اكتمل ✓
حكم أخذ قرض من البنك بفائدة والفتوى الشرعية ومن نلجأ إليه - والله أعلم

ما حكم أخذ قرض من البنك بفائدة وما الفرق بين القرض الاستهلاكي والاستثماري ومن يحق له إصدار الفتوى الشرعية؟

حكم أخذ قرض من البنك بفائدة يختلف بحسب نوعه: فالقرض الاستهلاكي بفائدة ربوية حرام، أما القرض الاستثماري القائم على المضاربة والمشاركة فله حكم مختلف. وفي مسائل الفتوى الشرعية يجب اللجوء إلى العلماء الأزهريين المتخصصين، إذ إن المفتي غير المؤهل يتحمل وزر الفتوى الخاطئة دون السائل الذي بذل جهده في الاستفسار.

39 دقيقة قراءة
  • هل كل قرض بنكي حرام أم أن للقرض الاستثماري حكماً مختلفاً في الفقه الإسلامي؟

  • حكم أخذ قرض من البنك بفائدة: القرض الاستهلاكي الربوي حرام، والاضطرار الحقيقي كعلاج المريض له حكم استثنائي.

  • القرض الاستثماري القائم على المضاربة والمشاركة في الأرباح ليس قرضاً بالمعنى الربوي وله حكم مغاير.

  • الفتوى الشرعية لا تصح إلا من عالم أزهري متخصص، ومن أفتى بغير علم تحمّل الوزر دون السائل الذي اجتهد في السؤال.

  • تتغير الفتوى باختلاف البلد والزمان والمكان واختيار ولي الأمر، ولذلك تختلف فتاوى مصر عن دول الخليج في مسائل الأحوال الشخصية.

  • تعليق القلب بالله بالذكر والفكر هو المنهج الإسلامي لمواجهة الابتلاء والحيرة، وهو أساس الإحسان في حديث جبريل.

مقدمة البرنامج والترحيب بفضيلة الإمام الدكتور علي جمعة

[المذيع خيري رمضان]: السلام عليكم، مساء الخير، أهلًا وسهلًا بحضراتكم، إطلالة جديدة من تليفزيون سي بي سي تو. لي عظيم الشرف أن أكون موجودًا اليوم في أول حلقة من حلقات برنامج والله أعلم.

وهو برنامج سيطل عليكم من خلاله ولمدة أربعة أيام فضيلة العالم الجليل الإمام الدكتور علي جمعة. سنتحدث في أمور كثيرة، سأكون معكم كل يوم اثنين، وغدًا سيكون معكم الدكتور أسامة الأزهري. نحن المقدمون سنتغير، ولكن فضيلة الإمام سيكون معكم كل ليلة.

السلام عليكم فضيلة الإمام، مساء الخير، كيف حال حضرتك؟

[الشيخ]: أولًا: وعليكم السلام، وأهلًا وسهلًا، ومساكم الله بكل خير.

دعاء الشيخ بالبركة وأهداف البرنامج في تصحيح الفهم الإسلامي

ونبدأ هذا البرنامج الذي نرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفع به من يشاهدنا في كل مكان، ونقول لهم [المشاهدين] أيضًا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مساكم الله بالخير لمن هو في شرقنا، وصبحكم الله بالخير لمن هو في غربنا.

ونبدأهم بسم الله الرحمن الرحيم، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا اللقاء، وأن يقوم البرنامج برسم تصحيح لعقلية المسلم المعاصر، وبرسم استراتيجية الدعوة في العالم المعاصر، وأن يبين أسس فهم الدين الإسلامي كما تركه لنا الحبيب المصطفى، والنبي المجتبى [سيدنا محمد] صلى الله عليه وآله وسلم.

منهج التفكير والتعمير في مقابل التكفير والتدمير

نحن نريد أن نقدم التفكير، وأن نبتعد عن مناهج التكفير التي حذرنا منها المصطفى. ونريد التعمير ولا نريد التدمير. ونريد عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

ونريد حقيقة المشروع الإسلامي، وهو مشروع الأزهر الشريف عبر ألف سنة. حتى عندما كان مذهب الفاطميين موجودًا، وكانوا يكتبون على منبر الأزهر [من لعن وسب له دينار وإردب]، لم يستجب العلماء أبدًا لهذا، ولم يستجب الشعب أبدًا لهذا.

حب أهل البيت والتمسك بمنهج أهل السنة والجماعة

حبنا لأهل البيت لا مزيد عليه، نحن نحب أهل البيت حبًا شديدًا، ونأخذ بوصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضِلُّوا ، كتابَ اللهِ وعترتي أهلَ بيتي» [ السلسلة الصحيحة: 1761]

ولذلك المزايدات لم تنفع، لا من الداخل ولا من الخارج. فنحن نحب أهل البيت، ونحن على منهج أهل السنة والجماعة. وندعو إلى سلوك طريق أهل المشرب الصحيح عقيدة وشريعة وأخلاقًا.

ونريد أن نحيا، فنحن نحب هذه الحياة، والدين هو ما يضفي ظلالًا على هذه الحياة. فبرنامجنا ولقاؤنا إن شاء الله سيبين منهج المسلم:

  • في التفكير.

  • وفي التعبير.

  • وفي الفهم والتوثيق.

حب مصر والتصريح بمواجهة جماعات الإرهاب والتكفير

لأننا أصبحنا في عالم مَوجُه عالٍ جدًا، وضلالاته كثيرة، فيجب علينا أن نخلص من هذا الحال إلى أحسن حال.

مصر وطن نعيش فيه ويعيش فينا.

كما كان مكرم عبيد يقول، وكما كان يقول: البابا شنودة، مصر نحبها ولا نجد محيصًا لحبها في قلوبنا.

مصر هي بلدنا، ونحن نتمنى لها كل خير، ونحن نصرح ابتداءً علنًا وبوضوح: أننا نحب مصر، بخلاف جماعات الإرهاب وجماعات التكفير وجماعات التدمير؛ لأن كثيرًا من هؤلاء لا يستطيعون أن يصرحوا بهذا أو ينطقوا بهذا، حتى ولا على سبيل التقية.

ولذلك فنحن نحب مصر، وهذا إعلان مبدئي، ونحب إسلامنا، ونحب الحياة، ونحب ديننا، ونحب أن نعمر وأن لا ندمر.

بناء استراتيجية الدعوة لتصحيح صورة الإسلام

وسنسير على هذا المنهج، لبناء استراتيجية الدعوة، ولتصحيح صورة الإسلام التي شوهها الإرهابيون، ولمعرفة كيف نتلقى عن الله ورسوله ما يرضي الله عنا، ويرضي عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي النهاية نقول أنه حسبنا الله ونعم الوكيل، لا نعرف سواه، ولا نعبد ربًا إلا إياه.

أول تجربة يومية للشيخ في البرامج التلفزيونية على الهواء

[المذيع]: مولانا، هل حضرتك تشارك لأول مرة في برنامج بصفة يومية، ولمدة أربعة أيام منذ أن بدأت العمل في الدعوة، وفي مجال الفتوى، وكأستاذ جامعي؟.

[الشيخ]: نعم، هذه أول مرة، وهو أمر أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينني عليه، فأنا في حياتي ومنذ أن كان عمري عشرين سنة، أي منذ أكثر من أربعين سنة، وأنا كثير الأسفار وكثير المشغوليات، وأعمل في عدة مجالات: في مجالات الخير مرة، والاجتماعية مرة، والثقافية والتدريس وما إلى ذلك، وكنت أعمل من الفجر إلى وقت متأخر من الليل.

ولذلك فخروجي في أغلب البرامج التي قدّمتها كانت مسجّلة ولم تكن على الهواء.

تجربة البرامج السابقة والالتزام الجديد بالبث اليومي المباشر

فأغلب البرامج كانت مسجلة، بينما كان هناك على الهواء برنامج اقرأ، مرة كل شهر أو كل شهرين.

[المذيع]: شاهدت لحضرتك أيضًا بعض الحلقات في تلفزيون أبو ظبي، أحيانًا كان فيها مكالمات على الهواء.

[الشيخ]: نعم، كانت أيضًا هذه على الهواء وهي طبعًا مرة في السنة، أو مرة في السنتين مراتٍ قليلة، فعندما أكون موجود في أبو ظبي فيحدث لقاء بهذه الكيفية.

فكان هناك بالفعل بعض البرامج على الهواء، ولكن كان برنامجًا عابرًا عاديًا، وليس هكذا التزام. أما الآن فنحن أمام تجربة جديدة في الحقيقة، ولذلك نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينني عليها، لأنها ليس لها سابقة في حياتي، أن أرتبط عدة أيام متتالية وهي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وعلى الهواء.

واجب الوقت وضرورة تصحيح الفهم في زمن الفتن

[المذيع]: بالتأكيد حضرتك وجدت ما يستوجب ويفرض عليك ذلك الظهور.

[الشيخ]: نعم، فهناك ما يسمى عند أهل الله واجب الوقت، فنحن الآن نمر بوقت عصيب، اختلطت فيه الأوراق وتداخلت، وعلى حد قول سيدنا علي عليه السلام وهو يقول:

كَلِمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ. [مسلم: 1066]

حياة ملتبسة جدًا. فالخوارج قالوا: لا إله إلا الله، أي لا حاكم إلا الله. فسُئلوا سيدنا علي: أتخالف في ذلك؟ فرد عليهم: لا، لا أخالف. قال تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾[الأنعام: 57]

ثم قالوا له: إذن، يترتب على هذا أنه لا حُكم لأحد، وليس هناك كبير، وليس هناك حاكم.

الفرق بين صحة اللفظ وخطأ الاستنباط عند الخوارج

هذا الفكر وهذا الاستنباط هو باطل؛ لأنه إذا لم يكن هناك حاكم تعم الفوضى بين الناس، فلابد من وجود خليفة، أو رئيس، أو أمير ينظم الأمور، ويطبق أحكام القضاء، ويجيش الجيوش، ويدافع عن حوزة البلاد.

فإذن لا إله إلا الله ولا حاكم إلا الله هي صحيحة، لكنها استُعملت في موضع خطأ. كلمة حق أُريد بها باطل.

هذا هو الفقه العميق الذي لم يجعله [سيدنا علي] يرد عليهم مثلًا ويقول: لا، بل أخالفكم، لأن [لا حاكم إلا الله] هي كلمة خاطئة. فلم يقل هذا. بل قال: أن [لا حاكم إلا الله] هي كلمة صحيحة، ولكن هذه الكلمة الصحيحة استُعملت وفُسرت وبُني عليها الخطأ.

