ما معنى حديث كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وكيف قسّم العلماء البدعة وما حكم الخلاف بين المذاهب؟
حديث «كل بدعة ضلالة» يُراد به البدعة المذمومة التي ليس لها أصل في الشريعة، وليس كل محدثة بدعة ضلالة. فقد قسّم جمهور العلماء كالشافعي والعز بن عبد السلام البدعة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. أما الخلاف بين المذاهب في المسائل الاجتهادية فهو رحمة واسعة، ولا يجوز وصف المخالف بالابتداع أو الفسق بسببه.
- •
هل يجوز وصف المخالف في المسائل الاجتهادية بالابتداع أو الفسق، وما أثر ذلك على وحدة الأمة؟
- •
الخلاف بين العلماء في المسائل غير القطعية موجود منذ عهد الصحابة، وهو رحمة واسعة لا تفريق للأمة.
- •
حديث «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» يُراد به البدعة المذمومة التي ليس لها أصل في الشريعة فحسب.
- •
قسّم جمهور العلماء البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، وفق قواعد الشريعة.
- •
الترك النبوي والصحابي لعبادة لا يُفيد تحريمها ولا كراهتها بمفرده، وهذا محل اتفاق بين العلماء.
- •
كتب المذاهب الفقهية الأربعة لها مراتب ومراجع معتمدة ينبغي معرفتها لطالب العلم والمفتي.
- 1
الكتب التي تصف المخالف بالابتداع والفسق تُهدد وحدة الأمة، ولكل عالم حق عرض مذهبه دون اتهام المخالف.
- 2
هوية الإسلام الثابتة لا خلاف فيها، أما المسائل الاجتهادية فالخلاف فيها جائز ومقبول منذ عهد الصحابة.
- 3
تبديع المجتهد المخطئ غير جائز، واختلاف الأئمة رحمة واسعة كما قال ابن قدامة والذهبي وابن العربي.
- 4
إلزام الناس بمذهب واحد وادعاء انفراده بالحق إرهاب فكري مذموم، والخلاف الاجتهادي رحمة لا تفريق.
- 5
البدعة لغةً هي كل محدثة، وتُستعمل غالبًا في الذم، وجذرها اللغوي يدل على الإتيان بشيء لا مثال له سابق.
- 6
المسلك الأول يُعرّف البدعة بكل محدثة لم تُعهد في عهد النبي، ويقسّمها إلى خمسة أحكام وفق قواعد الشريعة.
- 7
المسلك الثاني يقصر البدعة على المذمومة فقط، وكلا المسلكين يتفقان على أن «كل بدعة ضلالة» يُراد بها ما خالف الشريعة.
- 8
الغزالي والنووي وابن الأثير وابن منظور يتفقون على أن حديث «كل بدعة ضلالة» يُراد به ما خالف الشريعة لا كل محدثة.
- 9
جمهور العلماء من المذاهب الأربعة يقسّمون البدعة إلى خمسة أحكام مع أمثلة تطبيقية من السنة وأقوال الصحابة.
- 10
أدلة تقسيم البدعة من قول عمر وابن عمر وحديث السنة الحسنة، والرؤيتان الإجمالية والتفصيلية تتفقان في الجوهر.
- 11
الترك ليس دليلاً شرعيًا مستقلاً باتفاق العلماء، ومسالك إثبات الحكم الشرعي أربعة متفق عليها لا يدخل فيها الترك.
- 12
ابن حزم وغيره من الفقهاء لم يعتبروا ترك الصحابة لعبادة دليلاً على كراهتها ما لم يُصرّحوا بذلك.
- 13
ترك النبي صيام شهر كامل غير رمضان لا يدل على حرمته ولا كراهته، وهذا مسلك ابن حزم في تطبيق قاعدة الترك.
- 14
صنع الصحابة المنبر وإنشاء الصحابي دعاءً في الصلاة دليلان على أن الترك النبوي لا يعني التحريم ولا البدعة.
- 15
قصة بلال وصلاة الوضوء تُثبت أن مطلق الترك النبوي لا يُفيد تحريمًا ولا كراهةً، وهو ما أقره النبي بسكوته.
- 16
دراسة المذاهب الفقهية تتدرج من المتون إلى المراجع الكبيرة على يد العلماء، وللاطلاع يُرجع إلى الكتب الموثقة.
- 17
كتب ظاهر الرواية هي أصول المذهب الحنفي المتواترة عن محمد بن الحسن، وهي بمنزلة الصحيحين في الحديث.
- 18
كتب النوادر الحنفية مرويةٌ بالآحاد وهي المرتبة الثانية، وقد تُقدَّم على ظاهر الرواية إذا صحت روايتها وساعدتها الدراية.
- 19
الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي تبدأ بالمبسوط للسرخسي وتشمل البحر الرائق وحاشية ابن عابدين وبدائع الصنائع.
- 20
المدونة لسحنون هي أم كتب المذهب المالكي، وتليها الواضحة والعتبية، وقد شرحها وهذّبها كبار علماء المالكية.
- 21
مختصر خليل هو المرجع الأساسي للمالكية، ويليه الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي وأقرب المسالك بحاشية الصاوي.
- 22
المذهب الشافعي كان له طريقتان: الخراسانية المتميزة بالتفريع والبحث، والعراقية المتميزة بدقة نقل نصوص الشافعي.
- 23
الرافعي والنووي هما الشيخان المعتمدان في المذهب الشافعي، ويليهما ابن حجر الهيتمي والرملي في الفتوى.
- 24
سلسلة كتب الشافعية تبدأ بنهاية المطلب وتنتهي بالمنهاج وشروحه، والمعتمد للفتوى تحفة المحتاج ونهاية المحتاج.
- 25
الكتب المعتمدة في المذهب الحنبلي تشمل الإقناع والإنصاف ومنتهى الإرادات بشرح البهوتي، وعليها الفتوى عند الحنابلة.
- 26
تسلسل كتب المذاهب الأربعة يبدأ بالأصول المتواترة وينتهي بالشروح والحواشي المعتمدة، ومعرفته ضرورية لطالب العلم.
ما خطر الكتب التي تصف المخالف بالابتداع والفسق وأثرها على وحدة الأمة؟
إصدار كتب تهدف إلى حمل الناس على مذهب مؤلفيها ووصف المخالف بالابتداع والفسق والضلال يُشكّل خطرًا بالغًا على وحدة الأمة الإسلامية. لكل صاحب مذهب الحق في عرض مذهبه وترجيحه، غير أنه لا يجوز له وصف المخالف بالابتداع أو الضلال، لا سيما أن هذه المسائل قبلها العلماء في كل عصر. الإصرار على أن مذهبًا بعينه هو الحق وما دونه باطل يُفضي إلى التنازع والشقاق.
ما حدود الخلاف الجائز بين المذاهب الفقهية وما الذي لا يجوز الخلاف فيه؟
هوية الإسلام هي المعلوم من الدين بالضرورة والمسائل التي أجمعت عليها الأمة، وهذه لا يجوز الخلاف فيها. أما المسائل الاجتهادية فيجوز للمسلم اتباع أي مذهب طالما أصحابه علماء توافرت فيهم شروط الاجتهاد. والخلاف في المسائل غير القطعية موجود منذ عهد الصحابة، وقد قال الإمام القاسم بن محمد إن الله نفع باختلاف أصحاب النبي في أعمالهم.
هل يجوز تبديع العالم المجتهد إذا أخطأ في مسألة فقهية؟
لا يجوز وصف العالم المجتهد بالابتداع أو الفسق إذا أخطأ في مسألة اجتهادية، لأن الخطأ على أساس المنهج العلمي الصحيح لا يوصف بذلك. قال الإمام الذهبي: «لو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا ابن نصير ولا ابن مندة». وقال ابن العربي إن العالم لا ينضج حتى يترفع عن العصبية المذهبية.
ما حكم من يدّعي أن مذهبه وحده الحق ويُلزم الناس به؟
الخلاف بين العلماء والمجتهدين في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف هو رحمة واسعة من الله على المسلمين. أما محاولة إلزام الناس بمذهب واحد وإيهامهم أنه الحق وحده فهي إرهاب فكري وإجبار وتلبيس، وهي بدعة مذمومة لم تكن من هدي سلف هذه الأمة. قال ابن تيمية إن ذكر كون المسألة قطعية لا يعني الطعن في المجتهدين المخالفين.
ما المعنى اللغوي للبدعة في كتب اللغة والمعاجم العربية؟
البدعة في اللغة هي الحَدَث وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال. قال ابن السكيت: البدعة كل محدثة. وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم. وأبدع وابتدع وتبدّع معناها أتى ببدعة، وبدّعه أي نسبه إلى البدعة. والبديع هو المحدث العجيب، وأبدعت الشيء أي اخترعته لا على مثال سابق.
ما المسلك الأول في تعريف البدعة شرعًا وكيف قسّمها العلماء إلى أحكام خمسة؟
المسلك الأول هو مسلك العز بن عبد السلام الذي اعتبر البدعة كل فعل لم يُعهد في عصر رسول الله، وقسّمها إلى بدعة واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. والطريق في معرفة ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة وهكذا. وأكد النووي هذا المعنى بقوله إن كل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة لكن منها ما يكون حسنًا ومنها ما يكون بخلاف ذلك.
