ما هي شروط المفتي وآدابه وكيف أحدث المتشددون فوضى الفتاوى في المجتمع؟
الفتوى صناعة مركبة تستلزم في المفتي شروطاً جوهرية أبرزها: الإسلام والعقل والبلوغ والعلم والتخصص الفقهي والعدالة والاجتهاد وجودة القريحة والفطانة. واستغل المتشددون غير المؤهلين وسائل الإعلام الحديثة لبث فتاوى تفتقر إلى هذه الشروط، مما أوجد حالة من فوضى الفتاوى في المجتمعات المسلمة. وقد حذّر العلماء من السلف والخلف من الإقدام على الفتوى دون تأهل، وأكدوا أن الإفتاء بغير علم كبيرة من الكبائر.
- •
هل يحق لكل من امتلك قناة فضائية أن يُفتي الناس في دينهم، وما الفرق بين المفتي المؤهل والمتشدد غير المؤهل؟
- •
استغل المتشددون وسائل الإعلام الحديثة وإمكاناتهم المادية لبث فتاوى دون امتلاك المؤهلات الشرعية، مما أوجد فوضى في الفتاوى.
- •
الفتوى صناعة مركبة تقوم على تشخيص الواقع وتكييف النوازل ثم البحث عن الدليل الشرعي المناسب من نص أو قياس أو استصلاح.
- •
حذّر السلف الصالح والأئمة الكبار كمالك والشافعي وأحمد من الإقدام على الفتوى، وكان كثيرون منهم يكثرون من قول لا أدري.
- •
يشترط في المفتي تسعة شروط جوهرية: الإسلام والعقل والبلوغ والعلم والتخصص الفقهي والعدالة والاجتهاد وجودة القريحة والفطانة.
- •
للمفتي آداب لازمة تشمل الإخلاص وحسن الزي والعمل بفتواه وترك الإفتاء حال الغضب والتشاور مع العلماء ومراعاة أحوال المستفتي والتيسير المنضبط.
- 1
استغل المتشددون غير المؤهلين الانفتاح الإعلامي الحديث لبث فتاواهم عبر قنوات ممولة، مما أوجد فوضى فتاوى غير مسبوقة في المجتمعات المسلمة.
- 2
الفتوى صناعة مركبة تجمع بين الدليل الشرعي بأطيافه والواقع بتعقيداته، وليست فعلاً ساذجاً أو شكلاً بسيطاً.
- 3
يمر المفتي بمرحلتين معقدتين: تشخيص الواقع وتكييف النازلة، ثم تلمس الدليل الشرعي المناسب من نص أو اجتهاد بالرأي.
- 4
وصف الإمام النووي الإفتاء بأنه عظيم الخطر لأن المفتي موقع عن الله تعالى ووارث الأنبياء ومعرض للخطأ.
- 5
تورع الصحابة والتابعون عن الفتوى وأكثروا من قول لا أدري، معتبرين أن الإقدام على الفتوى دون تأهل ضرب من الجنون.
- 6
أكثر الإمام مالك وأحمد من قول لا أدري، وحذّر العلماء من الحرص على الفتيا مستدلين بحديث النهي عن سؤال الإمارة.
- 7
لا يُشترط في المفتي الذكورية ولا البصر ولا النطق اتفاقاً، وتصح فتيا المرأة والأعمى والأخرس بالكتابة أو الإشارة.
- 8
يشترط في المفتي الإسلام والعقل والبلوغ والعلم، والإفتاء بغير علم كبيرة قرنها القرآن بالشرك وتُضل المستفتين.
- 9
يُشترط في المفتي التخصص في الفقه وأصوله، ولا يكفي رواية الحديث للإفتاء في الأحكام لأن ذلك من وظيفة الفقهاء لا المحدثين.
- 10
اختلف العلماء في جواز إفتاء الفقيه المتخصص في باب معين، والأكثرون على المنع لأن الأحكام متناسبة لا يُحكم بعضها إلا بمعرفة جميعها.
- 11
يشترط في المفتي العدالة بأن لا يكون فاسقاً ولا مخروم المروءة، ولا تصح فتيا الفاسق عند الجمهور لأن خبره لا يُقبل.
- 12
يشترط في المفتي بلوغ مرتبة الاجتهاد بمعرفة القرآن والسنة واللغة واختلاف العلماء، وهو شرط صارم وضع له الشافعي معايير دقيقة.
- 13
جودة القريحة شرط في المفتي تعني صحة الاستنباط وحسن تصور المسائل، وهي تشبه التصور المبدع الذي يميز المجتهد الكبير عن غيره.
- 14
اشترط النووي في المفتي أن يكون فقيه النفس سليم الذهن صحيح الاستنباط، ولا تصح فتوى الغبي أو كثير الغلط.
- 15
الفطانة والتيقظ شرط لازم في المفتي ليكشف حيل الناس ودسائسهم، إذ كثير من المسائل ظاهرها جميل وباطنها مكر وظلم.
- 16
حدد الإمام أحمد خمس خصال لازمة قبل التصدي للفتيا: النية والعلم والحلم والقوة والكفاية ومعرفة الناس.
- 17
يجب على المفتي أن يعمل بفتواه ويحسن زيه وسيرته، لأنه قدوة للناس وفعله إن خالف قوله صدّ المستفتين عن قبول فتواه.
- 18
يجب على المفتي ترك الإفتاء حال الغضب والإرهاق والمرض وسائر الأحوال المخلة بالفكر، فإن أفتى وخرج عن أصل الفكر لم تصح فتياه.
- 19
يُستحب للمفتي التشاور مع العلماء الثقات اقتداءً بالخلفاء الراشدين، ويجب عليه حفظ أسرار المستفتين كما يحفظ الطبيب أسرار مرضاه.
- 20
يراعي المفتي أحوال المستفتي ويتوسع في الجواب بما ينفعه، وله العدول عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
- 21
يترك المفتي الجواب عما لا يعني السائل أو لا يحتمله عقله، لأن تحديث الناس بما لا تبلغه عقولهم يكون فتنة لبعضهم.
