اكتمل ✓

ما إشكالية ترجمة المصطلحات الإسلامية إلى اللغات الغربية وكيف أثرت على فهم مفاهيم كالجهاد والعلم والأمة؟

تعاني المصطلحات الإسلامية من غياب ترجمة منهجية دقيقة إلى اللغات الغربية، مما أفضى إلى تحريف معاني مفاهيم جوهرية كالجهاد والإيمان والأمة. اعتمد المترجمون الغربيون على ما يشهدونه في الواقع لا على الأصول العلمية الإسلامية، فنشأت هوة سوء الفهم المتبادل. والحل المقترح هو بناء مصطلحية إسلامية أصيلة تنطلق من داخل العلوم الإسلامية ذاتها لا من الترمنولوجي الهندوكي أو غيره.

ما إشكالية ترجمة المصطلحات الإسلامية إلى اللغات الغربية وكيف أثرت على فهم مفاهيم كالجهاد والعلم والأمة؟
ما إشكالية ترجمة المصطلحات الإسلامية إلى اللغات الغربية وكيف أثرت على فهم مفاهيم كالجهاد والعلم والأمة؟
3 دقائق قراءة
  • لماذا لا يوجد حتى الآن قاموس إسلامي منهجي يقابل القواميس الهندوكية الضخمة في اللغات الغربية؟

  • اضطر المترجم الفرنسي رينيه جينو إلى استعارة مصطلح "جورو" الهندوكي لترجمة "شيخ الطريقة" لغياب مقابل فرنسي أصيل.

  • الترجمات الصوتية الغربية للمصطلحات الإسلامية مستقاة من الحياة المشهودة في بلاد المسلمين لا من الأصول العلمية الشرعية.

  • تحريف معنى الجهاد في الوعي الغربي ليصبح مرادفاً للإرهاب نموذج صارخ على خطورة غياب المصطلحية الإسلامية الدقيقة.

  • المسلمون الأوائل عرّبوا الآخرين وبنوا الجسر الحضاري من منطلق ما عندهم، بينما يتوسل المسلمون اليوم إلى لغات الغالب لقبول مفرداتهم.

  • أداة التعامل مع العلوم التراثية تقوم على ركيزتين: عناصر الرؤية الكونية عند علماء التراث، والأداة اللغوية اللازمة لفهم النص التراثي.

غياب ترجمة منظمة للمفاهيم الإسلامية مقارنة بالترمنولوجي الهندوكي

الترجمة الصوتية

ذكرنا في المقالة السابقة أن المفاهيم الإسلامية لم تُترجم إلى اللغات الأخرى، ولم يُبذَل فيها ما بُذل مثلاً في إعداد الترمنولوجي الهندوكي الذي نقل إلى فهم الآخرين في قواميس كبيرة؛ حيث إن دارس الفلسفة والأديان والمجتمعات في الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما يسهل عليه أن يفهم الترمنولوجي الهندوكي حتى بالحكاية الصوتية. وعندما جاء "رينيه جينو"* الفرنسي ليترجم عن الإسلام لم يجد ما يترجم به سوى الترمينولوجي الهندوكي.

استخدام مصطلح جورو الهندوكي لترجمة شيخ الطريقة الصوفي

وفي هذه المرة نجلي هذا المعنى فمثلا استخدم رينيه جينو كلمة جورو الهندوكية لترجمة كلمة شيخ الطريقة حيث لم يجد مقابلا لها فرنسيا وعندما جئنا نحن لننقل عن الرجل لم نجد في القواميس الفرنسية هذه الكلمة "جورو".

هذا ما نحاول أن نقوم به نحن حاليًا إزاء نحو ثلاثمائة مصطلحًا دخلت الإنجليزية من قبيل Haj, Jihad, Umma, Ulama ... . والترجمات الصوتية عن العربية الموجودة حاليًا في الغرب لم تؤخذ لا من اللغة العربية ولا من الأصول أو العلوم الإسلامية، إنما من الحياة المشهودة في بلاد المسلمين ومن العقليات القائمة.. وهذا مكمن خطر يزيد من تعميق هوة سوء الفهم المتبادل.

