اكتمل ✓
الفصل 7

ما هو فقه الواقع وكيف يمكن تجديد أصول الفقه ليتكامل مع العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

فقه الواقع هو نوع من الفقه يتجاوز الأحكام الجزئية ليشمل فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية، إذ لا يمكن للمجتهد إصدار الحكم الشرعي دون دراسة الواقع المحيط به. ويقوم تجديد أصول الفقه على إعادة النظر في شروط الاجتهاد والإجماع، واستخدام أدوات المنهج التجريبي في معرفة العرف والمصلحة والضرر. والوحي والوجود معاً هما مصدرا المعرفة الإسلامية، ولا غنى عن تكاملهما لمعالجة الظواهر الإنسانية.

11 دقيقة قراءة
  • هل يستطيع منهج أصول الفقه وحده معالجة الظواهر الإنسانية والاجتماعية، أم أنه يحتاج إلى تجديد جوهري؟

  • العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية تعاني من قصور حقيقي لأنها تنظر بعين واحدة وتُهمل الوحي كمصدر للمعرفة.

  • الوحي والوجود مصدران متكاملان للمعرفة الإسلامية، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما في معالجة الظواهر الإنسانية.

  • الإجماع والاجتهاد جُمِّدا بسبب تعريفات الأصوليين المشددة، حتى قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب.

  • فقه الواقع ضرورة لا غنى عنها، إذ لا يستطيع المجتهد إصدار حكم شرعي دون دراسة الإنسان المحكوم عليه وظروفه.

  • التكامل بين المنهج الأصولي والمنهج التجريبي سيُصلح المساحات الخالية في العلوم الإنسانية ويُحيي الفقه الإسلامي العام.

تحديد سؤال د. جمال وحدود منهج أصول الفقه في الظاهرة الاجتماعية

رابعاً – ثم يجيب د. طه العلواني:

تساؤل الدكتور جمال الأساسي هو كيف يمكن مد منهج أسس في الأصل لمعالجة الظاهرة الفقهية وهي ذات صفة خاصة تتم بالجزئية في الغالب لكي يكون صالحاً لمعالجة الظاهرة الاجتماعية أو الإنسانية التي يراد أن تكون معالجتها متصفة بالتعميم. كما أن الظاهرة الفقهية المطلوب منها أن نتبين الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي أما الظاهرة التي يمكن على ضوئها أن نقيم لأنفسنا نظاماً صالحاً.

ثم اختار أن نقول بأن منهج أصول الفقه وحده وكما هو وبشكله أنا أولا لا يعنيني كثيراً أن نقول بأن منهج أصول الفقه وحده وكما هو وبشكله وبحدوده وأبعاده يمكن أن نحكمه في الظاهرة الإنسانية والاجتماعية وأنه سيأتينا بالعجب العجاب وسيعوضنا عن المنهج العلمي وسائر المناهج المستخدمة في هذه العلوم, فهذا أمر لا أعديه بل لا أتوقع أن أصول الفقه في وضعه الذي أعرفه قادر على أن يستجيب لهذا الحاجة.

قصور العلوم الإنسانية الغربية والحاجة إلى مصدر معرفي مكمل

لكني أؤكد ما أكده علماء الاجتماعيات والإنسانيات بلا استثناء في حدود ما اطلعت عليه وما أعرفه من غربيين وغيرهم من أن العلوم الاجتماعية والإنسانية تعاني اليوم من قصور ومن محدودية وأنها تتوقف أمام ظواهر كثيرة دون أن تتمكن من أن تعطي فيها جواباً أو حلا شافيا. ولا أن أتعرض إلى نزاعاتهم في عملية هذه العلوم أو عدم علميتها.

