اكتمل ✓
الفصل 12

هل الحلف بغير الله شرك أصغر وما حكم الترجي بالنبي صلى الله عليه وسلم؟

الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس حلفًا ولا شركًا أصغر، لأنه لا يُقصد به حقيقة اليمين. أما الحلف بغير الله فقد اختلف العلماء في حكمه، ومن منعه استند إلى ظاهر النهي العام، ومن أجازه كالإمام أحمد فرّق بين تعظيم ما عظّمه الله وبين مضاهاة الآلهة. والترجي بالنبي وارد في أحاديث صحيحة وكلام الصحابة ولا حرج فيه.

4 دقائق قراءة
  • هل الترجي بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك أصغر أم أسلوب عربي مشروع للتأكيد؟

  • المتشددون يخلطون بين الترجي بالنبي والحلف به، وبين الحلف بالنبي والحلف بآلهة المشركين.

  • العلماء اختلفوا في حكم الحلف بغير الله، فمنهم من منعه أخذًا بظاهر النهي، ومنهم من أجازه كالإمام أحمد لأن النبي أحد ركني الشهادة.

  • ابن المنذر نقل أن النهي عن الحلف بغير الله خاص بأيمان الجاهلية كاللات والعزى، ولا يشمل ما يؤول إلى تعظيم الله.

  • النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عبارة «وأبيك» في أحاديث صحيحة، وكذلك أبو بكر الصديق وزوجته، مما يدل على أنها للتأكيد لا لليمين.

  • الإمام النووي والبيضاوي أكدا أن «وأبيك» كلمة تأكيد جرت بها عادة العرب ولا تُعدّ حلفًا، والترجي بالنبي مشروع لا حرام ولا شرك.

خطأ المتشددين في مساواة الترجي بالنبي بالحلف والشرك الاصغر

يتهم المتشددون من يترجون بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك ويبادرونه بقولهم: قل لا إله إلا الله. وفي الحقيقة نتج ذلك عن خلط أمرين، الأمر الأول هو ظنهم أن الترجي بالنبي صلى الله عليه وسلم وتأكيد الكلام به من باب الحلف. والأمر الثاني أنهم اعتقدوا أن حكم الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم هو نفس حكم الحلف بآلهة المشركين. ونوضح فساد فهمهم في هذين الأمرين فيما يلي:

إن الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، والإسلام، والكعبة فلا مشابهة فيه لحلف المشركين بوجه من الوجوه، وإنما مَنَعَه مَنْ مَنَعَه مِنَ العلماء أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله، وأجازه من أجازه – كالإمام أحمد في أحد قوليه رضي الله عنه وتعليله ذلك بأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به –؛ لأنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى بل تعظيمه بتعظيم الله له، وظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله تعالى غير مراد قطعًا لإجماعهم على جواز الحلف بصفات الله تعالى، فهو عموم أريد به الخصوص.

تفسير ابن المنذر للنهي عن الحلف بغير الله وتخصيصه بأيمان الجاهلية

قال ابن المنذر:

«اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفارة فيها، وأمّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله كقوله: وحق النبي، والإسلام، والحج، والعمرة، والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلاً في النهي، وممن قال بذلك أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامًّا لنَهَوْا عن ذلك ولم يوجبوا فيه شيئًا »

ا هـ.

الترجي بالنبي وعدم دخوله في النهي عن الحلف مع شواهد من السنة

أما عن الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقةُ الحلف فغير داخل في النهي أصلًا، بل هو أمر جائز لا حرج فيه حيث ورد في كلام صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكلام الصحابة الكرام، فمن ذلك: - ما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم:

« أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهْ؛ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ»

، وحديث الرجل النجدي الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن الإسلام. وفي آخره: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:

«أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ » أَوْ « دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» .

شواهد اضافية من أحاديث النبي وآثار الصحابة في استعمال «وأبيك»

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَبِّئْنِى بِأَحَقِّ النَّاسِ مِنِّى بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، فَقَالَ:

« نَعَمْ وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ؛ أُمُّكَ »

وعَنْ أَبِى الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلاَّ فِي الْحَلْقِ أَوِ اللَّبَّةِ ؟ قَالَ:

« وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ»

وروي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أُتِيَ بِطَعَامٍ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ فَقَالَ:

« نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ » فَنُووِلَ ذِرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: « نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ »، فَنُووِلَ ذِرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: « نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ »، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ذِرَاعَانِ ! فَقَالَ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : «وَأَبِيكَ لَوْ سَكَتَّ مَا زِلْتُ أُنَاوَلُ مِنْهَا ذِرَاعًا مَا دَعَوْتُ بِهِ» .

وجاء في قصة الأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عِقْدًا لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال له:

« وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ »

وثبت في الصحاح أن امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت له:

« لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ »

تعني طعام أضيافه.

شرح النووي والبيضاوي لعبارة «وأبيك» بوصفها للتأكيد لا لليمين

قال الإمام النووي:

«ليس هذا حلفًا، وإنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله سبحانه وتعالى، فهذا هو الجواب المرضي» .

ونقل الحافظ ابن حجر قول الإمام البيضاوي في هذا الشأن حيث قال: وقال الإمام البيضاوي:

«هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء» .

