اكتمل ✓

كيف يحقق المسلم الفرقان بين الحق والباطل وما هي خطوات الخروج من المعاصي والفتن؟

يتحقق الفرقان بين الحق والباطل بتقوى الله التي تمنح المسلم البصيرة والقدرة على التمييز، مع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة ذكر الله. والخروج من المعاصي يمر بخطوات متدرجة أبرزها اكتساب البصيرة التي تُخرج من الظلمات إلى النور. أما في زمن الفتن فالنجاة تكون بالفرار منها وعدم الانجرار إليها، مستعينًا بكتاب الله وسنة نبيه مقياسًا للحق.

كيف يحقق المسلم الفرقان بين الحق والباطل وما هي خطوات الخروج من المعاصي والفتن؟
كيف يحقق المسلم الفرقان بين الحق والباطل وما هي خطوات الخروج من المعاصي والفتن؟
8 دقائق قراءة
  • كيف يخرج المسلم من المعاصي والشهوات المحرمة وما الخطوات العملية لذلك؟

  • الخطوة الثالثة للخروج من المعاصي هي اكتساب البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق والباطل، وهي ثمرة استحضار النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة الذكر.

  • التقوى هي السبب المباشر لمنح الله الفرقان للمؤمن، كما بيّنت آية الأنفال، وهو نور يهدي إلى الصراط المستقيم.

  • الفتنة في القرآن الكريم تحمل معاني متعددة: الابتلاء والاختبار، والكفر، والفضيحة، والعذاب، والتلبيس بين الحق والباطل.

  • في زمن الفتنة تختلط الأوراق ويصعب تمييز الحق، وقد تتقلب أحوال الناس بين الإيمان والكفر في يوم واحد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

  • مقياس معرفة الحق والباطل هو الأفكار والآراء لا الأشخاص، والمرجع الكتاب والسنة، والنجاة من الفتن بالفرار منها كما أوصى الغرباء.

الخطوة الثالثة للخروج من المعاصي وهي رؤية الحق من الباطل

خطوات الخروج من المعاصي والشهوات المحرمة (4)

تكلمنا في المقالات السابقة عن الخطوة الأولى للخروج من المعاصي وهي أن تجعل النبي صلى الله عليه وسلم أبا لك، والخطوة الثاني أن تذكر الله كثيرا، وفصلنا في مسائل الذكر، وفي هذه المرة نتكلم عن الخطوة الثالثة وهي القدرة على التفريق ورؤية الحق من الباطل.

وهذه الخطوة مترتبة على الخطوتين السابقتين، فإن استحضار صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يجعله المسلم أبا له مع كثرة الذكر يولد في النفس والقلب البصيرة، ويتمكن من المفارقة، ولكن هذه المفارقة لا تتأتى إلا بالافتقار إلى الله وأن يطلب ذلك منه لأنه هو الحق سبحانه، وهو الهادي إليه، يقول تعالى :

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس :35].

وفي الدعاء المأثور اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

تحقيق البصيرة والخروج من الظلمات إلى النور بذكر الله

وتحقيق تلك البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق والباطل يرى المؤمن دائرة النور ودائرة الظلام، فيرى في النور طاقة، ويرى فيه بيان وحلاوة وكشف عن الحقائق، ويرى في الظلام برودة ورائحة خبيثة وأحوالا مردية، ويخرج المسلم من الظلمات إلى النور بذكر الله والاستعانة به، فالله سبحانه وتعالى يوالي الذين آمنوا به ويخرجهم من الظلمات إلى النور كما وعد سبحانه بذلك في كتابه العزيز فقال تعالى :

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة :257].

التقوى سبب الفرقان واتباع النور المحمدي والقرآن الكريم

ويتحصل الإنسان على هذه القدرة من التفريق بين الحق والباطل بتقوى الله عز وجل، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال :29].

فالتفريق بين الحق والباطل نور، ويحققه الله لمن اتبع نوره الهادي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واستجاب للكتاب العزيز القرآن الكريم، قال تعالى :

﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة :15، 16].

حكمة خلق النور والظلمات والأضداد لتمييز الأشياء

والنور والظلمات من خلق الله، ومن فوائد خلق الأضداد في الكون تمييز الأشياء، فما كان لنا أن ندرك قيمة النور إن لم يكن هناك ظلمات، ولا قيمة الصحة إن لم يكن هناك مرض، ولكن الذين يستحبون الظلمات على النور هم الجائرين الذين انحرفوا عن مراد الله، ولذا يقول تعالى :

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام :1].

وقديما قالوا : وبضدها تتميز الأشياء.

