اكتمل ✓
الفصل 28

كيفية صلاة الاستخارة الصحيحة وماذا يقرأ فيها وكيف أعرف نتيجتها وهل يشترط الحلم بعدها؟

صلاة الاستخارة ركعتان من غير فريضة، يُقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص، ثم يُدعى بدعاء الاستخارة المأثور. لا يُشترط بعدها رؤيا منامية، بل العلامة الشرعية هي انشراح الصدر لأحد الأمرين فعلاً أو تركاً. فإن لم ينشرح الصدر كُررت الصلاة والدعاء، فإن تعذّر التأخير شرع فيما تيسّر فإن فيه الخير إن شاء الله.

15 دقيقة قراءة
  • هل يشترط أن يرى المستخير رؤيا منامية بعد صلاة الاستخارة حتى تصح استخارته؟ الجواب: لا، ولم يرد هذا الاشتراط عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في كلام العلماء المعتبرين.

  • صلاة الاستخارة الصحيحة ركعتان يُقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة الكافرون ثم الإخلاص، ثم يُدعى بالدعاء المأثور الوارد في صحيح البخاري عن جابر.

  • علامة الاستخارة الشرعية هي انشراح الصدر لأحد الأمرين فعلاً أو تركاً، خالياً من هوى النفس وميلها السابق، وهو ما أجمع عليه جمهور العلماء كالنووي والغزالي وابن حجر.

  • إن لم ينشرح الصدر بعد الاستخارة الأولى فيُكرَّر الصلاة والدعاء حتى ينشرح، فإن تعذّر التأخير شرع فيما تيسّر فإن فيه الخير إن شاء الله.

  • استخارة المنام واستخارة السبحة والمصحف والفنجان والكوتشينة كلها بدع لم تَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرّح العلماء بكراهتها وأنها نوع من الطيرة.

  • الرؤيا والإلهام لا يُحتجّ بهما في إنشاء الأحكام الشرعية، ولا يعمل بهما إلا الشخص في خاصة نفسه ما لم يعارضهما دليل شرعي معروف.

نفي اشتراط الرؤيا المنامية بعد صلاة الاستخارة وبيان منهج الشارع

وقد اشتهر ذلك بين العامة، وكثير من الخاصة، أنه لا بد من رؤيا منامية بعد الاستخارة.

واشتراط ذلك لم يرد عن الشارع صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا وقع اعتباره فى كلام أحد من العلماء المعروفين، ولا هو من شأن الشارع فى نظائره، فلم يعلق الشارع أمرا على رؤيا قط، رغم ما ورد عنه فى شأن الرؤيا الصالحة، وأنها من أجزاء النبوة، ومع ذلك لم يعلق عليها حكما.

ولهذا اقتصر العلماء فى الاستخارة على بيان أدبها، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى الحديث الذى أخرجه البخارى فى صحيحه عن جابر (فتح البارى 11/185).

بيان أقوال العلماء:

وصف الإمام الغزالي لكيفية صلاة الاستخارة وعدم ذكر الرؤيا بعدها

  1. فمن هؤلاء الإمام الغزالى فى الإحياء فقال:

" فمن هم بأمر وكان لا يدرى عاقبته، ولا يعرف أن الخير فى تركه أو فى الإقدام عليه، فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأن يصلى ركعتين، يقرأ فى الأولى فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وفى الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد، فإذا فرغ دعا وقال... "

فذكر الدعاء المشهور، ولم يذكر شىء فى ما يفعل بعد الاستخارة.

منهج الإمام النووي في المضي لما ينشرح له الصدر بعد الاستخارة

  1. وقال الإمام النووى فى الأذكار :

" وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره ".

وقال فى شرح المهذب :

"ثم ينهض بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره".

وقال أيضا فى الإيضاح فى مناسك الحج: " إذا عزم على الحج فينبغى أن يستخير الله تعالى، وهذه الاستخارة لا تعود إلى نفس الحج، فإنه خير لا شك، وإنما تعود إلى وقته، فمن أراد الاستخارة يصلى ركعتين من غير فريضة، ثم يقول: اللهم إنى أستخيرك... - فذكر الدعاء - ثم قال: ويستحب أن يقرأ فى هذه الصلاة بعد الفاتحة فى الركعة الأولى {قل يا أيها الكافرون}، وفى الثانية {قل هو الله أحد}، ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره " .

