اكتمل ✓
الفصل 8

ما الفرق بين الرؤيا الصادقة وأضغاث الأحلام وكيف يفسر الفلاسفة النوم والحلم؟

النوم هو توقف الحس الظاهر وانحباس الروح الحيواني عن الحواس الخمس، فيرجع إلى الحس الباطن. الرؤيا الصادقة تنشأ حين تتصل النفس بالملكوت عند فراغها من تدبير البدن فتتلقى معاني حقيقية تحاكيها المتخيلة وترسلها إلى الحس المشترك. أما أضغاث الأحلام فهي الحس الكاذب الخسيس الذي يقع في أدنى مراتب الشرف، في مقابل الرؤيا الصادقة التي تفوق حتى اليقظة في شرفها.

3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تكون الرؤيا الصادقة أشرف من اليقظة، وما الذي يجعل أضغاث الأحلام في أدنى مراتب الإدراك؟

  • النوم عند مفكري الإسلام هو حس بالقوة في مقابل اليقظة التي هي حس بالفعل، وتتسلسل مراتب الشرف من رؤيا صادقة إلى يقظة إلى أضغاث أحلام.

  • الحواس تنقسم إلى خمس ظاهرة وخمس باطنة، والحس المشترك هو القوة التي ترتسم فيها صور الجزئيات المحسوسة وهو محل مشاهدة صور المنام.

  • الروح الحيواني بخار لطيف مركزه القلب، وحين ينحبس عن الحواس الظاهرة ويرجع إلى الحس الباطن يقع النوم وتبدأ الرؤيا.

  • الرؤيا الصادقة تنشأ باتصال النفس بالملكوت، فتحاكي المتخيلة المعاني الواردة وترسلها إلى الحس المشترك، وقد تحتاج إلى تعبير أو تستغني عنه.

  • اختلف الفلاسفة من أرسطو إلى ديموقراط إلى المتأخرين في تفسير الأحلام، وانتهى المتأخرون إلى أن الحلم مجموع أفكار وحاسات تنشأ من عمل بعض القوى العقلية دون البعض الآخر.

تعريف النوم كحس بالقوة ومراتب شرف الحس

رسم بعض مفكري الإسلام النوم بأنه: حس ما بالقوة، لأن اليقظة حس ما بالفعل فهو عدم اليقظة، لأن ما هو بالقوة عدم الفعل.

وما يكون حسًّا بالقوة قد يتفق أن يخرج إلى الفعل في رؤيا صادقة، وعندئذ يكون أشرف من الحس بالفعل، أما الكاذب من الحس الذي بالقوة فخسيس، وأشرف منه حس ما بالفعل، وهكذا يتسلسل الحس في مراتب الشرف من رؤيا إلى يقظة إلى أضغاث أحلام .

الحس المشترك وتقسيم الحواس الظاهرة والباطنة

والحس المشترك الوارد في تعريف النوم نراه قد ذكر عند الأصوليين، كما ذكر عند الفلاسفة، فقد قسم الفلاسفة والأصوليون أيضاً الحواس إلى خمس ظاهرة من: بصر، وسمع، ونحوه، وخمس باطنة هي: الحس المشترك، والخيال، والوهم، والحافظة، والمتصرفة أو المتخيلة.

والحس المشترك: هو القوة التي ترتسم فيها صور الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس الظاهرة، وقد زعموا أن للدماغ ثلاثة بطون، وأن محل هذه القوة هي مقدم البطن الأول .

تشبيه الحس المشترك بالحوض ووصفه روحا حيوانيا بخاريا

والحس المشترك بالنسبة إلى الحواس كحوض تصب فيه أنهار خمسة، وهو الذي يشاهد صور المنام معاينة، لا على سبيل التخيل .

والحس المشترك روح حيواني، جسماني، يتألف من بخار لطيف، يقوم مركزه بالتجويف الأيسر من القلب، كما ورد في كتب التشريح لجالينوس، وغيره .

وينبعث هذا البخار مع الدم في الشريانات والعروق، فيؤدي إلى الحس، والحركة، وسائر الأفعال البدنية، ويرتفع النوع اللطيف من هذا البخار إلى الدماغ فيعدل من برودته، ويتم أفعال القوى التي في باطنه، والنفس الناطقة إنما تدرك وتفعل بهذا الروح البخاري، وهي متعلقة به لما اقتضته حكمة التكوين من أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف، ولما كان هذا الروح الحيواني قد لطف فقد أصبح محلاًّ لآثار الذات التي تباينه في جسمانيته، وهي النفس الناطقة، وعن طريقه تحصل آثار هذه النفس في البدن.