فبعضهم يريد أن يخرجها من دائرة العلم كله ويحولها إلى مجرد معارف أو فنون , وقد ذكرت بعض هذه القضايا أمس وتعرضت لها ولكنني أريد أن أقول أولا: إن هذه المحدودية التي يشكو منها المختصون بالعلوم الإنسانية والاجتماعية يمكن أن يسهم الإسلام في مجالاتها من خلال المصدر الثاني, فالعالم الغربي ينظر في العلم من خلال مناهج المعرفة الغربية المعاصرة والمنهج التجريبي بالذات فهو عالم ينظر بعين واحدة مهما اتسع علمه فهو يهمل الوحي جانباً وينفي دخوله في أي شيء من الأشياء بل إن بعضهم قد يتساهل مع الخرافة مع العادات ومع الأعراف الشعبية ولكنه ليس لديه أي استعداد للنظر في قضية الوحي.

تكامل الوحي والوجود كمصدرين أساسيين للمعرفة الإنسانية

وأنا كإنسان مسلم أعتبر الوحي مصدراً أساسياً وشريكا لا يمكن الاستغناء عنه مع الوجود. فالوحي مع الوجود هما مصدراً معرفتي. فكما لا أستطيع أن أتخلي عن الوجود كمصدر للمعرفة فأنا لا أستطيع أن أتخلى عن الوجود كمصدر للمعرفة فأنا لا أستطيع أن أتخلى عن الوحي كمصدر للمعرفة فالوجود والوحي يكمل كل منهما الأخر للوصول إلى المعرفة المطلوبة والمعالجات العلمية المناسبة للظواهر الإنسانية والاجتماعية.

منهج الرسول الفقهي ونشأة أصول الفقه كمنهج للتعامل مع الوحي

ومنهج الرسول صلى الله عليه وسلم الفقهي هو منهج قام على معالجة قضايا الوحي وهو منهج اتصف وجاز على صفة العلم من خلال اشتماله على الموضوع وتحديده للموضوع, واشتماله على تحديد مواصفات الإنسان المتكامل مع هذا اللون من ألوان المعرفة, وهو المجتهد أو المفتي والمستفتي, وكل مطلع على أي كتاب من كتب الأصول يجد أن المحاور الثلاث هي محاور هذا العلم وقضاياه الأساسية.

فما دمت قبلت الوحي كمصدر للمعرفة مع الوجود. فلا بد لي من البحث عن منهج استطاع أن أتعامل مع الوحي من خلاله. وهذا المنهج إما أن يكون موجوداً أو يكون موجوداً أو يكون معدوماً. فإن كان موجوداً فلا بد من اختياره ومعرفة تاريخه وتطوره وحقائقه وقضاياه للحكم عليه بالصلاحية كلاً أو جزءاً أو عدم الصلاحية وآنذاك نكون ملزمين بابتكار منهج جديد للتعامل مع الوحي الذي هو الكتاب والسنة فبافتراض أن أصول الفقه كمنهج قد استطاع أن ينجح في تقديم فقه وافر وغزير وأن ينجح في التعامل مع الوحي إلى حد بعيد فإننا يمكن أن ننظر فيه ونعيد النظر في سائر قضاياه والمباحث المشتركة بين الكتاب والسنة, ما هي؟ وما لها ؟ وما عليها؟وتاريخها؟ وكيف وصل الأصوليون إليها ؟ وقواعد الاستدلال, وقواعد الدلالة والأدلة الأخرى... هناك إجماع – هناك قياس- هناك الأشياء التي ذكرها الدكتور جمال قبل قليل.

تصنيف الأدلة بين مصادر وأدوات ونقد تعريف الإجماع الأصولي

وهذه كلها, أو بعضها يمكن أن يدخل ضمن المصادر وبعضها يمكن أن يدخل ضمن الأدوات, وبعضها يمكن أن يدخل ضمن المدخلات المنهاجية. والاجتهاد نفسه.. كيف نحوله إلى منهاجية لنا نستخدمها في النظر في سائر ما يحيط بنا. وما هي الأدوات وما هي الوسائل؟ وما هي المعايير التي نخضع لها هذا المنهاج هلي نستخدم لها نفس شروط وأساليب الأصوليين؟