تحريف معنى الجهاد وتشويه المفاهيم الإسلامية في الوعي الغربي

هم يرون مسلمين يتقاتلون فيترجمون ذلك تحت كلمة JIHAD وهو نوع من التحريف، فلا يكون في تعريف الـ JIHAD إلا نوع من الإرهاب والإفساد في الأرض وحب سفك الدماء. وقِس على ذلك تعبيرات "الإيمان" و"الدين" و"السياسة" و"النبي" و"الخلافة" و"الأمة" و"العلم"

والخلاصة أنه لا يوجد قاموس مفردات Vocabulary أو Glossary إسلامي.. هم صدّروا إلينا كلمات كثيرة سيما مع التقنيات المستوردة من قبيل الــ تي في، الكمبيوتر، البرلمان، التيك آواي.. نستعملها في العربية كما هي وبذات المعاني التي يقصدونها، فلماذا لا نقول عن العلم "ELM" إذا لم نجد في الإنجليزية ما يقابل ما عندنا..؟

تعريب الآخرين قديما مقابل التوسل للغات الغالب في الحاضر

المسلمون الأوائل صنعوا الجسر بينهم وبين الآخر على أساس مما عند المسلمين أنفسهم، فعرّبوا الآخرين، بينما نحن اليوم -وفي هذه اللحظة التاريخية- نصنع الجسر من عندهم، وندّعى أنه مزيج مما عندنا وعندهم. نحن نتوسل إلى لغاتهم كي تقبل كلماتنا ومفرداتنا لتوضع في أوعيتهم!

هذه المشكلة الكبرى في عدم الفهم التام لهذه القضية. فالمطلوب الآن في ظل المغلوبية الحضارية، وتبعية حضارة المغلوب لحضارة الغالب، أن نـتعرف إلى الآخر الغالب وإلى لغته.

التباس المصطلحات بين العلوم الاجتماعية والشرعية والحاجة لدارس منتج

وبالنسبة للمصطلحات الملتبسة بين دارس العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصر وبين النصوص التراثية، فقد يرى البعض أن ثمة ضرورة لوجود وسيط يقف بين دارس العلوم الاجتماعية ودارس العلوم الشرعية لفض مضامين هذه المفاهيم. لكننا –في هذا السياق الذي نحن بصدده- نسعى لما هو أعمق وأبعد من ذلك, نريد أن يكون الدارس هو المنتِج نفسه للمعرفة وللعلم وللمفهوم, والقادر على نقله والتعامل به، وإن كان الأمر مشتملاً على الكثير من العقبات والصعوبات.

مكونات أداة التعامل مع العلوم التراثية لبناء الفهم

تتألف أداة التعامل مع العلوم التراثية لتأسيس "الفهم" من مكونات عدة، لعل من أهمها مكوّنيْن رئيسيْن: الأول- عناصر الرؤية للعالم الخارجي عند الكاتبين للتراث الإسلامي، والثاني- الأداة اللغوية التي يمكن أن نفهم النص التراثي بها.

أولًا – عناصر الرؤية للعالم الخارجي:

استكشاف عناصر الرؤية التراثية للعالم عبر أعلام العلماء

لكي أستكشف عناصر الرؤية التراثية للكون والوجود والإنسان والحياة، أحتاج أن أقوم برحلة في العقلية التراثية: عقلية الماوردي والجويني والغزالي والنووي وابن تيميه وابن حجر، والسيوطي ...الخ، هؤلاء الذين عاشوا في الزمن التراثي، والذين حازوا –ولابد- أدوات لفهم القرآن والسُّنَّة، وأيضًا حازوا رؤى معينة للعالم الخارجي.