- 22
التيسير المنضبط في الفتوى واجب لإدخال الناس في الدين، ويختلف عن تتبع الرخص المذموم، وأساسه قاعدة من ابتلي بمختلف فيه فليقلد من أجاز.
- 23
عرّف ابن أمير الحاج التيسير بأخذ الأهون من كل مذهب دون مانع شرعي، مستدلاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب ما خُفف عليه.
كيف أدى انتشار وسائل الإعلام الحديثة إلى فوضى الفتاوى واستغلال المتشددين غير المؤهلين لها؟
أفرز الانفتاح الإعلامي الواسع حالة من فوضى الفتاوى لم يسبق لها مثيل، إذ لم يعد بالإمكان ضبط قنوات التلقي والتوجيه. استغل المتشددون هذه الحالة وإمكاناتهم المادية لتخصيص قنوات يبثون فيها فتاواهم، وأغلبهم غير مؤهلين للإفتاء وإنزال الأحكام الشرعية في واقع المسلمين.
لماذا توصف الفتوى بأنها صناعة مركبة وليست فعلاً بسيطاً؟
الفتوى صناعة لأنها تركيب وعمل يحتاج إلى دراية وتعلم، وهي من القضايا المركبة التي تقترن بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة. وهي منتج صناعي ناتج عن عناصر عدة منها الدليل بأطيافه المختلفة التي تدور حول النص، ومنها الواقع بتعقيداته والعلاقة بينهما.
ما هي مراحل عمل المفتي عند ورود نازلة جديدة كعقود التأمين والتضخم؟
يبدأ المفتي بتقليب النظر في الواقع وتشخيص حقيقة الأمر المستفتى فيه، كمعرفة كيفية نشأة العقد وعناصره المكونة له. ثم يبحث عن الحكم الشرعي المنطبق مستعرضاً الأدلة من نصوص وظواهر، فإن لم توجد اجتهد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان. ومرحلة التشخيص والتكييف وحدها مرحلة معقدة، وكذلك مرحلة تلمس الدليل في قضايا لا نص بخصوصها.
ما الذي قاله الإمام النووي عن خطورة منصب الإفتاء وعظيم موقعه؟
قال الإمام النووي إن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ. ولهذا قالوا إن المفتي موقع عن الله تعالى، وروي عن ابن المنكدر أن العالم بين الله وخلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.
كيف كان الصحابة والتابعون يتعاملون مع الفتوى وما موقفهم من قول لا أدري؟
كان الصحابة يتدافعون الفتوى فيردها أحدهم إلى الآخر حتى ترجع إلى الأول، وكان كل منهم يود أن يكفيه أخوه الفتيا. وقال ابن مسعود وابن عباس إن من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون، وقال ابن عباس ومحمد بن عجلان إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله. وقال سفيان بن عيينة وسحنون إن أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً.
ما موقف الإمام مالك وأحمد بن حنبل من الحرص على الفتيا وكثرة قول لا أدري؟
كان الإمام أحمد يكثر من قول لا أدري حتى فيما عرف الأقاويل فيه، وكان مالك يُسأل عن ثمانية وأربعين مسألة فيقول في اثنتين وثلاثين منها لا أدري. وكان مالك يقول إن من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وقال إنه ليس في العلم شيء خفيف. وقال الصيمري والخطيب إن من حرص على الفتيا وسابق إليها قل توفيقه واضطرب في أموره.
ما الشروط السلبية في المفتي التي لا يُشترط توافرها وهل تصح فتوى المرأة والأعمى؟
لا يشترط في المفتي الذكورية إجماعاً فتصح فتيا المرأة، ولا يشترط النطق اتفاقاً فتصح فتيا الأخرس بالكتابة أو الإشارة المفهمة، ولا يشترط البصر اتفاقاً فتصح فتيا الأعمى. أما السمع فقد اشترطه بعض الحنفية، وقال ابن عابدين إنه إذا كُتب له السؤال وأجاب جاز العمل بفتواه وإن كان لا ينبغي أن يُنصب للفتوى.
ما الشروط الواجبة في المفتي ولماذا يُعد الإفتاء بغير علم من الكبائر؟
يشترط في المفتي الإسلام والعقل والبلوغ والعلم، والإفتاء بغير علم حرام لأنه يتضمن الكذب على الله ورسوله وإضلال الناس وهو من الكبائر. قرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالفواحش والبغي والشرك في سورة الأعراف، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الناس إذا اتخذوا رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم ضلوا وأضلوا. ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه.
لماذا لا يكفي رواية الحديث للإفتاء ويُشترط التخصص في الفقه وأصوله؟
يشترط في المفتي التخصص بدراسة الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة مع دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع، ويمكن التعبير عنه بالحصول على الدراسات العليا من جامعات معتمدة في علوم الشريعة. لا يصح أن يفتي المحدثون ممن لم يشتغلوا بالفقه، لأن الأحكام تحتاج إلى جمع وترتيب وتخصيص وتعميم لا يهتدي إليه المحدث. وقد حكى الزركشي عن محدث كبير أنه عجز عن الإجابة في مسألة بسيطة حتى نبّهه أحدهم بحديث رواه هو نفسه.
هل يجوز للفقيه المتخصص في باب معين كالفرائض أن يفتي في غيره من أبواب الفقه؟
يمكن للفقيه أن يتخصص في باب من الفقه دون الآخر، فإذا علم جنساً من العلم بدلائله وأصوله وقصّر فيما سواه لم يجز له أن يفتي في غيره. وهل يجوز له الإفتاء في تخصصه؟ قيل نعم لإحاطته بأصوله ودلائله، ومنعه الأكثرون لأن تناسب الأحكام وتجانس الأدلة يمتزجان بحيث لا يتحقق إحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها.
ما المقصود بشرط العدالة في المفتي وما حكم فتوى الفاسق؟
العدل هو من ليس بفاسق وليس مخروم المروءة، وخرم المروءة يعني الخروج عن عادات الناس فيما ينكر ويستهجن. لا تصح فتيا الفاسق عند جمهور العلماء لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي وخبر الفاسق لا يُقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق لنفسه لأنه يعلم صدق نفسه.