العقلية الفارقة وموقف سيدنا علي من تكفير الخوارج

هذا التمييز الدقيق بين اللفظ والمعنى، بين النظر والتطبيق، جعل هناك ما يسمى بالعقلية الفارقة: أي عقليتي فارقة، أستطيع أن أفرّق بين الأمور، فهذه مسألة وتلك مسألة أخرى.

ولذلك سيدنا علي أيضًا في موقفه من الخوارج، عندما سألوه وقالوا: أكفار هم؟ من أهل النار؟ قال: منها فرّوا. أي أنهم يقومون بكل هذا الدور الذي يقومون به وهم على خطأ وضلال فرارًا من النار، وخوفًا من النار.

فقد كان سيدنا علي منصفاً وعادلًا، قال: إخوة لنا بغوا علينا. إذن، فهؤلاء كانوا بغاة.

الخوارج بين الشدة في العبادة والخطأ في الفهم

والخوارج لديهم شدة [غلظة]، فأحدهم قد يضحي بنفسه ويفجر نفسه، لكنه يفعل ذلك معتقدًا أنه يفر من النار، وسيذهب إلى الله، وسيذهب إلى الجنة.

فهذا التمييز الدقيق، وإن كانوا قد استوجبوا القتل والقتال، وإن كانوا قد استوجبوا الدفع ورفع طغيانهم [ظلمهم] وبغيهم، إلا أنهم ما زالوا في إطار المسلمين.

وهذا هو الفرق بين أهل الله وأهل البدع:

  • أهل البدع: يكفرون كل أحد.

  • أهل الله: لا يكفرون حتى الخوارج.

الخوارج إخوة بغاة وليسوا كفاراً بنص القرآن

ولذلك قال لي أحدهم وأنا أستدل بحديث:

«إنَّ قومًا يَمرُقونَ منَ الإسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمَ منَ الرَّميَّةِ، يَقرَؤونَ القُرآنَ، لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم ، طُوبى لمَن قتَلهم وقتَلوه» [مسند أحمد: 1303]

فقال لي: أين هم هؤلاء؟ أليسوا هؤلاء هم الكفار؟! هو مخطئ، فهؤلاء هم إخوة لنا بغوا علينا، وبنص القرآن هؤلاء بغاة.

[المذيع]: حضرتك الآن تشير لنا أو تقول بشكل مباشر أن ما دفع فضيلتك إلى هذا الظهور الآن هو أنك ترى أن هناك سوءًا في الفهم وفي التفسير فَرض عليك وأصبح واجبًا أن تطل على الناس لتصحيح الأفكار والمفاهيم.

[الشيخ]: لابد أن يتعلم الناس كيف يفكرون التفكير المستقيم، كل الناس. ولا بد عليهم أن يعلموا نقاء المصدر، من أين يأخذون دينهم.

مشكلة تشويه العلماء وأخذ الدين من غير المتخصصين

[المذيع]: بذلك تكون حضرتك أخذتني إلى أهم نقطة في الموضوع. فمن الممكن أن يكون هناك شخص يشاهدني الآن، وقد حدث له تشويه ما، جعله رافضًا مثلًا للدكتور علي جمعة، فهو يستمع إلى كلامه ولكنه غير متقبل له.

وفي نفس الوقت لديه شيخ جامع، أو إمام مسجد، من الجائز أن يكون حاصلًا على الثانوية الأزهرية فقط، ومع ذلك يُفتيه ويفعل ما يأمره به. أو لديه مدرّس دين في المدرسة فيعلّمه ويفتيه عكس ما يقوله عالم كبير مثل الدكتور علي جمعة، أو أستاذ كبير في الأزهر الشريف.

أو هذا الشخص لديه قنوات تلفزيونية يشاهد فيها أي أحد طالما أنه أطلق لحيته، أو قال إنه حافظًا للقرآن، فينبغي أن يستمع إليه لأنه متشدد أكثر، فيشعر أنه أكثر حرصًا على الدين من الشيخ علي جمعة فيستمع إلى المتشدد. بذلك أصبحت أنا كشخص عادي متحير في هذا الموضوع، أنا كإنسان أريد أن أتعلم بالفعل، لكنني لا أعرف من أين آخذ المعلومة.

تعليق القلب بالله والهداية بيد الله وحده لا بيد البشر

[الشيخ]: فقط علق قلبك بالله. وربنا قد حل هذه القضية، فقال عز وجل لسيد المرسلين، وإمام المتقين، للرسول الخاتم:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

فالشخص الذي يراني الآن وقد ملئ قلبه شيئًا ضدي، وضد الأزهر الشريف، وضد كل من يخالفه الرأي، قلبه بيد الله وليس بيدي.

الذي عليّ فقط هو البلاغ، وسيد المرسلين قال له ربه:

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

نتخذ الأسوة الحسنة بسيدنا [رسول الله ﷺ]، فكما بلّغ سيدنا النبي، فأبلغ أنا أيضًا. أما كونه يقتنع من عدمه، فهذه مسألة بيد الله سبحانه.

القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء

وسبحان الله، فمن الممكن أن يسمع مني كلمة، فيوجه الله له قلبه تجاه هذه الكلمة التي تخرج من القلب فتصل إلى القلب. أو من الممكن أنه مهما قدمنا له من أدلة فإنه يبقى على ما هو عليه. سبحان الله، فهذه قضيته مع ربه.

فإذا نظر الله سبحانه وتعالى، تغير العبد. فهي أمور بيد الله فلا نحمل عبئها، ليس لنا فيها يد أو تدخل، فنحن نعلم أن:

«إنَّ القُلوبَ بين أُصبُعينِ من أصابِعِ الرحمنِ يُقلِّبُها كيف يشاءُ.» [الترمذي: 2140]

ومن الممكن أن يكون هناك شخصًا محبًا لي، ويحب أن يستمع إليّ، فيسمع مني كلمة ما، فينقلب عليّ، أليس كذلك؟ أي ليس فقط أن الكاره يُحِب، بل والمحب يكره أيضًا. فهذا بيد الله، أنا لا شأن لي بذلك، بل فقط يجب عليّ أن أؤدي ما عليَّ مما هو في طاقتي وإمكانياتي.

الدعوة إلى تعليق القلوب بالله والتوكل عليه وحده

[المذيع]: إذن، فلا شأن لي يا مولانا، فالله تعالى هو الذي يقلِّب القلوب بيديه، فيجعلني أحب وأكره، وأتخذ موقفًا وأرفض، فأنا هنا مسلوب الإرادة أيضًا. إذا كنت حضرتك تقوم بالبلاغ فأنا لدي رد فعل بلا سبب، فلا أستطيع أن أملك نفسي، ولا أعرف لماذا أحب، ولماذا لا أحب.

[الشيخ]: صحيح، ولذلك قلت لك: أنه يجب علينا جميعًا أن نعلق قلوبنا بالله. ارمِ حمولتك على الله [اترك أمرك كله لله]، وقل يا رب، لا لا إله إلا الله. ادعُ الله، فيهديك الله سبحانه وتعالى ويختار لك الأحسن.

افعل ذلك، فالقضية في النهاية ما هي إلا ذلك. ليس هناك إلا أن نتوكل على الله ونقول له: يا رب اهدنا، ولكن من القلب [بإخلاص]. يا رب سامحنا، يا رب توكلنا عليك.

الحياة بلا إيمان بالله سوداء وكئيبة ولا معنى لها

ليس في الأمر سوى إلا الله. فالله سبحانه وتعالى لو خرج من منظومة الحياة، لأصبحت الحياة سوداء وكئيبة ومملة وظالمة ولا معنى لها.

ولذلك هيا بنا أنا وأنت وكل المستمعين وكل المشاهدين نعلق قلوبنا بالله، ونقول يا رب فقط لا غير. والله سبحانه وتعالى هو الهادي.

أعرف أن كثيرًا من الناس يريد أن يرى النتائج، وأن يحقق نجاحات مادية ذات قياس مادي، لكن الأمر ليس كذلك. وكل ما في الحياة يثبت أن الأمر ليس كذلك في هذا المجال، وهو مجال الهداية إلى الله سبحانه وتعالى.

الإعلان عن استقبال المكالمات وسؤال كيف أعلق قلبي بالله

[المذيع]: استوقفتني كلمة: كيف أعلق قلبي بالله؟، نخرج فاصل ونعود لكي تعلمنا حضرتك كيف أعلق قلبي وأسلّمه وأصبح آمنًا بشكل صحيح؟.

ولا بد أيضًا أن أخبر السادة المشاهدين أنه سيكون هناك جزءًا كبيرًا في حلقاتنا اليوم لاستقبال مكالماتكم وأسئلتكم. فاليوم نتحدث في الفتاوى، ولكن هناك جزء في الحوار سيكون مفتوحًا لمكالماتكم وأسئلتكم، وسيكون لديكم كل يوم هذه المساحة مع فضيلة العالم الكبير الدكتور علي جمعة.

حيرة السائل بين الفتاوى المختلفة ومعنى استفتِ قلبك

[المذيع]: ونريد أن نتحدث أيضًا عن أنه بعيدًا عن تعلقي القلبي، وبدون كُره أو حب، فأنا أريد أن أسأل فأجد إجابة، فأحيانًا أكون غير مرتاحًا للإجابة، فأعود فأسأل شيخًا آخر.

وكنت مؤخرًا في مهرجان الجنادرية بالسعودية لمدة أربعة وعشرين ساعة، وقابلت هناك أستاذًا كبيرًا من الكتّاب الكبار فقال لي بخصوص هذا الشأن: أَرِح نفسك من هؤلاء المشايخ جميعًا، ومن أختلاف آرائهم، واستفتِ قلبك.

فهل استفتِ قلبك هذه تعني أن كل شخص يجلس في بيته فيرى ما يرتاح إليه ويقول: أنا مرتاح لهذا، فلا داعي إذن للفتوى؟ أم لمن أذهب إذا أردت الفتوى؟ بعد الفاصل الحوار ممتد مع الدكتور علي جمعة، ودائمًا وأبدًا والله أعلم.

أسئلة من المشاهدين حول التهنئة بأعياد غير المسلمين والمصافحة والفتوى

تقرير مصور، به عدة أصوات لأشخاص مختلفة بعضها معروفة بالتشدد، والتي لا تعبر عن الشيخ.

[مقطع صوتي1: لأحد الشخصيات المعروفة بالتشدد]: يحرم على المسلم أن يُشارك غير المسلم من الكافرين في أي عيد من الأعياد التي يُحرِّمها الإسلام ولا يُقِرُّها. [هذا الرأي لا يعبر عن الشيخ]

[مقطع صوتي للإمام الطيب شيخ الأزهر]: الذي يحرم لا يفقه الإسلام، أليس من البِرِّ أن أقول له في عيد ميلاد كهذا أو غيره كل سنة وأنت طيب.