التضاد في المخلوقات بين الخير والشر وبين الكمال والجمال

ولا تعني علاقة التضاد بين المخلوقات أن أحد الأطراف شر والآخر خير، فإن هذا قد يتحقق في الحق والباطل، في الظلمات والنور، والصدق والكذب، في الصحة والمرض -على تفصيل- إلا أنه لا يتحقق في الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والأبيض والأسود، فهذه المتناقضات في خلق الله تقضي الكامل وخلقها الله متناقضة ليظهر كل ضد حسن الآخر، وذلك مصداقا لقول الشاعر :

الخد كالصبح مبيض والشَّعْر كالليل مسودُّ

ضدان لما استجمع حسنا والضد يظهر حسنه الضد

تسمية التوراة والقرآن بالفرقان ودوره في تمييز الحق

ولقد سمى الله التوراة وصحف موسى عليه السلام بالفرقان، قال تعالى :

﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة :53].

وقال سبحانه :

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء :48]

وسمى ربنا القرآن بالفرقان، في سورة اسمها [الفرقان] قال تعالى :

﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ الفرقان :1]،

وقال تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة :185]،

وقال سبحانه :

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [آل عمران :3 ، 4].

وإطلاق الفرقان على كلام الله باعتبار أنه الأداة التي يفرق بها الإنسان بين الحق والباطل، ويهتدي به إلى الطريق المستقيم.

تلقيب عمر بالفاروق وحاجة المسلم للفرقان زمن الفتن

وسمي أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بالفاروق لشدة بصيرته ولعظمة قدرته على التفريق بين الحق والباطل مهما كان هناك لبس وخلط في الأمور.

والمسلم يحتاج إلى الفرقان من ربه في كل وقت وفي كل مكان، ويشتد احتياجه له في وقت الفتنة وزمانها، فما هي الفتنة وما هي حقيقتها، وكيف يخرج المسلم منها بفرقان ربه ؟

التعريف اللغوي للفتنة ومعنى الابتلاء والاختبار في القرآن

الفتنة في اللغة هي : الابتلاء والامتحان والاختبار, وأصلها مأخوذ من قولك : «فتنت الفضة والذهب» إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد. وعلى هذا المعنى قوله تعالى :

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة :102].

ومنها قوله تعالى :

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال :28].

وقوله تعالى :

﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء :35].

معاني الفتنة ككفر وقتال وفضيحة وعذاب في القرآن

وتأتي الفتنة بمعنى الكفر كما في قوله تعالى :

﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة :193].

ومنها قوله تعالى :

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب :14].

كما تأتي بمعنى الفضيحة كما في قوله تعالى :

﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة :41].

وتأتي الفتنة بمعنى العذاب، والعقوبة قال تعالى :

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [الأنفال :25].

ومنها قوله تعالى :

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور :63].

ومنها قوله تعالى :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت :10].

ومنها قوله تعالى:

﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات : 62 ، 63].

الفتنة كقتل وسوء وضلال وتلبيس بين الحق والباطل

وتأتي الفتنة بمعنى القتل والاقتتال بين الناس، منها قوله تعالى :

﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال :73].

قال تعالى :

﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة :126]

وتأتي بمعنى السوء والمكروه ومن ذلك قوله تعالى :

﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾ [الحج :11].

وتأتي بمعنى الضلال والغواية، ومن ذلك قوله تعالى :

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج :53]

وتأتي الفتنة بمعنى التلبيس والخلط بين الأمور لإخفاء الحقيقة، ومنها قوله تعالى :

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران :7].

وقوله تعالى :

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة :48].

الاستعاذة النبوية من الفتن المتنوعة في الصلاة

ولقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين كل هذه المعاني، فيما كان يتعوذ من الأدعية في الصلاة، فقد روت السيد عائشة رضي الله عنها :

«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر, وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال, وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات, اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» [رواه البخاري ومسلم].

والفتنة بمعنى الخلط والتلبيس هي التي نقصدها بالحديث في ذكر الفرقان والتفريق بين الحق والباطل، فزمان الحق هو الزمن الذي يغلب فيه الحق ويسود ويخبو فيه الباطل ويضمحل، وزمان الباطل هو عكس ذلك فيغلب فيه الباطل والظلم ويخبو فيه الحق ويقل، إلا أن الرؤية تكون واضحة في هذين الزمانين، أما زمن الفتنة وهو الزمن الذي تختلط فيه الأوراق وتلتبس فيه الأمور فتصعب رؤية الحق، ومعرفة الباطل.