اختلاف العلماء في التصرف بعد الاستخارة ونقد الاعتماد على الهوى

  1. وقال الحافظ : " واختلف فيما يفعل المستخير بعد الاستخارة، فقال ابن عبد السلام: يفعل ما اتفق. وقال النووى فى الأذكار: يفعل بعد الاستخارة، ما ينشرح به صدره.

قال الحافظ: ويستدل له بحديث أنس عند ابن السنى:

"إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبعا، ثم انظر إلى الذى يسبق فى قلبك فإن الخير فيه".

قال الحافظ: وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واه جدا ، والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح له صدره مما كان له فيه هوى قوى قبل الاستخارة ".

تكرار صلاة الاستخارة عند ابن علان وحكم عدم انشراح الصدر

  1. وقال ابن علان شارحا على كلام النووى فى الأذكار :

" قوله: (فإذا استخار...) الخ: فإن لم ينشرح صدره لشىء فالذى يظهر أن يكرر الاستخارة بصلاتها، ودعائها، حتى ينشرح صدره لشىء... ولو فرض أنه لم ينشرح صدره لشىء وإن كرر الصلاة، فإن أمكن التأخر أخّر، وإلا شرع فيما يسر له، فإنه علامة الإذن والخير إن شاء الله تعالى ".

تفصيل ابن حجر حول تكرار الاستخارة ومجاهدة النفس قبلها

  1. وقال ابن حجر الفقيه شارحا كلام النووى المتقدم فى الإيضاح: " (قوله ثم ليمضى) أى فإن لم ينشرح صدره لشىء، فالذى يظهر أن يكرر الاستخارة بصلاتها، ودعائها، حتى ينشرح صدره لشىء، وإن زاد على السبع، والتقييد بها فى خبر أنس " إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذى سبق إلى قلبك، فإن الخير فيه " لعله جرى على الغالب؛ إذ انشراح الصدر لا يتأخر عن السبع، على أن الخبر إسناده غريب كما فى الأذكار.

ومن ثم قيل: الأولى قول ابن عبد السلام أنه يفعل بعدها ما أراد، إذ الواقع بعدها هو الخير.

ويؤيده أن فى خبر أقوى من ذلك بعد دعائها:

" ثم يعزم "

أى: على ما استخار عليه.

وفيه نظر؛ إذ ما ألقى فى النفس نوع من الإلهام الموافق للشرع، فاعتماده والتعويل عليه أولى، ومن ثم لم يعتد بانشراح نشأ عن هوى، أو ميل إلى الفعل قبل الاستخارة. وقد قال ابن جماعة: ينبغى أن يكون قد جاهد نفسه حتى لم يبق لها ميل إلى فعل ذلك الشىء، ولا تركه، ليستخير الله تعالى، وهو مسلم له، فإن تسليم القياد مع الميل إلى أحد القسمين خيانة فى الصدق، وأن يكون دائم المراقبة لربه سبحانه وتعالى من أول صلاة الاستخارة إلى آخر دعائه، فإن من التفت عن ملك يناجيه حقيق بطرده، ومقته، وأن يقدم على ما انشرح له صدره، فإن توقفه ضعف وثوق منه بخيرة الله له. اهـ كلام ابن جماعة.

خلاصة ابن حجر في العمل بعد الاستخارة عند تعذر الانشراح

قال ابن حجر: ولو فرض أنه لم ينشرح صدره لشىء وإن كرر الصلاة، فإن أمكن التأخير أخر، وإلا شرع فيما يسر له، فإنه علامة الإذن والخير إن شاء الله تعالى. انتهى المراد من كلام ابن حجر فى حاشية الإيضاح .

تعريف ابن حجر لصلاة الاستخارة في شرحه على المقدمة الحضرمية

  1. وقال ابن حجر فى شرحه على المقدمة الحضرمية :

" وصلاة الاستخارة أى طلب الخيرة فيم يريد أن يفعله... ويمضى بعدها لما ينشرح له صدره ".