فأنا لا أعرف أن الإجماع مثلاً, دليل من أفضل الأدلة, كما يمكن أن يستفيد المسلمون من التعامل معه كثيراً. ولكن تعريف الأصوليين له وبيانهم لحقيقته, بيان نتج عن ظروف كانوا يعيشونها أفقدت هذا الدليل معناه, بحيث أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول:

( من ادعى الإجماع فهو كاذب)

لماذا؟ لأنهم قالوا إن الإجماع هو اتفاق جميع مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور, مستحيل تحقيقه ولم يتحقق فالإجماع الذي تحقق حتى ألان لو أخضعناه لهذا التعريف وفحصناه على ضوئه فلن نجد أن هناك إجماع إلا على الأمور المعلومة من اللذين بالضرورة.

تحول الإجماع إلى دليل جامد وتوازيه مع تجميد دور العقل

ولذلك يقولون مثلا تفتتح أبوابا الفقه. الصلاة المعلمة تثبت بالكتاب و بالسنة والإجماع. الصيام ثبت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع, قد كنا نريد أن نستخدمه دليلاً يمكن أن يغطي مساحة من المساحات الخالية ولكنهم في تحديدهم لحقيقته بهذه الصورة أفقدوه معناه. كذلك قالوا ( لا يجوز أن يتم الإجماع إلا عن مستند ) والمستند هو دليل شرعي من الكتاب أو من السنة فعندما يأتي دليل في مسألة من الكتاب أو من السنة فإن المجتهدين يجمعون على مقتضى ذلك الدليل.

إذن ما فائدة الإجماع تحول الإجماع تقريباً إلى دليل معبد. ربما تفسير الخلاف الذي نقله د. جمال قبل قليل يعتبر نوعاً من التفسير الطيب: فالإجماع إذن كالدليل جمد نتيجة تقديمهم له بهذا الشكل.

كما جمد العقل وأفقد كالدليل نتيجة لكثر القيود والضوابط التي وضعت عليه.

السياق التاريخي لتجميد العقل ومحاولة تأميم الفقه وموقف الإمام مالك

هذه استثنائية مر بها العقل الإسلامي في فترة من الفترات حينما انفصلت القيادتان السياسية والفكرية, وأصبحت القيادة السياسية في كثير من الأحيان تلجأ إلى عناصر فقهية ربما لا تتمتع بثقة الأمة, فالأمة تحاول أن تدافع عن فقهها وعن تشريعها وعن دينها بأن تقول إما أن تأتوني بنص من الكتاب والسنة وأما أن تأتوني بأقوال إمام من الأئمة السابقين.

وقد التفت المنصور لهذه القضية وحاول تأميم الفقه فجاء بالإمام مالك ولكن الإمام مالك رحمه الله لم يجز عليه الأمر. جاء به وطلب أن يأذن له أن يقتصر الناس على الموطأ وقال له هذا كتابك وأنت اتفقت فيه عشرين سنة من عمرك وجمعت فيه فقه أهل المدينة, والسنة وكذلك فأنا أحمل الناس عليه وأمنع بأن يقال في أي مسألة بما يخالف ما جاء فيه.

فقال الإمام مالك: لا يا أمير المؤمنين, إن الناس قد سبقت لهم أقوال واجتهادات فدع الناس وما اختاروه. فقد أدرك الرجل أنه يعد مصادرة الحرية الفكرية كان لا بد من مصادرة الحرية الفقهية واستطاع أن يتلافى هذا.

تقييد العلة والذرائع والخوف من العقل مع تثمين التراث الأصولي

فهذه الأدلة أو هذه القضايا حجمت وفسرت تفسيراً يغلب عليه الجانب الذرائعي أي جانب الخوف. فلو قلنا إن العقل دليل فسوف يؤدي إلى القول بمسألة التحسين والتقبيح العقليين ولو قلنا القياس الخفي فنخشى أن ينصرف الناس إلى الأخذ حتى بالحكمة. وهكذا فلا بد أن تكون العلة منضبطة. فلما جاؤا إلى ضبط العلة وضعوا القيود عليها ألغوا كثيراً من حكم الشارع. والشارع تعرض إلى حكم وكان يعلل ببساطة شديدة لا تحتمل أي شرط أو لا تحتمل معظم الشروط التي وضعوها هم بعد ذلك.