اللبس في النفس وتقلب الإيمان في زمن الفتن الشديدة

وهذا اللبس أو الفتنة قد تحدث في النفس البشرية فتلتبس الأمور داخل الإنسان فتجعل الحليم حيران، فيفقد وضوح الرؤية وتختلط عليه الأمور كثيرا، ويكون ذلك التباس في الرؤية والنفس، ويحتاج فيه المسلم إلى فرقان ربه وتبينه الذي كان سائدا في أول الأمر في زمن غلبة الحق، قال تعالى :

﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة :256].

وقد تشتد هذه الفتن كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وتقلب حال الناس بين الكفر والإيمان مرات كثيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

«بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» [رواه مسلم]

الخلط المجتمعي بين أهل الحق والباطل وطلب الصراط المستقيم

وهناك نوع آخر من الخلط واللبس يكون في المجتمع، وينتج من تداخل أهل الحق وأهل الباطل فيختلط هؤلاء بأولئك فيصعب تميزهم، ويحتاج المؤمن في هذا النوع من الاختلاط بين أهل الحق وأهل الباطل لنوع آخر من التمييز، ولذا أمر الله الناس أن يطلبوا منه هداية طريق أهل الحق، والبعد عن طريق أهل الباطل، قال تعالى :

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة :7].

إلا أن المقياس في معرفة الحق والباطل يعود إلى الأفكار والآراء لا إلى الأشخاص، فالرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، والحق المطلق هو الله سبحانه وتعالى، ونعرفه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهما مقياس معرفة الحق والباطل، فلا توجد عصمة لأحد غير الأنبياء لأنهم مبلغين عن ربهم، أما غير الأنبياء فأقوالهم وآراءهم واجتهادهم يخضع للتقييم بمعايير النص الشرعي.

الفرقان كبينة من الله وموقف الأنبياء مع أقوامهم

فالفرقان هو البينة من الله للتفريق بين الحق والباطل، وبين أهل الحق والباطل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم به يعرف الحق من الباطل أمره ربه سبحانه وتعالى أن يخبرنا بأنه على بينة منه سبحانه وتعالى، فقال تعالى :

﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ [الأنعام :57].

كما أن كتاب ربنا هو مقياس لمعرفة الحق كذلك سماه ربنا بينة كذلك، فقال تعالى :

﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام :157].

وقد يضل الناس ويرون الباطل حقا، وتأبى عقولهم الاستجابة لأمر الله، في هذه الحالة يأمر الله الأنبياء بأن يعلموا الناس أنهم على بينة ويتركوا لهم حرية الرأي والعقيدة، كما أخبر سبحانه عن نوح عليه السلام حيث قال تعالى :

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود :28].

إنكار قوم هود للبينة وخصائص الفتنة وموقف الغرباء

وقد ذكر ربنا عن قوم هود ذلك فقال تعالى :

﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود :53]

إلى أن قال لهم هود عليه السلام ما حكاه القرآن، في قوله تعالى :

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود :57].

ومن خصائص الفتنة أنها في بداية أمرها يشتد اختلاطها وفي نهاية أمرها تعرف وينتبه الإنسان لها، والمؤمن مأمور في الفتنة بالبعد عنها وعدم تزكيتها وعدم الدخول فيها، فالنجاة في الفرار من الفتن، وهذا مسلك الغرباء الذين أحب الناس إلى الله تعالى كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :

«أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء. قيل : ومن الغرباء ؟ قال : الفرارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام» [رواه أبو نعيم في حلية الأولياء].

ويقول الإمام علي ناصحا الناس في الفتن :

«كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب» [نهج البلاغة].

وليس معنى ذلك أن يعتزل المسلم المجتمع، وإنما معنى ذلك أن لا يعطي نفسه شيئا للفتنة ولا ينجر إليها ويستدرج فيها. (يتبع)

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الخطوة الثالثة للخروج من المعاصي والشهوات المحرمة؟

اكتساب البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق والباطل

ما الآية القرآنية التي تربط التقوى بمنح الفرقان؟

﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفر عنكم سيئاتكم﴾

ما الأصل اللغوي لكلمة «الفتنة»؟

من إذابة الفضة والذهب بالنار لتمييز الرديء من الجيد

لماذا لُقِّب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالفاروق؟

لشدة بصيرته وقدرته على التفريق بين الحق والباطل

ما الحكمة من خلق الله الأضداد كالنور والظلمات في الكون؟

لتمييز الأشياء وإدراك قيمتها

ما المقياس الصحيح لمعرفة الحق والباطل عند الاختلاط بين أهلهما؟

الأفكار والآراء المبنية على الكتاب والسنة لا الأشخاص

ما الفتنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها في الصلاة وفق الحديث الوارد؟

