اكتمل ✓

كيف دوّن التابعون السنة النبوية وما أبرز الصحف الحديثية التي وصلت إلينا من ذلك العصر؟

اضطلع التابعون بدور محوري في تدوين السنة النبوية، إذ تلقوا الرواية عن الصحابة وكتبوا الأحاديث في صحف خاصة. ومن أشهر ما وصلنا الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه التي تضم مائة وثمانية وثلاثين حديثاً ودُوِّنت في منتصف القرن الأول الهجري. وقد توّج هذا الجهد بمبادرة عمر بن عبد العزيز الرسمية التي أمر فيها بجمع السنن وإرسالها إلى الأمصار.

كيف دوّن التابعون السنة النبوية وما أبرز الصحف الحديثية التي وصلت إلينا من ذلك العصر؟
كيف دوّن التابعون السنة النبوية وما أبرز الصحف الحديثية التي وصلت إلينا من ذلك العصر؟
3 دقائق قراءة
  • هل دُوِّنت السنة النبوية فعلاً في القرن الأول الهجري أم تأخر تدوينها إلى القرن الثاني؟ الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه دليل قاطع على التدوين المبكر.

  • تلقى التابعون الرواية مباشرة عن الصحابة وفهموا متى تُكره كتابة الحديث ومتى تُباح، فجاءت آراؤهم متوافقة مع آراء الصحابة في هذا الشأن.

  • كتب سعيد بن جبير عن ابن عباس حتى امتلأت صحفه، وكان للحسن البصري كتب يتعاهدها، وكذلك الشعبي وأبو الزبير وأيوب السختياني.

  • شاعت الكتابة حتى بين الأمراء، إذ كتب عمر بن عبد العزيز بنفسه حديثاً أعجبه وهو يحمل القرطاس بين صلاتي الظهر والعصر.

  • أقلق العلماءَ ظهورُ الوضع والكذب في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، فكانت تلك البذور الأولى لعلم الجرح والتعديل.

  • أصدر عمر بن عبد العزيز أمراً رسمياً بجمع السنن عبر أبي بكر بن حزم والزهري، فكتبها الزهري دفتراً دفتراً وأرسلها إلى كل أرض تحت سلطان الخليفة.

مكانة التابعين في تدوين السنة النبوية وارتباطهم بالصحابة

تدوين السنة في عصر التابعين

كان للتابعين دور بارز في تدوين السنة لا يقل أهمية عن دور الصحابة رضي الله عنهم، فقد تلقى التابعون الرواية على أيدي الصحابة الأجلاء، وحملوا عنهم الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهموا عنهم متى تُكره كتابة الحديث، ومتى تُباح، فقد تأسوا بالصحابة رضي الله عنهم، فمن الطبيعي أن تتفق آراء التابعين وآراء الصحابة حول تدوين وكتابة الحديث، ولذلك فقد ظهرت بعض تلك الأحاديث المدونة والصحف الجامعة للحديث الشريف التي اعتنى بكتابتها أكابر التابعين.

الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه وأهميتها في إثبات التدوين المبكر

ومن أشهر ما كتب في القرن الأول الصحيفة الصحيحة لهمام بن مُنَبِّه الصنعاني (المتوفى سنة 131هـ)، تلك الصحيفة التي رواها عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة كما رواها ودونها، وقد طبعت عدة طبعات، منها طبعة بتحقيق الدكتور رفعت فوزي طبعة مكتبة الخانجي (1406 هـ)، ويزيد من توثيق هذه الصحيفة أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في مسنده، كما نقل الإمام البخاري عددًا كثيرًا من أحاديثها في صحيحه، وتضم صحيفة همام مائة وثمانية وثلاثين حديثًا، ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية؛ لأنها حجة قاطعة على أن الحديث النبوي قد دون في عصر مبكر، وتصحح القول بأن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الهجري الثاني، وذلك أن همامًا لقي أبا هريرة قبل وفاته، وقد توفي أبو هريرة رضي الله عنه سنة 59 هـ، فمعنى ذلك أن الوثيقة دونت في منتصف القرن الأول الهجري.

نماذج من التابعين الكتّاب كسعيد بن جبير والحسن البصري والشعبي

وهذا سعيد بن جبير الأسدي (المتوفى سنة 95هـ) كان يكتب عن ابن عباس حتى تمتلئ صحفه، وكانت للحسن بن أبي الحسن البصري كُتُبٌ يتعاهدها، فقد قال إن لنا كُتُبًا كنا نتعاهدها. وممن كتب في هذه الفترة التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبي (المتوفي سنة 103 هـ)، فقد روي عنه أنه قال: "هذا باب من الطلاق جسيم، إذا اعتدت المرأة وورثت..." ثم ساق فيه أحاديث.

