اكتمل ✓

هل شهادة المرأة في الإسلام أقل من شهادة الرجل وما حكم قبولها في القضاء؟

شهادة المرأة في الإسلام ليست أقل من شهادة الرجل في القضاء، إذ يعتمد القاضي على البينة واطمئنانه لصدق الشهادة بصرف النظر عن جنس الشاهد. أما آية البقرة 282 فهي موجهة لصاحب الدين في الإشهاد للاستيثاق، لا للقاضي في الحكم. بل تنفرد المرأة بقبول شهادتها وحدها في مواضع عديدة كالولادة والنسب والأمور الخاصة بالنساء.

هل شهادة المرأة في الإسلام أقل من شهادة الرجل وما حكم قبولها في القضاء؟
هل شهادة المرأة في الإسلام أقل من شهادة الرجل وما حكم قبولها في القضاء؟
3 دقائق قراءة
  • هل ظلم الإسلام المرأة بجعل شهادتها نصف شهادة الرجل، أم أن هذه الشبهة مبنية على خلط بين مفهومين مختلفين تماماً؟

  • آية البقرة 282 موجهة لصاحب الدين في الإشهاد للاستيثاق على حقوقه، وليست موجهة للقاضي في الحكم بين المتنازعين.

  • القاضي يعتمد في حكمه على البينة واطمئنانه لصدق الشهادة، دون اعتبار لجنس الشاهد أو عدده.

  • أقر علماء كابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده ومحمود شلتوت أن تميز الإشهاد كان مرتبطاً بواقع تاريخي قابل للتغير، لا بطبيعة المرأة.

  • تُقبل شهادة المرأة وحدها في هلال رمضان والملاعنة والولادة والنسب والأمور الخاصة بالنساء، بل تتقدم فيها على شهادة الرجل.

  • رواية المرأة الواحدة في الحديث النبوي لها الحجية ذاتها لرواية الرجل، مما يؤكد أن الإسلام لا يفرق في الأصل بين الرجل والمرأة في الحقوق.

بداية الشبهة حول شهادة المرأة ونصف شهادة الرجل

شهادة المرأة

من الشبهات التي تظهر بين الحين والآخر قول البعض‏:‏ إن الإسلام ظلم المرأة بأن جعل شهادتها نصف شهادة الرجل والغرض من ذلك اتهام التشريع الإسلامي بانتقاص المرأة وبظلمه لها‏.‏

ومصدر هذه الشبهة يرجع إلى ما فهمه بعض العلماء من قوله تعالى‏:

(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) [البقرة:282]

حيث ظنوا أن هذه الآية موجهة للقاضي‏,‏ مما نتج عنه خلط بين الشهادة وبين الإشهاد وهو الذي تتحدث عنه هذه الآية الكريمة‏,‏ فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة‏,‏ واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم‏,‏ لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارا لصدقها أو كذبها‏, ومن ثم قبولها أو رفضها‏,‏ وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة بصرف النظر عن جنس الشاهد‏,‏ ذكرا كان أو أنثى‏,‏ وبصرف النظر عن عدد الشهود‏.‏

سلطة القاضي في قبول الشهادة وبيان معنى الإشهاد

فللقاضي إذا اطمأن إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين‏,‏ أو امرأتين‏,‏ أو رجل وامرأة‏,‏ أو رجل وامرأتين‏,‏ أو امرأة ورجلين‏,‏ أو رجل واحد‏,‏ أو امرأة واحدة‏..‏ ولا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناء على ما تقدمه له من البينات‏.

أما الآية فإنها تتحدث عن أمر آخر غير الشهادة أمام القضاء‏,‏ حيث تتحدث عن الإشهاد الذي يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دينه‏,‏ وليس عن الشهادة التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين‏.‏ فهذه –الآية- موجهة لصاحب الحق والدين وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع‏..‏ بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب دين‏,‏ ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدين‏,‏ وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط إلى دائن خاص‏,‏ وفي حالات خاصة من الديون لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية‏.