فالذي أدعيه أن هذا التراث وهو مما لا شك فيه تراث شرعي وعقلي وإسلامي: إنسان هائل علماء الأمة أن العقل السليم لم يبدع منهجاً أو علماً أو معرفة أفضل من هذا, ويعتبر زبده العقل السليم لعصور كثيرة ولكنه فيه وعليه. فتري لو أننا رجعنا إليه أو أعدنا قراءته ودراسته وفحص مقولاته وقضاياه وتمييز الدخيل منه لأي الأمور التي ألحقت به وليست منه والاستفادة مما هو قادر على مدنا بما نحتاج إليه خاصة في قضايا الوحي لكي لا تنطلق عقول الناس في كلام الله وسنة رسول الله دون ضوابط.

نماذج من التفسير الباطني المنفلت وخطر هدم الضوابط الأصولية

نحن نريد الآن أن نكسر القيود. نخشى أن تكسر كسراً أو تهدم هدماً بطريقة تجعل الناس ينطلقون مرة أخرى. فالشيخ أحمد زكي الله أخونا رئيس الإسنا في أمريكا يقول دخلت يوماً على أحد الأخوة المسلمين الجدد في أمريكا فكان يفسر في القرآن الكريم فقال:( لقد وجدت في القرآن الكريم حتى شجرات الكريسماس فقال له: كيف؟ فقال

{ هزي إليك بجذع النخلة}

فالتفسيرات الباطنة موجودة وكثيرة وأخر هذه التفسيرات تفسيرات هذا المجرم الذي ادعى النبوة وهذا الأخر خليفته. الذي يقول إن قضية الأرقام معجزته وهي رقم 19 الذي قدمها وقال إن هناك فرق بين الرسالة والنبوة, وأنه رسول. وصنف الناس إلى ثلاث أصناف وأصدر بيانا بهذا. فهناك اجتهادات كثيرة وشديدة السخف فلا بد من الأخذ بنوع الضوابط ومن القواعد.

ضرورة اتخاذ الوحي مصدراً للمعرفة ووضع منهج منضبط للتعامل معه

فالدعوة المطروحة والتي أعتقد أنها موضع اتفاق لا يخالف مسلم في هذا هي وجوب اتخاذ الوحي مصدراً للمعرفة. فإذا تقرر اتخاذ الوحي مصدراً للمعرفة فلا بد أن يكون لدينا منهج نتعامل به مع هذا الوحي الذي سيتناول ظواهر اجتماعية وظواهر إنسانية. ونحن لدينا شيء من هذا المنهج يجب أن نفحصه وندرسه وعلينا وندرسه وعلينا أن نعمل عقولنا فيه وأن نجتهد بأن لا ندع دليلاً من هذه الأدلة وإلا ونبحث ماذا قيل فيه ومني؟ وما هي ظروفه؟ وهل ينطبق أو لا ينطبق؟

إعادة تعريف الاجتهاد وتوسيع مجاله نحو فقه الواقع

وبالنسبة لقضية الاجتهاد: فأنا ارفض تقييده بالمحاور التي قيدها به الأصوليون.

فالاجتهاد لا يمكن أن يكون كذلك لأنهم عاملوه مثل الإجماع فعندما تقرأ شروط الاجتهاد الآن بالطريقة التي وضعها الأصوليون يستحيل أن تجد مجتهداً. فعندما تقول ( عندي اجتهاد) وتضع لي من الشروط ما يستحيل معه أن يوجد المجتهد. فأنا لا أقبل ذلك!