[مقطع صوتي 2: لأحد الشخصيات المعروفة بالتشدد]: فلا يجوز للمسلم أن يُصافح امرأةً لا تحلُّ له مصافحة يدٍ بيد. [هذا الرأي لا يعبر عن الشيخ]

[مواطن1]: قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ*﴾ [النحل: 43]

وبالطبع أهل الذكر: هم الذين حفظوا القرآن وتعلموا الدين بحق، وليس أي شخص يطيل لحيته نعتبره شيخًا.

[مواطن2]: أنا أحب في الفتوى عمومًا أن أراجع وأجتهد بنفسي في الكتب تحديدًا.

[مواطن3]: أحاول اللجوء لدار الإفتاء، إذا لم أستطع الوصول إليهم، أو كان هناك ازدحام؛ لأن الإقبال عليهم كبير هناك [ما قبل عصر مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية لدار الإفتاء]، فأحاول مرة أخرى، وقد لجأت إليهم أكثر من مرة. منها موضوع خاص بالمواريث.

أسئلة متنوعة من المشاهدين حول التدخين والوضوء والتأمين والطلاق

[مواطن4]: اختلفت في الرأي مع والدي هل يلزم الوضوء بعد تدخين السجائر أم لا، فلجأت إلى شيخ فقال لي: أنه يُستحب الوضوء حتى إذا اختلفنا عليه.

[مواطن5]: في مجال التأمين، كانت هناك أقاويل أن هناك بعض أنواع من برامج التأمين قد تكون حلالًا أو حرامًا. فسألت عنها، بل بحثت عنها في الإنترنت لأعرف وجهات نظر الدين في هذه الجزئية.

[مواطن6]: زوجي تلفظ ذات مرة بلفظة الطلاق كيمين معلق، بمعنى أنه قال مثلًا: لو ذهبت إلى مكان بعينه فستكونين طالقًا، أو شيء من هذا القبيل. فذهبت إلى إمام المسجد وقال لي: أن هذا يعتبر يمين معلق، وعلى حسب نية الزوج.

أسئلة من المشاهدين حول تربية الأبناء والطلاق واختلاف الفتاوى

[مواطن7]: ابني صغير، عمره تسع سنين، ذات مرة أغضبني كثيرًا، فلطمت على وجهي. فذهبت للشيخ وأخبرته بما حدث، فقال لي: لا تكرري هذا الفعل مرة أخرى، وتمالكي أعصابك.

[مواطن8]: منذ فترة وقعت في مشكلة الطلاق، وقبل أن ألجأ إلى دار الإفتاء، اتصلت وشرحت الموضوع لعدة شيوخ في مسجد بجواري، فاختلفوا قليلًا في الرأي.

وسمعت عدة آراء من عدة أشخاص، وبحثت أيضًا على الإنترنت فوجدت آراء مختلفة. وكنت أريد رأيًا واضحًا، فاتصلت بدار الإفتاء وتركت رسالتي، فأجابوني. [انتهى التقرير]

حيرة الناس بين الفتاوى المختلفة وتعدد الآراء الفقهية

[المذيع]: عدنا مع فضيلة العالم الكبير الأستاذ الدكتور علي جمعة، والله أعلم. مولانا، الناس حائرة، فكلنا عندما نسأل نسمع إجابات مختلفة، فيقولون لنا دائمًا : إن هذا من تيسير الدين.

ولكن السائل في النهاية لا يعرف ما هو الصواب، وما هو الخطأ. حتى علماء الأزهر أنفسهم، منهم من هو منهجه أن يعرض علينا جميع الآراء، ثم يقول: خذ ما يناسبك. وهناك من منهجه أن يقول: افعل ولا تفعل.

والنتيجة في النهاية أن السائل [حائر] غير مرتاح. ولكن قبل أن ندخل إلى هذا الجزء، أُذكّر المشاهدين ثانيةً بأننا سنتلقى مكالماتكم طوال الحلقة.

كيف أعلق قلبي بالله وخطوات تعلق القلب بالذكر والفكر

[المذيع]: كيف أعلق قلبي مع الله وبالله؟، هل يتعلق بمفرده، أم أن هناك أشياء يجب فعلها ليتعلق، أم أدعو الله أن يعلق قلبي به، أم ماذا أفعل؟

[الشيخ]: تعلق القلب بالله له خطوات، كتبها أهل الله في كتبهم في جانب نسميه:

  • الجانب الأخلاقي.

  • أو نسميه الإحسان.

  • أو جانب تولاه التصوف.

وللأسف، كان هناك هجمة شديدة على التصوف خلال الخمسين سنة الماضية؛ لأنه لم يكن هناك فارق بين ممارسات بعض المتصوفة والتصوف، مثل الممارسات التي يمارسها بعض المسلمين والإسلام. فالإسلام شيء والمسلمون شيء آخر، وكذلك التصوف شيء والمتصوفة شيء آخر.

اختزال التصوف في الطقوس وترك جانب الإحسان العظيم

وبعض المتصوفة -وليس كلهم- اختزلوا التصوف في أشكال وطقوس. ولذلك ملّ الناس منها وتركوها، فتركوا جانبًا عظيمًا من الدين وهو جانب الإحسان.

وفي الإحسان، في حديث جبريل:

قال صلى الله عليه وسلم إجابةً على جبريل وهو يسأل: ما الإحسان؟ قال: « قال: ما الإحسانُ؟ قال: أن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّك تَراه، فإن لم تَكُنْ تَراه فإنَّه يَراك.» [البخاري: 50]

فعلمنا أن الإنسان يكون على أحد مستويين: إما أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه درجة عالية جدًا؛ لأنه لا ينسى الله. وعليه فيكون الذكر: هو نوع من أنواع تعلق القلب بالله.

التفكر في أفعال الله ونسبة كل شيء إلى الخالق سبحانه

والنوع الثاني هو: الفكر، فأفكر واتدبر في حالي، فأنظر كيف رزقني الله سبحانه وتعالى الآن، وكيف استجاب دعائي وشفى مريضي، وكيف هدأ بالي وحسّن حالي، وكيف أوقعنا الله في فتنة، وكيف ابتلاني الله.

فعلى الإنسان أن يتفكر في الحكمة من فعل الله في الكون، وفي النهاية ينسب كل شيء في الخلق إلى [الخالق] وهو الله سبحانه وتعالى.

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

إذن فالمنهج هو:

  • إيمان بالله.

  • إيمان بالتكليف.

  • إيمان باليوم الآخر.

  • ثم الذكر والفكر.

آية آل عمران ومنهج تعليق القلب بالله بالذكر والفكر

فهذه الآية التي ذكرناها في سورة آل عمران تدلني كيف أعلق قلبي بالله: بالذكر والفكر.

فكلمتي الذكر والفكر الجميلتان تؤديان إلى: أن لا يحزن الإنسان على المفقود. فإذا فقدت شيئًا فبإذن الله له حكمة حتى لو لم تدركها الآن، ولكن توكل على الله.

ولذلك فإن الصبر عند الصدمة الأولى: فإذا فقدت شخصًا عزيزًا عليّ، فلا أنهار، ولا تنتهي الحياة. أحزن وأبكي والقلب ينقبض، لكنه لا يقول ما يغضب الرب.

قال رسول الله ﷺ: « إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ.» [البخاري: 1303]

الصبر الجميل عند فقد الأحبة والحزن الذي لا يخرج عن الأدب مع الله

هذا ما قاله سيدنا [رسول الله ﷺ] عندما فارق وفقد ولده إبراهيم [ابن سيدنا النبي من مارية].

فلا تحزن على المفقود، أي ألا تحزن الحزن الذي يُخرجك من الصبر الجميل.

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18]

[المذيع]: مولانا، فلتسمح لي أن أقف عند هذه النقطة ثم تستكمل فضيلتك الحديث، فأحيانًا يكون هناك إنسان مبتلى طوال الوقت، فيقول: لقد وُلدت مبتلى وسأظل وسأموت هكذا. فهل من المعقول أن يكون الله خلقني لتكون حياتي كلها ابتلاءات؟

حكمة الابتلاء الدائم والدرجات العليا في الجنة

[الشيخ]: ذلك ليجعله الله من أهل الجنة في الطبقات العليا. فهذه الدنيا ليست هي غاية العلم، ولا غاية الأمل. والنبي عليه الصلاة والسلام، قال:

قال رسول الله ﷺ: « قلتُ يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً قالَ الأَنبياءُ ثمَّ الأَمثلُ فالأَمثلُ.» [الترمذي: 2398]

فإذا كان هذا الشخص مبتلى بهذه الطريقة، فليسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزل على قلبه السكينة والصبر، وإذا به سيكون ان شاء الله قبلنا جميعًا في الجنة.

فهذا عقد يبرمه الله معه. ونقول له: إن الله يريد لك الجنة في الدرجات العُليا، فما رأيك؟ اقسم لك برب السماء أنه لو تفكر لرضي، بل قد يقول: زدني يا رب من البلاء حتى أكون بهذه الدرجة في الجنة.

نسبية الزمن بين الدنيا والملأ الأعلى وقصر عمر الإنسان

فكم ستعيش في هذه الدنيا؟ بمقياس نسبية الزمن عند الملأ الأعلى في العرش، فأنت تعيش في الدنيا ثلاث دقائق فقط.

﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]

فاليوم فيه أربع وعشرين ساعة، او لنفترض أنها خمس وعشرين ساعة. فلو أن خمسين ألف سنة مقسومة على خمس وعشرين ساعة تساوي اثنين، فتكون الساعة في الملأ الأعلى بألفي سنة في الدنيا. ثم الألفين سنة مقسمة على ستين دقيقة، فيكون الناتج ثلاثة وثلاثين سنة وثلث السنة للدقيقة الواحدة، أي أن ثلاث دقائق تعني مائة سنة في الدنيا.

فلو أنك بلغت وبدأت المؤاخذة [التكليف] في عُمر خمسة عشر سنوات، بالإضافة إلى مائة، فيكون المجموع مائة وخمسة عشر عامًا. فمَن منا يعيش مائة وخمسة عشر عامًا إلا النادر، فلو بلغ شخص واحد هذا العُمر أقمنا له الحفلات والاحتفالات.

المقابل في الجنة وعقيدة اليوم الآخر ركن من أركان الإيمان

[المذيع]: مولانا، ولكن هذه الدقائق الثلاث تكون جميلة في رغد العيش، ولكن في الشدائد والشقاء يكون الأمر طويلًا جدًا وشاقًا.