تعليق الشيخ الكردي على الاستخارة وتكرارها حتى الانشراح

  1. وقال الشيخ الكردى محشيا عليه :

" فى حاشية الإيضاح للشارح، وشرحه للجمال الرملى، والعبارة للرملى: فإن لم ينشرح لشىء كرر الاستخارة بالصلاة والدعاء حتى ينشرح صدره لشىء... ولو فرض عدم انشراحه لشىء مع تكرر الصلاة: فإن أمكن التأخير أخره، وإلا شرع فيما تيسر له؛ لأنه علامة الإذن والخير ".

تلخيص الشيخ باعشن لتكرار الاستخارة وعلامة الخير في التيسير

  1. وقال الشيخ باعشن :

" ويكررها إلى أن ينشرح صدره لشىء، ثم يمضى فيما انشرح له صدره، فإن لم ينشرح أخّر إن أمكن، وإلا شرع فيما تيسر ففيه الخير إن شاء الله تعالى "،

انتهى المراد منه.

رأي الشيخ الشرقاوي في تكرار الاستخارة وانشراح الصدر الخالي من الهوى

  1. وقال الشيخ الشرقاوى :

" فإن انشرح صدره لشىء من أول مرة فعلاً أو تركاً، فذاك، وإلا كرر الصلاة والدعاء، أو الدعاء فقط إلى سبع مرات حتى ينشرح صدره، فإن لم ينشرح ووقع منه شىء كان ذلك هو الخير فى الواقع ببركة الاستخارة، والمراد انشراح خال عن هوى النفس، وميلها المصحوب بغرض ظاهر أو باطن يحمله على ذلك، أو يزينه القلب حتى يكون سببا لميله "

انتهى المراد منه.

تفسير الشنواني والبرماوي لمعنى أستخيرك بعلمك ونفي اشتراط النوم

وقال الشيخ محمد بن على الشنوانى الشافعى :

" قوله: (أستخيرك بعلمك)... أى أطلب منك انشراح صدرى لما هو خير لى فى علمك، فالإنسان لا يفعل بعد الاستخارة إلا ما انشرحت نفسه له... ولا يشترط أن تكون بنوم ".

وقال الشيخ البرماوى :

"... ويسمى حاجته ثم يقوم على الرجاء والخوف، فإن بدا له شرح صدر فعلها، وإلا فلا ويعيدها مرات حتى ينشرح صدره "

انتهى المراد منه.

تعريف الباجوري والدمياطي للاستخارة الشرعية وذم استخارة السبحة والنوم

وقال الشيخ الباجورى رحمه الله :

" صلاة الاستخارة أى طلب خير الأمرين وهى ركعتان... ثم يقوم على الرجاء والخوف، فإن انشرح صدره للفعل فعل، وإن انشرح صدره للترك ترك، وإن لم ينشرح لشىء أعادها حتى ينشرح صدره، فهذه هى الاستخارة الشرعية. وأما الاستخارة على نحو السبحة فبعضهم جوزها، وبعضهم منعها، ومنهم من يستخير فى النوم "

انتهى المراد منه، وهو يقتضى أن استخارة السبحة والنوم غير مشروعتين حيث جعلهما مقابلين للاستخارة الشرعية.

وقال الشيخ الدمياطى :

" ويسن ركعتان للاستخارة فى تعيين وقته، ويكررها إلى أن ينشرح صدره لشىء، ثم يمضى فيما انشرح له صدره، فإن لم ينشرح أخّر إن أمكن، وإلا شرع فيما تيسر ففيه الخير إن شاء الله تعالى "

انتهى المراد منه.

تحليل الجمل والسقاف لمعنى أستخيرك بعلمك والخلاف في انشراح الصدر

وقال الشيخ الجمل ، والشيخ السيد علوى السقاف أيضا وزاد عليه، قالا رحمهما الله:

"... قوله (أستخيرك بعلمك) قال الأجهورى فى شرح مختصر ابن أبى جمرة للبخارى: أى أطلب منك فعل ما هو خير لى فى علمك، أى أطلب منك إلهام شىء هو خير لى فى علمك، أى انشراح نفسى له، هذا على اعتبار هذا. وأما على عدمه، فالمعنى: أطلب منك فعل ما هو خير لى فى علمك، وذلك أنه اختلف بعد فعل الاستخارة هل يفعل ما انشرحت له نفسه، وهو ما ذكره العلامة خليل فى مناسكه فإنه قال: ثم ليمض بعد الاستخارة لما انشرحت له نفسه، وعليه صاحب المدخل وغير واحد، وهو الأظهر، أو ما يفعله بعد الاستخارة هو الخير، وإن لم تنشرح له نفسه، فإن فيه الخير، قال - يعنى الشيخ الأجهورى -: وليس فى الحديث اشتراط انشراح الصدر "

اهـ.