فعندما نرجع للأصول الأساسية, فإن الأئمة الكبار عندما قرروا قواعد الاجتهاد لم يشترطوا على الناس هذه الشروط المعجزة التي تجعل القضية مستحيلة تمامً. فلا بد من إعادة النظر في الاجتهاد, حقيقة ومفهومه ووسائله وأدواته ومنهجه بحيث يكون مفهوم الاجتهاد الذي ينسجم مع مقاصد الإسلام والذي يمكن أن نتعامل به مع الظواهر المختلفة. آنذاك ربما يكون لدينا فقه من نوع آخر ليس الفقه في الأحكام الجزئية الشرعية المعروفة وإنما فقه نستطيع أن نسميه ( فقه الواقع) فالدراسات الاجتماعية المختلفة والتحليلات التي يقوم بها الناس نوعاً من فقه الواقع. فهل للفقيه أن يتجاوز فقه الواقع ويقتصر مثلاً على الفهم اللغوي أم لا؟ هذا سؤال يطرح على مجتهد اليوم. فهل اللغة وحدها كافية.

تعريف الحكم الشرعي وأهمية دراسة الإنسان المحكوم عليه

والجواب: لا, فلابد من فقه الواقع فنحن نعرف أن الحكم الشرعي يقول الأصوليون عنه إنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير وأن أركان الحكم: حاكم وهو الله سبحانه وتعالى ويقولون ذلك رداً على المعتزلة, ومحكوماً عليه وهو المكلف الإنسان ومحكوماً به وهو الحكم أي العملية. ونحن في فقهنا درسنا الحكم وعرفنا الحاكم: وهو الله سبحانه وتعالي.

ولكن المحكوم عليه الذي هو الإنسان طبيعته, قوته ضعفه, نحن نتحدث عن رفع الحرج وعن التكاليف وعن سد الذرائع, وعن المصلحة, وعن الاستحسان, هذه كلها لا نستطيع أن نعرفها دون أن نتعرف على هذا المحكوم عليه الذي هو الإنسان فرداً, أو أسرة أو دولة وقيادة.

فهل أستطيع أن استغني عن دراسة هذه الظواهر؟

هل أستطيع أن استغني عن فهم هذا الواقع؟

لا يمكن للمجتهد أن يقول الحكم دون رجوع إلى هذه الأشياء؟ ونستطيع أن نستدل على هذا من منهج الأصوليين أنفسهم.

تنوع العوامل الواقعية ومنهج الشافعي الاستقرائي في معرفة الأعراف

وهناك قضايا وأشياء مختلفة وتتعلق بما هو مصلحة, ربما هو مفسدة وهناك عرفي, وهناك طبيعي, وهناك قدرتي وهناك عجزي, وكل هذه الأمور لا بد من ملاحظتها, والناس قبل اليوم كانوا يعملون ببساطة فكان الإمام الشافعي يروح ويطوف بالقبائل ويستمع لها ويبعث امرأة تسأل عن عاداتهن ويجمع هذه القضايا وهذا الاستبيان إذا أخذنا به في علومنا الاجتماعية لتطورت أليس هذا منهجاً من مناهج أصول الفقه, يجب أن يضيفه الفقيه إلى منهجه ويعتبره جزءاً لا يتجزأ من منهجه بحيث لا يقول في الظاهرة إنسانية أو الظاهرة الاجتماعية أو القضية الفردية شيئاً قبل أن يستقرأ جميع هذه الأدلة فإذا قلنا أن لدينا الوحي كمصدر للمعرفة وعندنا الوجود كمصدر للمعرفة فإن هؤلاء الناس رغم أنهم بعقولهم وحدها استطاعوا أن يصلوا من الكون وحده إلى معالجات وإلى قضايا كثيرة نافعة في معالجة كثير من الظواهر الإنسانية والاجتماعية, فإنهم مازالوا يشعرون أن لديهم قصورا في بعض المساحات.