ما المسلك الثاني في تعريف البدعة وما المراد من حديث كل بدعة ضلالة؟
المسلك الثاني لابن رجب الحنبلي يجعل البدعة في الشرع أخص منها في اللغة، فيقصر مفهومها على المحرمة فقط، وهي ما أُحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه. وكلا المسلكين اتفقا على أن البدعة المذمومة التي يأثم فاعلها هي التي ليس لها أصل في الشريعة، وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم «كل بدعة ضلالة». وقد أكد الإمام الشافعي هذا بتقسيمه المحدثات إلى ما يخالف الكتاب أو السنة فهو بدعة الضلالة، وما أُحدث من الخير فهو محدثة غير مذمومة.
كيف فسّر الغزالي والنووي وابن الأثير وابن منظور حديث كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؟
قال الغزالي إن المنهي عنه هو البدعة التي تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع، وليس كل ما أُبدع منهيًا عنه. وقال ابن الأثير إن البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، وحديث «كل محدثة بدعة» يُحمل على ما خالف أصول الشريعة. وأكد ابن منظور أن ما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه فهو في حيز المدح، وضرب مثلًا بقول عمر «نعمت البدعة هذه» في صلاة التراويح.
كيف تعامل جمهور العلماء مع البدعة وما أمثلة الأقسام الخمسة؟
تعامل جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة والظاهرية مع البدعة على أنها أقسام خمسة. فالبدعة الواجبة كتعلم علم النحو لفهم كلام الله، والمحرمة كمذاهب القدرية والخوارج، والمندوبة كإحداث المدارس وصلاة التراويح جماعة، والمكروهة كزخرفة المساجد، والمباحة كالمصافحة عقب الصلوات والتوسع في المآكل والملابس. واستدلوا بقول عمر «نعمت البدعة هذه» وبحديث «من سن سنة حسنة».
ما الأدلة على تقسيم البدعة وما الفرق بين الرؤية الإجمالية والتفصيلية عند العلماء؟
من أدلة تقسيم البدعة: قول عمر «نعم البدعة هذه» في صلاة التراويح، وتسمية ابن عمر صلاة الضحى جماعة بدعة مع كونها حسنة، وحديث «من سن سنة حسنة فله أجرها». الرؤية الإجمالية لابن رجب ترى أن الأفعال المشروعة لا تسمى بدعة مذمومة شرعًا وإن صدق عليها الاسم لغةً، والرؤية التفصيلية للعز بن عبد السلام تقسّمها إلى الأحكام الخمسة. وكلتا الرؤيتين تتفقان في الجوهر على أن حديث «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» يُراد به ما خالف الشريعة.
هل الترك النبوي لعبادة يُعدّ دليلاً شرعيًا مستقلاً على تحريمها أو كراهتها؟
اتفق علماء المسلمين سلفًا وخلفًا على أن الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده. مسالك إثبات الحكم الشرعي هي: ورود نص من القرآن، أو من السنة، أو الإجماع، أو القياس، واختلفوا في مسالك أخرى كقول الصحابي وسد الذريعة والاستحسان، وليس بينها الترك. فمجرد ترك النبي لفعل لا يُفيد تحريمه ولا كراهته.
كيف تعامل الصحابة والفقهاء مع ترك النبي أو الصحابة لعبادة ما؟
الصحابة لم يفهموا من ترك النبي لعبادة التحريم ولا الكراهة، وهذا ما فهمه الفقهاء عبر العصور. ورد ابن حزم على من احتج بترك أبي بكر وعمر وعثمان لصلاة الركعتين قبل المغرب على كراهتها، قائلًا إنه لا شيء في ذلك طالما لم يصرحوا بكراهتها ولم ينقلوا ذلك. فترك الصحابة لعبادة لا يُفيد حكمًا شرعيًا بمفرده.
هل يدل ترك النبي صيام شهر كامل غير رمضان على حرمة أو كراهة ذلك؟
لا يدل ترك النبي صيام شهر كامل غير رمضان على حرمة ولا كراهة ذلك. قال ابن حزم إن حديث علي بن أبي طالب الذي يُخبر فيه أنه لم ير النبي صلاهما ليس فيه نهي عنهما ولا كراهة لهما. وضرب مثلًا بأن النبي لم يصم شهرًا كاملًا غير رمضان، وليس هذا بموجب كراهية صوم شهر كامل تطوعًا.
ما الأمثلة النبوية والصحابية التي تدل على أن الترك لا يعني التحريم ولا البدعة؟
ترك النبي الخطبة على المنبر وخطبته على الجذع لم يُفهم منه الصحابة أن الخطابة على المنبر بدعة أو حرام، فقاموا بصنع منبر له. وكذلك لم يفهم الصحابي من ترك النبي الدعاء بعد رفع الرأس من الركوع أن إنشاء أدعية أخرى محظور، بل قال رجل «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا» فأقره النبي وأخبره أن بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها. وهذا يدل على أن مجرد الترك لا يوجب الحظر.
ما قاعدة مطلق الترك النبوي والصحابي وما دلالة قصة بلال وصلاة الوضوء؟
لم يفهم بلال رضي الله عنه من ترك النبي لصلاة ركعتين بعد الوضوء عدم جوازها، فكان يصليهما، وأقره النبي حين سأله عن أرجى عمله فأخبره بصلاته بعد كل وضوء. ومن هذا نعلم أن مطلق الترك من النبي والصحابة وحتى القرون الثلاثة الخيرية لا يُفيد شيئًا، لا تحريمًا ولا كراهةً ولا غيرهما. وهذا ما فهمه أصحاب النبي في حياته ولم ينكر عليهم.
ما منهج دراسة المذاهب الفقهية الأربعة وما الفرق بين طلب العلم والاطلاع؟
دراسة المذاهب الفقهية ينبغي أن تكون على يد العلماء بمنهج متدرج: يبدأ المبتدئ بمتن صغير ثم شرح مبسط ثم عرض للأقوال والأدلة حتى يصل للمراجع الكبيرة. أما للثقافة والاطلاع فيجوز الرجوع إلى الكتب الموثقة التي تجمع أقوال أئمة المذاهب مرويةً بالإسناد الصحيح مع شروحها وبيان الراجح منها.
ما كتب ظاهر الرواية في المذهب الحنفي وما مكانتها؟
كتب ظاهر الرواية هي أصول المذهب الحنفي، وتشمل مؤلفات محمد بن الحسن: الجامعين والسيرين والزيادات والمبسوط. وسُمّيت ظاهر الرواية لأنها اشتهرت روايتها وتواترت عن محمد بن الحسن برواية جمع كثير من أصحابه. وهي في مرتبة الصحيحين في الحديث، وتُعدّ المرجع الأول لمقلد المذهب الحنفي.
ما كتب النوادر في المذهب الحنفي وما علاقتها بكتب الأصول؟
كتب النوادر هي المرتبة الثانية في المذهب الحنفي، وهي غير ظاهر الرواية لأنها لم تُروَ إلا بطريق الآحاد، كالرقيات والكيسانيات والجرجانيات والهارونيات. وقد يكون ما في النوادر أصح مما في ظاهر الرواية باعتبار قوة المدرك وصحة الرواية، فإذا صحت الرواية ولو آحادًا وساعدتها الدراية قُدّمت على ظاهر الرواية. ومرتبة كتب النوادر كالسنن الأربعة في الحديث.
ما الكتب المعتمدة في نقل المذهب الحنفي وما ترتيبها لمقلد المذهب؟
الكتب المعتمدة في نقل المذهب الحنفي تشمل: البحر الرائق لابن نجيم، والمبسوط للسرخسي الذي قال عنه الطرسوسي لا يعمل بما يخالفه، والجوهرة النيرة، والعناية شرح الهداية، وبدائع الصنائع للكاساني، وحاشية ابن عابدين. ويلزم مقلد المذهب أن يأخذ أولًا بما في رواية الأصول ثم بما في المتون المختصرات كمختصر الطحاوي والكرخي.
ما أصول المذهب المالكي وكيف تطورت كتبه المرجعية؟
اشتهر في المذهب المالكي كتاب المدونة الذي دوّنه سحنون بن سعيد من رواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وأصبحت إمامًا لكتب المذهب لأنها تداولتها أفكار أربعة من المجتهدين. وكذلك دُوّنت الواضحة لابن حبيب التي انتشرت في الأندلس، والعتبية التي اعتمدها أهل الأندلس. وقام العلماء بشرح المدونة وتلخيصها، ومن أبرز شراحها اللخمي وابن يونس.
ما الكتب المعتمدة في المذهب المالكي وما مكانة مختصر خليل؟
تطورت مراجع المذهب المالكي من المدونة والواضحة والعتبية إلى النوادر لابن أبي زيد القيرواني، ثم مختصر ابن الحاجب، ثم مختصر خليل الذي أصبح حجة المالكيين إلى وقتنا. قال الحطاب عن مختصر خليل: «صغر حجمه وكثر علمه وجمع فأوعى وفاق أضرابه جنسًا ونوعًا». والكتب المعتمدة تشمل أيضًا الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي وأقرب المسالك بحاشية الصاوي.
ما الطريقتان الخراسانية والعراقية في المذهب الشافعي وأبرز مصنفاتهما؟
كان للمذهب الشافعي قبل عصر ابن الصلاح طريقتان: الخراسانية التي من أبرز علمائها إمام الحرمين والغزالي، وألّفوا كتبًا كالنهاية والتهذيب والإبانة. والعراقية التي من أبرز علمائها أبو ثور وأحمد بن حنبل، وألّفوا كتبًا كالحاوي والإقناع للماوردي وتعليقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني. وقد تميزت الخراسانية بحسن التصرف والتفريع، والعراقية بدقة نقل نصوص الشافعي.
