اكتمل ✓
الفصل 14

كيف يُرجَّح بين مسالك العلة وما ترتيب أدلة إثباتها وأثر ذلك في تعارض القياسين؟

يُرجَّح بين مسالك العلة بحسب قوة دليل إثباتها؛ فيُقدَّم النص القطعي ثم الإيماء ثم الإجماع ثم المناسبة ثم السبر والتقسيم ثم الدوران ثم الشبه ثم الطرد. وعند تعارض قياسين يُقدَّم القياس الذي ثبتت علته بالطريق الأقوى. وتتفاوت قوة المناسبة بحسب محلها من الضرورة أو الحاجة وبحسب تعلق نوع الوصف وجنسه بنوع الحكم وجنسه.

5 دقائق قراءة
  • هل يمكن الترجيح بين علتين كلتاهما معلومتان، إحداهما بالبديهة والأخرى بالنظر؟ ذهب الأكثرون إلى عدم جريان الترجيح بينهما.

  • النص القطعي في إثبات العلة كأدوات التعليل الصريحة (كي، لأجل) يُعدّ أقوى مسالك العلة وأرجحها عند التعارض.

  • الدلالة الظاهرة كاللام والفاء تُفيد التعليل لكنها ليست قاطعة، لاحتمالها معاني أخرى كالعاقبة.

  • مسالك العلة مرتبة تنازلياً: الإيماء، ثم الإجماع، ثم المناسبة، ثم السبر والتقسيم، ثم الدوران، ثم الشبه، ثم الطرد، ثم تنقيح المناط.

  • تتفاوت قوة المناسبة بحسب محلها من الضرورة أو الحاجة وبحسب تعلق نوع الوصف وجنسه بنوع الحكم وجنسه.

  • عند تعارض مصلحة دينية ومصلحة دنيوية تُقدَّم الدينية لأن ثمرتها السعادة الأبدية، وللمسألة تطبيقات فقهية كتزاحم الزكاة والدين والحج.

تقسيم مطلب وجود العلة ومراتب قوة دليلها عند الشوكاني

ويذكر بعض الأصوليين هنا مطلبين:

الأول في وجود العلة.

الثاني: في علية الوصف للحكم.

ألا أن ملخص ما يعود إلى وجود العلة ذكره الشوكانى ، ويعود جميعه إلى أن ما كان دليل وجوده أجلي وأظهر عند العقل فهو أرجح يقول:

القسم الأول: أنها تقدم العلة المعلومة، سواء كان العلم بوجودها بديهيا، أو ضروريا على العلة التي ثبت وجودها بالنظر والاستدلال، كذا قال جماعة.

وذهب الأكثرون إلى أنه لا يجري الترجيح بين العلتين المعلومتين إذا كانت إحداهما معلومة بالبديهة، والأخرى بالنظر والاستدلال.

القسم الثاني: أنها ترجح العلة التي وجودها بديهي على العلة التي وجودها حسى.

القسم الثالث: أنها ترجح العلة المعلوم وجودها على العلة المظنون وجودها.

والحاصل أن ما كان دليل وجوده أجلي وأظهر عند العقل فهو أرجح مما لم يكن كذلك.

طريق النص القطعي في إثبات العلة وأمثلة من القرآن والسنة

أما ما يرجع إلى دليل الدال على علة الوصف فيمكن تلخيصه فيما يلي:

ما كان طرق إثبات العلة فيه النص القطعي كقوله تعالى في تعليل تقسيم الفيء والغنائم على الفقراء والمساكين وذوي القربى للرسول صلى الله عليه وسلم:

{كيلا يكون دولة بين الأغنياء} ،

وكقوله صلى الله عليه وسلم:

"إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة" ،

أي: المجاعة، وغير ذلك، فإن كلمة (كى)، و(كيلا) و (لأجل) و (من أجل)، ونحوها نص صريح، وقاطع في تعليل لا يحتمل غيره.

الدلالة الظاهرة لحرف اللام والفاء في التعليل بين القطع والاحتمال

ما كانت ظاهرة في التعليل كقوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} ، فإن اللام ظاهر في التعليل وليس قاطعا فيه، لوروده لغير معنى التعليل، كالعاقبة، مثل قوله تعالى {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} فاللام هنا لبيان العاقبة، وكذلك الفاء في مثل قوله صلى الله عليه وسلم ـ للحاج الذي وقصته ناقته فقتلته:

"لا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا" .