[الشيخ]: صحيح، ولكن الأمر ليس بدون مقابل، وإنما المقابل في الجنة، ولذلك فإن عقيدة الجنة والنار، وعقيدة يوم القيامة هي ركن من أركان الإيمان.

[المذيع]: مولانا، كيف لي أن أقنع شخص بسيط مبتلى، ويرى أمامه في المقابل رجلًا غنيًا، يعيش في بيت جميل، وقد وسّع الله عليه رزقه، ويتمتع بصحة جيدة، وأيضًا يؤدي الزكاة، ويتصدق، ويخلص في العبادة لله، وسيكون أيضًا في الجنات العلى مثله مثل المبتلى، فلسان حال ذلك المبتلى يقول: فما المانع أن يكون حالي أنا أيضًا جيدًا وميسورًا، هل لابد لي أن أكون مبتلى طوال العمر لكي أدخل الجنة، وغيري يكون في نعيم وسيدخل الجنة أيضًا؟.

مثل الغزالي في المفاضلة بين كسر الفخار والذهب المصوغ

لو عرفنا المقابل ما كنا لنقول كل هذا الكلام، فالمقابل كبير جدًا، وعدم قبوله يُعد من قلة العقل.

يقول الإمام الغزالي:

هذا كَمَن خُيرَ بين فخار مكسور، وبين ذهب مصوغ.

أي أنني أقول لك: معي كوب من الذهب المصوغ المليء بالألماس، أو كوب مكسور من الفخار. أتأخذ الكسر أم تأخذ ذلك الذي به الألماس؟

فإن أخذت هذا الكسر الآن، فلا منفعة فيه ولا قيمة له ولا طعم ولا لون، بينما غدًا ستأخذ الكوب المصوغ، وعليه فيكون مغفلًا مَن يأخذ كسر الفخار، ويترك المصوغ.

ضرورة تقوية الإيمان باليوم الآخر كأساس لفهم الابتلاء

ما الأمر إذن؟ الأمر أنني لم أُصدق أنني سآخذ هذا الذهب المصوغ غدًا. إذن رجعنا مرة أخرى إلى ضرورة تقوية الإيمان باليوم الآخر، فهذا هو الأساس.

فأنت لا تصدق من داخلك أنك سترى هذا في الحقيقة. وهذا ما قاله به أهل الحس، فهم يقولون: نحن لم نَرَ شيئًا ملموسًا، ولم نرَ أحدًا عاد من الموت ليخبرنا بما رأى،وما فعل، ولا أين دخل.

ولذلك فإن الإيمان بالغيب هو جزء أساسي لا يتجزأ من الإيمان.

حوار مع من يدعي عدم القدرة على الإيمان بالغيب

فلو أن شخصًا قال لي: لا قُدرة لي على الإيمان بالغيب. فأقول له:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

أنت وشانك، ولكنك بذلك تُعد غير مؤمن.

قال لي: وماذا بعد إذن، ماذا أفعل بنار الحقد المشتعلة بداخلي كنار حهنم تجاه الجميع؟ أنا متعب نفسيًا.

قلت له: عِش مع نفسك [أنت وشأنك]، ابق في جهنم هكذا، لا فائدة. فالسبيل لخروجك مِن جَهنم التي أنت فيها: هو أن تؤمن باليوم الآخر.

قال لي: لا استطيع. قلتُ له: إذن، هذا هو قدّر الله فيك.

فالأمر في نهاية المطاف أنه ليس لدينا أشياء مادية رياضية تُثبت وجود الجنة والنار.

الإيمان بالله هو الحل الوحيد لإعطاء الحياة معنى

فهذا هو الحل الوحيد الذي يجعل للحياة معنى. ولذلك أحد الملحدين ممن جالستهم كان يقول لي: أنا لا أرى حكمة من الله ولا أي شيء، فقلت له: لماذا؟.

قال: ذهبنا إلى مستنقعات البرازيل، وكنا نأخذ منها دلوًا فنجد به عشرة آلاف أميبا، فنسجل ذلك كل يوم، وعند دخول المغرب لا نجد هذه العشرة آلاف. ثم في اليوم الثاني نجد عشرة آلاف أميبا أخرى. فما هذا العبث؟

فقلت له: سبحان الله!

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]

فسبحانه ما يزال خالقًا، ويخلق لك بقدرته البالغة في كل يوم عشرة آلاف شيء جديد، أي أن خلقه عظيم جدًا.

حوار مع ملحد يكتشف أنه غاضب من الله وليس منكراً له

قال لي: يا أخي، سبحان الله، أنتم علماء الدين لديكم طريقة للخروج من الأدلة الواضحة، بحيث أنك تحول العبث إلى حكمة.

قلت له: بل إن هذه رؤيتي للأمر، والله يقول:

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]

وما زال خالقًا، وأنت بقصتك هذه أحضرت لي دليلًا على قدرته وخلقه.

فقال لي: حسنًا، ولكنني أيضًا لا أرى الحكمة في أشياء أخرى غير هذه، قلت له: ليكن في معلومك أنك لست ملحدًا. بل أنت غاضب من ربنا.

قال: كيف عرفت؟ قلت له: لأنك كلامك في حق الله [سبحانه وتعالى] وكأنك تريد أن تُغيظه، لكنك لست ملحدًا ولا شيء من هذا الكلام، أنت مؤمن بالله، لكنك غاضب منه.

قصة الملحد الغاضب من الله بسبب وفاة أخيه الشاب

قل لي: لماذا أنت غاضب؟

[المذيع]: أيجوز العتب مع الله؟

[الشيخ]: بل إنني استدرجه لكي أعرف ما هي القضية، فقال لي: أخي مات في عز شبابه [ريعان شبابه]، لماذا مات؟ لماذا أماته الله؟

قلت له: ولكن هذا شأنك مع ربك. فأنت حزين لأن الله قضى أجل أخيك الحبيب، والذي تراه أنت بقدرك وادراكك المحدود، أنه ما كان ينبغي أن يموت أخوك الآن. بل كان يجب أن يموت الأخوان بعد أبيهما وأمهما وجدهما وجدتهما، ولكن كونه يموت الآن فأنت ترى في ظنك أنه ليس من الحكمة في شيء، فلذلك أنت غاضب من ربنا سبحانه وتعالى، ولكنك لا تستطيع أن تنكره سبحانه، أنت غاضب منه.

نصيحة الشيخ للغاضب من الله بالتوسل والدعاء بدلاً من الإنكار

فعليك أن تجلس وتوسل إليه وقل له: يا رب، أنا أحبك، ولكنني حزين لأنك أخذت أخي، فيا رب أنزل الصبر على قلبي، واسترسل في الدعاء، وأمضي في هذا المجال.

ثم قطعت علاقتي معه، وإن كان بعد ذلك قد طلب أن يراني مرة أخرى. فقلت له: لا، بل أنت مع ربك وحدك. فأنا لا أملك عصا سحرية أو دواء سحري. بل ما أملكه هو تصوري أن الحياة بدون الله تصبح حياة سوداء ولا معنى لها، ويصبح الإنسان في جهنم.

حوار مع ملحد آخر يرفض التفكر في دلائل وجود الله

التقيت مع ملحد آخر فقال لي: أنا كأني أعيش في جهنم، ولا أستمتع بأي شيء. سألته: هل أنت مؤمن بالله؟ قال لي: لا، فأنا أرى أن هذه الدنيا نشأت صدفة!

قلتُ له: وكيف تكون مُحكمة بهذا الشكل صدفة وبدون إله؟ فالشمس إذا اقتربت قليلًا منا لاحترقنا، ولو ابتعدت قليلًا لتجمدنا. والقمر كذلك في جزره ومده قد يهلكنا. الشجر، البقر، الدورة الدموية، وكل شيء ينطق بأن هناك حكيمًا وراء هذا كله. فما تفسير كل هذا؟

قال: لا شأن لي بكل هذا. إنه يرفض التفكر، ويرفض التدبر، فقضية الإله لا تشغله؛ لأنه يريد أن يعيش حياته بلا قيود. وهنا ندرك أن هذا الإلحاد وراءه شهوات، فهو يريد أن يعيش الشهوات.

خلاصة تعلق القلب بالله بالذكر والفكر وتنزل السكينة الإلهية

إذن فالإنسان قلبه يتعلق بالله عن طريق الذكر والفكر، وبذلك لا يحزن على المفقود، ولا يفرح بالموجود ويطغى، وما إلى ذاك.

ومن هنا فإن قلبه سيكون محل تنزلات السكينة الإلهية فيه، وسيرى الحق حقًا، وسيرى الباطل باطلًا، ويدعو الله فيستجيب له.

وأنا لست مكلفًا بالهداية:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

إنما الهداية التي كُلفت بها تُسمى هداية الإرشاد.

أسئلة من المشاهدين: سؤال عن كتابة البيت للابنة في حياة الأم

[المذيع]: مولانا، هذه النقطة لم تستوفِ معي بعد، وأريد أن أدخل فيها أكثر لأنها سببت لي مشكلة مع كثير من الناس، ولكن استأذن حضرتك نتلقى الاتصالات أولًا.

أول اتصال هاتفي من دمياط، أهلًا أستاذ مجدي.

[السائل]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من الجيد استضافتكم للعالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة؛ لأن هناك أمور كثيرة لا نعرف من أين نأخذ فتوى لها، بعد أن أصبحت الناس تفتي بغير علم، فهذا أمر جيد.

أريد أن أسأل فضيلته سؤال: لي إحدى قريباتي لديها بنت واحدة، وتريد أن تكتب باسمها البيت الذي تقيم فيه، وهي على قيد الحياة، فأخوها يقول لها: لو فعلت ذلك أنا لست مسامحًا، وهي الآن محتارة ماذا تفعل.

حكم كتابة البيت للابنة في حياة الأم والفرق بين الملك والتركة

[الشيخ]: القضية هي أن التركة التي سيسامح فيها أحد أو لا يسامح تكون بعد الوفاة. بينما الملك الخاص بي وأنا حي لا علاقة له بالتركة.

وهذا الأمر يلتبس على كثيرٌ من إخواننا، فلو أنها تريد أن تبيع البيت وتتصدق به لمسجد، أو تبيع البيت لابنتها، أو تعطيه هبة، أو تعطيه لجمعية خيرية، أو تفعل فيه ما تشاء.

فلتفعل ما تشاء ولا حرمة عليها بذلك، وليس في ذهنها - وهذا ما ينبغي أن يكون - أن تحرم أخاها أو لا تحرمه. فهي ترى أن الفتاة محتاجة إلى البيت، وهي من طيب خاطرها تريد أن تعطي ابنتها البيت، أو تهبه لها لتؤمن لها جهازًا لزواجها، أو لتعيش فيه، أو أنها خائفة على ابنتها أن تتعرض للمشقة والمعاناة وما إلى ذلك.