كيف تم جمع طريقتي المذهب الشافعي وما دور الرافعي والنووي في تهذيبه؟
بدأ جمع الطريقتين من إمام الحرمين في نهاية المطلب، وأكمله الغزالي، ثم اكتمل بجهود الإمامين الرافعي والنووي اللذين استحقا لقب الشيخين. قال ابن حجر الهيتمي إن محققي المذهب أجمعوا على أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يُعتد بشيء منها إلا بعد كمال البحث. والمعتمد ما اتفق عليه الشيخان، فإن اختلفا فالمعتمد ما قاله النووي، ثم بعدهما ابن حجر الهيتمي والرملي.
ما سلسلة الكتب المعتمدة في المذهب الشافعي وما ترتيبها؟
سلسلة الكتب المعتمدة في المذهب الشافعي تبدأ بنهاية المطلب للجويني، ثم اختصرها الغزالي إلى البسيط فالوسيط فالوجيز فالخلاصة. ثم اختصر الرافعي الوجيز إلى المحرر وشرحه بالعزيز، فاختصر النووي العزيز إلى الروضة والمحرر إلى المنهاج. والكتب المعتمدة للفتوى هي: المنهاج والروضة للنووي، وتحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي، ونهاية المحتاج للرملي، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني.
ما أهم الكتب المعتمدة في المذهب الحنبلي وما خصائص كل منها؟
من أهم الكتب المعتمدة في المذهب الحنبلي: الإقناع للحجاوي المعوّل عليه في الديار الشامية، والإنصاف للمرداوي الذي يضم كل ما قيل في المذهب من أقوال وروايات، ومنتهى الإرادات الذي هو عمدة المتأخرين وعليه الفتوى، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي. وللمبتدئين العمدة لابن قدامة وعمدة الراغب للبهوتي، وللمتقدمين الفروع لابن مفلح والكافي لابن قدامة.
ما الصورة الإجمالية لتسلسل كتب المذاهب الفقهية الأربعة وكيف يُرجع إليها؟
تسلسل كتب المذاهب الأربعة يبدأ بالأصول المتواترة ثم النوادر ثم الفتاوى والشروح. للحنفية: ظاهر الرواية فالنوادر فالفتاوى، وللمالكية: المدونة فالنوادر فمختصر خليل، وللشافعية: نهاية المطلب فالوجيز فالمنهاج وشروحه، وللحنابلة: المقنع فالإنصاف فمنتهى الإرادات. معرفة هذا التسلسل تُمكّن طالب العلم من الرجوع إلى المراجع الصحيحة وفهم طبيعتها.
حديث «كل بدعة ضلالة» محمول على البدعة المذمومة التي لا أصل لها في الشريعة، وجمهور العلماء يقسّمون البدعة إلى خمسة أحكام.
كل بدعة ضلالة في الحديث النبوي يُراد بها البدعة المحرمة التي تخالف أصول الشريعة ولا دليل عليها، وهذا ما أجمع عليه الشافعي وابن رجب والغزالي والنووي وابن الأثير وابن منظور. أما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس بدعة مذمومة وإن سُمّي بدعة في اللغة، كما قال ابن رجب الحنبلي صراحةً.
قسّم جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة والظاهرية البدعة إلى واجبة كتعلم النحو، ومحرمة كمذاهب الخوارج، ومندوبة كصلاة التراويح جماعة، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالمصافحة عقب الصلاة. وفي المقابل، الترك النبوي أو الصحابي لعبادة لا يُفيد تحريمها بمفرده، وهذا ما فهمه الصحابة في حياة النبي ولم ينكر عليهم.
أبرز ما تستفيد منه
- حديث «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» يُراد به ما خالف أصول الشريعة فقط.
- جمهور العلماء يقسّمون البدعة إلى خمسة أحكام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة.
- الترك النبوي لعبادة لا يدل على تحريمها ولا كراهتها بمفرده.
- الخلاف الاجتهادي بين المذاهب رحمة، ولا يجوز وصف المخالف بالابتداع أو الفسق.
خطر الكتب التي تجرح المخالف وتحمل الناس على مذهب المؤلف
س49: الكتب التي تحمل الناس على مذهب مؤلفها.
الجواب
إن صدور بعض الكتب التي تهدف إلى حمل الناس على مذهب مؤلفيها، ووصف المخالف بالابتداع، والفسق، والضلال، فيه من الخطورة بوحدة الأمة الإسلامية ما فيه، ولا شك أن كثيرًا من التشرذم الذي نراه، ونعيشه في عصرنا، كان لهذه الكتب كفل فيه، وهذا لا يعني أن نتعصب لمذهبنا في مقابلة مذهبهم، ولكن لكل صاحب مذهب الحق في عرض مذهبه وترجيحه، ولكن لا يجوز له أبدًا أن يتهم المخالف بالابتداع، والضلال، والفسق وبخاصة أن هذه المسائل التي ينكرون عليها قَبلها العلماء في كل عصر من عصور الأمة، ولا يجرؤ أحدهم أن يضلل هؤلاء العلماء الأكابر، وإنما أقصى ما يمكن له فعله هو أن يخالف مذهبًا ويتبع مذهبًا آخر وهذا ليس فيه تفريقًا للأمة، أما إصرار أحدهم على أن مذهبه هو الحق، وما دونه باطل فيلزم منه التنازع والاختلاف والشقاق.
هوية الإسلام وحدود الخلاف والاجتهاد بين المذاهب
فهوية الإسلام لا يختلف عليها أحد، وهي المعلوم من الدين بالضرورة، والمسائل التي أجمعت عليها الأمة سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا، وهي حقيقة هذا الدين، وما دون ذلك من أمور اجتهادية يجوز للمسلم أن يتبع أيًا من المذاهب طالما أن أصحابها علماء لهم حق الاجتهاد والنظر في الدليل، وليس هناك اعتبار لاجتهاد من لم تتوافر فيه شروط الاجتهاد.
والخلاف في المسائل غير القطعية موجود من لدن الصحابة قال الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق:
«لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمل عمله» [1].
قال سفيان الثوري رحمه الله:
«إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه» [2].
وقال الإمام أحمد بن حنبل:
«لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم» [3].
رحمة اختلاف الأئمة ورفض العصبية المذهبية عند العلماء
قال الإمام الحنبلي ابن قدامة المقدسي:
«وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام, مهد بهم قواعد الإسلام, وأوضح بهم مشكلات الأحكام, اتفاقهم حجة قاطعة, واختلافهم رحمة واسعة» [4]،
وقد صنف رجل كتابًا في الاختلاف. فقال له الإمام أحمد:
«لا تسميه الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة» [5]،
وقال كذلك:
«إن للمفتي إذا استفتى وكانت فتواه ليس فيها سعة للمستفتي أن يحيله إلى من عنده سعة» [6]،
وقال ابن العربي:
«إن العالم لا ينضج حتى يترفع عن العصبية المذهبية» [7].
وإن تيقن العالم أن مخالفه قد أخطأ لا يجوز له وصفه بالابتداع ولا الفسق؛ لأن الخطأ على أساس المنهج العلمي الصحيح لا يوصف بذلك، وذلك ما فهمه كبار العلماء من السابقين كالإمام الحافظ الذهبي؛ حيث يقول:
«ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا ابن نصير، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، هو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة» [8].
عدم الطعن في المجتهدين واعتبار الخلاف السائغ رحمة للأمة
قال ابن تيمية:
«وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين، كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد لوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل حرام، والمتعة حرام» [9].
مما سبق نعلم أن مجرد الخلاف بين العلماء والمجتهدين في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، وممن توافرت فيهم شروط الاجتهاد هو رحمة واسعة من الله على المسلمين؛ حيث اتسع الأمر عليهم وجاز لهم أن يتبعوا ما يلائم ظروفهم ولا يشق عليهم.
والذي يدعو إلى التشرذم المذكور في السؤال فهي محاولة للإرهاب الفكري، أو الإجبار، أو التلبيس لإيهام الناس أن الذي يقوله هو الحق ولا حق غيره، وهي الصفة المسئول عنها، وهي بدعة مذمومة ما كانت من هدي سلف هذه الأمة، رزقنا الله سعة الفهم، والله تعالى أعلى وأعلم.
التعريف اللغوي للبدعة في كتب اللغة والمعاجم
س50: مفهوم البدعة.
الجواب
لمعرفة معنى البدعة ومفهومها الصحيح، لابد أن نتعرف على معناها في اللغة، وكذلك معناها في الاصطلاح الشرعي، ونبدأ بالمعنى اللغوي.
البدعة في اللغة:
هي الـحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّين بعد الإِكمال. ابن السكيت: البِدْعةُ كلُّ مُـحْدَثةٍ. وأَكثر ما يستعمل الـمُبْتَدِعُ عُرْفاً فـي الذمِّ. وقال أَبو عَدْنان: الـمبتَدِع الذي يأْتـي أَمْرًا علـى شبه لـم يكن ابتدأَه إِياه. وفلان بِدْعٌ فـي هذا الأَمر أَي أَوّل لـم يَسْبِقْه أَحد. ويقال: ما هو منّـي ببِدْعٍ و بَديعٍ... وأَبْدَعَ وابْتَدعَ وتَبَدَّع: أَتَـى بِبدْعةٍ، قال الله تعالـى:
ورَهْبانِـيَّةً ابْتَدَعوها...
وبَدَّعه: نسَبه إِلـى البِدْعةِ. واسْتَبْدَعَه: عدَّه بَديعًا. والبَدِيعُ: الـمُـحْدَثُ العَجيب. والبَدِيعُ: و الـمُبْدِعُ. و أَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْتُه لا علـى مِثال [10].
