اكتمل ✓
الفصل 10

ما أسرار مناسك الحج ومعنى الإحرام والوقوف بعرفة وما فضل الصلاة على النبي في طريق الحج؟

الحج هو أجمع العبادات الإسلامية إذ يضم الذكر والدعاء والصلاة على النبي والطواف والسعي والوقوف بعرفة. ومعنى الإحرام هو الانتقال من دائرة الحل إلى دائرة المنع ومن الإلف والعادة إلى العبادة. والوقوف بعرفة يستحضر في القلب اجتماع الأمم يوم القيامة ويوجب الضراعة والابتهال إلى الله. أما فضل الصلاة على النبي فهي وقاية وكفاية وشفاء تُقبل من كل أحد وتفتح أبواب الطاعة وتولّد حب رسول الله في القلوب.

20 دقيقة قراءة
  • هل تعلم أن السعي بين الصفا والمروة يصح بغير طهارة ويجوز للحائض والجنب أداؤه دون أن يبطل نسكهما؟

  • الحج أجمع العبادات الإسلامية إذ يضم الذكر والدعاء والصلاة والطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت في منظومة روحية متكاملة.

  • معنى الإحرام هو الانتقال من دائرة الحل إلى دائرة المنع ومن الإلف والعادة إلى العبادة مع التواضع وترك زي المترفين.

  • الوقوف بعرفة يستحضر في القلب مشهد اجتماع الأمم يوم القيامة ويوجب الضراعة والابتهال ورجاء الحشر في زمرة الفائزين.

  • فضل الصلاة على النبي أنها وقاية وكفاية وشفاء تُقبل من كل أحد مؤمناً كان أو فاسقاً وتفتح أبواب الطاعة وتولّد المحبة.

  • من علامات قبول الحج أن يعود الحاج زاهداً في المعاصي مشمئزاً منها لأن الحج يجعل صفحته بيضاء تأبى الذنب وتكرهه.

تمهيد عن أسرار مناسك الحج وتهذيب النفس عبر العبادات

وأسرار زيارة المدينة المنورة

وإذا أردت أن تقف علىٰ بعض من أسرار مناسك الحج، وما تنطوي عليه أعماله من تأديب لنفس العبد وتهذيب لها، حيث إن أهل الصدق مع الله تعالىٰ يضمون السر إلىٰ مبتداه، والباطن إلىٰ الظاهر، فتراهم يتأدبون في الوضوء كما أنهم يتأدبون في سائر العبادات، حتىٰ يصلوا إلىٰ الحج الأكبر الذي يضم كل العبادات في دين الإسلام، من ذكر، ودعاء، وصلاة علىٰ النبي ص وكفارات، ونذور، وصلاة، وقراءة، وأدعية وغير ذلك، ويضم إلىٰ ذلك كله التلبية، ويضم إلىٰ ذلك كله الطواف، والسعي، والوقوف، والرمي، والمبيت وغير ذلك من شعائر الإسلام.

سر التوجه إلى مكة وفضل البيت الحرام والنظر إلى الكعبة

والسر الأول في الحج أننا نتوجه إلىٰ مدينة مقدسة هي محل نظر الله، فيها الصلاة بمائة ألف صلاة، فيها بيت يستجاب الدعاء عنده، من تعلق بأستاره، أو وقف عند ملتزمه فإنه يكون مجاب الدعاء، بيت معظم، النظر إليه عبادة، فهذه أسرار لا يعرفها غير المسلم، والمسلم ينظر إليها ويقول: (النظر إلىٰ الكعبة عبادة) .

قدسية البيت الحرام ومضاعفة الأجر وبدء تقسيم الأعمال الظاهرة

إن هذا المكان مكان مقدس، يُستجاب فيه الدعاء، وتغفر فيه الذنوب، وهو عبادة في حد ذاته؛ لأن البيت الحرام محل لنظر الله تعالىٰ، والصلاة فيه وفعل الخيرات فيه بمائة ألف في غيرها، كل هذه أسرار نعرفها ونؤمن بها حتىٰ قبل الذهاب إليها، ثم اعلم أن الأعمال الظاهرة من أول السفر إلىٰ الرجوع جمل معلومة، وهي عدة جمل:

معنى السير في طريق الحج وربطه بالسير القلبي إلى الله

الجملة الأولى في السير:

والسير في الظاهر هو الانتقال من مكان إلىٰ مكان، ولكنه يراد به هنا السير في طريق الله سبحانه وتعالىٰ، وهذا بيت الله، والإنسان يسعىٰ إلىٰ بيت الله حساً، ولكنه يسعىٰ إلىٰ الله قلباً، من أول لحظة الخروج، إلىٰ الإحرام، إلىٰ نهاية المناسك، إذن نعرف أن الطريق إلىٰ الله علىٰ مراحل، كما أن الطريق إلىٰ البيت المقصود علىٰ مراحل.

الكسب الحلال والتوبة عن المعاصي وترك السوى في طريق الله

وأول شيء الكسب الحلال، إذن فلا بد أن تكسب مواهبك في طريقك إلىٰ الله من طريق حلال، كما أنه لا بد عليك أن تكسب المال من طريق حلال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة، والتوبة في طريق الله هي أن تتوب عما سوىٰ الله، والتوبة في الظاهر هي أن تتوب عن المعاصي، أما مع الله فإنك تترك السوىٰ، فما معنىٰ السوىٰ؟ يعني ما سوىٰ الله؛ فلا تتوكل إلا علىٰ الله، ولا تحب إلا في الله، ولا تبغض إلا في الله، ولا ترىٰ الأشياء إلا بالله ومن الله.. وهذا أول الطريق.

