هل تجري أحكام الربا والزكاة على الأوراق النقدية وما الفرق بين النقدية والمالية في الفقه الإسلامي؟
اختلف العلماء في جريان الربا على الأوراق النقدية على مذهبين: الأول يرى عدم ربويتها لأن الربا تعبدي مقتصر على الذهب والفضة، والثاني يرى جريان الربا عليها لأن ثمنيتها أصبحت واقعاً من باب تحقيق المناط. والراجح أن الأوراق النقدية فقدت النقدية لكنها لم تفقد المالية، وأن بيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن حرام.
- •
هل تجري أحكام الربا والزكاة على الأوراق النقدية كما كانت تجري على الذهب والفضة؟ هذا هو محور الخلاف الفقهي الكبير في مسألة النقود الورقية.
- •
الذهب والفضة اختيرا وسيطاً للتبادل لخصائص فريدة كالندرة والصلادة وعدم التغير، وأناط الشارع بهما أحكام الزكاة والربا والشركة.
- •
في القرن التاسع عشر حلّت الأوراق البنكنوت محل النقدين تدريجياً حتى انفصلت تماماً عن قاعدة الذهب عام 1970م، مستمدةً قوتها من الحكومة وإنتاج الدولة.
- •
المذهب الأول يرى عدم ربوية الأوراق النقدية لأن تحريم الربا تعبدي مقتصر على النقدين، ولأن ثمنيتها عارضة قابلة للزوال بخلاف الذهب والفضة.
- •
المذهب الثاني يرى جريان الربا على الأوراق النقدية لأن ثمنيتها أصبحت واقعاً راسخاً، وتعطيل الربا فيها يفضي إلى فساد التعامل وإسقاط الزكاة.
- •
بيع الدين بالدين منهي عنه بالحديث الصريح، وربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تزيد المديونية مع مروره يبقى حراماً بصرف النظر عن الخلاف في ربوية الأوراق.
- 1
وسيط التبادل معيار لقيم الأشياء ومخزن للقيمة، واختُير الذهب والفضة لخصائصهما الفريدة من ندرة وصلادة وثبات.
- 2
الأوراق البنكنوت حلّت محل الذهب والفضة تدريجياً وانفصلت عن قاعدة الذهب عام 1970م، مستمدةً قوتها من الحكومة والإنتاج الوطني.
- 3
ظهور الأوراق النقدية أثار إشكالاً فقهياً حول مصير أحكام الربا والزكاة المتعلقة بالذهب والفضة، وأفرز مذهبين فقهيين.
- 4
المذهب الأول يرى عدم ربوية الأوراق النقدية استناداً إلى تعبدية تحريم الربا وخصائص الذهب والفضة الفريدة وأصالة ثمنيتهما.
- 5
إمام الحرمين في البرهان قرر أن علة الربا في النقدين نقدية قاصرة لا تتعداهما، وأن مسائل الربا شبهية لا إخالة فيها.
- 6
بواعث المذهب الأول تشمل عروض الثمنية في الأوراق واشتراط النص في التحريم وقاعدة أن جهة الإباحة لا حصر لها.
- 7
الفريق الثاني يحتج بمقاصد الشريعة وأولوية التعليل وعدم التحكم في إعمال العلة في بعض الأصناف دون بعض.
- 8
تحقيق المناط يوجب إجراء أحكام الربا على الأوراق النقدية لثبوت ثمنيتها واقعاً، وتعطيلها يفضي إلى فساد التعامل وإسقاط الزكاة.
- 9
الأوراق النقدية فقدت النقدية مناط تحريم الربا لكنها أبقت المالية مناط سائر المعاملات، وهذا فرق دقيق ذو أثر فقهي كبير.
- 10
العز بن عبد السلام أكد تعبدية تحريم الربا لغياب علة ظاهرة، وذهاب النقدية يُسقط وصف التفاضل بالربا مع بقاء أحكام المالية.