حق التصرف في الملك حال الحياة وعدم اعتباره من التركة

فيجوز لها أن تفعل هذا، وليس من حق أخيها أن يغضب منها وهي لم ترتكب إثمًا. فلا أحد يعلم هل سيعيش اصلًا ليرث أم لا، يبدو أنه يستعجل موت أخته.

وماذا لو افترضنا أنه مات قبلها؟ فستصبح بلا أخ، وأصبحت البنت هي الوارثة الوحيدة، فمن يدري!

ولذلك هذا كلام خاطئ وفيه شيء من طمع الدنيا، وفيه خطأ كبير جدًا في مفهوم التركة. التركة أي تركتها وانتقلت إلى رحمة الله، وتركت خلفي أملاكًا، لكن هذا الملك وأنا على قيد الحياة لا يُعتبر تركة.

حديث النبي عن العطية للأبناء ومذهب الإمام الشافعي في التفريق بين الظلم والحق

[المذيع]: إذن، لو أب لديه ثلاث بنات، وقرر أن يكتب لهن كل ممتلكاته، وله أشقاء وشقيقات. فهل يمكنه أن يفعل ذلك؟

[الشيخ]: يفعل، ولا حرج عليه، حتى لو كتب كل شيء، تأمل وستجد هذا الشخص على خطورة، فعندما تكتب كل شيء وأنت حي، ثم تأتي البنات ليتصرفن فيه لأولادهن، فهناك من الأحفاد مثلًا مَن يريد عيادة، ومَن يريد مكتبًا، إلى آخره. في حين أنني أنا الأب الذي كتبتُ، حي ولا أملك أي شيء، ولا أستطيع أن أملك أي شيء. إذن، فأنا هكذا أُخاطر.

وسبب هذا الالتباس هو التباسهم في فهم الحديث: حيث أن رجلًا كان قد تزوج امرأتين، فقالت له الجديدة: اكتب لابني دون أولاد الزوجة القديمة.

وأَشهِد عليها سيدنا النبي. فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: هل كتبتَ مثل هذا لأولادك كلهم؟ فقال: لا.

قال النبي ﷺ: «أَشهِدْ على هذا غيري وفي روايةٍ إني لا أَشْهَدُ على جُورٍ» [عارضة الأحوذي: 3/271]

فقه الإمام الشافعي في جواز العطية للأبناء إذا كان لسبب مشروع

فالنبي فهم أن الزوجة الجديدة، تريد أن تخدع الزوجة القديمة وتغيظها بأن سيدنا الرسول شهد على هذه العطية.

الإمام الشافعي يقول: أن الرسول قال له اشهد عليه غيري، فلو كان باطلًا ما قال له اشهد عليه غيري.

فحتى في الأبناء، يستطيع الأب في حياته أن يكتب لاحد الأبناء، ولا يكتب للآخر في حياته، ولكن إذا كان هذا الفعل لسبب، فلا يوجد ظلم إذن حينها، فإذا كان مثلًا هناك مصلحة ما أو رؤية معينة، مثل: أن الولد معاق، أو الولد صغير لم يكمل تعليمه، البنت مطلقة، أي أن هناك حكمة في ذلك، وليس القصد هو الظلم أو الإيذاء أو الحرمان.

فشعر النبي أنهم يتخذونه لعبة في هذه القضية. فلقد كان النبي كيِّسًا فطنًا ذكيًا، بل أذكى شخص في العالم. فأوضحها لنا الإمام الشافعي وفسرها وقال: لو أن النبي قال أشهد عليه غيري، فيكون هذا حلالًا.

سبب الحديث النبوي وفهم منطوقه في العطية بين الأبناء

فلو أن هذا الرجل قال للنبي ليس لدي ابن آخر، بل هذا الولد فقط، لكان شهِد معه النبي. او لو أن الرجل أجاب النبي بأنه قال له: نعم، أعطيتهم، فلا يوجد ظلم، فتعال واشهد معي إذن يا رسول الله، إنما الحديث له سبب وهو الخلاف الذي كان بين الزوجة القديمة والجديدة، وله معانٍ، ويدل في منطوقه على هذا.

وهذا الكلام الذي يغفل عنه كثيرون من الناس، ويقولون إن هذا ظلم وجور، أو إن هذا تمييز. بعض علماء الأزهر أنفسهم يقولون عكس هذا في الميراث تحديدًا، إذا أراد أن يكتب [وصية] فيقولون: هذا ليس ميراثًا. نعم، لا حتى في الكتابة وهو حيّ. نعم، هل يعرفون مَن الذي سيموت أولًا؟

المذهب الشافعي في حرية التصرف بالملك وحق الأم في الكتابة لابنتها

بالضبط. تعلمون أنني سأبيع هذا البيت، ومن الممكن جدًا أن أكتبه للابن أو البنت ثم يبيعونه أو يطردونه بعد ذلك، وذلك حتى لا أتصرف فيه بسرعة. لأنني من الممكن أن أتصرف فيه بسرعة، فأترك الأولاد بلا مأوى وبلا مكان.

على كل حال، هذا المذهب الذي نفتي به وهو مذهب الإمام الشافعي.

[المذيع]: إذن تستطيع أن تكتب لابنتها ما تشاء، وعلى أخيها ألا يغضب منها، فهذا حقها ولا عبرة بغضبه.

أسئلة من المشاهدين: الحيرة بين لجان الفتوى والصدقة وقرض البنك

[المذيع]: الأستاذة سحر، أهلًا وسهلًا.

[السائلة]: السلام عليكم، بعد إذنكم أود أن أطرح سؤالين.

  • السؤال الأول: هل لجان الفتوى التي في دول الخليج، والتي أحيانًا تعارض تمامًا فتاوى يفتيها الأزهر، فنقع نحن في حيرة بين الرأيين بأيهما نأخذ؛ لأن الطرفين لهم مكانتهم ولهم وزنهم؟ هذا هو السؤال الأول.

  • السؤال الثاني: بخصوص السائل والمحتاج، الآن أصبحت الشوارع مليئة بمن يسأل الصدقة، وأصبحنا نشك من منهم يستحق، ومن لا يستحق، فهل نعطي أم نمنع؟

تتمة أسئلة السائلة سحر حول حكم قرض البنك

[السائلة]: وإذا أعطيناهم هل نؤجر أو لا نؤجر؟.

آخر سؤال، معذرةً. ما هو حكم الدين في قرض البنك؟ خاصةً وأن هناك شيوخًا يستندون إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي فيما معناه: ما زاد عن قيمة القرض عند الرد فهو ربا؟

[المذيع]: حسنًا، أشكرك، مولانا، بستأذن حضرتك نكمل بعد الفاصل، سنتحدث عن الفتوى مرة أخرى، وعن الذين يُظلمون في الحياة وعليهم أن يصبروا ويحتسبوا، كل ذلك من أجل الدرجات العلى في الجنة إن شاء الله.

الفتوى قسمان: قسم متعلق بالقوانين وقسم متعلق بالاجتهاد الفقهي

[المذيع]: اهلًا بكم مرة أخرى، فضيلة الدكتور علي جمعة. السيدة سحر سألت عن الحيرة بين لجان الفتوى.

[الشيخ]: الفتوى على قسمين:

  1. قسم متعلق بالقوانين: فنحن لدينا في مصر أربعون قانونًا يحكمون الأمور الدينية من المادة الثانية في الدستور، والتي تقول أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وكثير من الناس لا يعرفون هذه الحقيقة:

  • أننا دولة إسلامية.

  • وأن دستورنا إسلامي.

  • وأن قوانيننا إسلامية.

وفتاوانا تتوافق مع هذه القوانين، وليس العكس، فالقانون عبارة عن اختيار ولي الأمر من الفقه الإسلامي الوسيع [الواسع].

التزام المفتي باختيار ولي الأمر في مسائل الطلاق والقانون

على سبيل المثال: هناك رأي فقهي يقول: إذا قال الزوج لزوجته أنت طالق ثلاثًا، فيقع ثلاثًا. بينما القانون يقول لي: لا، بل يقع مرة واحدة.

إذن، أنا كمفتي ملزم بما عليه ولي الأمر، اي بالقانون الذي وُضِع طبقًا للمجلس التشريعي [البرلمان] الذي اختار القانون المُستنِد إلى الشريعة. فالشريعة فيها رأي يرى أنها تقع طلقة واحدة، ورأي يراها تقع ثلاثًا. فإذا اختار ولي الأمر الثلاث وجب علينا القول به.

فإذا كنت أنا مقيم في بلد من البلدان المسلمة، وسألت مفتي هذه الدولة فقال لي: تقع ثلاث طلقات. بينما هنا في مصر يقول المفتي: تقع طلقة واحدة، فلا بد أن نطبق رأي الإفتاء هنا.

تحديد المرجعية الفقهية بحسب بلد الإقامة ووثيقة الزواج

وذلك إذا كانت السيدة التي تسأل مآلها هنا، أي إذا كانت مصرية، حتى ولو كانت تعيش في الإمارات أو في السعودية أو في الكويت؛ لأن وثيقة الزواج الخاصة بها صدرت من هنا في مصر، فعندما ترغب في رفع قضية طلاق مثلًا، ستذهب للقاضي وللقضاء المصري، إذن فعليها أن تسير وفقًا للقانون المصري، أما لو كانت ستذهب للقضاء الإماراتي مثلًا، إذن، فتسير على القانون الإماراتي.

عندنا هنا في مصر مثلًا أن الطلاق يقع في الحيض، فالمفتي والقاضي يحكمان بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة. فنجد رأي يقول: لا، لا يقع. فأخذ به الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وكان محمد بن إبراهيم - مفتي السعودية السابق لابن باز - متشددًا جدًا، رحمه الله تعالى.

اختلاف المذاهب الفقهية بين البلدان وتغير الفتوى بحسب الزمان والمكان

والآن فتوى السعودية أن طلاق الحائض لا يقع. فلو أن اللجنة في السعودية أو في غيرها قالوا للسائلة: الطلاق لا يقع، وهنا في مصر قالوا لها: بل يقع، فتسير وفقًا لوثيقة زواجها.

فهؤلاء الناس في السعودية وفي الإمارات وفي الكويت يسيرون على المذاهب بشكل صحيح. ولكن المذاهب الإسلامية فيها اختلاف.

والفتوى تتغير باختلاف البلد والزمان والمكان والاختيار، أي اختيار ولي الأمر. ولذلك الإمام السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر يقول: على المفتي وعلى القاضي أنه يحكم باختيار الإمام، لا يخرج عنه.