تقديم مسلك الإيماء على بقية مسالك العلة في الترجيح

  1. تقديم الإيماء بأنواعه الخمسة على بقية مسالك العلة:

فإذا تعارض قياسان، أحدهما طرق إثبات علته الإيماء، وطرق إثبات علة القياس الآخر غيره من المناسبة، أو الشبه، أو الدوران، أو غيرهما فإنه يقدم القياس الأول، وذلك لأن كون الإيماء للتعليل أمر متفق عليه، بخلاف غيره فإنه مختلف فيه، وما كان متفقا عليه أقوي مما هو مختلف فيه؛ لأن الاتفاق يقوي الأمر المتفق عليه، والخلاف يضعفه؛ ولأن الإيماء شارك المنصوص بالتعليل، والمشارك للمنصوص بالتعليل أقوى من غيره.

تقديم القياس الذي علته ثابتة بالإجماع وعلاقته بالنص الشرعي

  1. تقديم القياس الذي ثبتت علية علته بالإجماع على ما ثبت علية علته بغيره من بقية المسالك عدا النص بناء على تقديم النص على الإجماع، وأما بناء على تقديم الإجماع على النص فإنه يقدم القياس الثابتة علية علته بالإجماع على ما ثبتت بالنص، وبناء على الرأي الراجح من تقديم بعض أنواع الإجماع على بعض النصوص والعكس، فما قدم هناك يقدم هنا.

ترتيب مسلك المناسبة مع الإيماء وبقية المسالك وخلاف الأصوليين

  1. تقديم المناسب بأنواعه على غيره من بقية المسالك: فإذا تعارض قياسان، وعلة أحدهما ثبتت بالمناسبة، وثبتت علية القياس المخالف له بغيره من المسالك الباقية، فإنه يقدم القياس الذي ثبتت علته بطريق المناسبة، سواء كانت المناسبة دينية أو دنيوية، وسواء كانت ضرورية، أو حاجية، أو مصلحة.

وذهب جماعة من الأصوليين، ومنهم البيضاوى([199]): إلى تقديم المناسبة على الإيماء أيضا، وعللوا ذلك بأن المناسب يقتضي ترتيب الحكم على الوصف وهو يشعر بالعلية، بخلاف غيره، فهو أولى بالتقديم.

كما استدلوا على تقديم المناسبة على ما بعدها من المسالك بأن الظن الحاصل بها أقوي من الظن الحاصل بالشبه والدوران، وغيرهما، وبأن فيها زيادة مصلحة لا توجد في غيرها، ولأن المناسبة لا تنفك عن العلية، بخلاف غيرها، وباستقلال المناسبة بالدلالة وقوتها، بخلاف غيرها .

وذهب بعض الأصوليين إلى تقديم السبر والتقسيم على المناسبة؛ لأنه يفيد ظن العلية، ونفي العلية عن غيره المعارض له، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب .

تقديم السبر والتقسيم على الشبه والدوران ومناقشة تقديم الدوران

  1. تقديم القياس الثابتة عليته بالسبر والتقسيم على ما بعده من الشبه، والدوران:

فإذا تعارض قياسان، وثبتت علية علة أحدهما بالسبر والتقسيم، وثبتت علية علة الآخر بالشبه أو بالدوران، فإنه يقدم القياس الأول، وهو اختيار ابن الحاجب والآمدي ، وذلك لأن في التعليل بالسبر والتقسيم تعرضا لنفي المعارض بالوصف الذي هو العلة في الأصل، بخلاف المناسبة، فإنها لا تدل على نفي المعارض، والحكم في الفرع، كما يتوقف على تحقيق مقتضيه في الأصل كذلك يتوقف على نفي المعارض فيه، فما دل على تحقيق المقتضي في الأصل، مع نفي المعارض فهو أولى وأرجح مما لا يكون كذلك.

وذهب جماعة، ومنهم البيضاوي([203]) إلى تقديم قياس ثبتت عليته بالدوران على ما ثبتت عليته بالسبر والتقسيم؛ لأن العلية المستفادة منه مطردة ومنعكسة، بخلاف غيره.

ترتيب الدوران والشبه والطرد وتنقيح المناط في مسالك العلة

  1. تقديم الدوران على غيره من الشبه ونحوه .

  2. تقديم الشبه، على الطرد وغيره مما هو بعده، وهكذا …

  3. تقديم الطرد على تنقيح المناط، وعلى ما بعده في الرتبة.

تفصيل مراتب المناسبة بين الضرورة والحاجة ونوع الحكم وجنسه

  1. تقديم ما كان من المناسبة واقعا في محل الضرورة على ما كان واقعا في محل الحاجة .