- 11
بيع الدين بالدين منهي عنه بالحديث الصريح، وربط الفائدة بالزمن بحيث تتضخم المديونية يبقى حراماً في جميع الأحوال.
ما هو وسيط التبادل وما الخصائص التي جعلت الذهب والفضة يُختاران لهذا الدور؟
وسيط التبادل هو ما يُقبل قبولاً عاماً بين الناس ويكون معياراً لقيم الأشياء ومخزوناً للقيمة. اختُير الذهب والفضة لما خلق الله فيهما من خصائص فريدة كالندرة والنفاسة وعدم التغير بالصدأ وتحملهما للتداول دون نقص يُذكر في الوزن، فضلاً عن الصلادة التي تؤهلهما للحفظ والكنز.
كيف تحول الناس من استخدام الذهب والفضة إلى الأوراق النقدية وما أساس قوتها الشرائية؟
في القرن التاسع عشر الميلادي استبدل الناس بالذهب والفضة الأوراق البنكنوت التي زاحمت النقدين حتى انتهى التعامل بهما تماماً، وانفصل البنكنوت عن قاعدة الذهب نهائياً عام 1970م. وأصبحت قوة الأوراق الشرائية مستمدةً لا من ذاتها ولا من كونها سلعة، بل من تأييد الحكومة المصدرة لها ومن قوة إنتاج الدولة وعلاقاتها التجارية الدولية.
ما الإشكال الفقهي الذي أثاره ظهور الأوراق النقدية في مسائل الربا والزكاة؟
الإشكال هو: هل ذهاب الذهب والفضة كوسيط للتبادل يعني ذهاب الأحكام المتعلقة بهما من زكاة وربا وشركة إلى غير بدل، أم أن هذه الأحكام تنتقل إلى الأوراق النقدية التي حلّت محلهما؟ وقد أفرز هذا الإشكال مذهبين فقهيين رئيسيين في حكم النقود الورقية.
ما المذهب الأول في حكم الأوراق النقدية وما أبرز بواعثه؟
المذهب الأول يقول بعدم ربوية الأوراق النقدية، وهو رأي أكثر العلماء، ومن أبرز بواعثه: أن تحريم الربا أمر تعبدي لا علة واضحة له فيُقتصر على محل الورود، وأن الذهب والفضة لهما مزايا فريدة كالثبات والكنز لا توجد في الأوراق، وأن الحكومات تطبع الأوراق لسد العجز فيحدث التضخم بخلاف الذهب، وأن الذهب والفضة هما النقدان الشرعيان وأصل الثمنية بالخلقة.
ما موقف إمام الحرمين من علة تحريم الربا في النقدين وهل هي علة مطردة؟
بيّن إمام الحرمين في البرهان أن مسائل الربا شبهية لا إخالة فيها ولا مناسبة واضحة، وأن النقدية علة مقتصرة على محل النص لا تتعداه. وقرر أن هذه العلة القاصرة صحيحة عند الشافعي لأنها مستجمعة شرائط الصحة وإن انحصرت في النقدين، مؤكداً أن من طلب فيها إخالة اجترأ على العرب.
ما بقية بواعث المذهب القائل بعدم ربوية الأوراق النقدية وما حجته في تفضيل العلة القاصرة؟
من بواعث هذا المذهب: أن ثمنية غير النقدين ثمنية مستعارة عارضة قابلة للزوال، وأن التحريم تكليف يحتاج إلى نص كحديث الطعام بالطعام، وأن جهة التحريم محصورة وجهة الإباحة لا حصر لها فعند التردد يُحكم بالإباحة. وأضاف أصحاب هذا الرأي أن خطورة الربا لو كانت قائمة في الأوراق لما تُرك بيانها استناداً إلى قوله تعالى: وقد فصل لكم ما حرم عليكم.