قال الشيخ الجمل والشيخ السقاف: والأول أظهر، وهذا الثانى للسبكى عن الزملكانى فإنه قال: كان الشيخ كمال الدين الزملكانى يقول: إذا استخار الإنسان ربه فى شىء فليفعل ما بدا له سواء انشرحت له نفسه أم لا، فإن فيه الخير، وليس فى الحديث اشتراط انشراح الصدر اهـ.... إلى هنا انتهى كلام الشيخ الجمل.

ترجيح تكرار الاستخارة ورفض الكيفيات المبتدعة عند السقاف

وزاد الشيخ السقاف:

"... ثم يمضى بعد ذلك - يعنى بعد الصلاة والدعاء- لما ينشرح له صدره... والذى يظهر أنه يكرر الاستخارة بصلاتها ودعائها حتى ينشرح صدره لشىء... ومن ثم قيل: الأولى قول ابن عبد السلام أنه يفعل بعدها ما أراد؛ إذ الواقع بعدها هو الخير، ويؤيده أنه ورد فى الخبر بعد دعائها: (ثم يعزم) أى على ما استخار عليه... ولو فرض أنه لم ينشرح صدره لشىء وإن كرر الصلاة فإن أمكن التأخير أخّر، وإلا شرع فيما يسر له فإنه علامة الإذن... وإذا تأملت كلامهم علمت عدم حصولها بالأولى بغير ما ورد من كيفيات شتى استحسنها بعض من لم يوفق لسنن الاتباع فعمل بها لنفسه ولغيره مؤثرا جادة الابتداع، فأنَّى له بحصول أربه، والانشراح بما هو الخير عنده تعالى فى غيبه مع أن المقام هنا بالاتباع أحرى لما فى ذلك من تطلب انشراح قلبى، وميل نفسى إلى أمر غيبى، أفيقوى العامل على حصول ذلك بغير طريقها المروى، كلا لو حصل الأرب بغيرها ما اشتدت عنايته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بتعليمها أصحابه كتعليمهم السورة من القرآن {إن هو إلا وحى يوحى} {علمه شديد القوى}، فتأمل بإنصاف، وتجنب مهاوى البدع والاعتساف، ثم رأيت ابن الحاج رحمه الله فى المدخل بسط الكلام على ذلك وأيد ما تقرر فالحمد لله على الموافقة ".

انتهى المراد منه بتصرف.

شرح الجرداني للمسلك الشرعي في الاستخارة وإنكار استخارة المنام

وقال الشيخ الجردانى :

" ثم بعد تمام الدعاء إن انشرح صدره للفعل فعل، وإن انشرح صدره للترك ترك، فإن لم ينشرح لشىء كرر الصلاة والدعاء، أو الدعاء فقط حتى ينشرح صدره لشىء. فلو فرض عدم انشراحه مع التكرار أخّر ما هو عازم على فعله إن أمكن، وإلا توكل على الله، وشرع فيما تيسر له، فيكون فيه الخير إن شاء تعالى... واعلم أن هذه هى الاستخارة الشرعية. قال العلامة الباجورى: وأما الاستخارة على نحو السبحة فبعضهم جوزها، وبعضهم منعها "

انتهى المراد منه.

وقال الشيخ محمد الحجار تعليقا عليه:

" وكذلك استخارة المنام ليست بواردة، ولا يجوز الاعتماد على المنامات، لأنه يغلب فيها التخليط، وحديث النفس، نعم يستأنس بالمنام لا غير، وما يفعل بعض العوام، ولاسيما النساء منهم، يقولون لبعض الأشياخ: بيت لى استخارة، فيجب تعليمهم، وتذكيرهم، وإرشادهم للسنة الصحيحة، التى ليس عليها غبار ".