تنوع مصادر الرؤية الكونية عند منتجي التراث الإسلامي

تلخّص الرؤية منتجي التراث للعالم الخارجي في عناصر معينة، وذلك بصرف النظر عن مصادرها؛ لأن مصادرها شديدة التركيب كما أشرنا من قبل: بعضها من العقائد الإيمانية، وبعضها مستقًى من مطلق التأمل والتفكّر في الكون والأشياء وما وراءها، أو من خلاصة الفلسفة القديمة، أو من الاختلاط بحضارات أخرى تداخلت مع حضارة المسلمين كالهندية و الصينية و الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية... وأخيرًا الحضارة اليونانية بتنوعاتها، دون الوقوف فقط عند مدرسة أرسطو الأكثر شهرة- حيث كانت ثمة مجموعة كبيرة من الأفكار التي وردت عن أمثال فيثاغورث وسوفوكليس وسقراط وأفلاطون وغيرهم.

التعامل مع المنطق الأرسطي وصعوبة تحديد مصادر الرؤية الكونية

وهذا الترتيب للمصادر ليس مقصودًا بالضرورة، إنما ذكرتها لبيان أن هناك مصادر أخرى غير المصدر الأرسطىّ الذي عدّه البعض هو كل شيء أو المصدر الأوحد، وليس الأمر كذلك، فقد تعامل المسلمون مع هذا المنطق الأرسطىّ بالحذف والإضافة، ومع مصادر أخرى.

ومن الصعب -حتى عند أهل التراث- أن نتبيّن - بالضبط- من أين أتت هذه العناصر للرؤية الكونية؛ لأنها قد تأتي من أحد هذه المصادر أو من تفاعلها فيما بينها..

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الكلمة التي استخدمها رينيه جينو لترجمة مصطلح 'شيخ الطريقة' الصوفي؟

جورو

ما السبب الرئيسي لتحريف معنى الجهاد في الوعي الغربي؟

استقاء الترجمة من مشاهد القتال لا من التعريف الشرعي

ما الفرق الجوهري بين طريقة المسلمين الأوائل في التواصل الحضاري وطريقة المسلمين اليوم؟

الأوائل عرّبوا الآخرين بينما يتوسل المسلمون اليوم إلى لغات الغالب

ما المكونان الرئيسيان لأداة التعامل مع العلوم التراثية الإسلامية؟

عناصر الرؤية الكونية والأداة اللغوية

من أين استُقيت الترجمات الصوتية للمصطلحات الإسلامية الموجودة في الغرب؟

من الحياة المشهودة في بلاد المسلمين والعقليات القائمة

ما تقريبي عدد المصطلحات الإسلامية التي دخلت اللغة الإنجليزية وتحتاج إلى مراجعة ترجمتها؟

ثلاثمائة مصطلح

ما الهدف الأعمق الذي يتجاوز فكرة الوسيط بين العلوم الاجتماعية والشرعية؟

تكوين دارس منتج للمعرفة والمفهوم قادر على نقله

أي من الحضارات التالية لم تُذكر ضمن مصادر الرؤية الكونية عند منتجي التراث الإسلامي؟

الحضارة الرومانية

كيف تعامل المسلمون مع المنطق الأرسطي في تراثهم الفكري؟

تعاملوا معه بالحذف والإضافة

ما الخطر الرئيسي الناجم عن الترجمات الصوتية الغربية للمصطلحات الإسلامية؟

تعميق هوة سوء الفهم المتبادل بين الحضارتين

ما الذي يميز الترمنولوجي الهندوكي عن المصطلحات الإسلامية في اللغات الغربية؟

الترمنولوجي الهندوكي وُثِّق في قواميس كبيرة تجعل دارس الفلسفة والأديان في الإنجليزية أو الفرنسية قادراً على فهمه بسهولة، بينما تفتقر المصطلحات الإسلامية إلى هذا التوثيق المنهجي.