تكامل الوحي مع المنهج الأصولي والاستفادة من أدوات المنهج التجريبي

واعتقد أن هذه المساحة يغطيها الوحي وأن المنهج الأصولي فيه ما يساعده على فهم الوحي بشكل جيد وأن المنهج التجريبي المطبق يمكن أن يستفيد منه الأصولي أم من أدواته خاصة, فهو يستطيع أن يستخدم الكثير جدا من أدواته ويستفيد منها في معرفة العرف ومعرفة المصلحة ومعرفة الضرر ومعرفة الحاجة. وكل هذه القضايا قواعد أصولية وجزء من قضايا هذا المنهج ولا نستطيع أن نستغني فيها عن الوسائل والأدوات المستعملة حالياً في هذه المناهج.

وأعتقد أن تكامل المنهج الأصولي مع المنهج العلمي سوف يكون قضية تحتاج إلى دراسات متعمقة, وندوات وعلماء يقلبون هذه الأمور على ألسنتهم ليكتشفوا كل ما لها وما عليها, ولو توصلنا إلى هذا أوجدنا نوعاً من التكامل بين المنهج الأصولي في مجال الوحي والمنهج العلمي التجريبي فربما يؤدي هذا إلى إصلاح وتغطية المساحات الخالية مما لم تتعرض له العلوم الإنسانية والاجتماعية وإلى إصلاح قضيتنا الفقهية التي نعاني منها...

تحول الفقه إلى جزئيات مشطورة والحاجة لإحيائه كفقه عام متكامل

فالقضية الفقهية كما قلنا – قضية ذات طابع جزئي أو حولناها بهذه الطريقة إلى قضية جزئية وهي ليست بجزئية فقد كان واضحاً لدى الصحابة رضوان الله عليهم الإحساس بالفقه العام والتعامل مع القضية الفقهية كظاهرة, ولكن التقنين الشديد والظروف التي ذكرناها وأشرنا إلى بعضها حولتها إلى قضية جزئية تشطيرية وأصابتها بنوع من الشلل والعجز وهذا هو الذي نعانيه!

لذلك فإنني أعتقد أن استخدام هذا المنهج وتطويره لن يخدم العلوم الإنسانية والاجتماعية وحدها, ولكن الفائدة متبادلة وهذا تقريبا هو التصور العام! وعلينا أن نبدأ من الآن تحديد ما سنأخذ وما سندع منه ولكن المطلوب أن تقلب الفكرة على ألسنة العلماء وتكون موضوعاًً للبحث في ندوات وفي دراسات وفي مناقشات إلى أن تصل إلى بلورة.

دور الخبراء في بلورة التجديد وعلاقة مباحث العلة بالمنهج التجريبي

وينبغي أن يناقش مثل هذه القضية علماء في المناهج, وعلماء في المناهج, وعلماء في أصول الفقه, وعلماء متخصصون على أعلى درجات التخصص في هذه العلوم ومناهجها لكي يستطيعوا أن يفهموا وأن يكمل كل منهم الأخر ويحاولوا أن يكلموا مباحث العلة التي يعتبر كثير من المؤرخين للعلم أنها هي التي أوحت للغربيين مثل بيكون وغيره بالمنهج التجريبي وهو أساس هذه الحضارة.

مكن النظر في هذه المباحث بطريقة منهجية, لتحديد ما هو مصدر وما هو ذاتي وما هو مدخل, وتحديد المعايير المطلوبة في هذا الأمر بشكل يجعله قادراً بالفعل على تلبية هذه الحاجة ليس للأمة وحدها وإنما للمهتمين بقضايا هذه العلوم كافة, انتهى ما أردته.

توصيف منهج د. طه في تجديد أصول الفقه ودمجه بالعلوم الحديثة

ويتضح من ندوة ستراسبورج منهج د. طه في الدعوة إلى تجديد أصول الفقه أيضاً ويمكن أن نلخصها من كلامه فيما يلي:-

  1. إعادة النظر في شروط وكيفية الاجتهاد وكذلك الإجماع.