بيان القاري والسهارنفوري والتهانوي والصاوي في ضوابط الاستخارة وبدعية المنام والسبحة

وقال الشيخ على القارى ، والشيخ السهارنفورى :

" ثم يمضى بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره انشراحا خاليا عن هوى النفس فإن لم ينشرح لشىء فالظاهر أنه يكرر الصلاة حتى يظهر له الخير، وإن كان الأمر عجلة فليقل: خِر لى، واختر لى، واجعل لى الخِيَرة ".

وقال التهانوى :

"... بأن يحصل اليقين وانشراح الصدر من غير شك ودغدغة، وهذا هو الأصل المعتبر فى الباب ".

وقال الإمام الصاوى فى حاشيته على الجلالين:

" قال العلماء: لا ينبغى لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا والآخرة حتى يسأل الله تعالى الخيرة فى ذلك، بأن يصلى ركعتين صلاة الاستخارة - ثم ذكر كيفيتها ثم قال -: واعلم أن هذه الكيفية هى الواردة فى الحديث الصحيح، وأما الاستخارة بالمنام أو المصحف أو السبحة، فليس واردا عن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولذا كرهه العلماء، وقالوا: إنه نوع من الطيرة " .

تحذير ابن الحاج من بدع الاستخارة وانتظار المنام والرجوع للمنجمين

ويقول ابن الحاج فى المدخل :

" وصفة الاستخارة الشرعية مشهورة معروفة، وهى ما رواه البخارى فى كتابه عن جابر بن عبد الله... وليحذر مما يفعله بعض الناس ممن لا علم عنده، أو عنده علم، وليس عنده معرفة بحكمة الشارع الشريف فى ألفاظه الجامعة للأسرار العلية؛ لأن بعضهم يختارون لأنفسهم استخارة غير الاستخارة المتقدمة الذكر، وهذا فيه ما فيه من اختيار المرء لنفسه غير ما اختاره له من هو أرحم به، وأشفق عليه من نفسه... وبعضهم يستخير الاستخارة الشرعية، ويتوقف بعدها حتى يرى مناما يفهم منه فعل ما استخار فيه أو تركه، أو يراه غيره له وهذا ليس بشىء؛ لأن صاحب العصمة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد أمر بالاستخارة والاستشارة لا بما يرى فى المنام، ولا يضيف إلى الاستخارة الشرعية غيرها؛ لأن ذلك بدعة، ويخشى من البدعة إذا دخلت فى شىء لا ينجح... ومن الناس من هو أسوأ حالا من هذا، وهو ما يفعله بعضهم من الرجوع إلى قول المنجمين والنظر فى النجوم إلى غير ذلك... "،

انتهى المراد من كلام ابن الحاج رحمه الله.

تقسيم خطاب السبكي للاستخارة وبيان استخارة النوم وأنواع الاستخارات المبتدعة

وقد اعتمد عليه الشيخ خطاب السبكى رحمه الله وهو أوسع من تتناول صلاة الاستخارة ، فقسم الاستخارة إلى قسمين:

  • الاستخارة المشروعة.

  • الاستخارة غير الشرعية.

ثم قال:

" والاستخارات المبتدعة كثيرة المذكور منها هنا سبع:

  1. استخارة النوم: يعملها صاحب الحاجة، أو يعملها له غيره بأن يقرأ الشخص شيئا من القرآن، ويدعو الله أن يريه فى منامه ما نواه أو يريه خضرة أو بياضا إن كان ما يقصده خيرا، ويريه حمرة أو سوادا إن كان ما يقصده لا خير فيه... "

ثم أخذ فى بيان بعض الكيفيات التى تشيع بين العامة من قراءة الفاتحة بعشر مرات أو أكثر، أو الصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أو قراءة سورة الإخلاص بأعداد مخصوصة.

ثم قال رحمه الله:

" وقد عكف على هذه الاستخارة خاصة الناس فضلا عن عامتهم، ورؤيا المؤمن الصادق وإن كانت لا تكاد تخطئ، فالاستخارة بواسطتها لم تشرع، وفيها عدول عن تعليم الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وعن الدعاء الجامع لخيرى الدنيا والآخرة، وهذا يتنافى مع كمال الإيمان، وحسن اليقين الذى يقتضى التخلى عن البدع، والتحلى بالسنن ".

