اكتمل ✓

ما هي عوامل تغير الفتوى في الفقه الإسلامي وما الأحكام التي تتغير وما التي تثبت؟

تتغير الفتوى بتغير أربعة عوامل هي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهذا التغير يختص بالأحكام المبنية على الأعراف والعادات والأحكام الاجتهادية المستنبطة بالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان. أما الأحكام القطعية النصية كوجوب الصلاة والصيام وتحريم الزنى والخمر فلا تتغير بتغير الأزمان والأماكن. وقد قرر ابن عابدين وابن القيم هذا التقسيم صراحةً، مؤكدَين أن المصلحة هي المحرك الأساسي لتغير الأحكام الاجتهادية.

ما هي عوامل تغير الفتوى في الفقه الإسلامي وما الأحكام التي تتغير وما التي تثبت؟
ما هي عوامل تغير الفتوى في الفقه الإسلامي وما الأحكام التي تتغير وما التي تثبت؟
4 دقائق قراءة
  • هل يجوز أن تختلف الفتوى من بلد لآخر أو من زمن لآخر، وما الضوابط التي تحكم ذلك في الفقه الإسلامي؟

  • تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: أحكام قطعية ثابتة لا تتغير كوجوب الصلاة والصيام وتحريم الزنى، وأحكام اجتهادية مبنية على الأعراف تتغير بتغير الزمان والمكان.

  • قرر ابن عابدين أن كثيراً من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير العرف، وإلا لأفضى ثباتها إلى المشقة والضرر المخالف لمقاصد الشريعة.

  • ابن القيم ميّز بين نوعين من الأحكام: ما لا يتغير كالحدود المقدرة شرعاً، وما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة.

  • البيئة والمناخ يؤثران في بعض الأحكام كأوقات الصلاة والصوم في القطبين، وسن البلوغ الذي يختلف بين الأقطار الحارة والباردة.

  • رفض الإمام مالك توحيد الناس على الموطأ في جميع الأقطار، مقرراً حق كل بلد في الأخذ بما يناسبه ما دام الهدف إقامة الحق والعدل.

ارتباط مراحل صياغة الفتوى بعوامل تغيرها وحدود الأحكام المتغيرة

التأصيل الحضاري للتشريع الإسلامي.. «تغير الفتوى»

معرفة مراحل صياغة الفتوى الأربع وهي: التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، وإصدار الفتوى - ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومنهجياً بقضية أخرى، وهي عوامل تغير الفتوى، فتختلف الفتوى باختلاف الجهات الأربع (الزمان والمكان والأشخاص والأحوال) ويختص ذلك فقط بالأحكام المبنية على الأعراف والعادات والأحكام الاجتهادية التي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية، أما الأحكام التي لا تبنى على الأعراف والعادات، والأحكام الأساسية النصية بالأمر أو النهي، فإنها لا تتغير بتغير الأزمان، ولا بتغير الأماكن، ولا بتغير الناس، كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والأمانة والصدق، وإباحة البيع والشراء، والرهن والإجارة، ووجوب الميراث وبيان أنصبتها، وغيرها من الأحكام المأمور بها، ومثل حرمة الزنى وشرب الخمر، وحرمة القمار والكذب وشهادة الزور والخيانة، وتحريم الفرار من المعركة، وتعاطي الكهانة وادعاء معرفة الغيب، وغيرها من الأحكام المنهي عنها.

تقسيم ابن عابدين وابن القيم للأحكام بين الثبات والتغير بالمصلحة

قال ابن عابدين: «اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح اللفظ، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي.. وكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً، للزم عنه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام»، (انظر رسائل ابن عابدين ٢/١٢٥).

وقال ابن القيم: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة والأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير فيها بحسب اقتضاء المصلحة» (إغاثة اللهفان١/٣٣١).

ثبات الأحكام القطعية مع تغير أساليب تطبيقها عبر العصور

والأحكام القطعية الأصلية، سواء الأمر أو النهي -وهي التي لا تتبدل بتبدل الأعراف والعادات- يمكن أن تتغير أساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها باختلاف الأزمان، فمثلا حماية الحقوق المكتسبة حكم قطعي كان يقوم به القاضي الفرد، أما في عصرنا هذا فقد تعددت درجات المحاكم من قاضي الصلح إلى محكمة ابتدائية أو محكمة الاستئناف أو محكمة النقض وغير ذلك، فتغير الأسلوب ولم يتغير الحكم الأصلي.