ما حجج الفريق القائل بجريان الربا على الأوراق النقدية ولماذا يرجح التعليل على العلة القاصرة؟
يحتج هذا الفريق بأن الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئاً لمفسدة وتترك ما فيه نفس المفسدة، فنظير الحرام حرام. ويرون أن التعليل أولى لأنه أكثر فائدة، وأن إعمال التعليل في أربعة من الستة الربوية وتركه في اثنين تحكم وترجيح بلا مرجح. وقد نقل إمام الحرمين أن ترجيح العلة القاصرة مبني على استشعار خيفة لا على تغليب ظن.
ما معنى تحقيق المناط في ثمنية الأوراق النقدية وما خطر تعطيل أحكام الربا فيها؟
تحقيق المناط يعني أن الحكم كان موجوداً معلقاً على الثمنية، وقد تحققت هذه الثمنية في الأوراق النقدية واقعاً، فيجب إثبات الحكم دون إحداث اجتهاد جديد. وتعطيل الربا في الأوراق خطير لأنه يفضي إلى فساد التعامل بين الناس الذي تُحل به الفروج وتُقام به الشركات، كما يجر إلى إسقاط الزكاة في النقدين.
ما الفرق بين النقدية والمالية في الأوراق النقدية وأيهما مناط تحريم الربا؟
النقدية هي الوصف الخاص بالذهب والفضة الذي هو مناط تحريم الربا، أما المالية فهي الصلاحية لتقويم القيم والقيام بوظيفة التبادل وإغناء الفقير. والأوراق النقدية وإن فقدت النقدية إلا أنها لم تفقد المالية، فإذا كان تحريم الربا تعبدياً متعلقاً بالنقدية الذاهبة فإن باقي المعاملات تتعلق بالمالية الباقية.
ما قول العز بن عبد السلام في تعليل تحريم الربا وما أثر ذهاب محل الحكم على التحريم؟
قال العز بن عبد السلام إنه لم يقف على المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر، وأن التعليل بالشرف أو الطعم أو القيمة لا يصح لأن صوراً كثيرة تفسد مع غياب أي معنى ظاهر. وأثر ذهاب المحل وهو الذهبية والفضية أن تحريم التفاضل لا يوصف حينئذ بأنه ربا، وخلاصته أن الربا تعلق بالنقدية الذاهبة وباقي المعاملات تتعلق بالمالية الباقية.
ما حكم بيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن في القروض؟
بيع الدين بالدين وهو الكالئ بالكالئ منهي عنه بالحديث الصريح المروي عن ابن عمر رضي الله عنه، وهو بيع النسيئة بالنسيئة. وربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تزيد المديونية مع مروره يبقى حراماً لأنه يؤدي إلى تضخم المديونيات، وهذا الحكم ثابت بصرف النظر عن الخلاف في ربوية الأوراق النقدية.
الأوراق النقدية فقدت النقدية الشرعية لكنها أبقت المالية، وبيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن حرام بالنص.
الأوراق النقدية أصبحت وسيط التبادل الوحيد بعد انفصالها عن قاعدة الذهب عام 1970م، وقد أفضى ذلك إلى خلاف فقهي جوهري حول جريان أحكام الربا والزكاة عليها. فريق يرى أن تحريم الربا تعبدي مقتصر على الذهب والفضة لخصائصهما الفريدة وثباتهما عبر العصور، وأن ثمنية الأوراق عارضة قابلة للزوال.
في المقابل، يرى فريق آخر أن ثمنية الأوراق النقدية أصبحت واقعاً راسخاً يستوجب تحقيق المناط وإجراء أحكام الربا عليها، إذ إن تعطيلها يفضي إلى فساد التعامل وإسقاط الزكاة. والجامع بين الرأيين أن الأوراق وإن فقدت النقدية فإنها لم تفقد المالية، وأن بيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن يبقيان محرمَين بالنص الصريح.
أبرز ما تستفيد منه
- الذهب والفضة نقدان شرعيان بالخلقة لخصائص فريدة لا توجد في غيرهما.