خلاصة حكم الترجي بالنبي والتحذير من القول على الله بغير علم

وبناءً على ذلك فإن الترجي أو تأكيد الكلام بسيدنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو آل البيت أو غير ذلك كما جاء بالسؤال مما لا يُقصد به حقيقة الحلف هو أمر مشروع لا حرج على فاعله لوروده في كلام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وكلام الصحابة، وجريان عادة الناس عليه بما لا يخالف الشرع الشريف، وليس هو حرامًا ولا شركًا، ولا ينبغي للمسلم أن يتقول على الله بغير علم حيث يقول تعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾

. والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الخطأ الذي وقع فيه المتشددون حين اتهموا المترجي بالنبي بالشرك؟

خلطوا بين الترجي والحلف الحقيقي

ما موقف الإمام أحمد من الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم؟

أجازه لأن النبي أحد ركني الشهادة

بماذا خصّص ابن المنذر النهيَ عن الحلف بغير الله؟

بأيمان الجاهلية كاللات والعزى والآباء

في أي حديث قال النبي صلى الله عليه وسلم «أما وأبيك لتُنبَّأنَّه»؟

حديث أفضل الصدقة

ما الدليل الذي ساقه العلماء على أن النهي عن الحلف بغير الله ليس على عمومه؟

إجماعهم على جواز الحلف بصفات الله

كيف وصف الإمام النووي عبارة «وأبيك» الواردة في الأحاديث؟

كلمة تأكيد جرت بها عادة العرب لا حلف حقيقي

ما قول الإمام البيضاوي في لفظ «وأبيك»؟

يُزاد في الكلام للتقرير والتأكيد ولا يُراد به القسم

ما الذي قاله أبو بكر الصديق للأقطع الذي سرق عقد أسماء بنت عميس؟

«وأبيك ما ليلك بليل سارق»

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها في التحذير من تحريم ما لم يحرمه الله؟

﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾

ما الفرق الجوهري بين الحلف بالنبي والحلف بآلهة المشركين؟

الحلف بالنبي تعظيم لما عظّمه الله لا مضاهاة له

في حديث الرجل النجدي، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره؟

«أفلح وأبيه إن صدق»

ما الذي يدل عليه استعمال الصحابة لعبارة «وأبيك» في كلامهم؟

أن هذا الأسلوب للتأكيد لا لليمين وهو جائز

ما تعريف الشرك الأصغر وهل الترجي بالنبي منه؟

الشرك الأصغر هو كل ما نُهي عنه مما فيه تعظيم لغير الله على وجه يضاهي تعظيمه، والترجي بالنبي ليس منه لأنه أسلوب تأكيد لا يُقصد به حقيقة الحلف.

لماذا قال العلماء إن النهي عن الحلف بغير الله عموم أريد به الخصوص؟

لأن العلماء أجمعوا على جواز الحلف بصفات الله، فلو كان النهي عامًا لشمل ذلك، مما يدل على أن النهي خاص بما فيه مضاهاة لله كالحلف بالأصنام.

ما الفرق بين الترجي بالنبي والحلف بالنبي؟

الترجي هو استعمال اسم النبي للتأكيد اللغوي دون قصد اليمين، أما الحلف فهو قصد اليمين الحقيقي. والترجي جائز بالاتفاق لوروده في السنة، والحلف مختلف فيه بين العلماء.

من أجاز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم من العلماء وما حجته؟

أجازه الإمام أحمد في أحد قوليه، وعلّل ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به، فتعظيمه تعظيم لما عظّمه الله.

ما الأيمان التي نصّ ابن المنذر على دخولها في النهي؟

الأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفارة فيها.

ما الأيمان التي نصّ ابن المنذر على خروجها من النهي؟

ما كان يؤول إلى تعظيم الله كالحلف بالنبي والإسلام والحج والعمرة والهدي والصدقة والعتق، فهذه ليست داخلة في النهي عند من قال بذلك.

في أي حديث قال النبي «نعم وأبيك لتُنبَّأنَّ؛ أمك»؟

في حديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحق الناس منه بحسن الصحبة، رواه مسلم وابن ماجه.

ما مضمون حديث الذكاة الذي ورد فيه «وأبيك»؟

سأل أبو العشراء عن أبيه النبيَّ: أما تكون الذكاة إلا في الحلق أو اللبة؟ فقال النبي: «وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزأك».

ما الذي قالته زوجة أبي بكر الصديق وكيف استُشهد به؟

قالت «لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات» تعني طعام أضيافه، وهو شاهد على استعمال الصحابة أسلوب التأكيد بغير الله دون قصد اليمين.

ما الحكم الشرعي النهائي للترجي بالنبي صلى الله عليه وسلم؟

هو أمر مشروع لا حرج على فاعله، لوروده في كلام النبي وكلام الصحابة، وليس حرامًا ولا شركًا أصغر.

ما الآية التي تحذر من تحريم ما لم يحرمه الله؟

قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل: 116].

ما معنى قول النووي «النهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف»؟

يعني أن المحرَّم هو أن يقصد الشخص اليمين الحقيقي بغير الله لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله، أما من لا يقصد اليمين فلا يدخل في النهي.

كيف شبّه البيضاوي استعمال «وأبيك» بصيغة النداء؟

قال إن «وأبيك» تُزاد في الكلام للتقرير والتأكيد دون قصد القسم، كما تُزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء الحقيقي.

ما دلالة استدلال العلماء بإيجاب الصحابة الكفارة على الحالف بالعتق والهدي؟

يدل على أن الصحابة لم يروا النهي عامًا شاملًا لكل حلف بغير الله، إذ لو كان عامًا لنهوا عن ذلك ولم يوجبوا فيه شيئًا، فهو دليل على تخصيص النهي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!