رد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة والهمة في الحج

وعلىٰ الحاج أيضا رد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلىٰ وقت الرجوع، فلا يجوز لك التفرغ للعبادة، ولطريق الله، وتضيع بذلك من تعول، فأول ذلك أن تسد نفقة من قد أوجب الله عليك نفقته، وأن ترد الودائع، وأن تستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيك للذهاب والإياب، حتىٰ لا تحتاج إلىٰ غيرك، وكذلك في طريق الله لا بد فيها من الهمة، وقد سموها بالهمة حتىٰ لا تحتاج إلىٰ معين، ومثير يثيرك إلىٰ الله، ويعينك في الطريق إليه، فلا بد إذن عندما يريد الإنسان أن يخرج من ذنوبه، ومن دائرة المعصية إلىٰ دائرة رضا الله، وأن يذهب إلىٰ الحج، لا بد عليه أن تكون النفقة حلالا.

الإخلاص في قصد الحج وتعظيم الشعائر وترك طلب الدنيا

ويجب أن تكون الهمة مجردة لله تعالىٰ، ولتعظيم شعائره، يعني أن تكون الهمة متوجهة إلىٰ تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالىٰ، لأنه ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، ومن حج عن غيره فينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله تعالىٰ والتمتع بالنظر إليه، فإن النظر إلىٰ الكعبة عبادة، ولِمَن نظر إلىٰ الكعبة دعوة مستجابة، وهو محل نظر الله، ومهبط رحماته سبحانه وتعالىٰ، ولذلك فزيارة البيت وتشريفه وتعظيمه وتوقيره وحب النظر إليه من العبادة، فلابد وإن كان يحج عن غيره أن يقصد بالتمتع بزيــارة بيت الله الحرام، والتمتع بما هنالك من قـدس قد جعله الله -سبحانه وتعالىٰ- رحمة للمؤمنين، ويقصد أيضا معاونة أخيه علىٰ فعل الخيرات بإسقاط الفرض عنه، لا أن يتخذ ذلك مكسبه، يعني لا ينظر إلىٰ ما سوف يحصله من فوائد الدنيا، كالأجر المادي الذي يأخذه، أو كأن يجلب معه شيئا من التجارة في ذهابه وإيابه، فيبيع هناك ويبيع هنا، بل يكون قصده هو الزيارة، ويكون قصده هو المعاونة لأخيه لا أن يتخذ ذلك مكسبه، ليتوصل بالدين إلىٰ الدنيا، فيطلب الدنيا بعمل الآخرة، بل ليتوصل بالدنيا إلىٰ الدين، ينتهزها فرصة أنه سوف يسافر فيتوصل بالدنيا إلىٰ الدين من التمكن من الحج والزيارة فيه.

آداب الزاد في السفر وبذل النفقة للرفقة وكرم الرجل

ومن الآداب التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل، من أجل الرفقة في الطريق، وإن كان معه إحرام فلا بأس أن يأخذ معه إحراما ثانيا، لربما كان صديقه أو رفيقه أو مسلم من المسلمين يحتاجه فيعطيه بكرم نفس، من غير تقتير أو إسراف، لا أن يأخذ معه عشرة فإن ذلك إسراف، بل علىٰ الاقتصاد، وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله تعالىٰ، وأنت إذا أنفقت علىٰ الحجيج معك في أثناء الحج فإنك تعمل بقول ابن عمر ب: (من كرم الرجل طيب زاده في سفره).

الرفيق الشيخ والصحبة مع الصادقين في طريق الله

الجملة الثانية: في الرفيق:

والرفيق هنا في الطريق هو الشيخ الذي تتأدب به، وتعرف منه كيفية المعاملة مع ربك، قال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة:119] ولم يقل (من الصادقين) لأنه يعلمك بداية طريقك إليه سبحانه، والبداية أن تصحب أهل المعرفة به، من الصالحين والشيوخ المتقين الصادقين، فقال سبحانه ﴿مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ فاستدل بها أهل الله علىٰ أن الشيخ هو الرفيق في الطريق, ثم إنه قد يكون حاضرا معك، أو أن يغيب عنك فتعوض ذلك بأن تستحضر سير الصالحين، والأئمة المتقين، وتعقد عزمك علىٰ التشبه بهم، والتخلق بأخلاقهم، وأن تستحضر في حجك وسفرك آدابهم، ونواياهم، وشمائلهم الطاهرة الحسنة.

آداب الخروج من الدار وذكر الله عند السفر إلى الحج

الجملة الثالثة: في الخروج من الدار والآداب المصاحبة لها:

فينبغي علىٰ الحاج إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين، وكان مشايخنا إذا ما لقنوا لأحد من السالكين إلىٰ الله معاني البر، وألزموه بالاجتهاد في طاعة الله فإنهم يعطونه ذلك الطريق بعد أن يصلي ركعتين، فمن اقتبسوا ذلك المعنىٰ؟ قالوا: هو مشابه لركعتي الخروج إلىٰ مكة، فجعلوا ركعتين عند بداية سيرك إلىٰ الله، أليست مكة هي الطريق إلىٰ الله؟! فقلدوها معنًىٰ كما أنها واقعة حسًّا.

وإذا وقف علىٰ باب الدار قال: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ.. اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَراً وَلاَ بَطَراً، وَلاَ رِيَاءً وَلاَ سُمْعَةً، بَلْ خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِك، َوَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيكَ صلى الله عليه وآله وسلم.