الالتزام بقانون البلد الذي يعيش فيه المسلم في مسائل الأحوال الشخصية

فالقوانين الخاصة بي هي الإمام الذي أتبعه، فإذا قال يمينًا مثلًا فسأفتي يمينًا؛ لأنه جائز في دين الله أن أفتي يمينًا، وإذا قال يسارًا فسأفتي يسارًا.

أما إذا كان السائل قد تجنس بالسعودية، أو أنه عَقَدَ هناك، وأنه يعيش هناك باستمرار في الإمارات أو في الخليج. فليس هناك مانع من اتباعه لقوانين البلد التي يعيش فيها.

[المذيع]: لنحدد أكثر يا مولانا، هل مَن يعيش هناك فقط، أم أنه عَقَدَ زواجه هناك في احدى البلاد الاسلامية وفق شروطهم وضوابطهم؟، فربما يكون شخص ما قد تزوج هنا وأصبح يعيش هناك منذ ثلاثين سنة، ولكنه لن يعود إلى هنا، ولم يحصل على الجنسية.

حكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً وسير المسلمين على هذا المنهج عبر القرون

إذن، فسنسأل أنفسنا إلى أي قاضٍ سنذهب؟ فإذا كنت سأذهب إلى قاضي السعودية، فيجب أن أتبع القانون السعودي؛ لأن حكم القاضي يُنفَّذ ظاهرًا وباطنًا. أي عند الله وعند الناس. و حتى إذا كان العقد في مصر مثلًا، فلاينظر لهذا العقد.

فالقاضي سيحكم بما يرضي الله سبحانه وتعالى، وحكمه صحيح ونافذ، وهذا ما سار عليه المسلمون عبر القرون، أنه عند اختلاف المذاهب نذهب فيه إلى ولي الأمر الذي يختار مذهبًا من المذاهب.

تنوع المذاهب الفقهية في البلدان الإسلامية والتزام كل بلد بمدونته

فنحن في السابق كنا نسير هنا [في مصر] وفقًا للمذهب الحنفي، ثم سرنا على المذاهب الأربعة بالاختيار، وفي السعودية يسيرون وفق المذهب الحنبلي مثلًا في أغلبه، وفي الإمارات يسيرون وفق المذهب المالكي، وفي المغرب يسيرون وفق المذهب المالكي وهكذا.

فكل بلد لها مدونة، وهذه المدونة يجب أن نسير عليها.

سؤال من السائلة أميرة حول اللجوء لإمام المسجد ومسؤولية الفتوى الخاطئة

[المذيع]: معي الأستاذة أميرة على الهاتف، أهلًا وسهلًا.

[السائلة]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا من محافظات الصعيد، ولست متواجدة باستمرار في القاهرة، ومن الصعب أن أذهب إلى دار الإفتاء عندما يكون لدي سؤال. وحتى رقم الهاتف المخصص لدار الإفتاء لا أستطيع أن أشرح من خلاله كل ما أريد، وأشعر أنه يجب أن تكون هناك مناقشة بيني وبين الشيخ الذي أشكو له المشكلة التي أواجهها.

فدائمًا ألجأ إلى إمام المسجد الذي بجوار البيت مثلًا، أو المسجد الذي أصلي فيه. هل هذا صحيح أم خطأ؟ وفي حالة أنه أعطاني أي فتوى خاطئة، فعلى من منا يقع الإثم؟

من يستحق الصدقة ومستويات الكفاف والكفاية والكفاءة

[المذيع]: أشكرك جدًا أستاذة أميرة، مولانا، نكمل الإجابة على السيدة سحر أولًا.

فالسيدة سحر تقول: من يستحق الصدقة؟

[الشيخ]: لدينا ثلاثة مستويات:

  • الكفاف.

  • الكفاية.

  • الكفاءة.

فالذي يستحق الصدقة هو مَن دون الكفاف إلى أن نوصله إلى الكفاية. وهذه هي فكرة الحد الأدنى للدخل، وهذه الفكرة وضعت طبقًا للسعرات الحرارية التي يتناولها الإنسان، فالرجل يحتاج إلى ثلاثة آلاف ومائتي سعر حراري، بينما المرأة تحتاج إلى ألفين ومائتين سعر حراري.

معايير تحديد المستحق للصدقة وكيفية التعامل مع السائلين في الشارع

لقد قاموا بحساب هذه السعرات، وعملوا لها جداول، وجعلوا الطعام والشراب يمثلان أربعين في المائة من الدخل. فإذا أراد المرء إعالة نفسه، عليه مثلًا أن يأكل في الصباح فول وطعمية وما شابه، وهذا مفهوم ومعروف.

فإذا رأيت شخصًا محدود الدخل ودخله أقل من ألف وخمسمائة جنيه، ولديه أطفال، هذا يستحق قطعًا. وعندما تعطيه فلا مشكلة في ذلك.

[المذيع]: الناس دائماً تواجه مشكلة مع أولئك الذين نجدهم في الشارع، فنسمع عنهم أنهم نصابون ومعهم أموال كثيرة، ولكنه يبدو لنا شخصًا مسكينًا، فأصبح متحيرًا. فنعطيه أحيانًا.

الجمع بين تربية الضمير وتوجيه المبالغ الكبيرة للمؤسسات الخيرية

سأقول لحضرتك شيئًا جيدًا لكي نوازن بين الأمرين، بما أننا لا نعرف إذا كان هذا مسكينًا بالفعل أم لا: فليعطه شيئًا قليلًا، أعطه مثلًا نصف جنيه أو جنيهًا.

فلو أن [المتصدق] مثلًا عنده زكاة ألف جنيه أو ألفين أو عشرة أو عشرين، فلا يعطي منها لهذا السائل [الغير موثوق] ألف جنيه، بل يعطيه مثلًا جنيه واحد، والجنيه الآن لا يشتري شيئًا، فثمن الشطيرة يتعدى الجنيه الواحد.

فلا يمنع العطاء عن هذا السائل الغير موثوق، حتى لا يؤرقه ضميره الذي تتحدث عنه؛ لأننا نريد أن نربي الضمير أيضًا، فلا مانع من أن يعطف على الناس. وفي نفس الوقت يرسل مبلغ الزكاة الكبير إلى الأشخاص المحتاجين بحق، أو إلى الأماكن الموثوقة [المؤسسات الخيرية].

والحمد لله، الآن توجد مؤسسات خيرية تجمع الزكاة وتوزعها وما إلى ذلك. ونحن لدينا نسبة أربعين في المائة فقرًا، فالفقر واضح جداً، ولن يجد [المتصدق] معاناة في البحث والمعرفة. ويستطيع أن يعطي في مجالات متعددة مثل التعليم والصحة وسداد الديون وما إلى ذلك.

حكم قرض البنك والفرق بين القرض الاستهلاكي والقرض الاستثماري

[المذيع]: ما حكم الدين في قرض البنك؟.

[الشيخ]: قرض البنك إذا كان مقابل سلعة كأن يشتري البنك مثلًا سيارة، سعرها مائة ألف، ثم يبيعها لي بمائة وعشرين، فهذا حلال.

لكن أن آخذ من البنك أموالًا، ثم يحسبها عليّ بنسبة فائدة ستة وثلاثين في المائة وما إلى ذلك، فهذا حرام.

وتحدثنا مع البنك المركزي، والبنك المركزي قال: لا نستطيع أن نفعل شيئًا، لأن أغلب هذه البنوك تكون أجنبية. فكل هذا حرام؛ لأنه ذلك مثل المرابي الذي كتب عنه شكسبير.

حكم الاضطرار في القرض الربوي والفرق بينه وبين القرض الاستثماري

[المذيع]: ماذا لو كنت مضطرًا وليس أمامي وسيلة أخرى سوى القرض؟ فأنا لست ذاهبًا مثلًا لشراء فيلا أو سيارة فخيمة، بل أنا محتاج علاج.

[الشيخ]: الاضطرار معناه: الشيء الذي إن لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. فزوجتي مثلًا ستموت في المستشفى وأنا أريد مالًا لكي أسدد، فهذا اضطرار، ولا علاقة لكلامنا به.

لكن القرض المعتاد الذي سيجعلني غارقًا في المديونية بسببه، فلا.

أما القرض الاستثماري الذي هو ليس بقرض أصلًا، بل هو مضاربة، بمعنى أنني سآخذ المال لكي أَبني وأوسع مصنعي وأزيد من عدد العمال والآلات، ولكي أستثمر في الصناعة وفي الزراعة وفي التجارة، فهذا سيدر عليَّ ربحًا، ومن هذا الربح سأعطي البنك الزيادة التي اتفقنا عليها [الفائدة]. فهذا أصلًا ليس [قرضًا].

الفرق بين القرض الشخصي والمشاركة الاستثمارية وتحديد نسبة الفائدة

بل نوع من أنواع المشاركة، حتى مع تحديد نسبة الفائدة؛ لأن نسبة الفائدة لا تحدد من البنك المُقرض، بل تُحدد من البنك المركزي، وذلك بناء على دراسات معينة متعلقة بأن جريان الأوراق النقدية التي تتداول بين أيدينا لها أحكام أخرى في الفقه الإسلامي تختلف عن أحكام الذهب والفضة.

[المذيع]: إذن، حضرتك تقول لنا أن هناك فرق بين القرض للاستخدام الشخصي بمعنى شراء شيء خاص، وبين قرض الاستثمار.

[الشيخ]: صحيح.

الإجابة على سؤال أميرة حول مسؤولية الفتوى ولجان الإفتاء في الصعيد

[المذيع]: أميرة كانت تتحدث عن أنها من خارج القاهرة.

[الشيخ]: لدينا الآن مكتب للإفتاء في أسيوط بصعيد مصر، فيمكن لسكان أسيوط وسوهاج وقنا التواصل مع هذا المكتب، وذلك اذا وجد الهاتف الرئيسي مشغولٌ أو ما شابه.

وعلى كل حال، يوجد في جميع محافظات الجمهورية لجان الفتوى التابعة للأزهر الشريف، يمكنها الذهاب إليها في اي محافظة.

من يتحمل وزر الفتوى الخاطئة وشرط كون المفتي أزهرياً

[المذيع]: هذا يجعلنا نسأل مولانا، هل أسأل إمام المسجد أم مَن أسأل؟ وهل أنا عليَّ أن أبذل جهد في البحث عن الفتوى؟ وهل إمام المسجد هو الذي يأثم إذا قال لها لا تفعلي أو افعلي، أم مَن يتحمل وزر الفتوى إن كانت خاطئة؟

[الشيخ]: لابد أن تعرف أولًا قبل أن تسأل، هل هذا الإمام خريج الأزهر أم لا.