والمقصود بتغير الزمان تغير العادات والأحوال للناس في زمن عنه في زمن آخر، مهما اختلفت المؤثرات التي أدت إلى تغير الأعراف والعادات، وقد أُسند التغيير إلى الزمان مجازاً، فالزمن لا يتغير، وإنما الناس هم الذين يطرأ عليهم التغيير، والتغيير لا يشمل جوهر الإنسان في أصل جبلِّته وتكوينه، فالإنسان إنسان منذ خلق، لكن التغيير يتناول أفكاره وصفاته وعاداته وسلوكه، مما يؤدي إلى وجود عرف عام أو خاص، يترتب عليه تبديل الأحكام المبنية على الأعراف والعادات، والأحكام الاجتهادية التي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية.

مفهوم نسبة التغير للزمان وفساد الزمان وأثره في الفتوى

وإنما نُسب التغيير لتغير الزمان في كلام بعض أهل العلم، لأن الزمان هو الوعاء الذي تجرى فيه الأحداث والأفعال والأحوال، وهو الذي تتغير فيه العوائد والأعراف، فنسبة تغير الفتوى لتغير الزمان من هذا الباب، ويعبر عنه أيضا بفساد الزمان، ويُقصد بفساد الزمان فساد الناس وانحطاط أخلاقهم وفقدان الورع وضعف التقوى، مما يؤدى إلى تغيّر الأحكام تبعاً لهذا الفساد ومنعاً له، وقد أصبح انتشاره عرفاً اقتضى تغير الحكم لأجله.

أما عن تغير المكان، فيعود إلى اختلاف البيئة، حيث إن له أثراً مهماً في تغير الأحكام الشرعية، لأن الناس يأخذون بعض الخصائص من البيئة، وهذه الخصائص تؤثر في العادات والعرف والتعامل، لذلك تظهر عيوب القوانين بوضوح، بانتقالها من أمة إلى أخرى.

موقف الإمام مالك من توحيد الناس على الموطأ واختلاف البلدان

وقد طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يكتب للناس كتابا يتجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، فكتب الموطأ، وأراد المنصور أن يحمل الناس في الأقطار المختلفة على العمل بما فيه، فأبى الإمام مالك وقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقد سبقت إلى الناس أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، فعدل المنصور عن عزمه. وهكذا يقرر الإمام مالك ترك الناس في الأقطار المختلفة أحراراً في الأخذ بما سبق إليهم، أو اختيار ما يطمئنون إليه من أحكام ما دام هدف الجميع إقامة الحق والعدل، في ضوء كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم.

تأثير البيئة والمناخ في بعض الأحكام كأوقات العمل والصلاة والبلوغ

وهناك تأثر ليس من خصائص الناس، بل من خصائص البيئة، مثل الأحكام التي خرجت للاستفادة من ماء دجلة والفرات في العراق في المذهب الحنفي، وقد تتأثر البيئة بالعوامل الجوية كالمطر والقحط والحرارة والبرودة وغيرها، وهذا يؤثر في حياة الناس وأعرافهم وعاداتهم وتعاملهم، ونتيجة لهذا التغير تختلف الأحكام، مثل اختلاف أوقات العمل، على حسب درجة البرودة والحرارة أو الاختلافات الأخرى، مثل الحال في القطبين الشمالي والجنوبي، حيث تختلف أوقات الصلاة والصوم هناك، وأيضاً يختلف البلوغ عادة في الأقطار الحارة عن الأقطار الباردة، فالصبي في سن الرابعة عشرة في بلد ما يبلغ الحُلُم فيصير مكلفاً، ونظيره في بلد آخر لا يبلغ فلا يكون مكلفاً، فسقوط التكليف عن أحدهما وقيامه بالآخر ليس لاختلاف الخطاب الموجَّه إليهما، بل الخطاب واحد، لكن الاختلاف في متعلقه وهو وقوع التكليف على من عاش في بلد حار فظهرت عليه أمارات البلوغ، وعدم التكليف على من عاش في بلد آخر ولم تظهر عليه الأمارات نفسها.