وعند الركوب يقول:

دعاء الركوب وبداية آداب الإحرام ومعناه الروحي

«سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا»، وهذا معناه الالتجاء والدعاء، وهو كثير في بداية الطريق إلىٰ الله كما يرشد المرشدون.

والجملة الرابعة: في آداب الإحرام:

كيف تحرم؟ ومعنىٰ الإحرام: أنك تنتقل من دائرة الحل إلىٰ دائرة المنع، ومن الإلف والعادة إلىٰ العبادة، فهناك آداب: الأدب الأول: أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام، الثاني: أن يفارق الثياب المخيطة ويلبس ثوبي الإحرام، ومعنىٰ ذلك أن تخرج من القيود إلىٰ الرب المعبود، والثالث أن يصبر بعد لبس الثياب حتىٰ تنبعث به راحلته إن كان راكباً، والأدب المأخوذ من ذلك هو أنك لا تتعجل الوصول، وإنما تدع ذلك لله، هو يبدأ بك، وهو يرزقك الاهتداء إلىٰ طريقه، وهو الذي ينتهي بك في الطريق إليه، والرابع: يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام، ودوام الذكر ولذلك قالوا: طريقنا هذا مبني علىٰ الذكر، يعني: لا يصلح من غير الإكثار من ذكر الله لحديث:

الذكر في الإحرام وترك الكبر وحديث الحج الشعث التفل

«لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بذِكر اللَّهِ» .

ومن الآداب أن يجتنب زي المترفين المتكبرين؛ لأن الحج مبني علىٰ الانخلاع من المعتاد، ولذلك عليه أن يتواضع، ولا يلبس أثناء الحج ما يميزه عن غيره أو يتعالىٰ به من رفيع الثياب، أو مما يجعله متميزا، إلا إذا كان ذلك لغرض شرعي صحيح، وكان العز بن عبد السلام في موضع، فرأىٰ رجلا يخطيء في منسكه فنصحه فأبىٰ الرجل النصيحة، وظنه من العوام، وأنه يتكلم فيما لا علم له به، فاضطر العز بن عبد السلام إلىٰ أن يذهب ويلبس زي العلماء، وأتاه فنصحه فقبل نصيحته، فهو هنا لما لبس زي العلماء، لبس لوجه الله، حتىٰ ينقذ ذلك الرجل من الخطأ الذي كاد أن يذهب بعمله.

ولا يميل الحاج إلىٰ أسباب التفاخر والتكاثر، فيكتب في ديوان المتكبرين والعياذ بالله تعالىٰ، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ويخرج بذلك عن حزب الصالحين، وفي الحديث:

حقيقة الشعث والتفث في الحج والتقشف وترك الترفه

«إِنَّمَا الْحَجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» والشعث هو الرجل الذي تفرق شعره، لأن الحج وقت مجاهدة ومشقة، ومن محظورات الإحرام تسريح الشعر، وأما التفل فهو الرجل الذي يترك التطيب، لشدة إتعاب النفس في الطاعة، يعني كل أشعث أغبر، يقول الله تعالىٰ:

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ [الحج:29]

والتفث هو الاغبرار، ورثاثة الهيئة لشدة الانهماك في المناسك، وقضاء التفث بالحلق وقص الشارب والأظفار، إذن الحج مبني علىٰ التقشف، والزهادة في الدنيا، وليس مبنيا علىٰ التفاخر والتكاثر والكبر فيما بيننا.

آداب دخول مكة والاغتسال والتطهر في الطريق إلى الله

الجملة الخامسة: في آداب دخول مكة:

ومكة حرم الله المنيع وبيته، وهي منتهىٰ الإحرام، إلا أنه بداية الحج، وهكذا مراحل الطريق إلىٰ الله، بعضها يأخذ برقاب بعض، إلىٰ أن تصل إلىٰ مقصودك ومنتهاك، من طاعة الله مولاك سبحانه وتعالىٰ، فإذا دخلت مكة يستحب لك أن تغتسل بذي طوىٰ لدخول مكة أيضًا.. وفي الطريق إلىٰ الله لا بد عليك أن تتطهر وأنت تسير إلىٰ الله بكثرة الاستغفار.

بداية آداب الطواف بالطهارة والسترة والابتداء بالحجر الأسود

الجملة السادسة: في الطواف:

فإذا أراد افتتاح الطواف إما للقدوم وإما لغيره فينبغي أن يراعي أموراً ستة:

الأول: الطهارة والستارة: فالطهارة هذه تساعد الإنسان في الطريق، وقد قالوا: الوضوء سلاح المؤمن، لتبقىٰ جاهزاً دائماً، والستارة عمود هذا الطريق، وهي طاعة الله، وعمود طاعة الله: الصلاة، والطواف بالبيت، صلاة فيها: الطهارة في البدن، ومن الحدث، ومن الخبث، وفي المكان، وفي اللبس، وفيها الستارة يعني: ستر العورة، والإنسان المؤمن ينبغي أن يستر عورته حتىٰ في خلواته أدبا مع الله تعالىٰ.

الثاني: إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت علىٰ يساره وليقف عند الحجر الأسود، فعندما يطوف والبيت علىٰ يساره يكون متشبها بالملائكة، إذن الطريق مؤسس علىٰ الاتباع وليس الابتداع.

الثالث: أن يقول قبل مجاوزة الحجر بل في ابتداء الطواف (بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد) ويطوف، قال الإمام الجنيد: (طريقُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة).