أنواع إدراك النفس الناطقة وأثرها في حدوث النوم

والمعروف أن إدراك النفس الناطقة يكون على نوعين:

أولهما: إدراك بالظاهر تؤدي إليه الحواس الخمس.

وثانيهما: إدراك بالباطن تؤدي إليه القوى الدماغية.

وهذان النوعان من الإدراك يصرفان النفس عن إدراك ما فوقها من ذواتها الروحانية التي تهيأت لها بالفطرة، فإذا انحبس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها، ورجع إلى الحس الباطن وقع النوم .

تعريف الرؤيا الفلسفي وانتقال الصور من المتخيلة للحس المشترك

أما الرؤيا فقد قال غير واحد من المتفلسفة: هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك.

ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها، فترسلها إلى الحس المشترك، فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير، وإلا احتاجت إليه.

غموض الأحلام وافتتاح معجم الأحلام ورأي أرسطو

الأحلام من أغمض الأمور:

جاء في معجم الأحلام:

لا غرو أن الأحلام من أغمض الأمور، والبحث عنها من أعسر المباحث، كما يستدل من اختلاف الفلاسفة في الكلام عليها:

قال كبير الفلاسفة أرسطو:

إنما الحلم بقاء صور الأشياء التي يتأثر الدماغ بالشعور بها، بعد زوال الأشياء وانقطاع الشعور، وتابعه جمهور كبير من فلاسفة المتقدمين والمتأخرين.

نظريات ديموقراط والقدماء والمتأخرين في تفسير الأحلام

وقال الفيلسوفان ديموقراط، ولقرنطيوس:

إن الأجسام تنبثق منها أجسام لطيفة مثلها فتطير في الهواء، وتدخل على النفس، وهي نائمة فتراها النفس، وذلك هو الحلم.

وقالت طائفة من القدماء، ووافقهم بعض المتأخرين:

إن الأرواح تدخل على النفوس، وتتجلى لها فتراها النفوس، وذلك هو الحلم.

أما فلاسفة المتأخرين وعلماؤهم، فقد بلغوا إلى تعليل الأحلام أقرب مبلغ، وهذا أشهر ما انتهوا إليه، بما أن عقل الإنسان يعلم بما هو خارج عنه بواسطة المشاعر الخمسة، وأن للعقل قوى متعددة، فله قوة على تذكر ما يرى، ويسمع، أو يشعر به بمشعر آخر، وله قوى على تخيل ما يرى، أو تركيب صور غير موجودة مما يراه، وعلى الانتقال من موضوع إلى آخر لرابط يربط الواحد بالآخر إلى غير ذلك من القوى التي ليس من غرضنا ذكرها هنا.

ثم قال صاحب معجم الأحلام:

"وبناء على ما تقدم يكون الحلم مجموع أفكار، أو حاسات تتأتى من عمل بعض القوى العقلية دون البعض الآخر، أو عن شدة تأثير بعض القوى العقلية في النفس دون البعض الآخر" .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كيف عرّف مفكرو الإسلام النوم؟

حس ما بالقوة

ما ترتيب مراتب الشرف في الإدراك من الأعلى إلى الأدنى؟

الرؤيا الصادقة ثم اليقظة ثم أضغاث الأحلام

كم عدد الحواس الباطنة عند الفلاسفة والأصوليين؟

خمس

أين يقع محل الحس المشترك في الدماغ وفق ما ذكره الفلاسفة؟

مقدم البطن الأول من الدماغ

أين يقع مركز الروح الحيواني في الجسم؟

التجويف الأيسر من القلب

ما الذي يحدث حين ينحبس الروح الحيواني عن الحواس الظاهرة ويرجع إلى الحس الباطن؟

يقع النوم

ما الشرط الذي تستغني معه الرؤيا الصادقة عن التعبير؟

أن تكون شديدة المناسبة للمعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية

