

وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : « لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله » .

وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة, ومحيت عنه مائة سيئة... إلى أن قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : « ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه»

عدم تحديد حد اعلى للذكر وعلاقته بحياة القلوب ووسيلة الاوراد

كل هذه الآيات والأحاديث تؤكد أنه لا حد لذكر الله، وأن الشرع الشريف فتح باب الذكر والإكثار منه بأي أعداد، وأن من ذكر الله بعدد أكبر مما ورد في السنة أفضل ممن اقتصر على ما ورد كما قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :

«ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه» ،

فذكر الله مستحب والإكثار منه من باب الإكثار من المستحب، وبذكر الله تحيى القلوب، وبتركه تموت القلوب.

ومن وسائل محافظة المسلم على كثرة الذكر هو أن يلزم نفسه بورد معين يحافظ عليه كل يوم وليلة، إلا أن المتشددين رفضوا ذلك أيضا كما رفضوا كثرة الذكر ولا نعلم أحدا ينهى عن الذكر من مريدي الخير

تعريف الورد والحزب بوصفهما تطوعا يتقرب به العبد

الورد أو الحزب هو مجموعة من الأذكار المأثورة أو غيرها يلتزمها الذاكر ويواظب عليها؛ رغبة منه في التقرب من الله، وهو تطوع يتطوع به المسلم لم يفرضه الله عليه، قال الشيخ زكريا الأنصاري رضي الله عنه: « وتطوع وهو: ما لم يرد فيه نقل بخصوصه بل ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد » .

عمل السلف والعلماء بالاوراد الفردية والجماعية واتفاقهم عليها

قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: « محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة، أو القراءة، أو الذكر، أو الدعاء طرفي النهار وزلفا من الليل، وغير ذلك, فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والصالحين من عباد الله قديمًا وحديثًا, فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات, فعل كذلك, وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك, كما كان الصحابة يجتمعون أحيانًا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون, وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا, فيقرأ وهم يستمعون » .

وكان حديث العلماء عن الأوراد وكأنها أمر متفق عليه، فيذكرونها في أثناء كلامهم دون التنبيه على حكمها أو الاختلاف بشأنها، ومن ذلك قول ابن نجيم: « وذكر الحلواني أنه لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد » .

اهمية المداومة على الاوراد وقضائها وكراهة تركها بعد الاعتياد

ولقد نبه العلماء على فائدة الالتزام بتلك الأوراد، وضرورة الحفاظ عليها. قال النووي: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاة، أو حالة من الأحوال، ففاتته، أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها.

قال الشوكاني: وقد كان الصحابة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقضون ما فاتهم من أذكارهم التي يفعلونها في أوقات مخصوصة. وقال ابن علان: المراد بالأحوال: الأحوال المتعلقة بالأوقات، لا المتعلقة بالأسباب كالذكر عند رؤية الهلال، وسماع الرعد، ونحو ذلك، فلا يندب تداركه عند فوات سببه. ومن ترك الأوراد، بعد اعتيادها يكره له ذلك .

تنظيم اوقات المريد وجعل كل الافعال اورادا وخاتمة في استحباب الالتزام

قال ابن الحاج: « وينبغي للمريد أن تكون أوقاته مضبوطة لكل وقت منها عمل يخصه من الأوراد فلا يقتصر في الورد على ما سبق من الصلاة والصوم، بل كل أفعال المريد ورد.

قد كان السلف يقولون جوابًا لمن طلب الاجتماع بأحد من إخوانه ويكون نائمًا: هو في ورد النوم. فالنوم وما شاكله هو من جملة الأوراد التي يتقرب بها إلى ربه عز وجل، وإذا كان كذلك فيكون وقت النوم معلوما كما أن وقت ورده بالليل يكون معلوما وكذلك اجتماعه بإخوانه يكون معلومًا. وكذلك الحديث مع أهله وخاصته يكون معلومًا كل ذلك ورد من الأوراد؛ إذ إن أوقاته مستغرقة في طاعة ربه عز وجل فلا يأتي إلى شيء مما أبيح له فعله، أو ندب إليه إلا بنية التقرب إلى الله تعالى وهذا هو حقيقة الورد أعني التقرب إلى الله تعالى، وهذا على جادة الاجتهاد، والفراغ من الصحة والسلامة من العوائق، والعوارض، أو من حال يرد يكون سببًا لترك شيء من ذلك » .

