اكتمل ✓

ما معنى الإيمان بالرسل وكيف يرتبط بمبدأ لا إكراه في الدين والتعايش مع الآخر؟

الإيمان بالرسل يعني الإقرار بأن الوحي مصدر معرفة لا غنى عنه إلى جانب العلم بالأكوان، وإنكاره يُعدّ جريمة معرفية تُفضي إلى العقلية الخرافية. غير أن الإسلام يُقرر في الوقت ذاته مبدأ لا إكراه في الدين، إذ يُرجئ حساب الكفر إلى الآخرة ويأمر بالتعايش والبر مع غير المقاتلين في الدنيا.

ما معنى الإيمان بالرسل وكيف يرتبط بمبدأ لا إكراه في الدين والتعايش مع الآخر؟
ما معنى الإيمان بالرسل وكيف يرتبط بمبدأ لا إكراه في الدين والتعايش مع الآخر؟
4 دقائق قراءة
  • هل يمكن الجمع بين الإيمان بالرسل ومبدأ لا إكراه في الدين دون تناقض؟ الإسلام يجيب بنعم.

  • أول ما نزل من القرآن أمر بالقراءة مرتين، إشارة إلى مصدرين للمعرفة: الأكوان والوحي معاً.

  • إنكار الإيمان بالرسل يُفضي إلى عقلية خرافية ناقصة لا تستوفي معرفتها من كلا المصدرين.

  • الله يصف الكفر بأسمائه ويُقرر سوءه، لكنه يُرجئ الحساب إلى الآخرة ويأمر بالتعايش في الدنيا.

  • الخلط بين المذهب ولازمه هو جذر الغلو عند المتطرفين والرفض عند العلمانيين على حد سواء.

  • حق الجوار من شعب الإيمان ولا يتوقف على الاتفاق في العقيدة، وهو ما بهر الناس في الإسلام.

تكرار الأمر بالقراءة وبيان مصدري المعرفة في الإسلام

شعب الإيمان 4

أول ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من القرآن قوله تعالى:

(اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [ العلق:1-5]

فكرر القراءة مرتين إشارة إلى مصادر المعرفة، إحداهما القراءة في الأكوان (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، والأخرى هي القراءة في القرآن (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم)، ومن هنا جاءت فكرة الكتاب المسطور، والكتاب المنظور، أو فكرة الأكوان والقرآن باعتبارهما معًا مصدرًا لمعرفة الإنسان معرفة مستقيمة، فمن ترك علم الأكوان وصل بعقله إلى عقلية الخرافة، ولا يستقيم له أبدًا فهم الوحي، ومن ترك علم القرآن أو ترك الوحي بجملته فإنه لا يقل في انتمائه إلى العقلية الخرافية عن ذلك الأول.

العقلية الخرافية والعقلية العلمية وخطر إنكار الرسل

فالعقلية الخرافية عرجاء تسير على قدم واحد، أو عوراء ترى بعين واحدة، فهي ناقصة على كل حال، والعقلية العلمية هي تلك التي استوفت معرفتها من الأكوان، ومن الوحي، ومن هنا نعرف أي جريمة يرتكبها ذلك الذي ينحي الشعبة الثانية من شعب الإيمان، وهي الإيمان برسل الله سبحانه وتعالى، ومن هنا أيضا نفهم مراد الله من قوله في القرآن الكريم:

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) [النساء:150].

حرية الفكر والعقيدة وترك حساب الكفر إلى الآخرة

ونلاحظ هنا أيضا أن الله سبحانه وتعالى وهو يبين لنا الحقائق ويأمرنا بالإيمان بالله وبرسله، فإنه ينبهنا أيضا على حرية الفكر وحرية العقيدة واختيار الإنسان، فيرحل الحساب على هذا النوع من أنواع الإباء والكفر إلى الآخرة، ولا يجعله مجالا للنزاع والخصام في الدنيا، وهو الأمر الذي افتقده كثير من أتباع الأديان وافتقدته العلمانية وهي تنحي الدين كوسيلة للوصول إلى السلام الاجتماعي، فالله يقرر سوء إنكار الحقائق، ويصف الأشياء بأسمائها، وأن ذلك هو الكفر الحقيقي، ولكنه يجعل جزاء ذلك يوم القيامة، أما في الدنيا، فإنه يقول لنا:

(لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) [البقرة:256]

ويقول:

(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون:6].