فلدينا الآن مائة وعشرة آلاف مسجد في أرض مصر [وقت عرض الڤيديو]، منها خمسون ألف مسجد لها أئمتها أزاهرة، وأكثر من خمسون ألف ليسوا أزاهرة.

[المذيع]: وهل كل خريج أزهر ويعمل إمامًا لمسجد يستطيع أن يفتي؟

[الشيخ]: ليس في كل المسائل بالطبع، ولكن هي تسأل عن الإثم. فلو ذهبت إلى الأزهري وأخطأ الأزهري، فلا إثم عليها؛ لأنها اجتهدت على قدر الحاجة. أما إذا لم تجد الإمام أزهريًا، فلا تسأله أصلًا، لا تسأله مهما كان علمه.

الفرق بين العلم والمعلومات وشرط المنهج العلمي في الإفتاء

فهناك فرق بين العلم والمعلومات، فغير الأزهري قد يكون لديه معلومات، لكنه ليس لديه علم، فمن أين سيحصل على العلم إذن إن لم يكن أزهريًا.

[المذيع]: أحدهم قال في التقرير: نسأل من يحفظ القرآن. فهل حفظ القرآن يكفي للفتوى؟.

[الشيخ]: لا، لا يكفي. فالعلم له منهج. وغير الأزهرى أصلًا لم يدرس هذا المنهج. فأخذ معلومات متراكمة كثيرة بلا منهج، حتى أنه قد يشوش بها أحيانًا على من عنده علم، لكنه ليس لديه علم.

فأنا أجتهد، فأسأل أزهري، فظني فيه أن لديه علم. فإذا أفتاني خطأً فهذا شأنه هو، ولا إثم علي، بل إن لي أجر.

قال رسول الله ﷺ: «إذا اجتَهَد فأصاب فله أجرانِ، وإن اجتَهَد فأخطَأَ فله أجرٌ.» [أبو داود: 3574]

قياس الفتوى على الطب في ضرورة الرجوع إلى المتخصص

وهذا الأجر سببه أنني بذلت كل ما في وسعي، لذلك لا نسأل من لا منهج له.

فلو ذهبت إلى شخص معه شهادة الطب [طبيب]، فأخطأ في التشخيص وأخطأ في العلاج، وتسبب هذا الخطأ في الوفاة، فأنا لست آثمًا، لأني فعلت ما ينبغي عليّ فعله.

لكن لو ذهبت إلى العطار أو لشخص يعمل في القيادة أو السباكة وسألته في الطب، فقال لي: خذ هذا الدواء، فحدث لي ضرر أكثر، فأنا آثم.

تقرير عن عمل لجان الإفتاء بدار الإفتاء والصعوبات التي تواجههم

[المذيع]: فاصل وتقرير عن عمل لجان الإفتاء بدار الإفتاء والصعوبات التي تواجههم، ثم نعود لنكمل مع فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة.

[التقرير المُشار إليه]:

[المفتي1]: هناك بعض المستفتين يفهم من عبارة واحدة، والبعض الآخر يحتاج إلى شرح وإسهاب. والبعض يحتاج إلى شرح زائد في المقام.

[المفتي2]: يستمع المفتي إلى السؤال ويقدم الإجابة. يعرف كيف يتعامل مع الجمهور وكيف يستوعب الجمهور، لأن المفتي يعد تمامًا بمثابة الطبيب النفسي.

مشاهد من دار الإفتاء وتعامل المفتي مع المستفتين بصبر وحكمة

[مفتي2]: ما سؤالكِ؟ تكلمي بهدوء تام، واعتبريني أخاكِ، وأخبريني ما هو سؤالكِ؟.

[المستفتية1]: ماذا أفعل مع زوجي؟ يريد أن يأخذ أموالي، ويرفض عودتي إلى بيت الزوجية إلا إذا أعطيته مالي.

[مفتي2]: هذه الأموال خاصة بكِ، وأنت حرة فيها، وأنت صاحبة القرار فيها، ولكن أين زوجك لكي أقول له هذا الكلام؟ لا بد من حضوره حتى أتكلم معه، حتى وإن كان يأبى.

لا بد أن أستمع للطرف الآخر، فربما يكون كلامك خطأ، ولكن على حسب كلامك فأنتِ حرة في أموالك.

قصص من دار الإفتاء عن محاولات التحايل على المفتي وأهمية سعة الصدر

[مستفتي2]: شهود الزور المدونة اسماؤهم هنا مخالفون للمستندات التي قد قدمتها أنا، وهم شهود عليها، ولكن شهود زور.

[مفتي1]: استمر على محاربة الفساد والإفساد والمفسدين في الأرض.

[مفتي2]: جاءت امرأة في يوم من الأيام تسأل عن الطلاق هنا في هذا المكتب، وكنت حينها رئيسًا للجنة الإفتاء. فسألتها: أين الزوج؟ فقالت: الزوج في السعودية.

فأعطيتها رقم هاتف دار الإفتاء، وقلت لها: فليتصل بدار الإفتاء. وفي صباح اليوم التالي جاءت وأحضرت الزوج. فسألتها كيف حضر من السعودية بهذه السرعة؟!

فألهمني الله أن أَطّلِع على البطاقة الشخصية لكل منهما، فوجدت اسم الزوج في بطاقتها ليس هو هذا الشخص الذي جاء معها. وبالتحري، اكتشفت أنها أحضرت شخصًا من الشارع.

الطريقة الملتوية مع المفتي وأهمية سعة صدر المفتي

[مفتي1]: الطريقة الملتوية والمتعرجة مع المفتي في غير صالح المستفتي؛ لأنه:

  • أولًا: يؤدي في نهاية المطاف إلى أن يأخذ شيئًا ليس له.

  • وثانيًا: المستفتي هكذا على خطأ، والمفتي يُبصِّره الله سبحانه وتعالى بحقيقة الأمر.

[مفتي3]: أحيانًا ردود أفعال المستفتين ربما تكون بالشتائم، ربما بالتعدي علينا بالسباب وغير ذلك، ولكن شأن المفتي أن يكون صدره واسعًا.

كان دائمًا شيخنا وأستاذنا الدكتور علي جمعة يقول: وسع صدرك.

العودة بعد الفاصل والاعتذار لأصحاب الاتصالات وأسئلة الفيسبوك

[المذيع]: أهلًا وسهلًا بحضراتكم مرة أخرى، والله أعلم مع فضيلة الإمام العالم الكبير الأستاذ الدكتور علي جمعة.

أعتذر للمتصلين الكُثر، فما زلنا في بداية البرنامج نمهد له. ولدينا أسئلة على صفحتنا على الفيسبوك، وسنعرض لكم عنوان الصفحة الآن، ونريد منكم التواصل معنا وإخبارنا بأفكاركم.

وسأحكي لكم عن حلقة غدًا، سوف تكون حلقة خاصة جدًا، وسأجلس أمامها مكاني في سكون، لأشاهد الأستاذ العالم، مع العالم، والله أعلم.

حكم من أباح قتل مسلم واتهمه بالنفاق والكفر في سياق الفتنة

[المذيع]: مولانا، الأستاذ يحيى يسأل: ما حكم من أباح قتل مسلم واتهمه بالنفاق والكفر والشقاق؟

[الشيخ]: قد يكون الأستاذ يحيى يسأل سؤالًا من أحد الطرفين المتنازعين؛ لأننا في فتنة، وهذه الفتنة لوثت أيدي الكثير بالدماء، فمن كانوا حاضرين في اعتصام ميدان رابعة ضربوا الشرطة، وقتلوا منهم ستة. وربما هو يسأل عن هذا الأمر.

فالشخص الذي قام بقتل هؤلاء الستة، فردت عليه الشرطة وفضت الاعتصام، ربما يكون قد قتل مع رجال الشرطة ايضًا شخصًا آخرًا سلميًا ولم يقاتل، ولكنه كان موجودًا في هذا التجمع، وربط نفسه بكيان إرهابي، وهو لا يعرف أن معهم سلاحًا، وأن هده الأسلحة التي كانت تضرب عليهم هي أسلحة هذا الكيان.

تجنب الفتنة وتوضيح مقولة اضرب في المليان وسياقها الحقيقي

وهذه الفتنة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتجنبها. وقد يكون السائل هو واحد من اللجان الإلكترونية للجماعة الإرهابية، التي نشرت مقطع من كلامي وأنا أقول للجيش المصري والشرطة المصرية عن الخوارج الذين بدأوا يضربون عليهم النار: اضرب في المليان.

فهو يظن أنني أقول اضرب في المليان عن الجميع، وقد عرضنا هذه المسألة مع حضرتك من قبل، ونشرنا الفيديو كاملًا وليس مستقطعًا كما يفعلون، وهو موجود على موقعي، وأن حديثهم هذا من قبيل:

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]

وربما كان السائل يتحدث عن الإرهابيين. ولذلك فأنا أقول له: هناك قتل بحق وقتل بغير حق. وأن هذه الجماعة الإرهابية تقتل بغير حق، وهذه الجماعة الإرهابية هي في الحقيقة من المنافقين ومن الخوارج، وأنه إذا كان مفتونًا بهم، فهو لا يعلم كثيرًا عنها.

حكم اتهام المسلم بالكفر والنفاق وشروط ذلك

[المذيع]: هل من حقي كإنسان، وليس كعالم، أن أتهم شخصًا بالكفر أو النفاق؟

[الشيخ]: ليس من حقك هذا. فإذا كنت عالمًا بحاله، فيجوز أن نتهمهم بالنفاق، وبالخروج والمروق؛ لأنهم خرجوا على صاحب الشوكة وصاحب الغلبة، وهذا موجود في الفقه الإسلامي بصورة واضحة.

حكم الصلاة بدم الإنسان على ملابسه والفرق بين الدم الذاتي والغريب

[المذيع]: يسأل الأستاذ عمر السقا، إذا وُجد دم من الإنسان على ملابسه، فهل تصح صلاته؟

[الشيخ]: إذا كان هذا هو دمي أنا على ملابسي أنا، فنعم، تصح صلاته. وكان الصحابة يصلون في جراحاتهم، أي أن الصحابي يكون مجروحًا من القتال في سبيل الله، فينزل منه الدم ومع ذلك يصلي بجراحاته. فدم الإنسان من نفسه تصح معه الصلاة.

أما الدم الغريب فلا. فإذا كنت أعمل جزارًا مثلًا، ودم الذبيحة قد لوث ثيابي، فيجب عليّ أن أغيّر ثوبي.