ما المقصود بشرط الاجتهاد في المفتي وما الشروط التي وضعها الشافعي لبلوغ هذه المرتبة؟
المقصود بالاجتهاد بلوغ مرتبته لا مجرد بذل جهد قبل كل فتوى، وقال الشافعي لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا من كان عارفاً بكتاب الله ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله، وبصيراً بحديث رسول الله وباللغة والشعر، ومشرفاً على اختلاف أهل الأمصار وتكون له قريحة. وذكر ابن السمعاني أن المفتي من استكمل الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخص.
ما المقصود بجودة القريحة في المفتي وما علاقتها بالتصور المبدع في الاجتهاد الفقهي؟
جودة القريحة تعني كثرة الإصابة وصحة الاستنباط، وتحتاج إلى حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد تخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده. وهي تشبه ما يُعرف في علم النفس بالتصور المبدع أو الخيال الخلاق، وقال الغزالي إن وضع الصور للمسائل ليس أمراً هيناً وإنما هو شأن المجتهدين. وقال ابن برهان إن المجتهد قد يتفرد عن الجميع بزيادة قوة في النظر ومزية في الفكر.
لماذا لا تصح فتوى الغبي وما الصفات العقلية التي اشترطها النووي في المفتي؟
لا تصلح فتيا الغبي ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون المفتي بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن صادق الحكم. قال النووي إن شرط المفتي كونه فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح النظر والاستنباط. والتصور المبدع له الآن علوم قائمة بذاتها ينبغي إضافتها في أسسها إلى أصول الفقه كوسيلة للاجتهاد في العصر الحاضر.
لماذا تُعد الفطانة والتيقظ من شروط المفتي وكيف يتعامل مع حيل الناس ودسائسهم؟
يشترط في المفتي أن يكون فطناً متيقظاً بعيداً عن الغفلة، لأن من صارت بيده فتوى المفتي يستطيل على خصمه بمجرد قوله أفتاني المفتي. قال ابن القيم ينبغي للمفتي أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم حذراً فقيهاً بأمورهم، لأن كثيراً من المسائل ظاهرها جميل وباطنها مكر وخداع وظلم. والغر ينظر إلى الظاهر ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد المقصد والباطن.
ما الخصال الخمس التي نبّه عليها الإمام أحمد كآداب لازمة قبل أن ينصب الرجل نفسه للفتيا؟
قال الإمام أحمد لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى تتوافر فيه خمس خصال: النية إذ بدونها لا يكون على كلامه نور، والعلم والحلم والوقار والسكينة، والقوة على ما هو فيه ومعرفته، والكفاية وإلا مضغه الناس، ومعرفة الناس. وهذه الخصال تمثل أساس آداب المفتي التي تُضاف إلى شروطه.
لماذا يجب على المفتي أن يعمل بما يفتي به وكيف يؤثر مظهره وسيرته في قبول فتواه؟
ينبغي للمفتي أن يحسن زيه مع التقيد بالأحكام الشرعية، لأن تأثير المظهر في عامة الناس لا يُنكر وهو في هذا كالقاضي. كما ينبغي أن يكون عاملاً بما يفتي به من الخير منتهياً عما ينهى عنه، لأنه قدوة للناس وفعله مصدق لقوله، فإن كان بضد ذلك كان فعله مكذباً لقوله وصاداً للمستفتي عن قبوله. ولا يعني ذلك أنه ليس له الإفتاء إذا زلّ ما لم تكن مخالفته مسقطة لعدالته.
ما الأحوال النفسية والجسدية التي تمنع المفتي من إصدار الفتوى وما حكم الفتوى الصادرة فيها؟
لا ينبغي للمفتي أن يفتي حال شدة الغضب أو الفرح أو الجوع أو العطش أو الإرهاق أو النعاس أو المرض الشديد أو الحر المزعج أو البرد المؤلم أو مدافعة الأخبثين، لأن هذه الأحوال تمنع صحة الفكر واستقامة الحكم. فإن أفتى في مثل هذه الأحوال ورأى أنه لم يخرج عن الصواب صحت فتياه وإن كان مخاطراً، لكن قيّده المالكية بأن لا يكون ذلك قد أخرجه عن أصل الفكر فإن أخرجه لم تصح فتياه قطعاً.
ما أدب التشاور في الفتوى وكيف يحفظ المفتي أسرار المستفتين؟
ينبغي للمفتي إذا كان عنده من يثق بعلمه ودينه أن يشاوره ولا يستقل بالجواب تساميًا بنفسه، وعلى هذا كان الخلفاء الراشدون وخاصة عمر رضي الله عنه. كما ينبغي له حفظ أسرار المستفتين كالطبيب الذي يطلع على أسرار مرضاه، لأن إفشاءها قد يضر بهم أو يعرضهم للأذى، ولئلا يحول إفشاؤه بين المستفتي وبين البوح بصورته الواقعية.
كيف يراعي المفتي أحوال المستفتي وهل يجوز له العدول عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع؟
ينبغي للمفتي الترفق بالمستفتي بطيء الفهم والصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه، وإذا احتاج المستفتي إلى تفهيمه أمور شرعية لم يتطرق إليها في سؤاله فينبغي بيانها له زيادة على الجواب. وللمفتي أن يعدل عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن الوضوء بماء البحر فأجاب بطهوريته وحل ميتته، وحين سُئل عن المنفق فأجاب بذكر المصرف لأنه أهم.
متى يترك المفتي الجواب عن السؤال ولماذا يُراعي طاقة عقول المستفتين؟
إذا سأل المستفتي عما لم يقع وكانت المسألة اجتهادية فيترك المفتي الجواب إشعاراً له بأنه ينبغي السؤال عما يعنيه مما له فيه نفع ووراءه عمل. كما يترك الجواب وجوباً إذا كان عقل السائل لا يحتمل الإجابة، لقول علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون، وقول ابن مسعود إن تحديث قوم بما لا تبلغه عقولهم يكون لبعضهم فتنة. وقال ابن عباس لعكرمة من سألك عما لا يعنيه فلا تفته.