البر والقسط مع غير المقاتلين وخطأ استلزام النزاع من وصف الكفر

ويقول سبحانه وتعالى:

(لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [الممتحنة:8].

ولأن بعضهم يظن أن لازم الكلام تبعا للكلام نفسه، فيظن أننا عندما نصف هذا بالكفر حقًا، أن النزاع والخصام لازم على ذلك، والأمر ليس كذلك، بل أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتعايش، وهذا الظن والخلط بين المذهب ولازم المذهب، وبين الكلام ولازم الكلام نراه على ألسنة المتطرفين، كما نراه على ألسنة كثير من العلمانيين والكاتبين، ولذلك فإن كلا من الطرفين يتصور النزاع، فالمتطرف يتصوره وينفذه، والعلماني يتصوره وينكر من أجل تصوره هذا، وخوفا من النزاع والصراع الدين كله، والحقيقة أن تصورهم هذا هو الباطل، وأن استلزامهم غير دقيق، جاء من أنهم اعتادوا القراءة العابرة، لا القراءة المتأنية التي يعلمها الأزهر في مناهجه كمنهج لفهم النصوص الشرعية.

أول معالم التعايش الاستمرار على الحق مع العفو والصفح

وقضية التعايش لها معالم:

أولا: الاستمرار على الحق، وهذا يعني إقراره أولا، وبعد ذلك الإقرار فإننا لا نغير موقفنا منه، بل نستمر عليه، وذلك أنه لما أمرنا الله سبحانه وتعالى بأن نصبر على من أراد أن يغير ديننا، فقال:

(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:109-110].

ونرى هنا مع الأمر بالعفو والصفح والصبر، فإنه أمر سبحانه أيضًا بالاستمرار في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات بصورة تقرب ما نحن فيه الآن من القول بالاستمرارية على الحق، ويؤكد ذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:

(لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) [رواه الترمذي والطبراني في الكبير]

وفيه نفس المعنى.

قبول المعيشة مع المختلفين في الحلال والحرام وحدود الرأي الشخصي

إن هذا المنهج يتضمن قبول المعيشة مع الآخر الذي أختلف معه في توصيف فعل المكلف، فأنا أرى أن هذا الفعل منهي عنه، وهو حرام، وهو قد لا يرى أنه حرام، أو قد لا يرى أن هناك ما يسمى بالحرام أصلا؛ لأنه يؤمن بالله ولا يؤمن بالوحي، أو لأنه لا يؤمن لا بالله ولا بالوحي، مع أنه أيضا وهو في هذه الحالة الإلحادية يجعل هذا على نطاق نفسه، ولا يدعو إليه، ولا يضغط على المجتمع من أجل أن يسير وراءه في هذا الهراء، بل إن ذلك يمثل محض رأي شخصي يحتفظ به لنفسه، والله سبحانه وتعالى يقول:

(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون:6].

حق الجوار والحوار كإحدى شعب الإيمان وأثره في الشهادة على الناس

ثانيا: الجوار والحوار مع الآخر، ومن معالم التعايش هو أن نعتبر الجوار الذي أمرنا أن نكون حسنا، سواء مع المتفقين أو المختلفين معنا، فحق الجار حق يتعلق بالاجتماع البشري، وهو من شعب الإيمان، ولا يقف عند حدود الاتفاق والاختلاف في العقيدة أو في المذهب أو في المشرب، أو في غير ذلك من الأمور، ويدل على ذلك إطلاقية النصوص؛ حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) [رواه البخاري ومسلم]

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم]

ونلحظ في هذه الأحاديث أنه لم يميز بين الجيران على أي أساس كان. إن هذا هو الذي بهر الناس في الإسلام، وإذا لم يستطع المسلم أن يتخلق بهذه الأخلاق، فإنه لا يكون أسوة حسنة، ولا يكون شهيدًا على الناس.