أبو الزبير وأيوب السختياني وغيرهما من التابعين أصحاب الصحف الحديثية

ويبرز من جيل التابعين عدد آخر من العلماء الذين اهتموا بالحديث واحتفظوا بأجزاء وصحف كانوا يروونها؛ منهم محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي (المتوفى سنة 126هـ) والذي كتب بعض أحاديث الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، وقد وصلت إلينا من آثاره أحاديث أبي الزبير عن غير جابر، جمعها أبو الشيخ عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهاني (المتوفى سنة 369 هـ) وقد طبع بتحقيق بدر بن عبد الله البدر طبعة مكتبة الرشد بالرياض (1417 هـ)، وأيوب بن أبي تميمة السختياني (المتوفى سنة 131هـ) وقد وصل إلينا بعض حديثه جمعه إسماعيل بن إسحاق القاضي البصري (المتوفى سنة 282 هـ) وهو مخطوط في المكتبة الظاهرية مجموع 4/2 ويقع في خمس عشرة ورقة، وغير هؤلاء كثير.

شيوع كتابة الحديث بين العلماء والأمراء ومثال عمر بن عبد العزيز

وهكذا شاعت الكتابة بين مختلف الطبقات في ذلك العصر، حتى أن الأمراء قد ظهرت عنايتهم بالكتابة، فهذا الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز (المتوفى سنة 101 هـ) يروي عنه أبو قلابة قال: "خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قِرْطَاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر وهو معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الكتاب؟ قال: حديث، حدثني به عَوْن بن عبد الله فأعجبني، فكتبته".

زوال إنكار كتابة الحديث وظهور الوضع وبذور علم الجرح والتعديل

ولم يعد أحد ينكر كتابة الحديث في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني، وعليه فقد نشطت الحركة العلمية وازداد التدوين والقراءة على العلماء، ولكن ذلك كان بشكل فردي، ومع كثرة الكتابة في ذلك العصر إلا أنه قد ظهرت أمور أقلقت العلماء واستنفرت همتهم للحفاظ على الحديث الشريف، فمن تلك الأمور المستجدة:

ظهور الوضع بسبب الخلافات السياسية أو المذهبية، حتى إنه ظهرت أحاديث وروايات أنكرها كثير من المتخصصين في الحديث، أمثال الزهري (المتوفى سنة 124 هـ) حيث يقول: لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثًا ولا أذنت في كتابته. وعلى أثر ذلك اتجه العلماء إلى وضع علم يحفظ الرواية من التحريف أو الكذب، فاهتموا بتمييز الرجال، والحكم عليهم، فكانت تلك بذور علم يسمى علم الجرح والتعديل.

خشية ذهاب العلم بموت العلماء الحاملين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يضيع ميراث النبوة.

مبادرة عمر بن عبد العزيز الرسمية لتدوين السنة عبر أبي بكر بن حزم وعمرة

وتلك الأمور دفعت العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها، حتى إن أولياء الأمر اتجهوا إلى تدوين السنة، فحمل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الأموي لواء ذلك الاتجاه، فكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (المتوفى سنة 117هـ) قال: "اكتب إليَّ بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني خشيت دروس العلم وذهابه"، وأمره في موطن آخر بجَمْع رواية عَمْرَة بنت عبد الرحمن الأنصارية (المتوفية سنة 98هـ) وكانت خالة أبي بكر بن حزم، وقد نشأت في حجر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

دور الزهري في جمع السنن بأمر عمر بن عبد العزيز وإرسالها للأمصار

وقد شارك العلماء في تلك الخدمة مشاركة فعالة، فقام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (المتوفى سنة 124هـ) بجمع السنن بأمر من عمر بن عبد العزيز، وقد وصلت تلك الصحف التي جمعها ابن شهاب لعمر بن عبد العزيز. قال ابن شهاب: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا. ولكن لم يكتب لعمر بن عبد العزيز رؤية ثمار دعوته تلك كاملة فقد توفي قبل إتمام ذلك الأمر.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم حديثاً تضم الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه؟

مائة وثمانية وثلاثون حديثاً

عمّن روى همام بن منبه صحيفته الصحيحة؟

عن أبي هريرة

في أي سنة توفي أبو هريرة رضي الله عنه؟

سنة 59هـ

من الذي نقل الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه بتمامها في مسنده؟

الإمام أحمد

ما السبب الرئيسي الذي دفع عمر بن عبد العزيز إلى الأمر بجمع السنة النبوية؟

خشية دروس العلم وذهابه بموت العلماء

إلى من كتب عمر بن عبد العزيز يأمره بجمع السنة النبوية في المدينة؟

إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم

ما الذي أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم بجمعه بالإضافة إلى الحديث النبوي؟