ما المقصود بالتيسير المنضبط في الفتوى وما الفرق بينه وبين تتبع الرخص المذموم؟
التيسير المنضبط هو إدخال الناس في دين الله وإلقاء الستر عليهم والعمل على جعلهم متبعين لقول معتبر في الشرع، وهو خير من تركهم للدين بالكلية وإيقاعهم في الفسق. وهو يختلف عن تتبع الرخص بصورة فيها تفلت عن شرع الله، والفرق بينهما دقيق. وأساس هذا التيسير قاعدة من ابتلي بشيء مما اختلف فيه فليقلد من أجاز، ليتخلص من الحرمة.
كيف عرّف ابن أمير الحاج التيسير الفقهي وما ضابطه الشرعي؟
عرّف ابن أمير الحاج التيسير بأنه أخذ الأهون من كل مذهب فيما يقع من المسائل إذا لم يمنع منه مانع شرعي، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن عمل بآخر فيه. وقال إن الغالب أن الإلزامات بعدم تتبع الرخص هي لكف الناس عن التفلت، وإلا فأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه لا يعلم من الشرع ذمه عليه. واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب ما خُفف عليه.
الفتوى صناعة مركبة لا يحق إصدارها إلا لمن استوفى شروط العلم والتخصص والعدالة والاجتهاد والفطانة.
فوضى الفتاوى التي يعيشها المسلمون اليوم نتاج مباشر لاستغلال المتشددين غير المؤهلين لوسائل الإعلام الحديثة، إذ باتوا يبثون فتاواهم عبر قنوات ممولة دون امتلاك أدنى مقومات الإفتاء. والفتوى في حقيقتها صناعة مركبة تبدأ بتشخيص الواقع وتكييف النازلة، ثم تلمس الدليل من نص أو قياس أو استصلاح، وهي عملية لا يُحسنها إلا المتخصص المتمرس.
اشترط العلماء في المفتي تسعة شروط جوهرية أبرزها: العلم والتخصص الفقهي والعدالة وبلوغ مرتبة الاجتهاد وجودة القريحة والفطانة. وأضافوا إليها آداباً لازمة كترك الإفتاء حال الغضب والتشاور مع العلماء وحفظ أسرار المستفتين ومراعاة طاقة عقولهم. كما أكدوا أن التيسير المنضبط الذي يُدخل الناس في الدين واجب، وهو مختلف جوهرياً عن تتبع الرخص المذموم.
أبرز ما تستفيد منه
- الإفتاء بغير علم كبيرة مقرونة بالفواحش والشرك في القرآن الكريم.
- كان الأئمة كمالك يجيبون بلا أدري في أكثر من ثلثي المسائل التي تُعرض عليهم.
- لا يصح إفتاء المحدث في الأحكام الفقهية ما لم يكن متخصصاً في الفقه وأصوله.
- التيسير المنضبط في الفتوى واجب لإدخال الناس في الدين وصدّ الفسق عنهم.
انتشار فوضى الفتاوى واستغلال المتشددين للإعلام الحديث
من الحالات التي أحدثها هذا التيار المتشدد حالة تسمى بـ «فوضى الفتاوى» فالانفتاح العلمي والفكري والإعلامي الذي يعيشه المسلمون اليوم حالة فريدة لم يسبق لها مثيل، ولم يعد –كما كان سابقا- بالإمكان تحديد وضبط قنوات التلقي والتوجيه والفتوى، بل وبسبب تنوع وسائل الإعلام المشاهد منه والمقروء، ولسهولة التعاطي معه ولكل أحد بات المسلم يسمع الفتوى والتوجيه من كل مكان.
لقد استغل المتشددون هذه الحالة كما استغلوا إمكاناتهم المادية في تخصيص كثير من القنوات التي يبثون فيها فتاويهم. وأغلب هؤلاء غير مؤهلين للإفتاء وإنزال الأحكام الشرعية في واقع المسلمين، وإذا اطلع المسلم على حقيقة عملية الإفتاء والشروط والآداب التي ينبغي أن تتحقق في المفتي يعلم مدى بعد هؤلاء عن التأهيل للفتوى
الفتوى صناعة مركبة تجمع بين الدليل والواقع المعقد
والفتوى صناعة؛ لأنها عبارة عن تركيب وعمل يحتاج إلى دراية وتعلم، فهي ليست فعلا ساذجًا ولا شكلاً بسيطًا بل هي من نوع القضايا المركبة التي تقترن بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة هي الفتوى، إذًا فالفتوى منتج صناعي ناتج عن عناصر عدة منها الدليل ومنها الواقع والعلاقة بين الدليل بأطيافه المختلفة التي تدور حول النص وبين الواقع بتعقيداته. [1]
خطوات تشخيص الواقع وتكييف النوازل قبل إصدار الفتوى
ووجه كون الفتوى صناعة أن المفتي عندما ترد إليه نازلة يُقَلِّب النَّظَر أوَّلا في الواقع، وهو حقيقة الأمر المستفتى فيه إن كان عقداً من العقود المستجدة كيف نشأ وما هي عناصره المكونة له كعقود التأمين والإيجار المنتهي بالتمليك مثلا والديون المترتبة في الذمة في حالة التضخم فبعد تشخيص العقد وما يتضمنه عندئذ يبحث عن الحكم الشرعي الذي ينطبق على العقد إن كان بسيطاً وعلى أجزائه إن كان مركبًا مستعرضًا الأدلة على الترتيب من نصوص وظواهر إن وجدت و إلا فاجتهاد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان إنها عملية مركبة وصنعة بالمعنى الآنف وباختصار فإن مرحلة التشخيص والتكييف للموضوع مرحلة معقدة وكذلك مرحلة تلمس الدليل في قضايا لا نص بخصوصها ولا نظير لها لتلحق به. [2]
خطورة منصب الإفتاء في كلام الإمام النووي والسلف
تحذير العلماء من الإقدام على الفتوى:
ولشدة خطر الفتاوى وقلة المتأهلين إليها حذر سلفنا الصالح من العلماء من الإقدام على الفتوى، وننقل في ذلك كلام الإمام النووي حيث يقول::
« اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ؛ ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى، وروينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم. »
تورع الصحابة والتابعين عن الفتوى وكثرة قول لا أدري
وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة نذكر منها أحرفا تبركا، وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: ما منهم من يحدث بحديث، إلا ود أن أخاه كفاه إياه. ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. وعن ابن مسعود وابن عباس من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.