  2. استخدام الأصول لأدوات المنهج التجريبي المطبق.

  3. استخدام العلوم الاجتماعية والإنسانية لأدوات أصول الفقه الموروث.

هو يقول ما يمكن أن يكون عنواناً لكل القضية:

ولو توصلنا إلى هذا وأوجدنا نوعاً من التكامل بين المنهج الأصولي في مجال الوحي والمنهج العلمي التجريبي فربما يؤدي هذا إلى إصلاح وتغطية المساحات الخالية بما لم تتعرض له العلوم الإنسانية والاجتماعية وإلى إصلاح قضيتنا الفقهية التي تعاني منها.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الموقف من منهج أصول الفقه وحده في معالجة الظواهر الإنسانية والاجتماعية؟

لا يكفي وحده لأنه أُسِّس للظاهرة الفقهية الجزئية

ما السبب الرئيسي في قصور العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية؟

إهمال الوحي كمصدر للمعرفة والاقتصار على المنهج التجريبي

ما المصدران الأساسيان للمعرفة في الرؤية الإسلامية؟

الوحي والوجود

لماذا قال الإمام أحمد بن حنبل: من ادعى الإجماع فهو كاذب؟

لأن تعريف الأصوليين للإجماع يجعل تحققه مستحيلاً عملياً

ما الشرط الذي وضعه الأصوليون للإجماع فأفقده معناه؟

أن يكون عن مستند من الكتاب أو السنة

ما الذي طلبه المنصور من الإمام مالك وما موقف الإمام منه؟

طلب منه حمل الناس على الموطأ وحده فرفض

ما السبب الذي جعل الأصوليين يقيّدون العلة الفقهية بشروط مشددة؟

الخوف من أن يؤدي إطلاقها إلى القول بالتحسين والتقبيح العقليين

ما فقه الواقع كما يُعرَّف في هذا السياق؟

فقه يتجاوز الأحكام الجزئية ليشمل فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية

ما الأركان الثلاثة للحكم الشرعي عند الأصوليين؟

الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به

ما المنهج الذي استخدمه الإمام الشافعي لمعرفة أعراف الناس وعاداتهم؟

الطواف بالقبائل والاستماع إليها وإرسال من يسأل عن عاداتهن

ما الذي يرى مؤرخو العلم أن مباحث العلة في أصول الفقه أوحت به للغربيين؟

المنهج التجريبي الذي هو أساس الحضارة الغربية

ما المحاور الثلاثة لتجديد أصول الفقه في منهج د. طه العلواني؟

إعادة النظر في الاجتهاد والإجماع، واستخدام أدوات المنهج التجريبي، وتوظيف العلوم الإنسانية لأصول الفقه

ما الخطر الذي يُمثله التفسير الباطني المنفلت للقرآن الكريم؟

إنتاج تأويلات سخيفة وخطيرة تصل إلى ادعاء النبوة

ما الذي أصاب الفقه الإسلامي بسبب التقنين الشديد والظروف التاريخية؟

تحوّله من فقه عام متكامل إلى قضايا جزئية تشطيرية أصابها الشلل

ما الفرق بين الظاهرة الفقهية والظاهرة الإنسانية من حيث طبيعة المعالجة؟

الظاهرة الفقهية ذات طابع جزئي خاص وتستهدف تبيين الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي، بينما الظاهرة الإنسانية تحتاج إلى معالجة تتصف بالتعميم وبناء نظام صالح.

لماذا يُعدّ العالم الغربي ناظراً بعين واحدة في مجال العلوم الإنسانية؟

لأنه يعتمد على المنهج التجريبي وحده ويُهمل الوحي كمصدر للمعرفة، بل يرفض دخوله في أي مجال من المجالات.