وهناك نقاط كثيرة في هذا المجال نؤجلها إلى الأسبوع القادم.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يُشير إليه تكرار الأمر بالقراءة في أول ما نزل من القرآن؟

وجود مصدرين للمعرفة: الأكوان والوحي

بماذا توصف العقلية التي تعتمد على الأكوان وحدها دون الوحي؟

العقلية الخرافية الناقصة

ما الموقف الإسلامي من حساب الكفر في الدنيا وفق ما تُقرره الآيات القرآنية؟

يُترك حسابه إلى يوم القيامة

ما الخطأ الذي يقع فيه المتطرفون والعلمانيون على حد سواء وفق هذا المنهج؟

الخلط بين المذهب ولازمه فيتصورون النزاع لازماً لوصف الكفر

ما أول معالم التعايش في الإسلام؟

الاستمرار على الحق مع العفو والصفح

ما المعنى الذي يُؤكده حديث النبي: لا تكونوا إمعة؟

الثبات على الإحسان بصرف النظر عن سلوك الآخرين

هل يقتصر حق الجوار في الإسلام على الجيران المتفقين في العقيدة؟

لا، هو حق مطلق لا يتوقف على الاتفاق في العقيدة

ما الشرط الذي يجعل التعايش مع المختلف في الحلال والحرام مقبولاً إسلامياً؟

أن يحتفظ برأيه لنفسه ولا يضغط على المجتمع

ما الذي يفقده المسلم إذا لم يتخلق بحسن الجوار مع المختلفين؟

كونه أسوة حسنة وشاهداً على الناس

ما الآية التي تأمر بالبر والقسط مع غير المقاتلين من غير المسلمين؟

آية الممتحنة: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم

ما المقصود بالكتاب المسطور والكتاب المنظور في الإسلام؟

الكتاب المسطور هو القرآن الكريم والوحي، والكتاب المنظور هو الكون والطبيعة، وكلاهما مصدر للمعرفة الإنسانية المستقيمة.

ما نتيجة ترك علم الأكوان والاكتفاء بالوحي فقط؟

يُفضي إلى عقلية خرافية ناقصة لا تستقيم معها معرفة صحيحة، ولا يستقيم معها فهم الوحي نفسه.

ما الشعبة الثانية من شعب الإيمان المذكورة في هذا المحتوى؟

الإيمان برسل الله سبحانه وتعالى، وإنكارها يُعدّ جريمة معرفية تُفضي إلى العقلية الخرافية.

ماذا يقول القرآن عمن يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض؟

يصفهم بأنهم يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، وهو سبيل باطل، وهذا هو الكفر الحقيقي.

كيف يُوفّق الإسلام بين تقرير الحق ووصف الكفر وبين مبدأ لا إكراه في الدين؟

يُقرر الحق ويصف الكفر بأسمائه، لكنه يُرجئ الحساب إلى الآخرة ولا يجعل ذلك مجالاً للنزاع في الدنيا.

ما الفرق بين موقف المتطرف والعلماني من وصف الكفر؟

كلاهما يتصور النزاع لازماً لوصف الكفر، لكن المتطرف ينفذ هذا النزاع بينما العلماني ينكر الدين كله خوفاً منه.

ما المنهج الذي يُعلّمه الأزهر لفهم النصوص الشرعية وتجنب الخلط؟

القراءة المتأنية للنصوص لا القراءة العابرة، وهي التي تُميّز بين المذهب ولازمه وبين الكلام ولازم الكلام.

ما المعنى الذي تُجسّده آية: فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره؟

الأمر بالصبر والعفو والصفح على من يريد تغيير دين المسلمين، مع الاستمرار في إقامة الصلاة وفعل الخيرات.

ما الفرق بين الإمعة وغير الإمعة في حديث النبي؟

الإمعة يتبع الناس في الإحسان والظلم، أما غير الإمعة فيُحسن دائماً بصرف النظر عن سلوك الآخرين.

ما حكم البر والقسط مع غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين؟

الله لا ينهى عنه بل يأمر به، ويُحب المقسطين، وذلك وفق آية الممتحنة الثامنة.

لماذا يُعدّ حق الجوار من شعب الإيمان لا من مجرد الأخلاق العامة؟

لأن النصوص النبوية ربطته بالإيمان بالله واليوم الآخر، وجبريل كان يوصي به النبي حتى ظن أنه سيورّث الجار.

ما أثر حسن الجوار مع المختلفين على مكانة المسلم بين الناس؟

يجعله أسوة حسنة وشاهداً على الناس، وهو ما بهر الناس في الإسلام عبر التاريخ.

ما الشرط الذي يجعل الملحد مقبول التعايش معه وفق هذا المنهج؟

أن يجعل إلحاده على نطاق نفسه ولا يدعو إليه ولا يضغط على المجتمع ليسير وراءه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!