ثم أخذ فى نقل كلام للشيخ الصاوى فى حاشية التفسير، كما نقل ابن الحاج السابق، ثم ذكر بقية أنواع الاستخارات غير المشروعة، ونذكرها إجمالا لعدم تعلق الغرض بها:

  1. استخارة السبحة.

  2. استخارة الفنجان.

  3. استخارة الورق (الكوتشينة).

  4. استخارة الرمل.

  5. استخارة الكف. "

انتهى المراد منه بتصرف واختصار واسع.

انتقاد الساعاتي لأنواع الاستخارة المبتدعة كالسبحة والقهوة والكوتشينة والمصحف

وقد ألف الشيخ الساعاتى رحمه الله رسالة فى المسألة سماها إرشاد القارى إلى الاستخارة من صحيح البخارى، ومما قاله فى المقدمة فى بيان الباعث على تأليفها :

" وقد ابتدع الناس للاستخارة أنواعا شتى لم يرد منها شىء فى كتاب الله ولا فى سنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولم ينقل عن أحد من علماء السلف ولا الخلف، وإنما هى بدع شيطانية سرت، واشتهرت بين عامة الناس، فمن تلك الأنواع: ما يقال له استخارة السبحة، ومنها استخارة كأس القهوة، ومنها استخارة لعبة الورق المشهورة باسم الكوتشينة، ومنها استخارة المصحف، ومنها استخارة التبييت إلى غير ذلك من الأمور التى ليس لها أصل فى الدين... ".

انتهى المراد من كلام الشيخ الساعاتى رحمه الله.

خلاصة أقوال العلماء في عدم اشتراط الرؤيا مع إشارة ابن عابدين لقول بعض المشايخ

والحاصل أن عامة كلام هؤلاء العلماء المتقدمين -ممن لم يتعرض للرؤيا- مقتضاه عدم اشتراط الرؤيا عقب الاستخارة، ولو كانت من علامات الاستخارة لذكروها.

وقد صرح أكثر من واحد منهم تصريحا واضحا بعدم اشتراط الرؤيا، بل وصرح بعضهم بأن اشتراطها بدعة.

وفى مقابل ما تقدم نجد ابن عابدين قد نقل عن شرح الشرعة بأن الرؤيا بعد الاستخارة هو المسموع من المشايخ، فقد عقد فى حاشيته المشهورة مطلبا فى ركعتى الاستخارة، ذكر فيه حديث جابر t، وطرفا من شرحه، وطرفا من كلام النووى فى الأذكار عليه ثم قال:

" وفى شرح الشرعة : المسموع من المشايخ أنه ينبغى أن ينام على طهارة، مستقبل القبلة بعد قراءة الدعاء المذكور، فإن رأى فى منامه بياضا، أو خضرة فذلك الأمر خير، وإن رأى فيه سوادا أو حمرة فهو شر ينبغى أن يجتنب "،

انتهى كلامُ شرح الشرعة، وكلامُ ابن عابدين، ولم يعقب الشيخ ابن عابدين عليه.

وتأمل قول صاحب شرح الشرعة (المسموع)، فإنه يفيد أن ذلك ليس منقولا ولا منصوصا فى كتب العلم، بل مما يتناقله السماع.

أصل شيوع اشتراط الرؤيا وتأثير روايات الشيعة المنسوبة لجعفر الصادق

الأصل فى شيوع ذلك بين العامة:

يبدو أن هذه الأمور قد تسربت إلى العامة عن طريق الشيعة، خاصة مع نسبتها إلى أحد الأعلام كجعفر الصادق t، إلا أنه لا يصح ذلك عنه من حيث السند.

فقد وقفنا على ذكر بعض هذه الأنواع فى وسائل الشيعة عن الصادق فذكر استخارة الإلهام والمصحف والسبحة والحصى، وصورتها على الترتيب:

" بأن يدخل الإنسان فى الصلاة فأى شىء وقع فى قلبه عمل به، لأن أبعد ما يكون عن الشيطان وهو فى الصلاة، أو يفتح مصحفا فأول ما يرى فيه فيأخذ به... أو يستخير الله تعالى فيقرأ الحمد عشر مرات، وإن أنزلناه عشر مرات ثم يقول: اللهم إنى أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور، وأستشيرك لحسن الظن بك فى المأمول، والمحذور اللهم إن كان الأمر الفلانى مما قد نيطت البركة بأعجازه وبواديه، وحفت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لى... ثم تقبض على قطعة من السبحة تضمر حاجة، فإن كان عدد القطعة زوجا فهو افعل، وإن كان فردا لا تفعل وبالعكس... ",

انتهى المراد منه.