- الأوراق النقدية فقدت النقدية لكنها أبقت المالية الصالحة للتقويم والتبادل.
- تحريم الربا تعبدي عند كثير من العلماء مما يُشكل أساس المذهب الأول.
- بيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن حرام بصرف النظر عن الخلاف الفقهي.
تعريف وسيط التبادل وخصائص الذهب والفضة النقدية
تعامل الناس على مر العصور بوسيط للتبادل يكون مقبولا بينهم قبولا عاما، وهو معيار لقيم الأشياء ومخزون للقيمة فبه تقوم السلع وتدفع الأجور والمهور، وتقام الشركات وعليه مدار البيع والشراء والمداينات والديات وغير ذلك من التعامل الجارى بين الناس، وشاع استعمال الذهب والفضة لما خلق الله فيهما من خصائص، الندرة والنفاسة، وعدم التغير بالصدأ، وتحملهما للتداول بين أيدى الناس دون نقص يذكر فى الوزن والصلادة التى تؤهلهما للحفظ والكنز وغير ذلك من الخصائص التى تميز بها المعدنان، فاختيرا دون سواهما ليقوما بدور وسيط التبادل بين الناس.
أحكام الشريعة في النقدين والتحول إلى الأوراق البنكنوت
ولقد أناط الشارع بهما أحكاما فى الزكاة وفى الربا وفى الشركة وغيرها، ثم لظروف طرأت فى القرن التاسع عشر الميلادى استبدل الناس بهما تلك الأوراق البنكنوت - التى شاعت وزاحمت النقدين، حتى انتهى التعامل بهما تماما فى العالم، ولو فى صورة غطاء بنكى سنة 1970م وأصبح البنكنوت هو أساس التعامل بين الناس منفصلا تماماً عن قاعدة الذهب أو الفضة مستمدا قوته الشرائية، لا من ذاته، ولا من كونه سلعة كما كان الحال فى المعدنين، بل بتأييد الحكومة المصدرة له من ناحية وبقوة إنتاج الدولة المصدرة له وعلاقتها التجارية الدولية من ناحية أخرى.
طرح الإشكال الفقهي حول ذهاب محل الأحكام وظهور الأوراق النقدية
فهل ذهب بذلك محل تلك الأحكام المتعلقة بالزكاة والربا والشركة وغيرها وهذا الذهاب إلى غير بدل أو إلى بدل ونحاول فيما يلى أن نتكلم عن تلك القضية، خاصة فيما يتعلق بمسألة الربا، وما يتصل بها من انقطاع النقد وأثره على الدين مع إشارة إلى الفرق بين الزكاة والربا فى تعلقهما بالمعدنين، فنقول:
فى هذه المسألة مذهبان أو موقفان من النقود الورقية.
المذهب الأول وعدم ربوية النقود الورقية وأهم بواعثه
أولهما: موقف من يقول بعدم ربوية النقود أو على الأصح يذهب إلى عدمها، لأنه لا نص من الأقدمين فى النقود الورقية، ولكنها مشمولة بالعموم وبالنص على المثيل، وهذا الموقف هو رأى أكثر العلماء.
ويمكن إرجاع بواعثهم حسب رأينا إذا قرأنا كلامهم قراءة متأنية إلى ما يلى:
-
أن تحريم الربا أمر تعبدى لا تظهر له علة واضحة معقولة، فهو من قبيل الابتلاء والاختبار، وما كان من هذا القبيل يقتصر فيه على محل الورود.
-
أن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد فى غيرهما، فهما معدنان نفيسان قابلين للكنز واختزان الثروة، ويبقيان على الزمن.