المسلك الأول في تعريف البدعة شرعًا وتقسيمها إلى خمسة أحكام
البدعة في الشرع:
هناك مسلكان للعلماء في تعريف البدعة في الشرع؛ المسلك الأول: وهو مسلك العز ابن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بدعة وقسمها إلى أحكام حيث قال:
«فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة, وبدعة محرمة, وبدعة مندوبة, وبدعة مكروهة, وبدعة مباحة, والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة, وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة, وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة, وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة, وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة» [11].
وأكد النووي على هذا المعنى؛ حيث قال:
«وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها: ما يكون حسنا، ومنها: ما يكون بخلاف ذلك» [12].
المسلك الثاني في تعريف البدعة وبيان البدعة المذمومة شرعًا
والمسلك الثاني: جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة، والمندوبة، والمباحة، والمكروهة بدعًا كما فعل العز؛ وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على المحرمة، وممن ذهب إلى ذلك ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - ويوضح هذا المعنى فيقول
« والمراد بالبدعة: ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة » [13].
وفي الحقيقة فإن المسلكين اتفقا على حقيقة مفهوم البدعة، وإنما الاختلاف في المدخل للوصول إلى هذا المفهوم المتفق عليه وهو أن البدعة المذمومة التي يأثم فاعلها هي التي ليس لها أصل في الشريعة يدل عليها وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«كل بدعة ضلالة» [14].
وكان على هذا الفهم الواضح الصريح أئمة الفقهاء وعلماء الأمة المتبوعين، فهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه فقد روى البيهقي عنه أنه قال:
« المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غير مذمومة» [15].
أقوال الغزالي والنووي وابن الأثير وابن منظور في تقسيم البدعة
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه:
« ليس كل ما أبدع منهيا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرا من الشرع » [16].
وقد نقل الإمام النووي ـ رحمه الله ـ عن سلطان العلماء الإمام عز الدين ابن عبد السلام ـ حيث قال النووي:
« قال الشيخ الإمام المجمع على جلالته وتمكنه من أنواع العلوم وبراعته، أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام - رحمه الله ورضي عنه - في آخر كتاب القواعد: «البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة... إلخ» [17]
وقال كذلك في مكان آخر في حديثه عن المصافحة عقب الصلاة - وسوف نفرد لها فتوى رقم 66 -: واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء, وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه, ولكن لا بأس به, فإن أصل المصافحة سنة, وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها» [18].
وقال ابن الأثير
« البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب إليه وحض عليه فهو في حيز المدح.. ثم قال: « والبدعة الحسنة في الحقيقة سنة، وعلى هذا التأويل يحمل حديث: " كل محدثة بدعة " على ما خالف أصول الشريعة، ولم يخالف السنة» [19].
وكذلك لابن منظور كلام طيب في البدعة في الاصطلاح حيث قال - رحمه الله -
«البِدْعةُ بدْعتان: بدعةُ هُدى، و بِدعة ضَلال، فما كان فـي خلاف ما أَمر الله به ورسوله، فهو فـي حَيِزّ الذّمِّ والإِنكار، وما كان واقعًا تـحت عُموم ما ندَب الله إِلـيه وحَضّ علـيه أَو رسولُه فهو فـي حيِّز الـمدح، وما لـم يكن له مِثال موجود كنَوْع من الـجُود والسّخاء وفِعْل الـمعروف فهو من الأَفعال الـمـحمودة.
ولا يجوز أَن يكون ذلك فـي خلاف ما ورد الشرع به؛ لأَن النبـي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد جعل له فـي ذلك ثوابًا فقال: مَن سنّ سُنّة حسَنة كان له أَجرُها وأَجرُ مَن عَمِلَ بها، وقال فـي ضدّه: مَن سَنَّ سُنّة سيئة كان علـيه وِزْرها ووِزْر مَن عَمِلَ بها، وذلك إِذا كان فـي خلاف ما أَمر الله به ورسوله، قال: ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه: نعمتِ البِدْعةُ هذه، لـمّا كانت من أَفعال الـخير وداخـلة فـي حيّز الـمدح سَماها بدعة ومدَحَها؛ لأَنَّ النبـي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لـم يَسُنَّها لهم، وإِنما صلاَّها لَـيالِـيَ ثم تركها ولـم يحافظ علـيها ولا جمع الناس لها، ولا كانت فـي زمن أَبـي بكر؛ وإِنما عمر رضي الله عنه جمع الناسَ علـيها وندَبهم إِلـيها فبهذا سماها بدعة، وهي علـى الـحقـيقة سنَّة لقوله: علـيكم بسنّتـي وسنة الـخُـلفاء الراشدين من بعدي، وقوله: اقْتَدُوا باللذين من بعدي: أَبـي بكر وعمر، وعلـى هذا التأْويل يُحمل الـحديث الآخَر: كلُّ مُـحْدَثةٍ بدعة، إِنما يريد ما خالَف أُصولَ الشريعة ولـم يوافق السنة» [20].
تعامل جمهور العلماء مع البدعة وتقسيمها إلى خمسة أقسام مع أمثلة
كيف تعامل العلماء مع مفهوم البدعة:
وتعامل جمهور الأمة من العلماء المتبوعين مع البدعة على أنها أقسام كما ظهر ذلك في كلام الإمام الشافعي، ومن أتباعه العز بن عبد السلام، والنووي، وأبو شامة. ومن المالكية: القرافي، والزرقاني. ومن الحنفية: ابن عابدين. ومن الحنابلة: ابن الجوزي. ومن الظاهرية: ابن حزم. ويتمثل هذا الاتجاه في تعريف العز بن عبد السلام للبدعة وهو: أنها فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة [21].
وضربوا لذلك أمثلة: فالبدعة الواجبة: كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله، وذلك واجب؛ لأنه لا بد منه لحفظ الشريعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والبدعة المحرمة من أمثلتها: مذهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والخوارج. والبدعة المندوبة: مثل إحداث المدارس، وبناء القناطر، ومنها صلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد. والبدعة المكروهة: مثل زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف. والبدعة المباحة: مثل المصافحة عقب الصلوات، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس. واستدلوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة بأدلة منها:
الأدلة على تقسيم البدعة ورؤيتا العلماء الإجمالية والتفصيلية
(أ) قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح جماعة في المسجد في رمضان نعمت البدعة هذه. فقد روي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يريد آخر الليل. وكان الناس يقومون أوله. [22]
(ب) تسمية ابن عمر صلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة، وهي من الأمور الحسنة. روي عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة» [23].
(ج) الأحاديث التي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة والسيئة، ومنها ما روي مرفوعا:
«من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » [24].
ومما سبق يتضح أن هناك رؤيتين رؤية إجمالية: وهي التي ذهب إليها ابن رجب الحنبليرضي الله عنه وغيره، وهو أن الأفعال التي يثاب المرء عليها ويشرع له فعلا لا تسمى بدعة شرعًا، وإن صدق عليها الاسم في اللغة، وهو يقصد أنها لا تسمى بدعة مذمومة شرعًا، والرؤية التفصيلية وهي ما ذكره العز بن عبد السلام رضي الله عنه وأوردناه تفصيلاً.
ما ذُكر ينبغي للمسلم أن يحيط به في قضية باتت من أهم القضايا التي تؤثر في الفكر الإسلامي، وكيفية تناوله للمسائل الفقهية، وكذلك نظره لإخوانه من المسلمين، حيث يقع الجاهل في الحكم على الآخرين بأنهم مبتدعين وفساق والعياذ بالله بسبب جهله بهذه المبادئ التي كانت واضحة، وأصبحت في هذه الأيام في غاية الغموض والاستغراب، نسأل الله السلامة، والله تعالى أعلى وأعلم
حجية الترك عند الأصوليين وبيان أنه ليس دليلاً مستقلاً
س51: هل الترك مسلك لإثبات حكم شرعي ؟
الجواب
إن موضوع هذا السؤال ألف فيه الشيخ العلامة السيد عبد الله بن الصديق الغماري رسالة سماها «حسن التفهم والدرك لمسألة الترك»، وقد افتتحها بأبيات جميلة حيث قال:
الترك ليس بحجــــــــــــة في شـــــــــرعنا
لا يقتضي منعـــــــــــــًـا ولا إيجابــــــــــــــًا
فمن ابتغى حظــــــــــــرًا بترك نبينــــــــــا
ورآه حكمــــــــًا صادقًا وصوابـــــــــــًا
قد ضل عن نهــــــــــــج الأدلة كلهـــــــــا
بل أخطأ الحكم الصحيح وخابـــــــــــا
لا حظر يمكن إلا إن نهي أتى
متوعــــدا لمخالفيـــــــــــــه عذابــــــــــــًا
أو ذم فعـــــــــــل مؤذن بعقــــــــــــوبــة
أو لفـــــظ تحـــــــــريم يواكب عابــــــــــــا
ولقد اتفق علماء المسلمين سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا على أن الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده، فكان مسلكهم لإثبات حكم شرعي بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو الحرمة هو:
-
ورود نص من القرآن.
-
ورود نص من السنة.
-
الإجماع على الحكم.
-
القياس. واختلفوا في مسالك أخرى لإثبات الحكم الشرعي منها:
-
قول الصحابي.
-
سد الذريعة.
-
عمل أهل المدينة.
-
الحديث المرسل.
-
الاستحسان.
-
الحديث الضعيف، وغير ذلك من المسالك التي اعتبرها العلماء، والتي ليس بينها الترك.