ولذا نرى أن الالتزام بالأوراد والأحزاب في ذكر الله تعالى، هو الوسيلة الوحيدة التي تعاون المسلم على المداومة على ذكر الله كثيرا، وهي فعل السلف الصالح، ولذا فهي مستحبة فالوسائل لها حكم المقاصد، والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الوصف الذي أطلقه القرآن الكريم على من لا يذكر الله إلا قليلًا؟

المنافقون

ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «سبق المفردون»؟

الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات

من قال من العلماء إن محافظة الإنسان على أوراد من الذكر والدعاء هي سنة رسول الله والصالحين؟

ابن حجر الهيتمي

ما الحكم الشرعي للورد والحزب في الإسلام؟

تطوع مستحب يتقرب به العبد إلى الله

ما الذي يحدث للقلوب بترك ذكر الله وفق ما ورد في المحتوى؟

تموت القلوب

ما الحكم فيمن ترك أوراده بعد أن اعتاد عليها؟

يكره له ذلك

ما الذي أوصى به النووي فيمن فاته ورده في وقته؟

أن يتداركه ويأتي به عند التمكن

من الصحابي الذي كان يطلب من أبي موسى الأشعري أن يذكّرهم بربهم؟

عمر بن الخطاب

ما الأجر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال لا إله إلا الله مائة مرة في يوم؟

عدل عشر رقاب وكتابة مائة حسنة ومحو مائة سيئة

ما القاعدة الفقهية التي استند إليها في الحكم باستحباب الأوراد والأحزاب؟

الوسائل لها حكم المقاصد

ما الذي عرّف به الشيخ زكريا الأنصاري التطوع في سياق الأوراد؟

ما لم يرد فيه نقل بخصوصه بل ينشئه الإنسان باختياره

ما الآية القرآنية التي تمدح الذاكرين الله كثيرًا بالمغفرة والأجر العظيم؟

﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾

ما الآية القرآنية التي تأمر المؤمنين صراحة بذكر الله ذكرًا كثيرًا؟

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ في سورة الأحزاب الآية 41.

كيف وصف القرآن الكريم المنافقين في علاقتهم بذكر الله؟

وصفهم بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا في قوله تعالى: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾، وهو ذم صريح لقلة الذكر.

ما معنى حديث «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله»؟

يحث النبي صلى الله عليه وسلم على المداومة على ذكر الله في كل وقت دون انقطاع، بحيث يكون اللسان دائمًا مشغولًا بالذكر.

من هم المفردون الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سبقوا؟

هم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، كما فسّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في الحديث.

ما الفرق بين من ذكر الله بالعدد الوارد في السنة ومن ذكر أكثر منه؟

من ذكر الله بعدد أكبر مما ورد في السنة فهو أفضل ممن اقتصر على الوارد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه».

ما تعريف الورد أو الحزب في الاصطلاح الشرعي؟

هو مجموعة من الأذكار المأثورة أو غيرها يلتزمها المسلم ويواظب عليها تقربًا إلى الله، وهو تطوع وليس فرضًا.

ما أثر ذكر الله على القلوب وما أثر تركه؟

بذكر الله تحيى القلوب وتنتعش، وبتركه تموت القلوب وتقسو.

ما موقف ابن حجر الهيتمي من الأوراد الفردية والجماعية؟

أكد أن محافظة الإنسان على أوراد من الصلاة والقراءة والذكر والدعاء هي سنة رسول الله والصالحين قديمًا وحديثًا، وأن ما سُنّ على وجه الاجتماع يُفعل جماعةً وما سُنّ على وجه الانفراد يُفعل فرادى.

ما الذي كان يفعله عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري في مجالس الذكر؟

كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: «يا أبا موسى، ذكّرنا ربنا»، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون، وهو نموذج على الذكر الجماعي عند الصحابة.

ما حكم الأوراد التي تفوت بسبب انتهاء سببها كذكر رؤية الهلال؟

لا يندب تداركها بعد فوات سببها، لأن هذه الأوراد مرتبطة بأسباب لا بأوقات، وهذا ما نبّه عليه ابن علان.

كيف وسّع ابن الحاج مفهوم الورد ليشمل حياة المريد كلها؟

أوضح أن كل أفعال المريد يمكن أن تكون ورداً بما فيها النوم والاجتماع بالأهل والحديث مع الخاصة، متى اقترنت بنية التقرب إلى الله تعالى.

ما القاعدة التي تجعل الأوراد والأحزاب مستحبة شرعًا؟

قاعدة «الوسائل لها حكم المقاصد»، فلما كانت الأوراد وسيلة للمداومة على ذكر الله الكثير المستحب، كانت هي نفسها مستحبة.

ما الذي يترتب على التساهل في قضاء الأوراد الفائتة؟

نبّه النووي على أن التساهل في قضاء الأوراد يسهّل على المسلم تضييعها في وقتها، مما يؤدي إلى الانقطاع عنها كليًا.

ما الدليل على أن العلماء اعتبروا الأوراد أمرًا متفقًا عليه لا يحتاج إلى بيان حكمه؟

كان العلماء يذكرون الأوراد في أثناء كلامهم دون التنبيه على حكمها أو الاختلاف بشأنها، كقول ابن نجيم: «لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد».

ما الآية التي تجعل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كثرة الذكر واجبًا؟

قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾، إذ جعل كثرة الذكر من صفات من يتأسى بالنبي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!