وعن الشعبي والحسن وأبي حصين بفتح الحاء التابعيين قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر.
وعن عطاء بن السائب التابعي: أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد، وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان: إذا أغفل العالم ( لا أدري ) أصيبت مقاتله. وعن سفيان بن عيينة وسحنون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما. وعن الشافعي وقد سئل عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال:
حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب.
ذم الحرص على الفتيا وحديث النهي عن سؤال الإمارة
وعن الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول: لا أدري، وذلك فيما عرف الأقاويل فيه. وعن الهيثم بن جميل: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وعن مالك أيضا: أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب. وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف.
وقال الشافعي: ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا. وقال أبو حنيفة: لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعلي الوزر. وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة. قال الصيمري والخطيب: قل من حرص على الفتيا، وسابق إليها، وثابر عليها، إلا قل توفيقه، واضطرب في أموره. وإن كان كارها لذلك، غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة، وأحال الأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه أغلب.
واستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
«لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» [3].
الشروط السلبية للمفتي وعدم اشتراط الذكورة أو الحواس
شروط المفتي:
الشروط السلبية:
هناك شروط سلبية لا يجب توافرها، والشروط السلبية كثيرة، ونعلم أنه ليس من المنطقي أن يقال من الشروط (لا يشترط كذا) فعدم توافر الشرط لا يحتاج أن ينص عليها، ولكن نذكر تلك الأمور خاصة لأننا في عصر اشتبه على الناس كثير من الأمور، مما ألزمنا التنبيه عليها فمن هذا:
-
لا يشترط في المفتي الذكورية إجماعًا. فتصح فتيا المرأة.
-
لا يشترط النطق اتفاقا، فتصح فتيا الأخرس ويفتي بالكتابة أو بالإشارة المفهمة
-
لا يشترط البصر، اتفاقًا فتصح فتيا الأعمى، وصرح به المالكية.
-
أما السمع، فقد قال بعض الحنفية: إنه شرط فلا تصح فتيا الأصم وهو من لا يسمع أصلا، وقال ابن عابدين: لا شك أنه إذا كتب له السؤال وأجاب عنه جاز العمل بفتواه، إلا أنه لا ينبغي أن ينصب للفتوى، لأنه لا يمكن كل أحد أن يكتب له، ولم يذكر هذا الشرط غيرهم.
الإسلام والعقل والبلوغ والعلم كأصول شروط المفتي
أما الشروط التي يجب توافرها في المفتي:
-
الإسلام: فلا تصح فتيا غير المسلمين.
-
العقل: فلا تصح فتيا المجنون.
-
البلوغ: وهو أن يبلغ من يفتي الحلم من الرجال، والمحيض من النساء، أو يبلغ 15 عامًا أيهما أقرب، لأنه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة.
-
العلم: الإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن إضلال الناس، وهو من الكبائر، لقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]
فقرنه بالفواحش والبغي والشرك، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» [4].
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» [5].
اشتراط التخصص العلمي وعدم كفاية رواية الحديث للإفتاء
- التخصص: ونعني به أن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة، وله دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش، ويمكن أن يعبر عن التخصص في العصر الحديث بالحصول على الدراسات العليا من جامعات معتمدة في علوم الشريعة، وإن كان هذا الشرط هو مقتضى شرط العلم والاجتهاد، فإن العلم بالفقه والاجتهاد فيه يقتضي التخصص. لأنه لابد أن يفتي الفقهاء، فلا يصح أن يفتي المحدثون ممن لم يشتغلوا بالفقه.
قال الإمام الزركشي في هذا المعنى:
« وكل ما تتعلق به الأحكام فليس ذلك من شأن المفسر، بل من وظيفة الفقهاء والعلماء. وما يتعلق بالوعظ والقصص والوعد والوعيد فيقبل من المفسرين. والرابع - سنن الرسول: لا يقبل من المحدثين ما يتعلق بالأحكام، لأنه يحتاج إلى جمع وترتيب، وتخصيص وتعميم وهم لا يهتدون إليه. وقد حكي عن بعض أكابر المحدثين أنه سئل عن امرأة حائض، هل يجوز لها أن تغسل زوجها ؟
فقال لهم: انصرفوا إلى سويعة أخرى، فانصرفوا وعادوا ثانيا وثالثا حتى قال من كان يتردد إلى الفقهاء: أليس أيها الشيخ رويت لنا عن عائشة: «أنها غسلت رأس الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حائض ؟ فقال: الله أكبر، ثم أفتى به. انتهى» [6].
حدود التخصص الجزئي للفقيه في أبواب معينة من الفقه
ويمكن أن يتخصص الفقيه الذي يفتي في باب في الفقه دون الآخر، ولقد أوضح ذلك الزركشي بقوله:
« فأما إذا علم المفتي جنسًا من العلم بدلائله وأصوله وقصر فيما سواه، كعلم الفرائض وعلم المناسك، لم يجز له أن يفتي في غيره. وهل يجوز له أن يفتي فيه ؟ قيل: نعم، لإحاطته بأصوله ودلائله. ومنعه الأكثرون: لأن لتناسب الأحكام وتجانس الأدلة امتزاجا لا يتحقق إحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها» [7].