الرمل في الطواف والملتزم وركعتا المقام وملة إبراهيم

الرابع: أن يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في الأربعة الأخر علىٰ الهيئة المعتادة.

الخامس: إذا تم الطواف سبعاً فليأت الملتزم، وهو بين الحجر والباب وهو موضع استجابة الدعاء، إذن فقد فضل الله بعض الأوقات علىٰ بعض، وبعض الأماكن علىٰ بعض، وبعض الأشخاص علىٰ بعض، وبعض الأحوال علىٰ بعض، فليراع العبد السالك لطريق الله ذلك كله في طريقه إلىٰ الله، وليلتمس الأوقات الشــريفة، والأماكن الشـــريفة، والأشخاص الشريفة ليسألهم الدعاء، والأحوال الشريفة فيسأل عندها الدعاء، كنزول المطر، وكالبيت الحرام، وكالوقوف أمام قبر سيدنا محمد ص.

السادس: إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين، وهما ركعتا الطواف، وذلك إعلانا لتوحيد الله علىٰ دين إبراهيم -عليه وعلىٰ نبينا الصلاة والسلام- ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:125].

السعي بين الصفا والمروة وحكم الطهارة في هذا النسك

الجملة السابعة: في السعي:

فـإذا فـرغ من الطـواف فليخـرج من باب الصفـا، فإذا انتهىٰ إلىٰ الصفا -وهو الجبل المعروف- فيرقىٰ فيه درجا من حضيض الجبل، ثم يسعىٰ بينه وبين المروة سبع مرات، والطهارة مستحبة للسعي وليست واجبة، يعني من طاف بين الصفا والمروة أي سعا بينهما فلا يجب عليه أن يكون متطهرا أو متوضئا، فيجوز للحائض ويجوز للجنب السعي بين الصفا والمروة ويتم نسكه.

الوقوف بعرفة وأثر الصالحين والفساق على نور الحج

الجملة الثامنة: في الوقوف وما قبله:

إذا انتهىٰ إلىٰ يوم عرفة ذهب إلىٰ عرفات فلا يتفرغ لطواف القدوم ودخول مكة قبل الوقوف، وبعد ذلك بقية أعمال الحج.

إذن فكلما زاد الصالحون في الحج تنور الحج، وازداد ذكره وأثره في القلوب، وكلما ازداد الفساق قل ذلك، مما يوجب الاجتهاد الزائد في الطاعة حتىٰ يحصل القبول والتوبة والتوفيق، وزيادة الصالحين وكثرتهم في أي موضع تجعله موضع هداية، ومكان نور وبركة.

اجتماع همم الصالحين في الحج واستجابة الدعاء وبركة الجمع

فإذا اجتمعت همم الصالحين، وتجردت للضراعة، وابتهلت قلوبهم، وارتفعت إلىٰ الله أيديهم، وامتدت إليه أعناقهم، وشخصت نحو السماء أبصارهم، مجتمعين بهمة واحدة علىٰ طلب الرحمة، فلا تظنن أن الله تعالىٰ يخيب أملهم، ويضيع سعيهم، ويدخر عنهم رحمته سبحانه وتعالىٰ، بل إنه يستجيب، ويعفو عن العاصين بالصالحين، من رحمته الواسعة.

تيسير الحج والعلم والولاية في آخر الزمان وقلة الانتفاع

ولذلك كانوا يقولون قديماً: (إنه عند تقارب الزمان ييسر علىٰ المسلمين ثلاثة: الحج، والعلم، والولاية) وقد كان، فيسر العلم بالمطابع، والأقلام، والكهرباء، والاتصالات، والكمبيوتر، فهل من مدكر؟! وهل عالم اليوم كعالم الأمس؟!

ويسر الحج، فالذهاب إليه لا يأخذ إلا ساعات قليلة، ويسرت المواصلات والاتصالات، وأصبح الحج وكأنه نزهة، وبعضهم يحج في ساعات قليلة لا تتجاوز اليومين ثم يعود، ولكن هل تعلقت القلوب بالرب المعبود؟! أو أنها لاهية لا خير فيها.

ويسرت الولاية، وأول طريق الله الذكر، فهل من مدكر؟! في الماضي كان يجلس الإنسان في عبادة مستمرة ثلاثين سنة حتىٰ يفتح له، واليوم إذا أقام مع ربه ولو ثلاثة أيام يفتح له، فهل هناك من يقيم؟! سؤال حائر لا يجد الجواب.

طيب النفس بالنفقة والأذى وعلامة قبول الحج في ترك المعاصي

وينبغي أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي، وبما أصابه من خسران ومصيبة في مال أو بدن إن أصابه ذلك، فله بكل أذىٰ احتمله وخسران أصابه ثواب، فلا يضيع منه شيء عند الله إن شاء الله، ويقال: من علامة قبول الحج ترك ما كان عليه من المعاصي، يعني كيف تعرف أن حجك قبل؟ تعرف قبول الحج بأنك عندما ترجع وتجد نفسك زاهدا في المعاصي تعرف أن حجك مقبول إن شاء؛ لأن الحج الذي قد غفرت به الذنوب جعلك في صفحة بيضاء، وهذه الصفحة البيضاء تضاد الذنب، وتكرهه وتأباه، ولا تستلذ به، فإذا عرضت عليها الذنوب بوسوسة نفس أو شيطان فإنها تبتعد عنه، ويحدث لها اشمئزاز من الذنب فلا تقع فيه، ومن هذا يتبين لنا أن الله قد رضي عنا بحجنا، أو أنه قد قبل هذا الحج.