وكل هذه الصورة لا دليل عليها، كما أنه لا يصح - على قاعدة المحدثين - نسبتها إلى الصادق رحمه الله.

فائدة في وظيفة الرؤيا والإلهام وعدم حجيتها في إنشاء الأحكام

فائدة فيما تفيده الرؤيا:

قال الشيخ عبد الله بن الصديق الغمارى (فى أحد خطاباته الخاصة( ":

"والمقرر عند العلماء كافة أن العمل والاحتجاج إنما يكون بالأدلة المقررة، أما الإلهام والرؤيا والاجتماع بالنبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإنما يعمل بها الشخص فى خاصة نفسه ما لم يعارضها دليل شرعى معروف، وقد رأى شخص النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى المنام يقول له: اذهب إلى محل كذا ففيه ركاز، خذه ولا خمس عليك، ووجد الركاز، وسأل العلماء، فأفتوه بإسقاط الخمس عنه، إلا عز الدين بن عبد السلام فأفتاه بوجوب الخمس عليه؛ لأنه واجب بالتواتر. وقال القرافى: من رأى النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى المنام يقول له: امرأتك طالق عليك، فلا طلاق يلزمه. قال السيد عبد الله رحمه الله: والسر فى ذلك عندى أن الذى يرى النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى المنام أو اليقظة لا يرى شخصه، لأن شخصه فى القبر الشريف، وبه يتعلق حكم الصحبة وبقية الأحكام، وإنما يرى مثاله، والمثال لا حكم له، إلا أنه من قبيل البشارة فقط، ولهذا فإن الأولياء الذين يرون النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقظة لا يكونون من الصحابة؛ لأنهم لم يروا جسمه الشريف، الذى به تتحقق الصحبة، وسائر الأحكام، وقد ميز الله قيمة رؤية الجسم الحقيقى حين أخبر أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية مرتين، بخلاف الأنبياء فإنهم رأوه على صورته المثالية، وهذا لا يخدش فى نبوتهم؛ لأن جبريل فى كلتا حالتيه حى، والنبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ميت، وجسمه فى قبره؛ فافترقا. هذا خلاصة رأى فى الموضوع فتأمله...",

انتهى كلامه رضى الله عنه، ونفعنا به فى الدارين.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما العلامة الشرعية التي تدل على نتيجة صلاة الاستخارة؟