رواية عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية

كيف وزّع الزهري السنن التي جمعها بأمر عمر بن عبد العزيز؟

أرسل نسخة منها إلى كل أرض تحت سلطان الخليفة

ما العلم الذي نشأت بذوره نتيجة ظهور الوضع والكذب في الحديث؟

علم الجرح والتعديل

ما الذي كان يفعله سعيد بن جبير الأسدي في تدوين الحديث؟

كان يكتب عن ابن عباس حتى تمتلئ صحفه

أين يوجد مخطوط حديث أيوب السختياني الذي جمعه إسماعيل بن إسحاق القاضي؟

المكتبة الظاهرية

ما الذي قاله الزهري عن سبب إقباله على كتابة الحديث؟

أحاديث تأتيه من المشرق ينكرها دفعته للكتابة

في أي قرن هجري دُوِّنت الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه؟

في منتصف القرن الأول الهجري

من هو همام بن منبه وما نسبته؟

هو همام بن منبه الصنعاني، تابعي جليل توفي سنة 131هـ، روى عن أبي هريرة رضي الله عنه وكتب عنه الصحيفة الصحيحة.

لماذا تُعدّ الصحيفة الصحيحة حجة قاطعة على مبكرية تدوين الحديث؟

لأن همام بن منبه لقي أبا هريرة قبل وفاته سنة 59هـ، مما يعني أن الصحيفة دُوِّنت في منتصف القرن الأول الهجري، وهو أسبق مما يدّعيه القائلون بتأخر التدوين إلى القرن الثاني.

ما الطبعة المعروفة للصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه؟

طُبعت بتحقيق الدكتور رفعت فوزي في مكتبة الخانجي سنة 1406هـ، وهي من أشهر طبعاتها.

ما الذي قاله الحسن البصري عن كتبه الحديثية؟

قال: إن لنا كتباً كنا نتعاهدها، مما يدل على أنه كانت له كتب حديثية يحافظ عليها ويراجعها.

من جمع أحاديث أبي الزبير عن غير جابر وأين طُبعت؟

جمعها أبو الشيخ عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهاني، وطُبعت بتحقيق بدر بن عبد الله البدر في مكتبة الرشد بالرياض سنة 1417هـ.

ما الدليل الذي يرويه أبو قلابة على اهتمام عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث؟

روى أبو قلابة أن عمر بن عبد العزيز خرج لصلاة الظهر وبيده قرطاس، ثم خرج لصلاة العصر وهو لا يزال معه، فلما سُئل قال: حديث حدثني به عون بن عبد الله فأعجبني فكتبته.

ما الأمور المستجدة التي أقلقت العلماء في أواخر القرن الأول الهجري؟

ظهور الوضع والكذب في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية، والخشية من ذهاب العلم بموت العلماء الحاملين لحديث رسول الله.

ما صلة عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية بأم المؤمنين عائشة؟

نشأت عمرة بنت عبد الرحمن في حجر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مما جعلها من أوثق الرواة عنها.

ما صلة عمرة بنت عبد الرحمن بأبي بكر بن حزم؟

كانت عمرة بنت عبد الرحمن خالة أبي بكر بن حزم، ولذلك أمره عمر بن عبد العزيز بجمع روايتها.

هل أتمّ عمر بن عبد العزيز مشروع تدوين السنة؟

لا، توفي عمر بن عبد العزيز قبل إتمام ذلك الأمر ورؤية ثمار دعوته كاملة.

ما الفرق بين التدوين الفردي والتدوين الرسمي للسنة في عصر التابعين؟

التدوين الفردي كان بمبادرة شخصية من العلماء كسعيد بن جبير والحسن البصري، أما التدوين الرسمي فكان بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز وشمل جمع السنن وتوزيعها على الأمصار.

ما عدد أوراق مخطوط حديث أيوب السختياني في المكتبة الظاهرية؟

يقع المخطوط في خمس عشرة ورقة، وهو محفوظ في المكتبة الظاهرية ضمن مجموع 4/2.

ما الموضوع الذي كتب فيه الشعبي وساق فيه أحاديث؟

كتب عامر بن شراحيل الشعبي في مسائل الطلاق، وقال: هذا باب من الطلاق جسيم، ثم ساق فيه أحاديث.

ما دلالة نقل الإمام البخاري لأحاديث الصحيفة الصحيحة في صحيحه؟

يزيد ذلك من توثيق الصحيفة الصحيحة ويؤكد صحة أحاديثها، إذ إن البخاري اشترط أعلى درجات الصحة في كتابه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!