الاعتبار بأعمال الحج الباطنة وتشريف البيت العتيق وحرمة الحرم

وطريق الاعتبار بأعمال الحج الباطنة والتذكر لأسرارها ومعانيها في كل واحد من أعمال المناسك تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر، وإذا انفتح بابها انكشف لكل خارج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه، وغزارة فهمه.

وقد شرف الله البيت العتيق بالإضافة إلىٰ نفسه، فسماه بيت الله، فأضافه إلىٰ ذاته الجليلة، ونصبه مقصدا لعباده.. وجعله موضعا ترحل إليه الناس من الآفاق، وجعل ما حواليه حرما لبيته، تفخيما لأمره، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، ووضعه علىٰ مثال حضرة الملوك، يقصده الزوار من كل مكان، ومن كل أوب سحيق، شعثا غبرا، متواضعين لرب البيت، خضوعا لجلاله سبحانه وتعالىٰ، واعترافا بتنزيهه عن أن يحويه بيت، أو أن يكتنفه بلد، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم له سبحانه، وأتم في إذعانهم وانقيادهم.

المعاني الروحية للإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة

وفي الإحرام والتلبية إجابة لنداء الله ﻷ، في دخول مكة تذكرة الانتهاء إلىٰ حرم الله، وفي مشاهدة البيت استحضار لعظمة البيت في القلب، وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين، الحافين حول العرش، الطائفين حوله، وما القصد طواف الجسم، بل طواف القلب بذكر الرب سبحانه.

وفي التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم طلب القرب، حباً وشوقاً للبيت، ولرب البيت، وتبركاً بالمماسة، وبالإلحاح في طلب المغفرة، وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب في حقه، المتضرع إليه في عفوه عنه، المظهر له أنه لا ملجأ منه إلا إليه سبحانه وتعالىٰ.

وفي السعي بين الصفا والمروة مضاهاة تردد العبد بفناء الملك، جاءياً وذاهباً، مرة بعد أخرىٰ، إظهاراً للخلوص في الخدمة، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة، فالذي دخل علىٰ الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد، فلا يزال يتردد علىٰ فناء الدار مرة بعد أخرىٰ، يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولىٰ، وفي الوقوف بعرفة ورؤية ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات باختلاف اللغات تذكر اجتماع الأمم في يوم القيامة، وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول، وفي ذكر ذلك إلزام القلب الضراعة والابتهال إلىٰ الله عز وجل، ورجاء الحشر في زمرة الفائزين المرحومين، وتحقيق الرجاء بالإجابة، فالموقف شريف، والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلىٰ كافة الخلق بواسطة القلوب النقية.

التهيؤ لزيارة المدينة والإكثار من الصلاة على النبي وأثرها

ثم بعد ذلك يحرك نفسه للقاء الحبيب الأعظم ص ومن قصد زيارة المدينة فليصل علىٰ رسول الله ص في الطريق كثيراً، لأن الصلاة علىٰ سيدنا رسول الله ص إنما هي بعض حقه، والصلاة علىٰ النبي ص تقبل من كل أحد، من المنافق ومن الفاسق، ومن المؤمن ومن التقي، ومن غيرهم، لتعلقها بالمقام الأجل، فمن يئس من نفسه ورأىٰ أنه لا يطيع ربه إلا قليلاً فليشرع في الصلاة علىٰ النبي ص مستحضراً حقه ووجوب الأدب معه، فإن ذلك يحمله علىٰ القيام بالفرائض، واجتناب المناهي، والتقرب إلىٰ الله تعالىٰ، وكلما صلىٰ علىٰ النبي ص فتحت له الأبواب، لأن الله قد قبلها ولو صدرت من قلب فاسق شقي، فما بالك لو أنها قد صدرت من قلب مؤمن تقي.

وينبغي أن يكثر من الصلاة علىٰ سيدنا رسول الله أيضاً تكثيراً للثواب؛ لأنها جمعت فأوعت، فهي ذكر لله في نفسها، وهي مع ذلك امتثال لأمره تعالىٰ حيث أمرنا أن نصلي عليه ص ومع أنها طاعة في نفسها مستقلة، إلا أنها تشتمل علىٰ تعظيم سيد الخلق، وهو أمر مقصود في ذاته، ولأنها تشتمل علىٰ أشرف كلمة وهي: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) فالصلاة عليه ص إقرار منك بالوحدانية ابتداءً، لأننا تبدأها بأن تطلب الصلاة من الله وهذا توحيد، وتنتهي بالإيمان بسيد الخلق ص.

شأن الصلاة على النبي كوقاية وكفاية ومدخل للدخول على جنابه

وهذا بعض شأن الصلاة عليه ص ولا يدرك شأنها إلا من فتح الله عليه، فهي الوقاية, وهي الكفاية، وهي الشفاء، وهي الحصن الحصين، وهي التي تولد حب رسول الله ص في قلوب المؤمنين، فيقبلون علىٰ الطاعة ويتركون المعصية، وهي التي تحافظ علىٰ ذلك الحب وتصونه، وهي التي يترقىٰ بها العبد عند ربه، وهي التي تجعل المؤمن ينال شرف إجابة النبي ص عليه، حيث إنه يجيب علىٰ من صلىٰ عليه، وهي مدخل صحيح، للدخول علىٰ السيد المليح الفصيح صلى الله عليه وآله وسلم، فالدخول علىٰ سيدنا رسول الله ص يبدأ بالصلاة عليه وبكثرة الصلاة عليه.