انشراح الصدر لأحد الأمرين خالياً من الهوى

ماذا يقرأ المصلي في الركعة الأولى من صلاة الاستخارة بعد الفاتحة؟

سورة الكافرون

ماذا يقرأ المصلي في الركعة الثانية من صلاة الاستخارة بعد الفاتحة؟

سورة الإخلاص

ما موقف جمهور العلماء من اشتراط الرؤيا المنامية بعد صلاة الاستخارة؟

لا يشترطونها بل يعدّ بعضهم اشتراطها بدعة

ماذا يفعل المستخير إن لم ينشرح صدره بعد صلاة الاستخارة الأولى؟

يُكرّر الاستخارة بصلاتها ودعائها حتى ينشرح صدره

ماذا يفعل المستخير إن لم ينشرح صدره رغم تكرار الاستخارة وتعذّر التأخير؟

يشرع فيما تيسّر له فإن فيه الخير إن شاء الله

ما الشرط الذي ذكره ابن جماعة لصحة الاستخارة قبل أدائها؟

أن يجاهد نفسه حتى لا يبقى له ميل لفعل الشيء أو تركه

ما حكم استخارة السبحة والمصحف والمنام عند جمهور العلماء؟

بدعة مكروهة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم

ما الذي قاله الصاوي عن استخارة المنام والسبحة والمصحف؟

إنها نوع من الطيرة وكرهها العلماء

ما أصل شيوع اشتراط الرؤيا المنامية بعد الاستخارة بين العامة وفق ما ذكره العلماء؟

روايات منسوبة لجعفر الصادق في وسائل الشيعة لا تصح سنداً

ما معنى قول المستخير في دعاء الاستخارة: أستخيرك بعلمك؟

أطلب منك انشراح صدري لما هو خير لي في علمك

هل يجوز تكرار صلاة الاستخارة في اليوم الواحد؟

يجوز تكرارها حتى ينشرح الصدر ولو زاد على سبع مرات

ما الذي قاله ابن الحاج عمّن ينتظر المنام بعد الاستخارة الشرعية؟

إنه ليس بشيء وهو بدعة يُخشى منها عدم النجاح

ما الذي يُقرره العلماء بشأن حجية الرؤيا والإلهام في الأحكام الشرعية؟

يعمل بهما الشخص في خاصة نفسه فقط ما لم يعارضهما دليل شرعي

ما الذي أفتى به عز الدين بن عبد السلام في مسألة من رأى النبي في المنام يُسقط عنه الخمس؟

أفتى بوجوب الخمس عليه لأنه واجب بالتواتر

كم عدد ركعات صلاة الاستخارة؟

ركعتان من غير فريضة.

ما السورة التي تُقرأ في الركعة الأولى من صلاة الاستخارة بعد الفاتحة؟

سورة الكافرون.

ما السورة التي تُقرأ في الركعة الثانية من صلاة الاستخارة بعد الفاتحة؟

سورة الإخلاص.

ما علامة الاستخارة الشرعية التي أجمع عليها جمهور العلماء؟

انشراح الصدر لأحد الأمرين فعلاً أو تركاً، خالياً من هوى النفس وميلها السابق.

ما الذي يفعله المستخير إن لم ينشرح صدره بعد الاستخارة؟

يُكرّر الاستخارة بصلاتها ودعائها حتى ينشرح صدره لشيء.

ما الذي يفعله المستخير إن لم ينشرح صدره رغم التكرار وأمكن التأخير؟

يُؤخّر الأمر إن أمكن.

ما الذي يفعله المستخير إن لم ينشرح صدره وتعذّر التأخير؟

يشرع فيما تيسّر له فإنه علامة الإذن والخير إن شاء الله تعالى.

ما الشرط الذي ذكره ابن جماعة لصحة الاستخارة؟

أن يجاهد المستخير نفسه حتى لا يبقى له ميل لفعل الشيء أو تركه قبل الاستخارة، وأن يكون دائم المراقبة لربه من أول الصلاة إلى آخر الدعاء.

ما حكم الانشراح الناشئ عن هوى النفس وميلها السابق للاستخارة؟

لا يُعتدّ به، فالمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح له صدره مما كان له فيه هوى قوي قبل الاستخارة.

ما الذي قاله الباجوري عن استخارة السبحة والنوم؟

جعلهما مقابلاً للاستخارة الشرعية مما يقتضي أنهما غير مشروعتين.

ما الذي قاله الشيخ محمد الحجار عن استخارة المنام؟

إنها ليست واردة ولا يجوز الاعتماد على المنامات لأنه يغلب فيها التخليط وحديث النفس، ويُستأنس بالمنام لا غير.

ما الاستخارات المبتدعة التي عدّدها خطاب السبكي؟

استخارة النوم، واستخارة السبحة، واستخارة الفنجان، واستخارة الورق (الكوتشينة)، واستخارة الرمل، واستخارة الكف.

ما الذي قاله الساعاتي عن استخارة السبحة والقهوة والكوتشينة والمصحف؟

إنها بدع شيطانية لم يرد منها شيء في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولم يُنقل عن أحد من علماء السلف ولا الخلف.

ما أصل شيوع اشتراط الرؤيا المنامية بعد الاستخارة بين العامة؟

يبدو أنها تسرّبت عن طريق روايات منسوبة لجعفر الصادق في وسائل الشيعة، وهي لا تصح سنداً على قاعدة المحدثين.

هل يُحتجّ بالرؤيا والإلهام في إنشاء الأحكام الشرعية؟

لا، المقرر عند العلماء كافة أن العمل والاحتجاج إنما يكون بالأدلة المقررة، ويعمل بالرؤيا والإلهام الشخص في خاصة نفسه فقط ما لم يعارضهما دليل شرعي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!