خلاصة تأثير العوامل الأربعة على الفتوى ومسؤولية المفتي

هذا عرض موجز لتأثير بعض العوامل الأربعة على الفتوى الشرعية التي تتغير بتغيرها، وهو أمر منفصل عن المراحل الأربع لصياغة الفتوى، وعلى المفتي أن يراعي هذه العوامل قبل إصدار فتواه، رزقنا الله حسن الفهم وصدق القول والإخلاص في العمل.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الجهات الأربع التي تتغير بها الفتوى الشرعية؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

أي من الأحكام التالية يتغير بتغير الأزمان والأماكن؟

الأحكام المبنية على الأعراف والعادات

ما الذي يقصده الفقهاء بـ'فساد الزمان' في سياق تغير الفتوى؟

فساد الناس وانحطاط أخلاقهم وضعف التقوى

ما الكتاب الذي طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك تأليفه؟

الموطأ

لماذا رفض الإمام مالك توحيد الناس على كتابه في جميع الأقطار؟

لأن كل قوم قد سبقت إليهم أقاويل وأخذوا بما سبق إليهم

وفقاً لابن القيم، ما النوع الأول من الأحكام الذي لا يتغير؟

الواجبات والمحرمات والحدود المقدرة شرعاً

ما المثال الذي يوضح تغير أسلوب تطبيق الحكم القطعي مع بقاء الحكم ثابتاً؟

تعدد درجات المحاكم مع بقاء مبدأ حماية الحقوق

ما الأدلة الفرعية التي تُستنبط منها الأحكام الاجتهادية القابلة للتغير؟

القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها

كيف يختلف سن البلوغ والتكليف بين الأقطار الحارة والباردة؟

الصبي في البلد الحار قد يبلغ في سن الرابعة عشرة بينما لا يبلغ نظيره في البلد البارد

ما الذي يقصده ابن عابدين بقوله إن الأحكام تختلف باختلاف الزمان؟

أن تغير العرف أو حدوث ضرورة يستوجب تغير الأحكام الاجتهادية

ما المراحل الأربع لصياغة الفتوى؟

التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، وإصدار الفتوى.

ما الأحكام التي لا تتغير بتغير الأزمان والأماكن؟

الأحكام القطعية النصية كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والجهاد، وتحريم الزنى وشرب الخمر والقمار والكذب وشهادة الزور.

ما الأحكام التي تتغير بتغير الأعراف والعادات؟

الأحكام الاجتهادية المستنبطة بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية.

ما مرجع ابن عابدين الذي ورد فيه كلامه عن تغير الأحكام بتغير الزمان؟

رسائل ابن عابدين، الجزء الثاني، صفحة 125.

ما مرجع ابن القيم الذي ورد فيه تقسيمه للأحكام بين الثابت والمتغير؟

إغاثة اللهفان، الجزء الأول، صفحة 331.

ما المقصود بنسبة التغير إلى الزمان في كلام الفقهاء؟

الزمان هو الوعاء الذي تجري فيه الأحداث والأحوال، فنسبة التغير إليه مجازية، والتغير الحقيقي يقع على الناس في أفكارهم وعاداتهم وسلوكهم.

ما أثر اختلاف البيئة في الأحكام الشرعية؟

البيئة تؤثر في خصائص الناس وعاداتهم وأعرافهم وتعاملهم، مما يؤدي إلى اختلاف الأحكام المبنية على هذه الأعراف، ولهذا تظهر عيوب القوانين حين تُنقل من أمة إلى أخرى.

ما موقف الإمام مالك من توحيد الناس على الموطأ؟

رفض الإمام مالك ذلك وقال للمنصور: دع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، لأن كل قوم قد سبقت إليهم أقاويل وأخذوا بما سبق إليهم.

كيف تغير أسلوب تطبيق حكم حماية الحقوق المكتسبة عبر العصور؟

كان يقوم به القاضي الفرد قديماً، أما اليوم فتعددت درجات المحاكم من قاضي الصلح إلى محكمة ابتدائية واستئناف ونقض، فتغير الأسلوب ولم يتغير الحكم الأصلي.

ما الشرط الذي وضعه الإمام مالك لقبول اختلاف الأقطار في الأحكام؟

أن يكون هدف الجميع إقامة الحق والعدل في ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ما أثر العوامل الجوية كالحرارة والبرودة في الأحكام الشرعية؟

تؤثر في حياة الناس وأعرافهم وعاداتهم، مما يؤدي إلى اختلاف أحكام كأوقات العمل وأوقات الصلاة والصوم في القطبين وسن البلوغ.

ما الفرق بين تغير الحكم الأصلي وتغير أسلوب تطبيقه؟

الحكم الأصلي القطعي يبقى ثابتاً لا يتغير، أما أسلوب تطبيقه ووسائل تحقيقه فيمكن أن تتطور وتتغير باختلاف الأزمان والأحوال.

ما الذي يترتب على انتشار فساد الناس وضعف التقوى من الناحية الفقهية؟

يؤدي إلى تغير بعض الأحكام الاجتهادية درءاً لهذا الفساد ومنعاً له، إذ يصبح انتشاره عرفاً يقتضي تغير الحكم.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!