الغسل والتطيب ولبس الزينة قبل دخول المدينة النبوية

ولتغتسل قبل الدخول إلىٰ المدينة، فإذا ذهب إلىٰ المدينة ينبغي عليه أن يكون متهيئا لذلك اللقاء الأجل، وليتطيب؛ لأن الطيب -وإن كان مطلوباً في كل حال- إلا أنه في ذلك أشد، (وليلبس أنظف ثيابه) فإنه في المسجد العظيم، وبمثل ذلك التهيؤ يزور سيد المرسلين, قال تعالىٰ:

﴿ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31].

معاني رمي الجمار وفضل المدينة كمهاجر النبي وموضع التشريع

وفي رمي الجمار انقياد للأمر، إظهارا للرق والعبودية، وقصد رمي وجه الشيطان، وقصم ظهره، وفي زيارة المدينة ومشاهدة مشاهدها تذكر أنها البلدة التي اختارها الله لنبيه ص وجعل إليها هجرته، وأنه داره التي شرع فيها فرائض ربه، وبين سننه، وجاهد عدوه، وأظهر بها دينه، إلىٰ أن توفاه الله ﻷ وأنها الموضع التي اختارها الله -سبحانه وتعالىٰ- لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، واختارها الله تعالىٰ لأول المسلمين وأفضلهم، وأن فرائض الله سبحانه وتعالىٰ أول ما أقيمت في تلك العرصة، وأنها جمعت أفضل خلق الله حياً وميتاً ص.

أدب دخول المدينة وخلع النعلين وهيبة المواجهة الشريفة

فإذا دخل المدينة فليدخلها متواضعا متأدبا بالأدب اللائق بإقباله علىٰ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أهل الله كان يخلع نعليه، فلا يسير في المدينة إلا حافياً، ومنهم الإمام مالك /، وكما قالوا: (إن تراب المدينة يقي من البرص)، فكانوا يخلعون نعالهم تعظيما لشأن النبي ص من ناحية، وتواضعاً لله في هذا المقام من ناحية أخرىٰ، وينبغي أن يعظم شأن النبي جدا، حتىٰ إن كثيرا من أهل الله لما واجهوا المواجهة الشريفة أو نظروا إلىٰ الشباك الذي هو أقرب من الظاهر إلىٰ جسد رسول الله ص أرتج عليهم، فلم يتكلموا لما في ذلك المقام من الهيبة والجلال، كما لو كنت في مواجهته صلى الله عليه وآله وسلم كيف سيكون حالك؟؟!

الصلاة في الروضة والوقوف عند المواجهة الشريفة وصيغ السلام على النبي

ويقصد المسجد ويصلي فيه بجانب المنبر -إن استطاع- ركعتين في الروضة الشريفة، ثم يأتي قبر النبي ص فيقف عند وجهه، وذلك بأن يستدبر القبلة لأن وجهه الشريف مواجه للقبلة، ولأنه هو قبلة المؤمنين وقبلة أرواحهم، ولأنه ص هو قطب الرحىٰ، ونقطة الدائرة، وهو الباب إلىٰ الله، سدت كل الأبواب إلا بابه الكريم.

ثم يأتي قبر النبي المصطفىٰ ص فيقف عند وجهه الشريف وذلك بأن يستدبر القبلة؛ لأنه هو كمال الإنسان، والقبلة كمال البنيان، وكمال الإنسان مقدم علىٰ كمال البنيان، وهناك عند المواجهة الشريفة عاملوا دائرة كبيرة من النحاس تدل علىٰ المواجهة الشريفة، وهي أكبر دائرة، وبعدها دائرتان لرأس أبي بكر ولرأس عمر ب، أما الأولىٰ فهي لسيدنا محمد ص كما ذكرنا, ويقف عندها بأدب ويقول:

(السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا أمين الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا سيد المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا قائد الخير، السلام عليك يا فاتح البر، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا هادي الأمة، السلام عليك، وعلىٰ أهل بيتك، وأصحابك الطيبين، جزاك الله عنا أفضل ما جازىٰ نبيا عن قومه، ورسولا عن أمته، وصلىٰ الله عليك أكمل وأفضل ما صلىٰ علىٰ أحد من خلقه، كما استنقذنا بك من الضلالة، وبصرنا بك من العماية، وهدانا بك من الجهالة، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأنك أديت الأمانة، ونصحت للأمة، وجاهدت عدوك، وهديت أمتك، وعبدت ربك، حتىٰ أتاك اليقين، فصلىٰ الله عليك وعلىٰ أهل بيتك الطيبين وسلم، وشرف وكرم، وعظم وفخم).

السلام على أبي بكر وعمر وزيارة الروضة وأحد والبقيع ومسجد قباء

ثم ينتقل حتىٰ يوافي أبا بكر الصديق ت ويسلم عليه، وكذلك يسلم علىٰ الفاروق عمر بن الخطاب ت ويقول: (السلام عليكما يا وزيري رسول الله ص، والمعاونين له علىٰ القيام بالدين مادام حياً، والقائمين في أمته بعده بأمور الدين، تتبعان في ذلك آثاره، وتعملان بسنته، فجزاكما الله خير ما جازىٰ وزيري نبي عن دينه).