اجتهادات العلماء في فهم آية الدين وواقع النساء

ولقد فقه هذه الحقيقة العلماء المجتهدون‏,‏ ومنهم الشيخ ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم من القدماء والأستاذ الإمام محمد عبده والشيخ الإمام محمود شلتوت من المحدثين والمعاصرين‏.‏

وقد علل ابن تيمية حكمه كون شهادتي المرأتين تعدلان شهادة الرجل الواحد‏,‏ بأن المرأة ليست ممن يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات‏,‏ لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها‏,‏ كانت شهادتها حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون مساوية لشهادة الرجل‏.‏ (‏إعلام الموقعين عن رب العالمين‏90/1‏ - 103‏ بتصرف‏).‏

ونفس هذا المعنى ذكره الإمام محمد عبده‏,‏ عندما أرجع تميز إشهاد الرجال على هذا الحق إلى كون النساء في ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات‏,‏ ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين‏, وهو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغير‏,‏ وليس طبيعة ولا جبلة في جنس النساء على مر العصور‏.(الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ‏732/4).‏

رأي شلتوت وتقرير ابن القيم في البينة وشهادة المرأة

وقال الشيخ محمود شلتوت‏:‏ إن قول الله -سبحانه وتعالى‏:

(فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) الآية‏,

ليس واردا في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم‏,‏ وإنما هو في مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل‏,‏ وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللائي ليس معهن رجل لا يثبت بها الحق‏,‏ ولا يحكم بها القاضي‏,‏ فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو البينة‏.

وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة‏,‏ وأن كل ما يتبين به الحق ويظهره هو بينة يقضي بها القاضي ويحكم‏.‏ ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها‏. (الإسلام عقيدة وشريعة ص‏239-‏341‏ بتصرف‏).‏

حقائق عن مواضع قبول شهادة المرأة في الفقه

وبعد إزالة الشبهة عن الآية المذكورة يجب على من لم يقف على حكمة البارئ -سبحانه وتعالى- أن يعلم بعض الحقائق في قضية الشهادة‏,‏ وهي‏:‏

‏(1)‏ تقبل شهادة المرأة وحدها في هلال رمضان شأنها شأن الرجل‏.

‏(2)‏ تستوي شهادة المرأة بشهادة الرجل في الملاعنة‏.

‏(3)‏ تقبل شهادة النساء وحدهن‏,‏ منفردات عن الرجال‏,‏ في الأمور الخاصة التي لا يطلع عليها إلا النساء‏,‏ بل تقدم شهادتهن فيها على الرجل‏.

‏(4)‏ تقبل شهادة المرأة الواحدة‏,‏ قال ابن قدامة‏: (إذا ثبت هذا‏,‏ فكل موضع قلنا‏:‏ تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة‏ (‏المغني لابن قدامة ‏161/10).

تميز شهادة المرأة في الولادة والنسب ومساواتها في الرواية

‏(5)‏ إن شهادة الرجل لم تقبل قط وحده حتى في القضايا المالية اليسيرة‏,‏ غير أن المرأة قد امتازت على الرجل في سماع شهادتها وحدها‏,‏ دون الرجل،‏ فيما هو أخطر من الشهادة على تلك الأمور الهينة‏,‏ وذلك في شهادتها على الولادة وما يلحقها من نسب وإرث‏.

‏(6)‏ الشهادة لا تختلف في جوهرها عن الرواية؟ وقد قبلت رواية المرأة الواحدة -ولا تزال- في كل أمر حتى في السنة‏,‏ فالحديث النبوي الذي روته لنا امرأة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له حجية الحديث نفسه الذي يرويه رجل‏.

ولعلنا بهذا البيان نكون قد أزلنا بعض ما أبهم حول هذه المسألة‏,‏ وليعلم القاصي والداني أن الإسلام لا يفرق في الأصل‏,‏ خصوصا في الحقوق والواجبات‏,‏ بين الرجل والمرأة‏,‏ وأنه لم يكمل تكريم المرأة في شريعة أو قانون‏,‏ كما كرمت في الشريعة الإسلامية‏.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

إلى من توجهت آية البقرة 282 المتعلقة بالإشهاد على الديون؟

إلى صاحب الدين الراغب في الاستيثاق على حقه

ما المعيار الذي يعتمده القاضي في قبول الشهادة وفق الفقه الإسلامي؟

الاطمئنان لصدق الشهادة والبينة

ما الذي أكده ابن القيم بشأن البينة في الشرع الإسلامي؟

البينة أعم من الشهادة وتشمل كل ما يُظهر الحق

ما تفسير ابن تيمية لاشتراط إشهاد امرأتين مقابل رجل واحد في آية الديون؟

لأن المرأة لم تكن تتحمل عادة مجالس هذه المعاملات في ذلك الوقت

في أي من المواضع التالية تُقبل شهادة المرأة وحدها دون الرجل؟

الولادة وما يلحقها من نسب وإرث

ما موقف الإمام محمد عبده من تميز إشهاد الرجال في آية الديون؟

هو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغير لا طبيعة جبلية في المرأة