والذهب والفضة لا يمكن طرح كميات منها فى الأسواق بين الناس كوسيط للتبادل، إلا بعد إنتاج يتمثل فى استخراج هذين المعدنين النفيسين، فى حين أن الحكومات خاصة الواقعة فى مشكلات اقتصادية أو حروب، تطبع الأوراق البنكية لتسد عجز الثغرة فى الموازنة العامة فتزداد الكمية المعروضة من وسيط التبادل بين الناس ويحدث ما يسمى بالتضخم النقدى، فإذا أقرض أحدهم مائة جنية فى أول العام نجدها تشترى ثمانين وحدة فقط من نفس العملة وهذا لا يكون فىحالة الذهب والفضة فما زال الذهب، خاصة، يرتبط بعلاقة شبه ثابتة بالسلع الأخرى عبر العصور.
وما حدث من انهيار فى قيمة الذهب فى أسبانيا فى القرن السادس عشر شاذ انتهى بسنة كونية خلق الله بها خصائص معينة للذهب.
ومن أجل هذا الثبات عده كثير من الفقهاء مقياساً أساسيا لتحديد قيم الزكاة والديات وغيرها من المقدرات الشرعية، وأهملوا الفضة وجعلوها غير؟ ثابتة لانهيار علاقتها بالذهب، واستأنسوا فى ذلك بذكر الذهب أولا فى كلام الله سبحانه وتعالى، مع عموم قول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
ابدؤا بما بدأ الله به.
هذا من ناحية الخلقة.
أما من ناحية الشرعية، فيحرم اقتناء آنيتهما، ولا يجوز التحلى بهما للرجال غير ما استثنى الشارع، فهما أثمان بالخلقة، وهما أصل الثمنية وهما النقدان الشرعيان.
إشكال تعليل الربا وصعوبة ضبط العلة عند إمام الحرمين
- صعوبة إبراز علة مقنعة سالمة من القوادح مطردة منعكسة، وقد بين إمام الحرمين فى البرهان أنه لا شبه فيها ولا إخالة حيث قال: مسألة: إذا استنبط القائس علة فى محل النص وكانت مفتقرة عليه، منحصرة فيه لا تتعداه، فالعلة صحيحة عند الشافعى رحمه الله، ونفرض المسألة فى تعليل الشافعى رحمه الله تحريم ربا الفضل، فى النقدين بالنقدية وهى مختصة فى النقدين لا تعدوهما وقال بعض أصحاب أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه ! إذا لم تتعد العلة محل النص كانت باطلة. والمعتمد فى صحة العلة أنها مستجمعة شرائط الصحة إخالة ومناسبة وسلامة عن الاعتراضات ومعارضات النصوص، وهى على مساق العلل الصحيحة ليس فيها إلا اقتصارها وانحصارها على محل النص، وحقيقة هذا يؤول إلى النص يوافق مضمون العلة ويطابقها...الخ [1].
ثم قال: فإن قيل ما ذكرتموه تصريح بإبطال التعليل بالنقدية:
قلنا: لم نر أحداً ممن خاض فى مسائل الربا على تحصيل فيما نورده ونصدره. والصحيح عندنا أن مسائل الربا شبهية، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب كما قررناه فى مجموعاتنا. ثم الشبه على وجوه، فمنها التعلق بالمقصود وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم، والمقصود من النقدين، النقدية. وهى مقتصرة لا محالة وليست علة، إذ لا شبه لها ولا إخالة فيها [2].
بقية بواعث المذهب الأول والخوف من التوسع في العلة
- نوع من الخوف من التجاوز والافتيات على النصوص نجد مثالا فى ترجيح العلة القاصرة على المتعدية على رأى الأستاذ أبى إسحاق الاسفرائينى إذا صح التعليل بها.
قال إمام الحرمين فى البرهان: ومن رجح العلة القاصرة، احتج بأنها متأيدة بالنص وصاحبها آمن من الزلل فى حكم العلة. فكان التمسك بها أولى [3].
-
أن ثمنية غير النقدين ثمنية مستعارة ومعرضة للزوال فى أى لحظة ومن شأن هذا أن يجعل الثمنية فيه صفة عارضة.