اشتراط العدالة وترك خرم المروءة في المفتي
- العدالة: والعدل هو من ليس بفاسق وليس مخروم المروءة، وخرم المروءة تعني الخروج عن عادات الناس فيما ينكر ويستهجن، كأن يسير في الطريق حافيًا مثلاً، أو غير ذلك من السلوكيات التي تستهجن في المجتمع، فلا تصح فتيا الفاسق عند جمهور العلماء، لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق نفسه فإنه يعلم صدق نفسه. وثبت الخلاف بين الفقهاء في فتيا الفاسق.
بلوغ مرتبة الاجتهاد كشرط عظيم في المفتي
- الاجتهاد: وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة، وليس المقصود هو أن يبذل العالم جهدًا ملاحظًا قبل كل فتوى، وإنما المقصود بلوغ مرتبة الاجتهاد، والتي قال الشافعي عنها فيما رواه عنه الخطيب: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي [8].
وإن كان الزركشي ذكر أن شرط الاجتهاد يعني أيضا بذل المجهود في المسألة حيث نقل ذلك فقال:
« وقال ابن السمعاني: المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط -وذكر- الاجتهاد، والعدالة، والكف عن الترخص» [9].
جودة القريحة والتصور المبدع في ملكة الاجتهاد الفقهي
- جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، وهذا يحتاج إلى حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد أن يتخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده، ويفوق أقرانه، فهو يشبه ما يعرف في دراسات علم النفس بالتصور المبدع، أو الخيال الخلاق (creative imagination)، وفى هذا المعنى نرى نقولَ الأئمة التى تؤكد هذا منها: أ- قال ابن برهان: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة مجتهد واحد، خلاف لطائفة. وعمدة الخصم أن عدد التواتر من المجتهدين إذا اجتمعوا على مسألة كان انفراد الواحد عنهم يقتضى ضعفا فى رأيه، قلنا: ليس بصحيح، إذ من الممكن أن يكون ما ذهب إليه الجميع رأيا ظاهرا تبتدر إليه الأفهام، وما ذهب إليه الواحد أدق وأعوص، وقد يتفرد الواحد عن الجميع بزيادة قوة فى النظر، ومزية فى الفكر، ولهذا يكون في كل عصر متقدم في العلم، يفرع المسائل، ويولد الغرائب» [10].اهـ
- •قال الغزالي في كتاب حقيقة القولين: وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين فى نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسئلة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث فى كل واقعة عجز عنه، ولم تخطر بقلبه تلك الصور أصلا، وإنما ذلك شأن المجتهدين اهـ [11].
الذكاء الفقهي والتصور المبدع كأدوات حديثة للاجتهاد
ولا يخفى أن التصور المبدع له الآن علوم قائمة بذاتها تُدرب الإنسانَ على الوصول إليه، ويتعلمها الساسة وأصحاب اتخاذ القرار في الغرب. وهو علم ينبغي أن يضاف في أسسه إلى أصول الفقه، حيث إنه وسيلة للاجتهاد خاصة في عصرنا الحاضر، ولذلك كله لا تصلح فتيا الغبي، ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق الحكم، قال النووي: شرط المفتي كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط [12].
الفطانة والتيقظ ومعرفة حيل الناس في عمل المفتي
- الفطانة والتيقظ: يشترط في المفتي أن يكون فطنًا متيقظًا ومنتبهًا بعيدًا عن الغفلة، قال ابن عابدين « (قوله: وشرط بعضهم تيقظه) احترازا عمن غلب عليه الغفلة والسهو، قلت: وهذا شرط لازم في زماننا، فإن العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتي استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله أفتاني المفتي، بأن الحق معي والخصم جاهل لا يدري ما في الفتوى، فلا بد أن يكون المفتي متيقظًا يعلم حيل الناس ودسائسهم» [13].
وقال ابن القيم:
« ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم، يوازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم ؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها» [14].
هذه جملة من الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المفتي، وهناك خصال أخرى ينبغي أن يتحلى بها المفتي، وهذه الخصال تسمى آدابًا، وفيما يلي نعرض لها.
آداب المفتي عند الإمام أحمد وأساس الإخلاص في الفتيا
ثانيا: آداب المفتي:
ينبغي أن يتحلى المفتي بكثير من الآداب، ولأن تلك الآداب غير محصورة كالشروط نذكر جملة منها بالنقل عن الأئمة والعلماء، فمن ذلك ما نبه عليه الإمام أحمد من أمور، فقال:
«لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس » [15].
حسن الزي والسيرة العملية وضرورة عمل المفتي بفتواه
كما ينبغي عليه أن يحسن زيه، مع التقيد بالأحكام الشرعية في ذلك، فيراعي الطهارة والنظافة، واجتناب الحرير والذهب والثياب التي فيها شيء من شعارات الكفار، ولو لبس من الثياب العالية لكان أدعى لقبول قوله؛ ولأن تأثير المظهر في عامة الناس لا ينكر، وهو في هذا الحكم كالقاضي.
كما ينبغي عليه أن يحسن سيرته، بتحري موافقة الشريعة في أفعاله وأقواله، لأنه قدوة للناس في ما يقول ويفعل، فيحصل بفعله قدر عظيم من البيان، لأن الأنظار إليه مصروفة، والنفوس على الاقتداء بهديه موقوفة.
فعليه أن يكون عاملا بما يفتي به من الخير، منتهيا عما ينهى عنه من المحرمات والمكروهات، ليتطابق قوله وفعله، فيكون فعله مصدقا لقوله مؤيدا له، فإن كان بضد ذلك كان فعله مكذبا لقوله، وصادا للمستفتي عن قبوله والامتثال له، لما في الطبائع البشرية من التأثر بالأفعال، ولا يعني ذلك أنه ليس له الإفتاء في تلك الحال، إذ ما من أحد إلا وله زلة، كما هو مقرر عند العلماء أنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مؤتمرا منتهيا، وهذا ما لم تكن مخالفته مسقطة لعدالته، فلا تصح فتياه حينئذ.