ما حكم رواية المرأة الواحدة للحديث النبوي مقارنة برواية الرجل؟

رواية المرأة لها الحجية ذاتها لرواية الرجل

ما الخلط الذي أدى إلى شبهة أن الإسلام جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟

الخلط بين الشهادة القضائية والإشهاد للاستيثاق على الديون

ما الذي أوضحه الشيخ محمود شلتوت بشأن آية الإشهاد؟

أنها في مقام الإرشاد إلى الاستيثاق على الحقوق وقت التعامل لا في مقام الحكم القضائي

في أي القضايا تستوي شهادة المرأة بشهادة الرجل تماماً وفق الفقه الإسلامي؟

الملاعنة

ما الفرق بين الشهادة والإشهاد في الفقه الإسلامي؟

الشهادة هي ما يعتمد عليها القاضي في الحكم بين المتنازعين، أما الإشهاد فهو ما يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من حفظ حقه، وهو ما تتحدث عنه آية البقرة 282.

لماذا لا يُعدّ جنس الشاهد معياراً لقبول الشهادة أمام القضاء؟

لأن معيار القاضي هو الاطمئنان لصدق الشهادة والبينة، بصرف النظر عن كون الشاهد ذكراً أو أنثى أو عن عدد الشهود.

ما الصور المختلفة للشهادة التي يقبلها القاضي؟

يقبل القاضي شهادة رجلين، أو امرأتين، أو رجل وامرأة، أو رجل وامرأتين، أو امرأة ورجلين، أو رجل واحد، أو امرأة واحدة، متى اطمأن إلى البينة.

ما تعريف البينة عند ابن القيم؟

البينة في الشرع أعم من الشهادة، وهي كل ما يتبين به الحق ويظهره، ومنها القرائن القطعية وشهادة غير المسلم متى وثق بها القاضي.

ما الأمور الخاصة التي تُقبل فيها شهادة النساء منفردات وتتقدم على شهادة الرجل؟

الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، كالولادة وما يلحقها من نسب وإرث، إذ تُقبل شهادة المرأة وحدها فيها وتتقدم على شهادة الرجل.

ما موقف ابن قدامة من شهادة المرأة الواحدة؟

قال ابن قدامة إن كل موضع تُقبل فيه شهادة النساء المنفردات تُقبل فيه شهادة المرأة الواحدة.

لماذا اشترطت آية الديون إشهاد امرأتين مقابل رجل واحد وفق ابن تيمية؟

لأن المرأة في ذلك الوقت لم تكن تتحمل عادة مجالس المعاملات التجارية، فإذا تطورت خبراتها وممارساتها كانت شهادتها في الإشهاد مساوية لشهادة الرجل.

هل اشتراط الإشهاد في آية الديون يسري على كل حالات الدين؟

لا، فالآية توجهت بالنصح والإرشاد إلى دائن خاص في حالات خاصة من الديون لها ملابسات خاصة، ولا تشترط ذلك في كل حالات الدين.

ما حجية الحديث النبوي الذي ترويه امرأة مقارنة بما يرويه رجل؟

الحديث النبوي الذي روته امرأة له الحجية ذاتها للحديث الذي يرويه رجل، وقد قُبلت رواية المرأة الواحدة في السنة النبوية ولا تزال.

ما الذي أكده الإمام محمد عبده بشأن طبيعة حكم الإشهاد في آية الديون؟

أكد أن تميز إشهاد الرجال في آية الديون واقع تاريخي خاضع للتطور والتغير، وليس طبيعة ولا جبلة في جنس النساء على مر العصور.

هل يحكم القاضي بشهادة غير المسلم في الفقه الإسلامي؟

نعم، يحكم القاضي بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها، وذلك لأن البينة أعم من الشهادة وتشمل كل ما يُظهر الحق.

ما الموضع الذي تُقبل فيه شهادة المرأة في هلال رمضان؟

تُقبل شهادة المرأة وحدها في هلال رمضان شأنها شأن الرجل تماماً.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!