تطبيق قاعدة عدم حجية الترك في اجتهادات الصحابة والفقهاء
فالترك لا يفيد حكمًا شرعيًا بمفرده، وهذا محل اتفاق بين المسلمين، وهناك من الشواهد والآثار على أن الصحابة رضي الله عنهلم يفهموا من تركه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم التحريم ولا حتى الكراهة، وذلك ما فهمه الفقهاء عبر العصور. وقد رد ابن حزم على احتجاج المالكية والحنفية على كراهة صلاة الركعتين قبل المغرب بسبب أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يصلونها، حيث قال ما نصه:
«وهذا لا شيء; أول ذلك أنه منقطع; لأن إبراهيم لم يدرك أحدًا ممن ذكرناه, ولا ولد إلا بعد قتل عثمان بسنين, ثم لو صح لما كانت فيه حجة; لأنه ليس فيه أنهم نهوا عنهما, ولا أنهم كرهوهما, ونحن لا نخالفهم في أن ترك جميع التطوع مباح» [25]،
فلم يتوقف كثيرًا ابن حزم أمام ترك الصحابة لصلاة الركعتين، وقال أن تركهم تلك الصلاة لا شيء، طالما أنهم لم يصرحوا بكراهتها، ولم ينقلوا ذلك.
موقف ابن حزم من ترك العبادات وأثره في تقرير الأحكام
وهذا مسلكه مع ترك الصحابة لعبادة، وكان ذلك عين موقفه من ترك النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لعبادة أصلها مشروع حيث قال في الكلام على ركعتين بعد العصر:
«وأما حديث علي بن أبي طالب فلا حجة فيه أصلا; لأنه ليس فيه إلا إخباره رضي الله عنه بما علم; من أنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم صلاهما, وهو الصادق في قوله, وليس في هذا نهي عنهما, ولا كراهة لهما; [وما] صام عليه السلام قط شهرًا كاملًا غير رمضان; وليس هذا بموجب كراهية صوم [شهر كامل تطوعا]» [26]،
فلقد فهم من ترك النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم صيام شهر كامل غير رمضان، لا يدل على حرمة ولا كراهة صيام شهر كامل غير رمضان، حتى وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يفعله.
أمثلة نبوية وصحابية تؤكد أن الترك لا يعني البدعة ولا التحريم
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ترك الخطبة على المنبر، وخطب على الجذع، ولم يفهم الصحابة أن الخطابة على المنبر بدعة ولا حرام، فقاموا بصنع منبر، له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم [27]، وما كانوا لهم أن يقدموا على فعل حرمه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فعلم أنهم كانوا لا يرون الترك بدعة.
وقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الصـلاة بعد رفع الرأس من الركوع: «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا... إلى آخر الحديث، ولم يفهم الصحابي أن مجرد تركه للدعاء في الصلاة يوجب الحظر، وإلا كيف يقدم على شيء وهو يعتقد حرمته، ولم يعاتبه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على المسلك فلم يقل له مثلا: «أحسنت ولا تعد» أو نهاه عن إنشاء أدعية أخرى في الصلاة، وكما نعلم فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والحديث رواه رفاعـة بن رافع الزرقي، قال: كنا يوما نصلى وراء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلما رفع رأسه من الركعـة قال: « سمع الله لمن حمده ». قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمـد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: «من المتكلم». قال: أنا. قال «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول » [28].
قصة بلال وصلاة الوضوء واستنتاج قاعدة مطلق الترك
ولم يفهم سيدنا بلال رضي الله عنه من ترك النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لصلاة ركعتين بعد الوضوء عدم جواز ذلك، بل قام بذلك، ولم يخبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وإنما لما سأله النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قائلًا:
« يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة».
قال: ما عملت عملاً أرجى عندي، أنى لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى» قال أبو عبد الله: دف نعليك يعنى تحريك» [29].
فنحن نعلم أن الصلاة بعد الوضوء سارت سنة بعد إقرار النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لها، ولكن نستدل بفهم الصحابة بجواز إنشاء أدعية وصلوات في أوقات تركها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ونستدل كذلك بعدم إنكار النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على هذا المسلك والأسلوب، وعدم نهيهم عنه في المستقبل.
فمما سبق نعلم أن مطلق الترك من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والصحابة، وحتى القرون الثلاثة الخيرية، لا يفيد شيئًا، لا تحريم ولا كراهة ولا غيرهما، وهذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في حياته، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهمهم، وفهمه العلماء من بعدهم، نسأل الله أن يفهمنا ديننا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
منهج دراسة المذاهب الفقهية والفرق بين الطلب المتخصص والاطلاع
س52: ما هي الكتب المرجعية للمذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ؟
الجواب
دراسة المذاهب الفقهية ينبغي أن تكون على يد العلماء، بمنهج دراسي متفق عليه من زمن طويل، بأن يدرس المبتدئ متنًا صغيرًا في أي من المذاهب الفقهية، ثم شرحًا مبسطًا، ثم عرضًا للأقوال والأدلة حتى يصل للمراجع الكبيرة في المذهب، هذا بالنسبة لطلب العلم.
أما بالنسبة للثقافة والاطلاع فالأمر مختلف، فمن أراد الاطلاع على كتب المذاهب الفقهية الموثقة التي تجمع أقوال أئمة المذاهب التي يعتمد عليها مروية بالإسناد الصحيح، وشروح تلك الأقوال والتعليق عليها، وبيان الراجح من محتملاتها، وتخصص عمومها في بعض المواضع، ويقيد مطلقها في بعض المواقع، فله ذلك للاطلاع والاستفادة، وفيما يلي بيان هذه الكتب في كل مذهب من المذاهب الأربعة:
أولا: كتب المذهب الحنفي:
كثرت الكتب المصنفة في الفقه الحنفي على اختلافها من: متون، وشروح، وفتاوى، وغير ذلك، ونحن نكتفي بذكر ما اشتهر منها، وما كان معتمدًا عند علماء المذهب. فللكتب عن الأحناف مراتب نذكرها فيما يلي:
مراتب كتب المذهب الحنفي وبيان كتب ظاهر الرواية كأصول
المرتبة الأولى: كتب المذهب «الأصول»:
كتب مسائل الأصول هي: ظاهر الرواية [30]، وظاهر المذهب، وهي التي اشتملت عليها مؤلفات محمد بن الحسن من «الجامعين» [31]، و«السيرين» [32]، و«الزيادات»، و«المبسوط»، وهذه المسائل هي التي أسندها محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، أو أسندها عن أبي حنيفة فقط رحمهم الله تعالى، وقد صنف تلك الكتب في بغداد، وتواترت عنه، أو اشتهرت برواية جمع كثير من أصحابه قد بلغ عددهم مبلغاً، لا يجوز العقل تواطؤهم على الكذب، أو الخطأ في الرواية عنه، وهلم جرا إلى أن وصلت إلينا.
كتب النوادر في المذهب الحنفي ومكانتها بين الأصول والفتاوى
المرتبة الثانية من كتب المذهب «النوادر»:
كتب مسائل النوادر، وهي غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم تظهر كما ظهرت الأولى، ولم ترو إلا بطريق الآحاد بين صحيح وضعيف، «كالرقيات»، و«الكيسانيات»، و«الجرجانيات»، و«الهارونيات» من تصانيف محمد التي رواها عنه الآحاد، ولم تبلغ حد التواتر، ولا الشهرة عنه.
و«الرقيات»: صنفها حين نزل رقة [33]، وكان وردها مع هارون الرشيد قاضيا عليها.
و«الكيسانيات»: رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني، و«الجرجانيات»: رواها عنه علي بن صالح الجرجاني من أصحابه، وكتاب «المنتقى» للحاكم الشهيد مجموع كتب محمد في غير رواية الأصول، فهو في حكمها، كما أن «الكافي» له أيضا في حكم رواية الأصول كما سبق.
ومن ذلك: «الأمالي والجوامع» لأبي يوسف، وكتاب «المجرد» للحسن بن زياد، ونوادر هشام بن عبيد الله الرازي، وغيرهم.
نعم قد يكون ما في النوادر أصح مما في ظاهر الرواية باعتبار قوة المدرك، وصحة الرواية به؛ لأن غالب ما في النوادر قد صحت الرواية به، وإن كان بطريق الآحاد، فإذا صحت الرواية به ولو آحادا وساعدته الدراية قدم على ظاهر الرواية.
ألا ترى أن صاحب التحفة قد اختار رواية النوادر، وقدمها على ظاهر الرواية في هلال الأضحى حيث قال: «والصحيح أنه تقبل فيه شهادة الواحد» اهـ.
وقد جاء في ظاهر الرواية: أنه لا يجوز تقليد التابعي مطلقًا، لكن جاء في رواية النوادر: أن قوله كقول الصحابي إذا ظهرت فتواه في زمنهم، وأقروه عليها. واعتمده فخر الإسلام، وتابعه بعضهم، وجعله هو الأصح.
ولذلك؛ فإن مرتبة كتب الأصول الستة عند الأحناف كالصحيحين في الحديث، ومرتبة كتب النوادر كالسنن الأربعة.
كتب الفتاوى عند الحنفية والكتب المعتمدة لنقل المذهب
المرتبة الثالثة من كتب المذهب «الفتاوى»:
وتسمى الواقعات، وهي: الكتب التي تحتوي على المسائل التي استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد، وأبي يوسف، وزفر، والحسن بن زياد، وأصحابهم، وهلم جرا. مثل كتاب «النوازل» لأبي الليث السمرقندي، فقد جمع فيه فتاوى مشايخه ومشايخ مشايخه كمحمد بن مقاتل الرازي، وعلي بن موسى القمي، ومحمد بن سلمة، وشداد بن حكيم، ونصير بن يحيى البلخيين، وأبي النصر القاسم بن سلام، ومن قبل هؤلاء من أصحاب أبي يوسف ومحمد، مثل: عصام بن يوسف، وابن رستم، ومحمد سماعة، وأبي سليمان الجوزجاني، وأبي حفص البخاري. قد يتفق لهؤلاء جميعا أن يخالفوا أصحاب المذاهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم.