ترك الإفتاء حال الغضب والاضطراب النفسي اقتداء بالقضاء الشرعي
كما يراعي أن لا يفتي حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو تغير خلق، أو كان في حال نعاس، أو مرض شديد، أو حر مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة الأخبثين ونحو ذلك من الحاجات التي تمنع صحة الفكر واستقامة الحكم، لأنه الفتوى تبليغ حكم شرعي، فهو كالحكم بين الناس، فيستمع لنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ يقول:
«لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» [16]
فإن حصل له شيء من ذلك وجب عليه أن يتوقف عن الإفتاء حتى يزول ما به ويرجع إلى حال الاعتدال.
فإن أفتى في حال انشغال القلب بشيء من ذلك في بعض الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب صحت فتياه وإن كان مخاطرا لكن قيده المالكية بكون ذلك لم يخرجه عن أصل الفكر. فإن أخرجه الدهش عن أصل الفكر لم تصح فتياه قطعا وإن وافقت الصواب.
أدب التشاور مع العلماء وحفظ أسرار المستفتين
ومن الآداب التشاور فإن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب تساميًا بنفسه عن المشاورة، وعلى هذا كان الخلفاء الراشدون، وخاصة عمر رضي الله عنه، فالمنقول من مشاورته لسائر الصحابة أكثر من أن يحصر، ويرجى بالمشاورة أن يظهر له ما قد يخفى عليه، وهذا ما لم تكن المشاورة من قبيل إفشاء السر
ومن الآداب حفظ الأسرار، فإن المفتي كالطبيب يطلع من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيره، وقد يضر بهم إفشاؤها أو يعرضهم للأذى فعليه كتمان أسرار المستفتين، ولئلا يحول إفشاؤه لها بين المستفتي وبين البوح بصوره الواقعة إذا عرف أن سره ليس في مأمن.
مراعاة أحوال المستفتي وتقديم الأنفع له في الجواب
كما ينبغي للمفتي مراعاة أحوال المستفتي، ولذلك وجوه، منها:
- •
إذا كان المستفتي بطيء الفهم، فعلى المفتي الترفق به والصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه.
- •
إذا كان بحاجة إلى تفهيمه أمورا شرعية لم يتطرق إليها في سؤاله، فينبغي للمفتي بيانها له زيادة على جواب سؤاله، نصحا وإرشادا، وقد أخذ العلماء ذلك من حديث أن بعض الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، فقال:
«هو الطهور ماؤه الحل ميتته» [17]
وللمفتي أن يعدل عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[البقرة:215].
فقد سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن المنفق فأجابهم بذكر المصرف إذ هو أهم مما سألوا عنه.
ترك ما لا يعني السائل ومراعاة طاقة العقول في تلقي الفتوى
- •
أن يسأله المستفتي عما هو بحاجة إليه فيفتيه بالمنع، فينبغي أن يدله على ما هو عوض منه، كالطبيب الحاذق إذا منع المريض من أغذية تضره يدله على أغذية تنفعه.
- •
أن يسأل عما لم يقع، وتكون المسألة اجتهادية، فيترك الجواب إشعارا للمستفتي بأنه ينبغي له السؤال عما يعنيه مما له فيه نفع ووراءه عمل، قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم وقال ابن عباس لعكرمة:
«أخرج يا عكرمة فأفت الناس، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عن نفسك الناس» [18]
وكذلك يترك الجواب وجوبًا إذا كان عقل السائل لا يحتمل الإجابة لقول علي رضي الله عنه:
«حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟» [19]
وقال ابن مسعود:
«ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» [20].
التيسير المنضبط في الفتوى وقاعدة من ابتلي بشيء مختلف فيه
ومن الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المفتي، والتي قد تصل إلى الشروط في أيامنا هذه، التيسير على الناس، وإدخالهم في دين الله، وإلقاء الستر عليهم، والعمل على جعل الناس متبعين لقول معتبر في الشرع، فذلك خير لهم من تركهم للدين بالكلية، وإيقاعهم في الفسق، مما يعد صدا عن سبيل الله من حيث لا يشعر العالم.
وهذا التيسير ليس هو ما نهوا عنه من تتبع الرخص بصورة فيها تفلت عن شرع الله، والفرق بينهما دقيق قد لا يلتفت إليه كثير من الناس.
إذن فالمقصد الأساسي الذي يسعى لتحقيقه المفتي هو إحداث آلية شرعية للتعامل مع التراث الفقهي الإسلامي؛ بحيث لا تخرج عنه ولا يكون عائقا للمسلم المعاصر، وأن ذلك لا ينبغي الإنكار عليه لأن الرأي الذي سينتهي إليه محل خلاف، وأساس هذا:
قاعدة من ابتلي بشيء مما اختلف فيه فليقلد من أجاز: وأصلها قول الشيخ العلامة الشرواني [21]:
«لمن ابتلي بشيء من ذلك كما يقع كثيرًا تقليدًا ما تقدم ليتخلص من الحرمة»
تعريف التيسير عند ابن أمير الحاج وخاتمة في شروط وآداب الفتوى
والتيسير الذي نقصده هو ما نقل تعريفه ابن أمير الحاج حيث قال:
«أي أخذه من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل (ولا يمنع منه مانع شرعي إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن عمل بآخر فيه).
وقال أيضا: والغالب أن مثل هذه إلزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص, وإلا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه وأنا لا أدري ما يمنع هذا من العقل والسمع وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه (وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عليه)» [22].