  2. أنه يقدم ما كان من المناسبة معتبرا نوعه في نوع الحكم على ما كان منها معتبرا نوعه في جنس الحكم، وعلى ما كان منها معتبرا جنسه في نوع الحكم، وعلى ما كان منها معتبرا جنسه في جنس الحكم، ثم يقدم المعتبر نوعه في جنس الحكم، والمعتبر جنسه في نوع الحكم على المعتبر جنسه في جنس الحكم .

قال الهندي: الأظهر تقديم المعتبر نوعه في جنس الحكم على عكسه([207]).

يبين هذا التقسيم الدقيق أن قوة المناسبة تتفاوت باختلاف محلها من الضرورة أو الحاجة، وباختلاف تعلق نوع الوصف وجنسه بنوع الحكم وجنسه في ميزان الأصوليين.

تعارض المصلحة الدينية والدنيوية وترجيح السعادة الأبدية

  1. قال الإسنوي : إذا تعارض قياسان، كل منهما يدل بالمناسبة على تقديم مصلحة إحداهما متعلقة بالدين، والثانية بالدنيا، فالأول مقدم؛ لأن ثمرة الدينية هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء، كذا جزم به الإمام فخر الدين، والآمدي .

وحكى ابن الحاجب قولا: أن المصلحة الدنيوية مقدمة ؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة.

قال الإسنوي : ولم يذكر الآمدي ذلك قولا بل ذكره سؤالا.

تطبيق قاعدة ترجيح مصلحة الدين في اجتماع الزكاة والدين والحج

إذا علمتَ ذلك؛ فللمسألة فروع، منها:

1 ـ إذا اجتمعت الزكاة والدين في تركة، وضاق المال عنهما؛ ففيه أقوال:

أصحها: تقديم الزكاة، وفاء بالقاعدة، وكما تقدم الزكاة في حال الحياة، ويصرف الباقي إلى الغرماء.

والثاني: عكسه، كما يقدم القصاص على حد السرقة.

والثالث: يستويان.

وهذه الأقوال تجري أيضا في الدين مع كل ما يجب في الذمة، كالنذور والكفارات.

  1. ومنها: لو اجتمع الدين والحج؛ ففي المقدم منهما هذه الأقوال، حكاها ابن الرفعة وغيره.

تعارض الجزية والدين والصلاة في الدار المغصوبة كتطبيقات للترجيح

  1. ومنها: الجزية والدين، فيه خلاف، والصحيح: القطع بالتسوية، وقيل: يجري فيهما الأقوال الثلاثة، كذا ذكره الرافعي في كتاب الجزية.

  2. ومنها: لو تلبس بالمكتوبة في الدار المغصوبة، فيتجه تخريجه على هذه القاعدة، سواء كان المالك حاضرا، أو غائبا، ولا يخفى وجوب الأجرة، إذا أمرناه بالاستمرار .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الحاصل الذي ذكره الشوكاني في مراتب دليل وجود العلة؟