ثم يأتي الروضة الشريفة مستحضراً قوله ص:

«مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنبري رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» فيصلي فيها ركعتين أو أكثر علىٰ ما يتيسر له، ويكثر من الدعاء ما استطاع، ويستحب أن يأتي أُحُدًا ويزور قبور الشهداء، وأن يأتي البقيع ويزور خياره، وأن يأتي مسجد قباء في كل سبت ويصلي فيه، فقد ورد أنه من صلىٰ في قباء كل سبت كان له ذلك بقدر عمرة، وإن أمكنه الإقامة أقام بالمدينة، مع مراعاة الخدمة للمسلمين فلها فضل عظيم، ثم إذا عزم علىٰ الخروج من المدينة فيستحب أن يأتي القبر الشريف ويعيد دعاء الزيارة، ويسأل الله تعالىٰ أن يرزقه العودة إليه، ثم يصلي ركعتين في الروضة الشريفة، فإذا خرج فليخرج برجله اليسرىٰ ثم اليمنىٰ، وليتصدق علىٰ جيران رسول الله ص بما استطاع وقدر عليه.

حرمة المدينة وترك المعاصي وفضل جسد النبي وأفضلية بقعته

وإذا ذهبت إلىٰ المدينة فلتلزم حرمتها، ولتستحي من رسول الله ص في أفعالك كلها، فتكثر من الخيرات، وتكثر من الصدقات، ولا تكذب، ولا تغتب، ولا تنم، ولا تشهد زوراً، ولا تغتصب، ولا تلتقط لقطة المدينة، ولا تفعل في المدينة فاحشة، ولا تسب أحداً، واتق الله في هذه المدينة الكريمة المنورة، فإنها قد حرمها رسول الله ص كما حرم ربنا مكة، وهذه المدينة مزيتها أنها قد اشتملت علىٰ جسد رسول الله الطاهر المطهر ص وهو أفضل ما في الكون جميعا.. أفضل من العرش، وأفضل من الفرش، وأفضل من الكعبة، وأفضل من الملائكة الكرام باتفاق الأمة، لا نعلم في ذلك مخالفا، فإن جسد رسول الله ص وهو سيد الكائنات وسيد ولد آدم -هو أفضل الكائنات المخلوقة علىٰ الإطلاق، اتفقت الأمة علىٰ ذلك سلفا وخلفا بجميع مشاربها والحمد لله رب العالمين.

فالبقعة التي فيها رسول الله ص أفضل من العرش والفرش، وسيدنا رسول الله ص هو أفضل الكائنات، ومكانه أفضل الأمكنة، وقد أخذت المدينة نورها وبركتها وقداستها منه ص.

حكم تقبيل جدران الحجرة النبوية والتمييز بين المشتاق والجاهل

وأما ما يقع من بعض زوار المدينة المنورة عند زيارة المصطفىٰ ص من تقبيل لجدرانها، وشغف بمعالمها، فإننا نقول فيه: من يقبل الجدار والأسوار هو أحد اثنين: إما مشتاق لا يستطيع أن يمنع نفسه من ذلك لغلبة الشوق والمحبة، مع وقوف عند حد الأدب، فهذا معذور، لكن يجب عليه أن يستحضر الأدب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والصنف الثاني يفعل هذا من أجل أن ينظر إلىٰ ما وراء الستر، وما الذي فيه، وليس في قلبه شوق ولا تعلق ولا إعظام لسيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا جاهل، مسيئ، ظالم لنفسه، وينبغي أن يعلم برفق.

حب النبي كركن إيمان وخلاصة آداب زيارة المدينة وتربية الأبناء

ولزيارة المدينة المنورة آداب كثيرة، تتلخص في حبك لرسول الله ص ثم إن الحب له هو الذي يملي عليك سلوك سبيل الأدب معه، والتخلق بخلقه الكريم طوال أيامك التي تقضيها بالمدينة، حتىٰ تستصحب هذا الأدب العالي إلىٰ ديارك بعد عودتك، فتستقيم حياتك كلها بعد ذلك، وحب رسول الله ص ركن الإيمان، وليس هناك إيمان معتبر معتمد إلا بحب رسول الله ص وهو أحد الشهادتين، ولذلك أجاز الإمام أحمد الحلف به، وينعقد اليمين عنده بذلك، ويكفر الحالف به إن حنث فيه؛ لأنه لا يدخل الإسلام إلا بالتوحيد، وبشهادتك بالرسالة له ص فإن أفرد واحدة منهما بأن شهد أن لا إله إلا الله فقط فإنه لا يدخل الإسلام، مع أنه في الشق الأول من شهادته شهد بحقيقة وحق، إلا أنه أخل بالركن الثاني من ركني الإيمان وهو الإذعان لسيدنا محمد ص بالإيمان والتعظيم والمحبة، ومن أجل ذلك يجب أن نعلم أبناءنا حب رسول الله ص فهو وحده الذي يرضىٰ الله به عنا، ويرضىٰ به رسول الله ص.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما معنى الإحرام في الحج؟