ابني مثلًا إذا نزل منه دم على ملابسي، فيجب عليّ إزالته ولو بالماء. حتى لو كان قد جف على ملابسي ولم أنتبه، فأزيله بالماء، اي أضع عليه ماءً فقط وكفى.

حكم أخذ الفتوى من القنوات الفضائية وشرط كون المفتي أزهرياً

[المذيع]: سؤالان طرحهما الأستاذ فتحي والأستاذ علي محمود معًا: هل يجوز أخذ الفتوى من القنوات الفضائية؟ وكيف أميز الفتوى الصحيحة وأنا ليست لدي أي معرفة أستطيع الحكم بها على الفتوى إن كانت صحيحة أم لا؟

[الشيخ]: المفتي يجب أن يكون أزهريًا، فهذا هو المعيار حتى في الفضائيات.

[المذيع]: ولكن في بعض الحالات تكون الفتوى صادرة من الأزهر، ويخرج علماء أخرون من الأزهر أيضًا فيختلفون عليها.

[الشيخ]: هذا مثله مثل اختلافنا في الطب، فما دام من الطبيب ومن الأستاذ فسأثق به.

فتوى إباحة الخمر المزعومة وتدخل هيئة كبار العلماء لإنكارها

[المذيع]: حتى لو صدرت فتوى من عالم وأستاذ أزهري تُحلِّل الخمر أحيانًا!.

[الشيخ]: عندما تصدر فتوى غريبة عجيبة مثل هذه التي تُحلِّل الخمر أو ما شابه ذلك، فإن هيئة كبار العلماء تتدخل فورًا ودائمًا، وقد تدخلت بالفعل.

[المذيع]: نعم، ولكن التأثير لم ينتهي، فقد ألتقيت بأصدقاء بعضهم يقول لي: نحن نشرب بناءً على فتوى أستاذ من أزهري.

[الشيخ]: هذا هوى، أي اتباع لهوى النفس، لأن فتوى إباحة الخمر هذه خطأ، ولا وجود لها عند الحنفية، وهذا كلام مختلق ومضطرب. وصاحبها شخص مخطيء في إدراك الواقع، وفي إدراك النَص.

[المذيع]: لكن صاحب الفتوى لم يخرج ويعتذر عن خطئه حتى وإن كان الأزهر قد صوب الخطأ.

[الشيخ]: هذا شأنه مع ربه، لكن هيئة كبار العلماء تدخلت مباشرة وأنكرت هذا إنكارًا شديدًا وأصدرت بيانًا.

رؤيا زوج السائلة للشيخ في المنام وتأويلها بالمحبة

[المذيع]: السؤال الأخير من الأستاذة سعاد الهاشمي، تقول: شاهد زوجي فضيلة الشيخ علي جمعة كثيرًا في المنام، وفي آخر مرة قام بإعطائه عكازه وتركه له، فما تأويل ذلك؟ بارك الله فيكم.

مولانا، يبدو أننا أننا سنأخذ عكاز حضرتك في نهاية الحلقة، فعندما تأول فضيلتكم الحلم فإذا استدعى الأمر سنطمع في الأخذ من حضرتك.

[الشيخ]: حاضر، لكن سأحضر لها عكازًا. لأن هذه عصا، وعندي عكاكيز أيضًا، وإن شاء الله نعدها بعكاز لزوجها، على سبيل الديكور إن شاء الله، وليس على سبيل الاحتياج، رزقه الله دوام الصحة وألا يحتاج إلى العكاز.

[المذيع]: هل هذا هو تفسير الرؤيا أم أنها المحبة؟

[الشيخ]: هي المحبة، نعم.

[المذيع]: أدامها الله.

[الشيخ]: آمين يا رب.

ختام الحلقة والإعلان عن حلقة الغد مع الدكتور أسامة الأزهري

[المذيع]: نورتني يا فندم، وأشكر حضرتك على الرغم أنني أنا الضيف على حضرتك.

[الشيخ]: نحن نتمنى أن تكون معنا كل يوم، ولكن أنا أعرف انشغالاتك، ولكن سيحدث في يوم من الأيام إن شاء الله.

[المذيع]: وجودي أمام حضرتك ولو دقيقة واحدة شرف لي، سأحترف وأذهب لقناة سي بي سي تو من أجل حضرتك فقط.

وغدًا إن شاء الله حلقة جديدة من والله أعلم، سيكون فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري هو المحاور لأستاذه العالم الكبير الدكتور علي جمعة في حوار خاص جدًا يندر أن ترونه على الفضائيات، من الممكن أن تروه في مجالس العلم.

سيكون على الهواء غدًا إن شاء الله. انتظروا حلقة الغد، أشكر حضرتك مرة أخرى مولانا، إلى اللقاء.

[الشيخ]: شكرًا لك.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما حكم القرض البنكي النقدي بفائدة ربوية مقطوعة في الإسلام؟

حرام إلا عند الاضطرار الحقيقي

ما الذي يجعل القرض الاستثماري من البنك مختلفاً عن القرض الربوي؟

أنه قائم على المضاربة والمشاركة في الأرباح

من يتحمل وزر الفتوى الخاطئة إذا أفتى إمام المسجد خطأً؟

إمام المسجد وحده

ما المعيار الأساسي لمعرفة أن المفتي مؤهل للإفتاء؟

أن يكون أزهرياً متخصصاً

لماذا تختلف الفتوى الشرعية بين مصر ودول الخليج في مسائل الأحوال الشخصية؟

لأن الفتوى تتغير بالبلد والزمان والمكان واختيار ولي الأمر

ما حكم كتابة الأم بيتها لابنتها الوحيدة في حياتها وفق المذهب الشافعي؟

جائز لأن الملك في الحياة لا يُعتبر تركة

ما المستويات الثلاثة التي يحددها الفقه الإسلامي لتحديد مستحق الصدقة؟

الكفاف والكفاية والكفاءة

ما موقف سيدنا علي من الخوارج من حيث تكفيرهم؟

وصفهم بأنهم إخوة بغاة لا كفار

ما الحل العملي الذي يجمع بين تربية الضمير وضمان وصول الزكاة لمستحقيها؟

إعطاء السائل مبلغاً رمزياً وتوجيه المبالغ الكبيرة للمؤسسات الخيرية

ما الذي يُميّز الملحد الحقيقي عن الشخص الغاضب من الله؟

الملحد لا يؤمن بوجود الله أصلاً والغاضب مؤمن لكنه يُعبّر عن حزنه

ما الحكمة من الابتلاء الدائم وفق الحديث النبوي؟

رفع الدرجات في الجنة وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل

ما الفرق بين العلم والمعلومات في مجال الفتوى الشرعية؟

العلم له منهج مكتسب بالدراسة المنظمة أما المعلومات فمتفرقة بلا منهج

ما حكم القرض البنكي مقابل سلعة كشراء سيارة بثمن مؤجل؟

حلال، لأن البنك يشتري السلعة ويبيعها بثمن مؤجل أعلى وهذا بيع مشروع وليس ربا.

ما المقصود بالاضطرار الذي يُبيح القرض الربوي؟

الاضطرار الحقيقي هو ما لو لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك، كعلاج مريض يوشك على الموت ولا يجد مالاً إلا بالقرض الربوي.

لماذا يُعدّ القرض الاستثماري مضاربة لا ربا؟

لأن صاحبه يأخذ المال ليستثمره في التجارة والصناعة والزراعة ويكسب، ومن كسبه يُعطي البنك الزيادة المتفق عليها، فهو شريك في الربح لا مدين بفائدة ثابتة.

من يحدد نسبة الفائدة في القروض الاستثمارية وفق الفقه الإسلامي المعاصر؟

البنك المركزي يحددها بعد دراسات اقتصادية تتعلق بجريان الأوراق النقدية التي لها أحكام مختلفة عن الذهب والفضة في الفقه الإسلامي.

ما الشرط الأساسي في المفتي حتى لا يأثم السائل إذا أخطأ المفتي؟

أن يكون المفتي أزهرياً متخصصاً، فإذا أفتى أزهري خطأً فلا إثم على السائل لأنه اجتهد على قدر الحاجة.

ما الذي يحدث إذا سأل المسلم غير الأزهري في مسألة دينية وأخطأ؟

السائل يكون آثماً لأنه لم يبذل الجهد الكافي في اختيار المتخصص، كمن يسأل العطار في مسألة طبية.

ما قاعدة الإمام السيوطي في التزام المفتي باختيار ولي الأمر؟

على المفتي وعلى القاضي أن يحكم باختيار الإمام ولا يخرج عنه، وهذا ما سار عليه المسلمون عبر القرون.

ما المذاهب الفقهية المعمول بها في مصر والسعودية والمغرب؟

مصر تسير على المذاهب الأربعة بالاختيار، والسعودية على المذهب الحنبلي في أغلبه، والمغرب والإمارات على المذهب المالكي.

ما الفرق بين التركة والملك الخاص في حياة الإنسان؟

التركة هي ما يتركه الإنسان بعد وفاته، أما الملك الخاص في الحياة فلصاحبه التصرف فيه كيف يشاء من بيع وهبة وتصدق دون أن يُعتبر تركة.

ما استنباط الإمام الشافعي من قول النبي اشهد عليه غيري في حديث العطية؟

استنبط أن العطية حلال لأن النبي لو كانت باطلة لما قال اشهد عليه غيري، وإنما رفض الشهادة لأن القصد كان ظلم أبناء الزوجة القديمة.

ما خطوات تعليق القلب بالله وفق منهج الإحسان؟

الإيمان بالله والتكليف واليوم الآخر، ثم الذكر الدائم والتفكر في أفعال الله في الكون ونسبة كل شيء إليه.

ما معنى الإحسان في حديث جبريل وكيف يرتبط بتعليق القلب بالله؟

الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك، وهو يعني عدم نسيان الله في أي حال مما يُعلّق القلب به دائماً.

ما الفرق بين الملحد الحقيقي والشخص الغاضب من الله؟

الملحد لا يؤمن بوجود الله أصلاً، أما الغاضب فهو مؤمن بالله لكنه يُعبّر عن حزنه وألمه بكلام يبدو إلحاداً وهو في الحقيقة عتاب.

ما حكم الصلاة بوجود دم الإنسان من نفسه على ملابسه؟

تصح الصلاة بدم الإنسان من نفسه، وكان الصحابة يصلون في جراحاتهم. أما الدم الغريب كدم الذبيحة فيجب إزالته قبل الصلاة.

ما دور هيئة كبار العلماء في مواجهة الفتاوى الشاذة؟

هيئة كبار العلماء تتدخل دائماً عند صدور فتاوى غريبة شاذة وتُنكرها وتُصدر بياناً، كما فعلت مع فتوى إباحة الخمر المزعومة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!