ما تعريف الحلم عند أرسطو؟

بقاء صور الأشياء في الدماغ بعد زوالها وانقطاع الشعور

ما نظرية ديموقراط في الأحلام؟

أجسام لطيفة تنبثق من الأجسام وتدخل على النفس النائمة

ما التعريف الذي انتهى إليه فلاسفة المتأخرين للحلم؟

مجموع أفكار أو حاسات تتأتى من عمل بعض القوى العقلية دون البعض الآخر

لماذا تحتاج بعض الرؤى إلى تعبير دون غيرها؟

لأن التفاوت بين الصورة والمعنى يتجاوز الكلية والجزئية

ما وظيفة الروح الحيواني البخاري حين يرتفع إلى الدماغ؟

يعدل من برودة الدماغ ويتم أفعال القوى الباطنة

ما الفرق بين الحس بالقوة والحس بالفعل؟

الحس بالفعل هو اليقظة حيث تعمل الحواس فعلياً، أما الحس بالقوة فهو النوم حيث تكون الحواس معطلة لكنها قادرة على الانطلاق في رؤيا.

لماذا تكون الرؤيا الصادقة أشرف من اليقظة؟

لأنها حس بالقوة خرج إلى الفعل باتصال النفس بالملكوت، وهذا الاتصال الروحاني يجعلها أرفع مرتبة من الإدراك الحسي العادي في اليقظة.

ما الحواس الباطنة الخمس عند الفلاسفة والأصوليين؟

هي: الحس المشترك، والخيال، والوهم، والحافظة، والمتصرفة أو المتخيلة.

بم شبّه العلماء الحس المشترك بالنسبة إلى الحواس الخمس؟

شبّهوه بحوض تصب فيه أنهار خمسة، إذ يجمع صور جميع الحواس الظاهرة ويشاهد صور المنام معاينة لا على سبيل التخيل.

من أي مادة يتألف الروح الحيواني؟

يتألف من بخار لطيف جسماني، مركزه التجويف الأيسر من القلب، وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق.

كيف تؤثر النفس الناطقة في البدن رغم تباينهما؟

تؤثر بواسطة الروح الحيواني البخاري اللطيف الذي يصلح محلاً لآثارها، لأن اللطيف لا يؤثر في الكثيف مباشرة فاحتاجت إلى هذا الوسيط.

ما نوعا إدراك النفس الناطقة؟

إدراك ظاهر تؤديه الحواس الخمس، وإدراك باطن تؤديه القوى الدماغية، وكلاهما يصرف النفس عن إدراك الذوات الروحانية.

ما الذي يصرف النفس عن إدراك الذوات الروحانية في اليقظة؟

انشغالها بنوعي الإدراك: الظاهر عبر الحواس الخمس، والباطن عبر القوى الدماغية، وكلاهما يحجبها عن عالمها الروحاني الفطري.

ما مصدر الرؤيا الصادقة وفق المتفلسفة؟

اتصال النفس بالملكوت لما بينهما من تناسب حين تفرغ من تدبير البدن، فتتصور بالمعاني الحاصلة هناك ثم تحاكيها المتخيلة وترسلها إلى الحس المشترك.

ما دور المتخيلة في تكوين الرؤيا؟

تحاكي المعاني الواردة من الملكوت بصورة تناسبها، ثم ترسل هذه الصورة إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة.

ما نظرية طائفة من القدماء في الأحلام؟

قالوا إن الأرواح تدخل على النفوس وتتجلى لها فتراها، وذلك هو الحلم، ووافقهم بعض المتأخرين.

ما القوى العقلية التي ذكرها فلاسفة المتأخرين في تفسير الأحلام؟

ذكروا قوة التذكر، وقوة التخيل وتركيب الصور، والانتقال من موضوع إلى آخر برابط، وغيرها من القوى التي تعمل أثناء النوم.

ما الذي يجعل أضغاث الأحلام في أدنى مراتب الإدراك؟

لأنها الحس الكاذب الخسيس الذي لم يخرج إلى رؤيا صادقة، فهي أدنى من اليقظة ومن الرؤيا الصادقة في سلم مراتب الشرف.

لماذا وصف الفلاسفة الأحلام بأنها من أغمض الأمور؟

لاختلاف الفلاسفة اختلافاً كبيراً في الكلام عليها وتعدد نظرياتهم المتباينة، مما يدل على صعوبة البحث فيها وغموض حقيقتها.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!