لماذا يُعدّ غياب القاموس الإسلامي مشكلة حضارية خطيرة؟

لأن الترجمات الغربية للمصطلحات الإسلامية تُستقى من الحياة المشهودة لا من الأصول العلمية الشرعية، مما يؤدي إلى تحريف المعاني وتعميق سوء الفهم المتبادل.

ما المقصود بأن المسلمين اليوم يضعون مفرداتهم في أوعية الآخرين؟

يعني أن المسلمين يتوسلون إلى لغات الغالب كي تقبل كلماتهم ومفرداتهم، بدلاً من بناء الجسر الحضاري من منطلقهم الخاص كما فعل المسلمون الأوائل حين عرّبوا الآخرين.

ما أمثلة المصطلحات الغربية التي دخلت العربية وتُستخدم بذات معانيها الأصلية؟

من أمثلتها: التلفزيون، الكمبيوتر، البرلمان، التيك آواي؛ وهي مصطلحات تقنية وحضارية استُوردت مع التقنيات الغربية وتُستعمل في العربية كما هي.

ما المقصود بالعقلية التراثية في سياق استكشاف الرؤية الكونية الإسلامية؟

هي عقلية العلماء الذين عاشوا في الزمن التراثي كالماوردي والغزالي والنووي وابن تيمية، والذين حازوا أدوات لفهم القرآن والسنة ورؤى معينة للعالم الخارجي.

لماذا يصعب تحديد مصادر الرؤية الكونية عند علماء التراث الإسلامي بدقة؟

لأن هذه المصادر شديدة التركيب وقد تأتي من أحد المصادر المتعددة أو من تفاعلها فيما بينها، مما يجعل تتبع أصل كل عنصر أمراً عسيراً حتى على أهل التراث أنفسهم.

ما الفلاسفة اليونانيون الذين أثّرت أفكارهم في التراث الإسلامي إلى جانب أرسطو؟

من أبرزهم فيثاغورث وسوفوكليس وسقراط وأفلاطون، مما يدل على أن التأثير اليوناني في التراث الإسلامي لم يقتصر على المدرسة الأرسطية وحدها.

ما المقصود بالمغلوبية الحضارية في سياق بناء الجسر مع الآخر؟

هي حالة تبعية حضارة المغلوب لحضارة الغالب، حيث يُضطر المغلوب إلى التعرف إلى الآخر الغالب وإلى لغته بدلاً من أن يفرض هو شروط التواصل الحضاري.

ما الفرق بين هدف الوسيط وهدف الدارس المنتج في التعامل مع المصطلحات الإسلامية؟

الوسيط يقف بين دارس العلوم الاجتماعية ودارس العلوم الشرعية لفض المفاهيم الملتبسة، أما الدارس المنتج فهو من يُنتج المعرفة والمفهوم بنفسه ويكون قادراً على نقله والتعامل به.

ما الحضارات غير اليونانية التي تداخلت مع حضارة المسلمين وأثّرت في رؤيتهم الكونية؟

تشمل الحضارات الهندية والصينية والفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية، وكلها أسهمت في تشكيل الرؤية الكونية عند منتجي التراث الإسلامي.

ما الدلالة الحضارية لاقتراح استخدام كلمة ELM بدلاً من ترجمة مفهوم العلم الإسلامي؟

يدل على أن المسلمين يملكون مفاهيم لا مقابل لها في الإنجليزية، وأنه من الأجدى إدخال المصطلح العربي كما هو بدلاً من تشويهه بترجمة ناقصة، كما فعل الغرب حين صدّر مصطلحاته إلينا.

ما الأثر السلبي لاستخدام الترمنولوجي الهندوكي في ترجمة المفاهيم الإسلامية؟

يؤدي إلى نقل المفاهيم الإسلامية في أوعية غير ملائمة تحمل دلالات حضارية مغايرة، مما يشوّه المعنى الأصيل ويجعل المتلقي الغربي يفهم الإسلام من خلال منظور هندوكي لا إسلامي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!