فتنة المسيح الدجال وفتنة المحيا والممات وعذاب القبر

ما الذي يحدث للإنسان في زمن الفتنة الشديدة وفق الحديث النبوي؟

يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا

لماذا سمى الله القرآن الكريم والتوراة بالفرقان؟

لأنهما الأداة التي يفرق بها الإنسان بين الحق والباطل ويهتدي بها

من هم الغرباء الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أحب شيء إلى الله؟

الفرارون بدينهم من الفتن

ما موقف الأنبياء حين يرفض أقوامهم الاستجابة للحق؟

يُعلمونهم أنهم على بينة ويتركون لهم حرية الرأي والعقيدة

ما خاصية الفتنة في بدايتها ونهايتها؟

تبدأ مختلطة شديدة الاشتباه وفي نهايتها تُعرف وينتبه الإنسان لها

ما معنى قول الإمام علي: «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب»؟

لا تعطِ نفسك للفتنة ولا تنجر إليها مع البقاء في المجتمع

ما الدعاء المأثور المتعلق بالتفريق بين الحق والباطل؟

«اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه».

ما الذي يولّده استحضار النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة الذكر في قلب المسلم؟

يولّدان البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق والباطل، مما يُمكّن المسلم من مفارقة المعاصي.

ما الفرق بين زمن الحق وزمن الباطل وزمن الفتنة؟

زمن الحق يغلب فيه الحق ويخبو الباطل، وزمن الباطل عكسه، أما زمن الفتنة فتختلط فيه الأوراق وتصعب رؤية الحق ومعرفة الباطل.

ما معنى قولهم القديم «وبضدها تتميز الأشياء»؟

لا يُدرك الإنسان قيمة الشيء إلا بوجود ضده؛ فلا تُعرف قيمة النور إلا بالظلمات، ولا قيمة الصحة إلا بالمرض.

هل يعني التضاد بين الغني والفقير أن أحدهما خير والآخر شر؟

لا، فالتضاد بين الغني والفقير والأبيض والأسود لا يعني الخير والشر، بل خلقها الله متناقضة ليظهر كل ضد حسن الآخر.

في أي سورة قرآنية سمى الله القرآن بالفرقان صراحةً؟

في سورة الفرقان، قال تعالى: ﴿تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا﴾.

ما معنى الفتنة بمعنى التلبيس وكيف يتعامل معها أصحاب القلوب المريضة؟

التلبيس هو الخلط بين الأمور لإخفاء الحقيقة، وأصحاب القلوب المريضة يتبعون المتشابه من القرآن ابتغاء الفتنة كما أخبر الله تعالى.

ما الشرط الذي ذكره نوح عليه السلام لقومه حين رفضوا الحق؟

أخبرهم أنه على بينة من ربه وأن رحمة الله جاءته، لكنه لا يستطيع إلزامهم بها وهم كارهون، فترك لهم حرية الاختيار.

ما الذي قاله قوم هود حين جاءهم بالبينة؟

قالوا: ﴿يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين﴾.

ما الفرق بين الفتنة التي تحدث في النفس والفتنة التي تحدث في المجتمع؟

الفتنة في النفس هي التباس الأمور داخل الإنسان فيفقد وضوح الرؤية، أما الفتنة في المجتمع فتنتج من تداخل أهل الحق وأهل الباطل حتى يصعب تمييزهم.

لماذا لا توجد عصمة لأحد غير الأنبياء في معرفة الحق؟

لأن الأنبياء مبلّغون عن ربهم فكلامهم حجة، أما غيرهم فأقوالهم وآراؤهم واجتهاداتهم تخضع للتقييم بمعايير النص الشرعي من الكتاب والسنة.

ما الآية التي تأمر المسلم بطلب هداية طريق أهل الحق والبعد عن طريق أهل الباطل؟

قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ من سورة الفاتحة.

ما وعد الله للمؤمنين الذين يذكرونه ويستعينون به في الخروج من الظلمات؟

وعدهم بأن يكون وليّهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾.

ما معنى الفتنة بمعنى الكفر في القرآن الكريم؟

وردت بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾، أي حتى لا يكون كفر وشرك.

ما الذي يبيعه الإنسان دينه به في زمن الفتن الشديدة وفق الحديث النبوي؟

يبيع دينه بعرض من الدنيا، أي بمتاع دنيوي زائل، فيصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا أو العكس.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!