ومثل «مجموع النوازل والحوادث والواقعات» لأحمد بن موسى بن عيسى الكشي، و«الواقعات» لأبي العباس أحمد بن محمد الرازي الناطفي، و«الواقعات» للصدر الشهيد.
ثم جمع من بعدهم فتاوى أولئك مختلطة غير ممتازة كقاضيخان في «فتاويه»، و«الخلاصة»، و«السراجية»، و«المحيط البرهاني»، وقد ميز بين الروايات والفتاوى رضي الدين السرخسي في محيطه، فبدأ برواية الأصول، ثم بمسائل النوادر، ثم ثلًّث بالفتاوى.
فكتب الفتاوى مخلوطة بآراء المتأخرين؛ فهي أقل درجة من النوادر،؛ فإن ما بها ليس جميعه من أقوال صاحب المذهب، وليس له إسناد يرفعه إلى قائله، ولا أصحابها في درجة أئمتنا الثلاثة في الفقاهة، والعدالة، ولا في درجة أرباب المتون من حيث الزهد والورع، والعدالة، ولا من حيث العلم، والإتقان، والحفظ، والضبط، بل إنما جمعها أشخاص من المتفقهين، لم يعرف حالهم في الرواية، وحسن الدراية.
أما ترتيب كتب الحنفية لمقلد المذهب: فاللازم على مقلد مذهب الأحناف أن يأخذ بما في رواية الأصول، ثم بما في المتون المختصرات، كمختصر الطحاوي، والكرخي، والحاكم الشهيد؛ فإنها تصانيف معتبرة، ومؤلفات معتمدة، قد تداولها العلماء حفظًا، ورواية، ودرسًا، وقراءة، وتفقهًا، ودراية، وفي النهاية نذكر الكتب التي يعتمد عليها في نقل المذهب، ومنها:
-
البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم، ثمانية أجزاء.
-
المبسوط، للسرخسي، ثلاثون جزءًا، وللمبسوط نسخ، أظهرها وأصحها وأشهرها نسخة أبي سليمان الجوزجاني، ويقال: لها «الأصل»، وقد شرحها جمع كثير من كبار العلماء. قال العلامة الطرسوسي: مبسوط السرخسي لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعول إلا عليه »، وحيث أطلق «المبسوط» فالمراد مبسوط السرخسي.
-
الجوهرة النيرة، لابن علي الحدادي العبادي، جزءآن.
-
العناية شرح الهداية، لمحمد بن محمود البابرتي، عشرة أجزاء.
-
بدائع الصنائع، للكاساني، سبعة أجزاء.
-
رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، لابن عابدين، ستة أجزاء.
أصول المذهب المالكي: المدونة والواضحة والعتبية وتطورها
ثانيا: كتب المذهب المالكي:
اشتهر من الكتب في مذهب مالك كتاب المدونة، ويسمى بالأم، وبالمختلطة، وهو كتاب جمع ألوفا من المسائل دونها سحنون بن سعيد في القرن الثالث الهجري، ومن رواية عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك، وابن القاسم هو تلميذ الإمام الذي لازمة أكثر من عشرين سنة، ومن الأحكام التي بلغت ابن القاسم مما لم يسمعه من إمامه.
وأضاف سحنون إلى ذلك ما قاسه ابن القاسم على أصول الإمام، واحتج سحنون لمسائل المدونة بمروياته من موطأ ابن وهب وغيره، وألحق بذلك ما اختاره من خلاف أصحابه، غير أن المنية عاجلته قبل أن يتمم ذلك في سائر أبوابها.
وعكف أهل القيروان عليها، وتركوا الأسدية التي كان دونها القاضي أسد بن الفرات عن ابن القاسم؛ لأن ابن القاسم كان قد رجع عن كثير من أحكامها، وكتب إلى أسد بن الفرات يعتمد على ما دونه عنه سحنون.
فأصبحت مدونة سحنون إماما لكتب المذهب؛ لأنه قد تداولتها أفكار أربعة من المجتهدين: الإمام مالك، وابن القاسم، وأسد بن الفرات، وسحنون بن سعيد.
وقام العلماء بشرحها وتلخيصها، فشرحها جماعة منهم: اللخمي، وابن محرز، وابن بصير، وابن يونس. وشرح ابن يونس جامع لما في أمهات كتب المذهب.
واختصرها جماعة منهم: ابن أبي زيد القيرواني، وابن أبي زمنين، ثم أبو سعيد البرادعي في كتاب التهذيب، وعليه اعتماد أهل إفريقيا.
وكذلك دون عبد الملك بن حبيب كتاب «الواضحة»، وقد جمعه من رواياته عن ابن القاسم، وأصحابه، وانتشرت في الأندلس.
وممن شرحها: ابن رشد، وعلى الواضحة اعتمد الأندلس، وكذلك ألف العتبي تلميذ ابن حبيب كتاب «العتبية»، مما جمعه من سماع ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع عن مالك، وما سمعه من يحيى بن يحيى، وأصبغ، واعتمدوا «العتبية»، وقاموا بشرحها، والكتابة عليها.
من النوادر إلى مختصر خليل: تطور المراجع المعتمدة في المذهب المالكي
وجاء القرن الرابع الهجري ومالكه الصغير حينئذ العالم الكبير ابن أبي زيد القيرواني، فقام بجمع ما في «المدونة»، و«الواضحة»، و«العتبية»، وما كتب على هذه الأصول، وضمنه كتابه المسمى بـ «النوادر» فجاء جامعا للأصول والفروع.
وبقيت الحال على دراسة هذه الكتب إلى منتصف القرن السابع، وفيه حل محلها ابن الحاجب المسمى بجامع الأمهات، وبالمختصر الفرعي المعروف «بمختصر ابن الحاجب»، وقد جمع مؤلفه الطرق في المذهب من كتب الأمهات، فزاحم المؤلفات المنتشرة في ذلك الوقت، واعتمده أهل بجاية وإفريقيا، وأكثر أهل الأمصار، وشرحه ابن راشد القفصي، وابن عبد السلام.
وشرحه العلامة خليل بن إسحاق بن موسى الجندي أحد شيوخ الإسلام وأئمة الإسلام في القرن الثامن في شرحه المسمى «التوضيح» في ست مجلدات، اعتمد فيه على اختيارات ابن عبد السلام، وزاد عليه القول في كثير من الفروع، وحل مشكلاته، فكان أحسن الشروح، وأكثرها فروعا وفوائد، كما قاله الحطاب.
ثم اختصر العلامة خليل مختصر ابن الحاجب في مختصرة المشهور، ومن ذلك الحين أصبح مختصر خليل موضع العناية والتدريس، والإفتاء، وأصبح حجة المالكيين إلى وقتنا هذا، وما ذلك إلا لجمعه، واستيعابه، وتحريره، واعتماده، حتى إن الناصر اللقاني من شدة متابعة مؤلفه كان يقول إذا عورض كلام خليل بكلام غيره: نحن خليليون، إن ضل ضللنا.
ويقول عن ذلك المختصر أبو محمد الحطاب: هو كتاب صغر حجمه، وكثر علمه، وجمع فأوعى، وفاق أضرابه جنسًا ونوعًا، واختص بتبيين ما به الفتوى، وما هو الأرجح والأقوى، لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله » اهـ. وكثرت الحواشي والشروح عليه حتى زادت على المائة [34]، ونجمل القول في أهم الكتب المعتمدة في فقه مذهب المالكية وهي:
-
المدونة، للإمام مالك، رواية ابن القاسم، وهي أربعة أجزاء.
-
النوادر، لابن أبي زيد القيرواني، حيث قام بجمع ما في المدونة، والواضحة، والعتبية، وما كتب على هذه الأصول، وضمنه كتابه، فجاء جامعا للأصول والفروع.
-
مختصر ابن الحاجب، المسمى بجامع الأمهات، وبالمختصر الفرعي.
-
مختصر الخليل، للعلامة خليل، الذي اختصر فيه مختصر ابن الحاجب.
-
الشرح الكبير، لأحمد الدردير العدوي، الذي شرح فيه مختصر الخليل بشرح مشهور متداول، اقتصر فيه على فتح مغلقه وتقييد مطلقه، وبيان المعتمد من أقوال المذهب، وبيان ما عليه الفتوى، وقد قام العلامة الدسوقي بتعليق حاشيته المشهورة على هذا الشرح، ووقع الكتاب بالحاشية في أربعة أجزاء، طبعة إحياء الكتب العربية.
-
أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، المعروف بالشرح الصغير، لأحمد الدردير العدوي، هو شرح متوسط اهتم فيه مؤلفه بشرح المعاني اللغوية والشرعية للحدود الفقهية التي في أصله، واقتصر على الأقوال والروايات في المذهب مع بيان الراجح منها، وتعرضه لذكر الأدلة والبراهين قليل، ولا تعرض له للمذاهب الأخرى. والكتاب يعد من المراجع المعتمدة في المذهب المالكي، ولا يستغني عنه أحد من الدارسين في المذهب المالكي، ولقد قام العلامة الصاوي بوضع حاشيته عليه، ووقع الكتاب في أربعة أجزاء.