ما كان دليل وجوده أجلى وأظهر عند العقل فهو أرجح

ما موقف الأكثرين من الترجيح بين علتين معلومتين إحداهما بالبديهة والأخرى بالنظر؟

لا يجري الترجيح بينهما

أي الأدوات الآتية تُعدّ نصاً قاطعاً في التعليل لا يحتمل غيره؟

كيلا، لأجل، من أجل

لماذا لا تُعدّ اللام قاطعةً في التعليل؟

لأنها قد ترد لبيان العاقبة لا التعليل

ما السبب الرئيسي لتقديم مسلك الإيماء على بقية مسالك العلة؟

لأن كون الإيماء للتعليل متفق عليه بخلاف غيره

من اختار تقديم السبر والتقسيم على المناسبة من الأصوليين؟

الآمدي وابن الحاجب

ما حجة من قدَّم الدوران على السبر والتقسيم؟

لأن العلية المستفادة من الدوران مطردة ومنعكسة

ما ترتيب مسالك العلة من الأقوى إلى الأضعف وفق ما ذُكر؟

الإيماء، المناسبة، السبر والتقسيم، الدوران، الشبه، الطرد

أي نوع من المناسبة يُقدَّم على غيره بحسب محل الوصف؟

المناسبة الواقعة في محل الضرورة

ما رأي الإمام فخر الدين والآمدي في تعارض المصلحة الدينية والدنيوية؟

تُقدَّم المصلحة الدينية لأن ثمرتها السعادة الأبدية

ما الأصح في تزاحم الزكاة والدين في التركة الضيقة؟

تقديم الزكاة ويُصرف الباقي للغرماء

ما الحكم الصحيح في تزاحم الجزية والدين؟

القطع بالتسوية بينهما

ما الذي يترتب على الأمر بالاستمرار في الصلاة في الدار المغصوبة؟

وجوب الأجرة

ما الذي يُميّز السبر والتقسيم عن المناسبة في إثبات العلة؟

أنه يتعرض لنفي المعارض بخلاف المناسبة

ما رأي الهندي في ترتيب مراتب المناسبة؟

الأظهر تقديم المعتبر نوعه في جنس الحكم على عكسه

ما القاعدة الكلية في الترجيح بين العلل بحسب دليل وجودها؟

ما كان دليل وجود العلة أجلى وأظهر عند العقل فهو أرجح مما لم يكن كذلك.

ما الفرق بين العلة المعلومة والعلة المظنونة في الترجيح؟

العلة المعلوم وجودها مُقدَّمة على العلة المظنون وجودها، لأن اليقين أقوى من الظن في إثبات الحكم.

ما معنى قوله تعالى {كيلا يكون دولة بين الأغنياء} في سياق التعليل؟

هو نص قطعي في تعليل تقسيم الفيء والغنائم، إذ إن (كيلا) أداة صريحة قاطعة في التعليل لا تحتمل غيره.

لماذا تُعدّ اللام في قوله تعالى {ليكون لهم عدوا وحزنا} لبيان العاقبة لا التعليل؟

لأن آل فرعون لم يلتقطوا موسى بقصد أن يكون عدواً لهم، فاللام هنا تُبيّن ما آل إليه الأمر لا الغرض المقصود.

ما أنواع الإيماء التي يُقدَّم بها على بقية المسالك؟

يُقدَّم الإيماء بأنواعه الخمسة على بقية مسالك العلة كالمناسبة والشبه والدوران وغيرها.

ما العلاقة بين تقديم الإجماع على النص وتقديم القياس الثابتة علته بالإجماع؟

تقديم القياس الثابتة علته بالإجماع مبني على الخلاف في تقديم النص على الإجماع؛ فما رُجِّح في تلك المسألة يُطبَّق هنا بالتبعية.

ما حجة الأصوليين الذين قدَّموا المناسبة على الإيماء؟

قالوا إن المناسب يقتضي ترتيب الحكم على الوصف ويشعر بالعلية، بخلاف غيره، فهو أولى بالتقديم.

ما الفرق بين المناسبة الضرورية والحاجية في الترجيح؟

المناسبة الواقعة في محل الضرورة مُقدَّمة على الواقعة في محل الحاجة، لأن الضرورة أشد حاجةً وأعظم أثراً في الحكم.

ما المقصود بالمعتبر نوعه في نوع الحكم في مراتب المناسبة؟

هو الوصف الذي اعتبر الشارع نوعه بعينه في نوع الحكم بعينه، وهو أقوى مراتب المناسبة في الترجيح.

لماذا تُقدَّم المصلحة الدينية على الدنيوية عند التعارض؟

لأن ثمرة المصلحة الدينية هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء، وهو ما جزم به الإمام فخر الدين والآمدي.

ما حجة القائلين بتقديم المصلحة الدنيوية على الدينية؟

قالوا إن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، وهو قول حكاه ابن الحاجب، غير أن الإسنوي نبّه إلى أن الآمدي ذكره سؤالاً لا قولاً.

ما الأقوال الثلاثة في تزاحم الزكاة والدين في التركة الضيقة؟

الأول: تقديم الزكاة وهو الأصح. الثاني: تقديم الدين. الثالث: التسوية بينهما.

هل تجري الأقوال الثلاثة في تزاحم الزكاة والدين في النذور والكفارات أيضاً؟

نعم، هذه الأقوال تجري في الدين مع كل ما يجب في الذمة كالنذور والكفارات وكذلك في مسألة اجتماع الدين والحج.

ما الحكم الصحيح في تزاحم الجزية والدين وفق ما ذكره الرافعي؟

الصحيح القطع بالتسوية بين الجزية والدين، وقيل تجري فيهما الأقوال الثلاثة كما في الزكاة والدين.

ما الحكم المترتب على الصلاة في الدار المغصوبة إذا أُمر المصلي بالاستمرار؟

يجب عليه الأجرة إذا أُمر بالاستمرار في الصلاة، سواء كان مالك الدار حاضراً أو غائباً.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!