كيف يُكمل الوحي والوجود أحدهما الآخر في المعرفة الإسلامية؟

الوجود يُمدّ الإنسان بالمعرفة التجريبية والمشاهدة، والوحي يُمدّه بالهداية والمعرفة الإلهية، وكلاهما ضروري للوصول إلى المعرفة المطلوبة ومعالجة الظواهر الإنسانية.

ما المحاور الثلاثة الأساسية لعلم أصول الفقه؟

الموضوع وتحديده، ومواصفات الإنسان المتكامل مع هذا العلم وهو المجتهد والمفتي والمستفتي، وقضايا العلم الأساسية.

ما تعريف الإجماع عند الأصوليين الذي جعله مستحيل التحقق؟

هو اتفاق جميع مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور، وهذا الشرط جعل تحقق الإجماع مستحيلاً عملياً.

ما الإجماع الوحيد الذي يصمد أمام التعريف الأصولي المشدد؟

الإجماع على الأمور المعلومة من الدين بالضرورة فقط، كالصلاة والصيام وما شابهها.

لماذا تحوّل الإجماع إلى دليل جامد لا يغطي المساحات الخالية؟

لأن الأصوليين اشترطوا أن لا يتم الإجماع إلا عن مستند من الكتاب أو السنة، فأصبح مجرد تأكيد لما هو موجود أصلاً ولم يعد دليلاً مستقلاً يغطي مسائل جديدة.

ما الظرف التاريخي الذي أدى إلى تجميد العقل الإسلامي؟

انفصال القيادتين السياسية والفكرية، مما جعل القيادة السياسية تلجأ إلى عناصر فقهية لا تحظى بثقة الأمة، فدافعت الأمة عن فقهها بالتمسك بالنصوص وأقوال الأئمة السابقين.

ما الدرس الذي يُستفاد من رفض الإمام مالك لطلب المنصور؟

أن تأميم الفقه وإلزام الناس برأي واحد يُعدّ مصادرة للحرية الفكرية والفقهية، وأن التنوع الاجتهادي قيمة يجب صونها.

ما القضايا الأصولية التي لا يمكن معرفتها دون دراسة الإنسان المحكوم عليه؟

رفع الحرج والتكاليف وسد الذرائع والمصلحة والاستحسان، كلها تحتاج إلى معرفة طبيعة الإنسان وقوته وضعفه فرداً وأسرةً ودولة.

ما الذي يُميّز فقه الواقع عن الفقه الجزئي التقليدي؟

الفقه الجزئي يقتصر على الأحكام الشرعية المعروفة، بينما فقه الواقع يشمل فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية المختلفة ودراسة الواقع المحيط بالمكلف.

هل اللغة وحدها كافية للمجتهد في إصدار الأحكام الشرعية؟

لا، اللغة وحدها غير كافية، بل لا بد من فقه الواقع ودراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية إلى جانب الفهم اللغوي للنصوص.

ما القضايا الأصولية التي يمكن للمنهج التجريبي مساعدة الأصولي في معرفتها؟

معرفة العرف والمصلحة والضرر والحاجة، وهي كلها قواعد أصولية أصيلة تحتاج إلى أدوات المنهج التجريبي لتحقيقها على أرض الواقع.

كيف كان الصحابة يتعاملون مع الفقه مقارنةً بما آل إليه لاحقاً؟

كان الصحابة يتعاملون مع الفقه كظاهرة عامة متكاملة مع إحساس بالفقه العام، لكن التقنين الشديد والظروف التاريخية حوّلته إلى قضايا جزئية تشطيرية أصابها الشلل.

ما الهدف النهائي من تكامل المنهج الأصولي مع المنهج التجريبي؟

تغطية المساحات الخالية التي لم تتعرض لها العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإصلاح القضية الفقهية الإسلامية التي تعاني من الجزئية والشلل.

من يجب أن يشارك في بلورة مشروع تجديد أصول الفقه؟

علماء المناهج، وعلماء أصول الفقه، والمتخصصون على أعلى درجات التخصص في العلوم الإنسانية ومناهجها، ليكمل كل منهم الآخر.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!