الطريقتان الخراسانية والعراقية في المذهب الشافعي وأهم مصنفاتهما
ثالثًا: كتب المذهب الشافعي:
كان للمذهب الشافعي في بداية الأمر - قبل عصر ابن الصلاح - طريقتان: الطريقة الخراسانية، والطريقة العراقية.
والطريقة الخراسانية كانت الطبقة الأولى منهما هي طبقة أصحاب الشافعي: منهم إسحاق بن راهوية الحنظلي، وحامد بن يحيى بن هانئ البلخي، وأبو سعيد الأصفهاني والحسن بن محمد بن يزيد، وهو أول من حمل علم الشافعي إلى أصفهان، ومنهم أبو الحسين النيسابوري علي بن سلمة بن شقيق، ومات 252 هـ. ثم تأتي الطبقة الثانية فالثالثة حتى التاسعة والأخيرة ومن علمائها: إلكيا الهراسي، وأبو سعد المتولي، ومحيي السنة البغوي، والروياني، ومنهم أيضا إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي.
وقد ألف علماء هذه الطريقة الكتب التي من أشهرها مصنفات أبي على السنجي الذي شرح مختصر المزني، والذي سماه إمام الحرمين بالمذهب الكبير، وأيضا شرح تلخيص ابن القاص، ومنها تعليقة القاضي حسين، والفتاوى له، والسلسلة للجويني، والجمع والفرق له، والنهاية لإمام الحرمين، والتهذيب للبغوي، والإبانة للفوراني، والعمدة له، وتتمة الإبانة للمتولي، وغيرها الكثير.
وطريقة العراقيين والتي أولها كان من طبقة أصحاب الشافعي، منهم: أبو ثور، وإبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الذي تفقه على الإمام مباشرة، ومنهم: أحمد بن حنبل، ومنهم: أبو جعفر الخلال أحمد بن خالد البغدادي، ومنهم: أبو جعفر النهشلي ثم البغدادي، ومنهم: أبو عبد الله الصيرفي، ومنهم: أبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز البغدادي، ومنهم: الحارث بن سريج النقال وهو الذي نقل كتاب الشافعي «الرسالة» إلى عبد الرحمن مهدي. وتوالت الطبقات من لدن هؤلاء حتى الطبقة الثامنة التي كان منها القاضي أبو السائب عقبة بن عبد الله بن موسى الهمداني، وأبو الحسن المحاملي الكبير، وأبو سهل أحمد بن زياد، والفقيه البغدادي، وأبو كبر محمد بن عمر الزبادي البغدادي، وأبو محمد الجوزجاني، وغيرهم.
وقد ألف علماء هذه الطريقة كتبًا كثيرة منها: تعليقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني والذخيرة للبندنيجي، والدريق للشيخ أبي حامد، وتعليقة البندنيجي أيضا، والمجموع والأوسط للمحاملي، والمقنع، واللباب، والتجريد للمحاملي، وتعليقة القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي، والإقناع للماوردي، واللطيف لأبي الحسين بن خيران، والتقريب والمجرد لسليم، والكفاية لسليم، والكفاية للعبدري، والتهذيب لنصر المقدسي، والكافي وشرح الإشارة له.
مرحلة الجمع بين طريقتي الشافعية ودور الرافعي والنووي في تهذيب المذهب
ومنذ عصر ابن الصلاح تم جمع الطريقتين في والد ابن الصلاح، فأخذ ابن الصلاح طريقة العراقيين؛ عن والده عن ابن سعيد عبد الله بن محمد بن هبة الله، وأخذ طريقة الخراسانيين عن والده عن أبي القاسم بن البزري الجزري عن إلكيا الهراسي.
وتتلمذ على ابن الصلاح كل من الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثم المقدسي، وأبو عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم المقدسي مفتي دمشق، وأبو حفص عمر بن أسعد بن أبي طالب الربعي، والأربلي. وعلى كل هؤلاء أخذ الإمام النووي الطريقين، ويقول النووي عن الطريقين:
اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي، وقواعد مذهبه، ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالباً، والخراسانيون أحسن تصرفا وبحثا وتفريعا وترتيبًا.
وعلى الرغم من أن إمام الحرمين وتلميذه الغزالي من الطبقة التاسعة والأخيرة لطريقة الخراسانيين إلا أن أوائل جمع الطريقين بدأت من إمام الحرمين حينما قام بجمع طرق المذهب ووجوه الأصحاب المتقدمين في عمله العظيم «نهاية المطلب في علم المذهب»، وقام بالترجيح فيما اختلف فيه الأصحاب، في ضوء قواعد المذهب، وسار تلميذه الغزالي من بعده على نهجه وأكمل ما بدأه وهذبه، وفتح المجال لتهذيب المذهب وتنقيحه، إلا أن الغرض لم يكتمل إلا بجهود الإمامين الرافعي والنووي، ولهذا استحقا لقب الشيخين.
جميع ما ذكر من كتب الخراسانيين والعراقيين لاقت تحقيقا واسعا عند الإمامين النووي والرافعي إلى أن قال ابن حجر الهيتمي: «أجمع محققو المذهب الشافعي على أن الكتب المتقدمة على الشيخين - يعني الرافعي والنووي - لا يعتد بشيء منها إلا بعد كمال البحث والتحرير، حتى يغلب على الظن أنه راجح مذهب الشافعي.»
فالمعتمد في المذهب ما اتفق عليه الشيخان، فإن اختلفا ولم يوجد لهما مرجح، أو وجد ولكن على السواء، فالمعتمد ما قاله النووي: «وإن وجد لأحدهما دون الآخر فالمعتمد ذو الترجيح»، ثم بعد ذلك جاء ابن حجر، والرملي وشرحا المنهاج، وألفا في المذهب كثيرًا، حتى قال الشافعية المعتمد بعد الشيخين: ابن حجر الهيتمي، ومحمد الرملي، فلا تجوز الفتوى بما يخالفهما، فإن اختلفا قدم أهل مصر ما قاله الرملي، وقدم أهل اليمن، والشام، والأكراد، والحجاز ما قاله ابن حجر، وما لم يتعرضا له يفتى بما ذهب إليه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم بعد ذلك يأخذ بقول الخطيب الشربيني.
تسلسل كتب المذهب الشافعي والمعتمد منها في الفتوى والتعليم
فسلسلة الكتب المعتمدة عند الشافعية تبدأ بما ألفه الإمام الجويني «نهاية المطلب» الذي دارت كتب المذهب عليه، والنهاية هذا يعد اختصارًا لكتب الإمام الشافعي الأربعة التي ألفها في الفقه، وهي: الأم، والإملاء، والبويطي، ومختصر المزني، أو أنه شرح لمختصر المزني كما قال بعضهم، وجمع فيه طرق المذهب وأوجه الأصحاب.
ثم اختصر الغزالي النهاية إلى البسيط، واختصر البسيط إلى الوسيط، وهو إلى الوجيز، ثم اختصر الوجيز إلى الخلاصة.
ثم اختصر الرافعي الوجيز إلى المحرر وشرح الرافعي الوجيز بشرحين:شرح صغير لم يسمه، وكبير سماه العزيز فاختصر النووي إلى الروضة، ثم اختصر النووي المحرر إلى المنهاج، ثم اختصر زكريا الأنصاري المنهاج إلى المنهج، ثم اختصر الجوهري المنهج إلى النهج.
واختصر ابن المقري الروضة إلى «الروض»، فشرحه شيخ الإسلام زكريا شرحًا، فشرحه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري شرحًا سماه «الأسنى»، واختصر ابن حجر الروض إلى كتاب سماه «النعيم» جاء نفيسًا في بابه، غير أنه فقد عليه في حياته.
على خلفية ما ذُكر نستطيع أن نجمل القول في الكتب المعتمدة في مذهب الشافعي فيما يلي:
-
(المحرر) للرافعي، وهو اختصار الوجيز لأبي حامد الغزالي.
-
(العزيز) للرافعي، شرح كبير للوجيز لأبي حامد الغزالي.
-
(المنهاج) للنووي، وهو اختصار للمحرر.
-
(الروضة) للنووي، اختصار للعزيز الذي هو شرح كبير للوجيز.
-
(تحفة المحتاج) لابن حجر الهيتمي، شرح المنهاج، عشرة أجزاء، طبعة دار إحياء التراث العربي.
-
(نهاية المحتاج) للرملي، وهو شرح كذلك على المنهاج، ثمانية أجزاء، طبعة دار الفكر.
-
(أسنى المطالب) في شرح روض الطالب، للشيخ زكريا الأنصاري، وهو شرح لكتاب ابن المقري الروض، الذي اختصر فيه الروضة، ووقع في أربعة أجزاء، طبعة دار الكتاب الإسلامي.
-
(مغني المحتاج) للخطيب الشربيني، وهو شرح على المنهاج، وهو ستة أجزاء، طبعة دار الكتب العلمية.
أهم الكتب المعتمدة في المذهب الحنبلي وخصائص كل منها
رابعًا: المذهب الحنبلي:
هناك الكثير من الكتب المشهورة في المذهب، وإن المعتمد وما عليه الفتوى دائمًا المحرر منها:
-
«الإقناع لطالب الانتفاع» وهو كتاب كثير الفوائد، للعلامة المحقق موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي، وهو المعول عليه في مذهب أحمد في الديار الشامية.