-
أن التحريم تكليف والتكليف يحتاج إلى ورود النص ك
حديث الطعام بالطعام [4]
الذى جعل الشافعى رضى الله تعالى عنه -يرجح علة الطعمية، ويسهل ذلك على أصحابه المترددين فى قبول العلة، وقبول تعديها، ولأن جهة التحريم محصورة، وجهة الإباحة لا حصر لها فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين، ووجدت فى شق الحصر فذلك وإلا حكم فيها بحكم الآخر الذى أعفى من الحصر.
- فى الربا من الخطورة والتحريم ما لو كان قائماً فى هذه المسألة ما ترك بيانها والله سبحانه وتعالى يقول:
{وقد فصل لكم ما حرم عليكم} [5].
حجج الفريق القائل بتعميم الربا ومقاصد الشريعة
أما الفريق الآخر فيعتضد بما يلى:
-
الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئاً لمفسدة وتترك شيئا فيه نفس المفسدة، فنظير الحرام حرام.
-
التعليل أولى لأنه أكثر فائدة وترك التعليل خشية.
قال إمام الحرمين فى البرهان:
"وما ذكره مرجح العلة القاصرة من الأمن لا وقع له، فإنه راجع إلى استشعار خيفة، لا إلى تغليب ظن وتلويح متلقى من مسالك الاجتهاد" [6].
- إعمال التعليل فى أربعة من الستة وتركه فى اثنين تحكم، أى ترجيح بلا مرجح.
تحقيق المناط في ثمنية الأوراق النقدية ومخاطر تعطيل الربا
-
إن غلبة الثمنية ؟؟أصبحت واقعاً للنقود الورقية، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط، وليس إحداثاً لاجتهاد جديد إلا بقدر ما يقتضيه تحقيق المناط، لأن الحكم كان موجودا معلقا، وقد تحقق شرطه فى جزئيته، فيجب إثبات الحكم.
-
إن عدم إجراء الربا فيها، تعطيل لحكم يتعلق بمسألة خطيرة من مسائل المعاملات [7].
وكثير من العلماء المعاصرين لا يقولون بقول أكثر العلماء السابقين فى عدم جريان الربا فى غير النقدين الذى يلزم عليه عدم جريان الربا فى أوراق البنكنوت، خوفا من أن يجر هذا إلى إسقاط الزكاة فى النقدين، حيث تعلقت بالدرهم والدينار ويجر هذا أيضاً إلى فساد التعامل بين الناس بهذه الأوراق الذى تحل بها الفروج وتقام بها الشركات وتتملك بها الأشياء... الخ.
التمييز بين النقدية والمالية في حكم الأوراق النقدية
ونرى أن هناك فرقا دقيقا بين النقدية (الذهب والفضة) التى هى مناط تحريم الربا، وبين المالية التى هى مناط المعاملات الأخرى، والأوراق الجارية بين الناس، وإن فقدت النقدية إلا أنها لم تفقد المالية حيث تصلح لتقويم القيم بين الناس، وتصلح للقيام بوظيفة التبادل ولإغناء الفقير، فإذا ذهبنا إلى أن تحريم الربا تعبدى كما سبق.
تعبد تحريم الربا وكلام العز بن عبد السلام وأثر ذهاب المحل
يقول العز بن عبد السلام: ولم أقف على المفسدة المقتضية لجعله من الكبائر فإن كونه مطعوماً وقيمة الأشياء أو مقدرا، لا يقتضى أن يكون كبيرة ولا يصح التعليل بأنه لشرفه حرم ربا الفضل وربا النسا، فإن من باع ألف دينار بدرهم واحد صح بيعه ومن باع كر شعير بألف كر حنطة أو مد شعير بألف مد من حنطة أو مدا من حنطة بمثله أو دينار بمثله وأجل ذلك للحظة فإن البيع يفسد، مع أنه لا يلوح فى مثل هذه الصورتين معنى يصار إليه [8].