الانتقال من دائرة الحل إلى دائرة المنع ومن الإلف إلى العبادة

هل تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة؟

الطهارة مستحبة لا واجبة ويجوز للحائض والجنب السعي

ما علامة قبول الحج؟

أن يعود الحاج زاهداً في المعاصي مشمئزاً منها

ما الموضع الذي يُستجاب فيه الدعاء بين الحجر الأسود وباب الكعبة؟

الملتزم

ما المعنى الروحي للوقوف بعرفة؟

تذكر اجتماع الأمم يوم القيامة وتحيرهم في الصعيد الواحد

ما فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟

هي وقاية وكفاية وشفاء تُقبل من كل أحد وتفتح أبواب الطاعة

ما المعنى الروحي للطواف بالبيت الحرام؟

التشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش وطواف القلب بذكر الرب

ما أول ما يجب على الحاج قبل السفر؟

الكسب الحلال والتوبة ورد المظالم وقضاء الديون

ما الذي يميز المدينة المنورة عن سائر البقاع؟

اشتمالها على جسد رسول الله الطاهر الذي هو أفضل الكائنات المخلوقة

ما الفرق بين من يقبّل جدران الحجرة النبوية شوقاً ومن يفعله فضولاً؟

المشتاق معذور مع وجوب استحضار الأدب، والفضولي جاهل مسيء ينبغي تعليمه برفق

ما الثلاثة التي قيل إنها تتيسر على المسلمين عند تقارب الزمان؟

الحج والعلم والولاية

ما المعنى الروحي للسعي بين الصفا والمروة؟

مضاهاة تردد العبد بفناء الملك جاءياً وذاهباً رجاءً للملاحظة بعين الرحمة

ما فضل الصلاة في مسجد قباء كل سبت؟

كان له ذلك بقدر عمرة

لماذا يقف الزائر عند قبر النبي مستدبراً القبلة؟

لأن وجه النبي الشريف مواجه للقبلة وهو كمال الإنسان المقدم على كمال البنيان

ما حكم من حج عن غيره وقصد الكسب المادي من ذلك؟

لا يجوز أن يتخذ الحج مكسباً بل يقصد المعاونة وزيارة البيت

ما الأعمال التي يجمعها الحج الأكبر؟

يجمع الحج الذكر والدعاء والصلاة على النبي والكفارات والنذور والصلاة والقراءة والتلبية والطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت وغير ذلك من شعائر الإسلام.

ما السر الأول في الحج وما فضل الصلاة في مكة؟

السر الأول أن المسلم يتوجه إلى مدينة مقدسة هي محل نظر الله، والصلاة فيها بمائة ألف صلاة في غيرها، والنظر إلى الكعبة عبادة، والدعاء عند الملتزم مستجاب.

ما آداب الإحرام العملية؟

الاغتسال ونية غسل الإحرام، ومفارقة الثياب المخيطة ولبس ثوبي الإحرام، والصبر حتى تنبعث الراحلة، وتجديد التلبية والإكثار من ذكر الله.

ما معنى الحج الشعث التفل؟

الشعث هو الرجل الذي تفرق شعره لأن تسريح الشعر من محظورات الإحرام، والتفل هو الرجل الذي يترك التطيب لشدة إتعاب النفس في الطاعة، فالحج مبني على التقشف لا التفاخر.

ما الأمور الستة التي ينبغي مراعاتها عند افتتاح الطواف؟

الطهارة والستارة، وجعل البيت على اليسار والوقوف عند الحجر الأسود، وقول دعاء الافتتاح، والرمل في ثلاثة أشواط والمشي في الأربعة الأخرى، وإتيان الملتزم بعد إتمام السبعة، وصلاة ركعتين خلف المقام.

ما فضل كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟

فضل كثرة الصلاة على النبي أنها جمعت فأوعت فهي ذكر لله وامتثال لأمره وتعظيم لسيد الخلق وإقرار بالوحدانية، وكلما أكثر منها فُتحت له الأبواب.

من هو الرفيق في طريق الحج وطريق الله؟

الرفيق هو الشيخ الذي يتأدب به الحاج ويعرف منه كيفية المعاملة مع ربه، وإن غاب يستحضر سير الصالحين والأئمة المتقين ويتشبه بهم.

ما الدعاء المستحب عند الوقوف على باب الدار للخروج للحج؟

بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، رب أعوذ بك أن أضل أو أُضل، اللهم إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً بل خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك واتباعاً لسنة نبيك.

ما أثر كثرة الصالحين في الحج على نور الحج؟

كلما زاد الصالحون في الحج تنوّر الحج وازداد ذكره وأثره في القلوب، وكلما ازداد الفساق قلّ ذلك، مما يوجب الاجتهاد الزائد في الطاعة.

ما آداب دخول المدينة المنورة؟

يدخلها متواضعاً متأدباً بعد الاغتسال والتطيب ولبس أنظف الثياب، وبعض أهل الله كان يخلع نعليه تعظيماً لشأن النبي وتواضعاً لله.

ما الذي يجب على الزائر في المدينة المنورة من حيث السلوك؟

يلزم حرمتها ويستحي من رسول الله في أفعاله كلها فيكثر من الخيرات والصدقات ويجتنب الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والفاحشة وسب الناس.

لماذا جسد النبي أفضل الكائنات المخلوقة؟

لأنه جسد سيد الكائنات وسيد ولد آدم، وقد اتفقت الأمة سلفاً وخلفاً على أنه أفضل من العرش والفرش والكعبة والملائكة الكرام، ولا يُعلم في ذلك مخالف.

ما حكم من يقبّل جدران الحجرة النبوية من باب الشوق؟

هو معذور لغلبة الشوق والمحبة مع وقوف عند حد الأدب، لكن يجب عليه استحضار الأدب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما حكم حب النبي في الإيمان؟

حب رسول الله ركن الإيمان وليس هناك إيمان معتبر إلا بحبه، وهو أحد الشهادتين، ومن شهد بالتوحيد دون الرسالة لم يدخل الإسلام.

ما الثلاثة التي يسّرها الله في آخر الزمان وكيف تيسّر كل منها؟

الحج تيسّر بسرعة المواصلات، والعلم تيسّر بالمطابع والكهرباء والاتصالات والكمبيوتر، والولاية تيسّرت حتى إن من أقام مع ربه ثلاثة أيام يُفتح له.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!