-
«الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» ضم بين دفتيه كل ما قيل في المذهب من أقوال ووجوه وروايات؛ مما يغني عن غيره من المختصرات والمطولات، وسلك فيه مسلكًا لم يسبق إليه، فبين الصحيح من المذهب، ونقل في كل مسألة ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب المتقدمين والمتأخرين من الحنابلة إلا أنه لم يتعرض للدليل إلا نادرًا، وقدم له مقدمة عن الخلاف في روايات المذهب، والكتب التي اعتمد عليها أو نقل منها سواء أكانت من المتون أم من الشروح والحواشي، وبين كيفية الترجيح وطرقه في المذهب وفيه مسائل، وفرائد، وفوائد، وغرائب، ونكت كثيرة لا تظفر بمجموعها في غيره, وعمل المصنف هذا الكتاب تصحيحًا لكتاب المقنع لابن قدامة (620هـ) وتوسع فيه وكأنه شرح له زيادات، ثم اختصر المؤلف كتاب الإنصاف في كتاب نفيس آخر سماه (التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع).
-
«دليل الطالب»: متن مختصر مشهور، تأليف العلاقة بقية المجتهدين مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي، نسبة لطور كرم قريبة بقرب نابلس، ثم الدمشقي أحد علماء هذا المذهب بمصر.
-
«رءوس المسائل»: للشريف الإمام الأوحد عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي.
-
«الرعايتان»: كلاهما لابن حمدان، قال في كشف الظنون: «الرعاية في فروع الحنبلية» للشيخ نجم الدين بن حمدان الحراني، المتوفى سنة 695 هـ، كبرى وصغرى، وحشاهما بالروايات الغريبة التي لا تكاد توجد في الكتب الكثيرة.
-
«العمدة»: كتاب مختصر في الفقه لصاحب المغني جرى فيه على قول واحد مما اختاره، وهو سهل العبارة يصلح للمبتدئين.
-
«عمدة الراغب»: مختصر لطيف للشيخ منصور البهوتي، وضعه للمبتدئين، وشرحه العلامة الشيخ عثمان بن أحمد النجدي شرحًا لطيفًا.
-
«غاية المنتهى»: كتاب جليل للشيخ مرعي الكرمي، جمع فيه بين الإقناع والمنتهى، وسلك فيه مسالك المجتهدين، فأورد فيه اتجاهات له كثيرة.
-
«الغنية»: تأليف: شيخ العصر، وقدوة العارفين: عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي، البغدادي المشهور.
-
«الفروع»: تصنيف: محمد بن مفلح بن مفرج المقدسي، ثم الصالحي الراميني، شيخ الحنابلة في وقته، وأحد المجتهدين في المذهب.
-
«القواعد»: تصنيف: العلامة الحافظ شيخ الحنابلة في زمنه، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي.
-
«الكافي»: للشيخ موفق الدين المقدسي صاحب المغني، يذكر فيه الفروع الفقهية، ولا يخلو من ذكر الأدلة والروايات.
-
«منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات»: هو كتاب مشهور، عمدة المتأخرين في المذهب، وعليه الفتوى فيما بينهم، تأليف العلامة: تقي الدين أحمد بن عبد العزيز علي بن إبراهيم الفتوحي المصري الشهير.
-
«شرح منتهى الإرادات» للعلامة منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس البهوتي، شيخ الحنابلة في عصره، المتوفى سنة 1051 هـ، وشرحه هذا جمعه من شرح مؤلف المنتهى لكتابه، ومن شرحه نفسه على الإقناع وهو شرح مشهور مطبوع، وللشيخ منصور حاشية على المتن.
الصورة الإجمالية لتسلسل كتب المذاهب الأربعة وخاتمة الفصل
ما ذُكر يشكل صورة إجمالية لمعرفة تسلل كتب المذاهب الفقهية الأربعة، وسهولة الرجوع إليها ومعرفة طبيعة أهم تلك المراجع، نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا دائما، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المراد بحديث «كل بدعة ضلالة» عند جمهور العلماء؟
البدعة المذمومة التي ليس لها أصل في الشريعة
إلى كم قسم قسّم العز بن عبد السلام البدعة؟
خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة
ما موقف ابن رجب الحنبلي من تعريف البدعة شرعًا؟
قصر مفهوم البدعة على المحرمة فقط
ما مثال البدعة الواجبة عند العلماء؟
الاشتغال بعلم النحو لفهم كلام الله
ماذا قال عمر بن الخطاب عن صلاة التراويح جماعة في رمضان؟
نعم البدعة هذه
هل الترك النبوي لعبادة يُعدّ دليلاً شرعيًا مستقلاً على تحريمها؟
لا، الترك ليس مسلكًا للاستدلال بمفرده باتفاق العلماء
ما الذي استدل به بلال رضي الله عنه على جواز صلاة ركعتين بعد الوضوء؟
فعله لها وإقرار النبي له دون إنكار
ما مرتبة كتب ظاهر الرواية في المذهب الحنفي مقارنةً بكتب الحديث؟
كالصحيحين
من هو العالم الذي قال «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم»؟
الإمام أحمد بن حنبل
ما الكتاب الذي أصبح حجة المالكيين في الفتوى إلى وقتنا الحاضر؟
مختصر خليل
من هما الشيخان المعتمدان في المذهب الشافعي؟
الرافعي والنووي
ما الكتاب المعتمد في المذهب الحنبلي في الديار الشامية؟
الإقناع للحجاوي
ما الذي فهمه الصحابة من ترك النبي الخطبة على الجذع وصنعهم منبرًا له؟
أن الترك لا يعني التحريم
ما قول الإمام الذهبي في حكم تبديع العالم المجتهد الذي أخطأ في مسألة؟
لو بدّعنا كل مجتهد أخطأ لما سلم أحد من كبار العلماء
ما مسالك إثبات الحكم الشرعي المتفق عليها بين العلماء؟
القرآن والسنة والإجماع والقياس
ما تعريف البدعة في اللغة؟
البدعة في اللغة هي الحَدَث وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال، وكل محدثة، وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم.
ما الفرق بين المسلكين في تعريف البدعة شرعًا؟
المسلك الأول للعز بن عبد السلام يُعرّف البدعة بكل محدثة ويقسّمها إلى خمسة أحكام، والمسلك الثاني لابن رجب يقصرها على المذمومة المحرمة فقط، وكلاهما يتفقان على أن المذمومة هي ما ليس لها أصل في الشريعة.
ما مثال البدعة المندوبة عند العلماء؟
من أمثلة البدعة المندوبة: إحداث المدارس، وبناء القناطر، وصلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد.
ما مثال البدعة المباحة عند العلماء؟
من أمثلة البدعة المباحة: المصافحة عقب الصلوات، والتوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس.
ما قول الإمام الشافعي في تقسيم المحدثات؟
قال الشافعي: المحدثات ضربان، أحدهما ما يخالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، والثاني ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه فهذه محدثة غير مذمومة.
ما قول ابن الأثير في تقسيم البدعة؟
قال ابن الأثير: البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به فهو في حيز الذم، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب إليه فهو في حيز المدح.
لماذا لا يجوز وصف المجتهد المخطئ بالابتداع؟
لأن الخطأ على أساس المنهج العلمي الصحيح لا يوصف بالابتداع، وقد قبل العلماء في كل عصر هذه المسائل الاجتهادية، ولا يجرؤ أحد على تضليل العلماء الأكابر الذين قبلوها.
ما الدليل من فعل الصحابة على أن الترك لا يعني التحريم؟
صنع الصحابة منبرًا للنبي رغم أنه كان يخطب على الجذع، ولم يفهموا من ترك الخطبة على المنبر أنها بدعة أو حرام، مما يدل على أن الترك لا يوجب الحظر.
ما كتب ظاهر الرواية في المذهب الحنفي؟
هي مؤلفات محمد بن الحسن: الجامع الكبير والجامع الصغير والسير الكبير والسير الصغير والزيادات والمبسوط، وهي المتواترة عنه برواية جمع كثير من أصحابه.
ما الفرق بين كتب الأصول والنوادر والفتاوى في المذهب الحنفي؟
كتب الأصول هي ظاهر الرواية المتواترة كالصحيحين، وكتب النوادر مرويةٌ بالآحاد كالسنن الأربعة، وكتب الفتاوى تحتوي على استنباطات المتأخرين وهي أقل درجة من النوادر.
ما مكانة المدونة في المذهب المالكي؟
المدونة هي إمام كتب المذهب المالكي، دوّنها سحنون من رواية ابن القاسم عن مالك، وتداولتها أفكار أربعة من المجتهدين: مالك وابن القاسم وأسد بن الفرات وسحنون.
ما الكتاب الذي جمع طرق المذهب الشافعي وأوجه الأصحاب أولاً؟
نهاية المطلب في علم المذهب لإمام الحرمين الجويني، الذي قام فيه بجمع طرق المذهب وأوجه الأصحاب المتقدمين والترجيح بينها.
ما قاعدة الترجيح عند اختلاف الرافعي والنووي في المذهب الشافعي؟
إذا اتفق الشيخان فهو المعتمد، وإن اختلفا فالمعتمد ما قاله النووي، وإن وجد ترجيح لأحدهما فالمعتمد ذو الترجيح.
ما قول ابن قدامة المقدسي في اختلاف أئمة الأمة؟
قال ابن قدامة: «اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة»، وأشار إلى أن الله جعل في سلف الأمة أئمة مهّد بهم قواعد الإسلام.
ما الكتاب الذي سمّاه الإمام أحمد «كتاب السعة» بدلاً من «كتاب الاختلاف»؟
حين صنّف رجل كتابًا في الاختلاف قال له الإمام أحمد: «لا تسميه الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة»، مما يدل على نظرته الإيجابية للخلاف الفقهي.