وفى التعبد لا تظهر المناسبة والإخالة كما سبق عن إمام الحرمين وأثر ذهاب المحل وهو الذهبية والفضية عندما ينقطع بين الناس فى تحريم التفاضل الذى لا يوصف حينئذ بأنه ربا دون باقى المعاملات المعقولة المعنى.
وخلاصة هذا أن الربا تعلق بالنقدية التى ذهبت، وباقى المعاملات تتعلق بالمالية وهى باقية.
تحريم بيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن في القروض
على أنه ينبغى التنبيه على أن بيع الدين بالدين، الكالىء بالكالىء [9]منهى عنه بالحديث الصريح [10]وهو أمر مطلوب يمنع من تضخم المديونيات فسيظل ربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تزيد المديونية مع مرور الزمن حراماً لذلك.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الخاصية التي جعلت الذهب والفضة يُختاران وسيطاً للتبادل دون سواهما؟
الندرة والنفاسة وعدم التغير بالصدأ والصلادة
في أي عام انفصلت الأوراق النقدية نهائياً عن قاعدة الذهب؟
1970م
من أين تستمد الأوراق النقدية قوتها الشرائية بعد انفصالها عن الذهب؟
من تأييد الحكومة المصدرة وقوة إنتاج الدولة وعلاقاتها التجارية
ما الموقف الذي يمثل رأي أكثر العلماء في مسألة ربوية الأوراق النقدية؟
عدم ربوية الأوراق النقدية
ما معنى الكالئ بالكالئ في الفقه الإسلامي؟
بيع الدين بالدين أي النسيئة بالنسيئة
ما الفرق الدقيق بين النقدية والمالية في الأوراق النقدية؟
النقدية وصف الذهب والفضة مناط الربا والمالية صلاحية التقويم والتبادل الباقية في الأوراق
ما موقف إمام الحرمين من علة تحريم الربا في النقدين؟
أنها علة قاصرة شبهية لا إخالة فيها ولا مناسبة واضحة
ما الحجة التي يستند إليها الفريق القائل بجريان الربا على الأوراق النقدية من مقاصد الشريعة؟
أن الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئاً لمفسدة وتترك ما فيه نفس المفسدة
ما الأثر الخطير الذي يترتب على تعطيل أحكام الربا في الأوراق النقدية وفق الفريق الثاني؟
فساد التعامل بين الناس وإسقاط الزكاة في النقدين
ما قول العز بن عبد السلام في المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر؟
أنه لم يقف على المفسدة المقتضية لذلك مما يدل على تعبدية التحريم
ما الذي يجعل ثمنية الأوراق النقدية عارضة وفق المذهب الأول؟
أنها ثمنية مستعارة معرضة للزوال في أي لحظة بخلاف الذهب والفضة
ما المقصود بتحقيق المناط في مسألة الأوراق النقدية؟
إثبات أن الحكم المعلق على الثمنية قد تحقق شرطه في الأوراق النقدية فيجب إثباته
لماذا أهمل كثير من الفقهاء الفضة وجعلوا الذهب المقياس الأساسي للمقدرات الشرعية؟
لانهيار علاقة الفضة بالذهب وعدم ثباتها بخلاف الذهب الذي يرتبط بعلاقة شبه ثابتة بالسلع
ما وظائف وسيط التبادل الثلاث التي ذكرها الفقهاء؟
وسيط التبادل يكون مقبولاً قبولاً عاماً، ومعياراً لقيم الأشياء، ومخزوناً للقيمة تُقوَّم به السلع وتُدفع الأجور والمهور.
ما الأحكام الشرعية التي أناطها الشارع بالذهب والفضة؟
أناط الشارع بالذهب والفضة أحكام الزكاة والربا والشركة وغيرها من المعاملات.