ولعل بهذا العرض قد اتضحت حقيقة الفتوى، وفضلها، وشروط المفتي، وآدابه، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الذي يميز الفتوى عن الفعل البسيط وفق تعريف العلماء؟
أنها قضية مركبة تقترن بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة
ما الخطوة الأولى التي يقوم بها المفتي عند ورود نازلة جديدة إليه؟
تقليب النظر في الواقع وتشخيص حقيقة الأمر المستفتى فيه
ما الوصف الذي أطلقه الإمام النووي على المفتي من حيث علاقته بالأنبياء؟
وارث الأنبياء
ما الذي قاله ابن مسعود وابن عباس عمن يفتي عن كل ما يُسأل؟
إنه مجنون
كم مسألة سُئل عنها الإمام مالك في إحدى الروايات فقال في أكثرها لا أدري؟
ثمانية وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين لا أدري
ما حكم فتوى المرأة في الإسلام وفق ما أجمع عليه العلماء؟
تصح إجماعاً
ما الحكم الشرعي للإفتاء بغير علم وفق الآية الكريمة في سورة الأعراف؟
من الكبائر المقرونة بالفواحش والبغي والشرك
لماذا لا يصح أن يفتي المحدث في الأحكام الفقهية وفق ما ذكره الزركشي؟
لأن الأحكام تحتاج إلى جمع وترتيب وتخصيص وتعميم لا يهتدي إليه المحدث
ما موقف أكثر العلماء من إفتاء الفقيه المتخصص في باب معين كالفرائض في غيره من الأبواب؟
منعه الأكثرون لأن الأحكام متناسبة لا يُحكم بعضها إلا بمعرفة جميعها
ما الشرط الذي وصفه ابن عابدين بأنه لازم في زمانه بسبب استطالة أصحاب الفتاوى على خصومهم؟
شرط التيقظ والفطانة
ما الخصلة الأولى من الخصال الخمس التي ذكرها الإمام أحمد كشرط لمن ينصب نفسه للفتيا؟
النية إذ بدونها لا يكون على كلامه نور
ما الحكم إذا أفتى المفتي في حال غضب شديد أخرجه عن أصل الفكر وفق المالكية؟
لم تصح فتياه قطعاً وإن وافقت الصواب
ما الأساس الذي استند إليه العلماء في استحباب التوسع في الجواب بما لم يسأل عنه المستفتي؟
حديث الوضوء بماء البحر حين أجاب النبي بطهوريته وحل ميتته
ما ضابط التيسير الفقهي المنضبط الذي ذكره ابن أمير الحاج؟
أخذ الأهون من كل مذهب فيما يقع إذا لم يمنع منه مانع شرعي ولم يكن عمل بآخر فيه
ما الذي قاله سفيان بن عيينة وسحنون عن العلاقة بين الجرأة على الفتيا والعلم؟
أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً
ما المقصود بفوضى الفتاوى التي أحدثها التيار المتشدد؟
هي حالة ناجمة عن استغلال المتشددين غير المؤهلين للانفتاح الإعلامي وتخصيص قنوات لبث فتاواهم، مما جعل المسلم يسمع الفتوى من كل مكان دون ضبط أو تأهيل.
لماذا وصف العلماء الفتوى بأنها صناعة؟
لأنها تركيب وعمل يحتاج إلى دراية وتعلم، وهي منتج ناتج عن عناصر عدة منها الدليل بأطيافه ومنها الواقع بتعقيداته والعلاقة بينهما.
ما المرحلتان الأساسيتان في عملية الإفتاء؟
مرحلة تشخيص الواقع وتكييف النازلة، ثم مرحلة تلمس الدليل الشرعي المناسب من نص أو قياس أو استصلاح أو استحسان.
ما معنى قولهم إن المفتي موقع عن الله تعالى؟
يعني أن المفتي يُصدر أحكاماً تُنسب إلى الشريعة الإلهية، فهو كالوكيل عن الله في بيان حكمه، مما يجعل منصبه بالغ الخطورة والمسؤولية.
كيف كان الصحابة يتعاملون مع الفتوى حين يُسألون؟
كانوا يتدافعونها فيردها أحدهم إلى الآخر حتى ترجع إلى الأول، وكان كل منهم يود أن يكفيه أخوه الفتيا.
ما الذي قاله الإمام مالك حين وُصفت مسألة بأنها خفيفة سهلة؟
غضب وقال ليس في العلم شيء خفيف، مؤكداً أن كل مسألة شرعية تستحق التأمل والتروي قبل الإجابة.
ما حكم فتوى الأخرس وكيف يُفتي؟
تصح فتيا الأخرس اتفاقاً، ويُفتي بالكتابة أو بالإشارة المفهمة.
ما الحديث النبوي الذي يصف خطر الإفتاء بغير علم على الأمة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
ما المقصود بالتخصص كشرط في المفتي في العصر الحديث؟
يُعبر عنه بالحصول على الدراسات العليا من جامعات معتمدة في علوم الشريعة مع دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش.
ما المقصود بخرم المروءة الذي يُسقط شرط العدالة في المفتي؟
هو الخروج عن عادات الناس فيما ينكر ويستهجن، كالسير في الطريق حافياً أو غير ذلك من السلوكيات التي تستهجن في المجتمع.
ما الشروط التي وضعها الشافعي لمن يحق له الإفتاء في الحلال والحرام؟
أن يكون عارفاً بكتاب الله ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وبصيراً بحديث رسول الله، وبصيراً باللغة والشعر، ومشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة.
ما علاقة جودة القريحة بالتصور المبدع في علم النفس الحديث؟
جودة القريحة تشبه ما يُعرف بالتصور المبدع أو الخيال الخلاق، وهي علوم قائمة بذاتها تُدرّب عليها الساسة وأصحاب القرار، وينبغي إضافتها إلى أصول الفقه.
لماذا يجب على المفتي حفظ أسرار المستفتين؟
لأن المفتي كالطبيب يطلع على أسرار الناس وعوراتهم، وإفشاؤها قد يضر بهم أو يعرضهم للأذى، ولئلا يحول إفشاؤه بين المستفتي وبين البوح بصورته الواقعية.
ما قاعدة من ابتلي بشيء مما اختلف فيه وما أساسها؟
هي أن من ابتلي بشيء مما اختلف فيه العلماء فليقلد من أجاز ليتخلص من الحرمة، وأساسها قول الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج.
ما الفرق بين التيسير المنضبط وتتبع الرخص المذموم؟
التيسير المنضبط هو إدخال الناس في الدين وجعلهم متبعين لقول معتبر في الشرع، أما تتبع الرخص المذموم فهو أخذها بصورة فيها تفلت عن شرع الله، والفرق بينهما دقيق.