ما التضخم النقدي وكيف يحدث في ظل الأوراق النقدية؟
التضخم النقدي يحدث حين تطبع الحكومات أوراقاً بنكية لسد عجز الموازنة فتزداد الكمية المعروضة من وسيط التبادل، فتنخفض قيمته الشرائية بخلاف الذهب الذي يرتبط بعلاقة شبه ثابتة بالسلع.
ما المقصود بالثمنية بالخلقة في وصف الذهب والفضة؟
الثمنية بالخلقة تعني أن الذهب والفضة أثمان بطبيعتهما التي خلقهما الله عليها، وهما أصل الثمنية والنقدان الشرعيان، بخلاف غيرهما الذي ثمنيته مستعارة.
ما المذهبان الفقهيان في حكم الأوراق النقدية؟
المذهب الأول يقول بعدم ربوية الأوراق النقدية لأن الربا تعبدي مقتصر على النقدين، والمذهب الثاني يقول بجريان الربا عليها لأن ثمنيتها أصبحت واقعاً يستوجب تحقيق المناط.
ما العلة القاصرة وكيف تتعلق بتحريم الربا في النقدين؟
العلة القاصرة هي التي تنحصر في محل النص ولا تتعداه، وعلة النقدية في تحريم الربا قاصرة على الذهب والفضة لا تتعدى إلى غيرهما وفق الشافعي وإمام الحرمين.
ما الحجة القرآنية التي استند إليها المذهب الأول في عدم ربوية الأوراق؟
استندوا إلى قوله تعالى: وقد فصل لكم ما حرم عليكم، مستدلين بأن خطورة الربا لو كانت قائمة في الأوراق لما تُرك بيانها.
ما حجة الفريق الثاني في أن إعمال التعليل في بعض الأصناف دون بعض تحكم؟
يقولون إن إعمال التعليل في أربعة من الأصناف الستة الربوية وتركه في اثنين ترجيح بلا مرجح وتحكم لا مسوّغ له.
ما الفرق بين النقدية والمالية وأيهما يبقى في الأوراق النقدية؟
النقدية وصف خاص بالذهب والفضة وهي مناط تحريم الربا، والمالية هي الصلاحية لتقويم القيم والتبادل وإغناء الفقير. الأوراق النقدية فقدت النقدية لكنها أبقت المالية.
ما خلاصة رأي العز بن عبد السلام في تعليل تحريم الربا؟
قال إنه لم يقف على المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر، وأن صوراً كثيرة تفسد مع غياب أي معنى ظاهر، مما يدل على أن التحريم تعبدي.
ما أثر ذهاب النقدية على وصف التفاضل بالربا؟
ذهاب النقدية يعني أن تحريم التفاضل لا يوصف حينئذ بأنه ربا، لأن الربا تعلق بالنقدية الذاهبة، وباقي المعاملات تتعلق بالمالية الباقية.
ما حكم ربط سعر الفائدة بالزمن في القروض؟
ربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تزيد المديونية مع مروره حرام، لأنه يؤدي إلى تضخم المديونيات، وهذا الحكم ثابت بصرف النظر عن الخلاف في ربوية الأوراق النقدية.
من روى حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ؟
روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، ورواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وغيرهم.
ما انهيار قيمة الذهب في إسبانيا في القرن السادس عشر وكيف يُفسَّر؟
حدث انهيار في قيمة الذهب في إسبانيا في القرن السادس عشر لكنه عُدّ شاذاً انتهى بسنة كونية، إذ خلق الله للذهب خصائص تجعله يرتبط بعلاقة شبه ثابتة بالسلع عبر العصور.
لماذا يخشى بعض العلماء المعاصرين القول بعدم جريان الربا في الأوراق النقدية؟
يخشون أن يجر ذلك إلى إسقاط الزكاة في النقدين وإلى فساد التعامل بين الناس بهذه الأوراق التي تُحل بها الفروج وتُقام بها الشركات وتُتملك بها الأشياء.