ما حكم الإسلام في التعامل مع غير المسلمين وتطبيق الشريعة وقضايا الجهاد والديمقراطية والردة؟
الإسلام يأمر بالإحسان إلى غير المسلمين من إهداء وعيادة وتهنئة ما لم يكونوا محاربين. وتطبيق الشريعة أوسع من مجرد إقامة الحدود، إذ يشمل العقيدة والأخلاق والفقه، وللحدود شروط صارمة تجعل تعطيلها في كثير من العصور أمرًا مشروعًا. وقضية قتل المرتد مرتبطة بالخروج على النظام العام لا بحرية العقيدة، والجهاد في الإسلام له أهداف وشروط نبيلة تنفي ادعاء انتشار الإسلام بالسيف.
- •
هل يجوز للمسلم إهداء غير المسلم وعيادته وتهنئته؟ الجواب: نعم، وهو من الإحسان الذي أمر الله به ومن سنة النبي الثابتة.
- •
قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا الملوك الكفار ككسرى وقيصر والمقوقس، وعاد الغلام اليهودي، وأجمع الفقهاء على جواز ذلك بل استحبابه.
- •
لا يجب على الابن طاعة والده في طلاق زوجته، وعدم الطاعة في هذا ليس عقوقًا، وهو قول جمهور الحنابلة وغيرهم.
- •
تطبيق الشريعة أشمل من الحدود الجنائية، وللحدود شروط صارمة، وقد عطّلها عمر في عام الرمادة وسكتت عنها أغلب الدول الإسلامية لعموم الشبهة.
- •
قضية قتل المرتد ليست عقوبة على حرية الفكر بل على الخروج على النظام العام، والنبي لم يقتل كثيرًا ممن صدرت منهم ألفاظ الكفر.
- •
الإسلام لم ينتشر بالسيف بل بالدعوة، والجهاد له أهداف وشروط نبيلة، وجوهر الديمقراطية من صميم الإسلام في الشورى واختيار الحاكم.
- 1
الإهداء والعيادة والتهنئة لغير المسلمين من الإحسان المأمور به قرآنًا، ولم ينهَ الله عن بر غير المحاربين من غير المسلمين.
- 2
النبي قبل هدية المقوقس صاحب الإسكندرية من كسوة وبغلة وجاريتين، وهو دليل على مشروعية قبول هدايا غير المسلمين.
- 3
قصة سلمان الفارسي تبين أن النبي قبل هديته قبل إسلامه ورفض صدقته، مما يدل على جواز قبول هدية غير المسلم.
- 4
النبي قبل هدايا كسرى وقيصر وسائر الملوك، وعاد الغلام اليهودي، مما يؤكد مشروعية التعامل الإنساني مع غير المسلمين.
- 5
أجمع الفقهاء من مختلف المذاهب على جواز صلة غير المسلم وإهدائه وعيادته وتهنئته باعتبارها من الإحسان والدعوة بحسن الأخلاق.
- 6
مسألة أمر الأب ابنه بطلاق زوجته مسألة فقهية قديمة تحتاج إلى تحديد حد البر وحد العقوق عند التعارض مع الحياة الزوجية.
- 7
ابن تيمية قيّد طاعة الأب في الطلاق بصلاحه، وحرّم طاعة الأم في ذلك، وذهب ابن مفلح إلى عدم وجوب طاعة الأبوين في الطلاق مطلقًا.
- 8
البهوتي والسفاريني وابن مفلح من الحنابلة يتفقون على أنه لا يجب على الابن طاعة والديه في طلاق زوجته لأنه ليس من البر.
- 9
الخلاصة الفقهية أنه لا يجب على الابن طاعة والده في طلاق زوجته، وأن رفض هذه الطاعة ليس عقوقًا بإجماع جمهور الفقهاء.
- 10
تطبيق الشريعة أوسع من الحدود الجنائية، وله جوانب ودرجات متعددة، ومخالفة بعض الأحكام لا تعني خروج البلد عن الإسلام.
- 11
الشريعة الإسلامية تشمل العقيدة والفقه والأخلاق ومناهج التفكير والتعامل مع الوحي والواقع، وليست مقصورة على الحدود الجنائية.
- 12
الحدود لها جانب اعتقادي يتعلق بتعظيم الإثم، وجانب تطبيقي مشروط بشروط صارمة، وتطبيقها دون توفر شروطها خروج عن الشريعة.
- 13
الحدود للردع لا للانتقام، والشرع يتشوف للعفو والستر، وحديث ادرءوا الحدود بالشبهات جعل تعطيل الحدود لألف سنة في مصر موقفًا شرعيًا.
- 14
أوصاف العصر من ضرورة وشبهة وجهالة تؤثر في تطبيق الأحكام، وذهاب محل الحكم يعطل تطبيقه كأحكام الرقيق والخلافة.
- 15
الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال كما نص القرافي، وإدراك الواقع شرط لتطبيق الشريعة صحيحًا.
- 16
الدول الإسلامية تتباين في تطبيق الحدود بين مطبق ومعلق وساكت، والأغلبية تعتبر عصرنا عصر شبهة عامة تمنع إقامة الحدود.
- 17
المرجعية الإسلامية تقوم على القرآن والسنة ثم العلماء ثم المجامع الفقهية، والأزهر أقدم مؤسسة علمية إسلامية وأهم مرجعياتها.
- 18
الخلاف بين السنة والشيعة في الفروع لا في أصول العقيدة، والأزهر يدرس المذهب الجعفري ويعتبره معتبرًا، والشيعة جزء من الأمة الإسلامية.
- 19
الإسلام يقرر حرية الاعتقاد بنص قرآني صريح، وقضية قتل المرتد تُفهم من خلال التطبيق النبوي الفعلي لا من النص النظري وحده.
- 20
النبي لم يقتل كثيرًا ممن صدرت منهم ألفاظ الكفر والنفاق لاعتبارات تأليف القلوب ومصلحة الدعوة، مما يدل على أن التطبيق أوسع من النص.
- 21
الفقهاء يفهمون قتل المرتد باعتباره عقوبة على الخروج على النظام العام لا على تغيير العقيدة، وهو مرادف للخيانة العظمى في القانون الحديث.
- 22
الإسلام دين تسامح يكرم الإنسان بصرف النظر عن دينه، والإرهاب وليد العقليات الفاسدة لا الأديان، والقرآن يأمر بالبر والقسط مع غير المحاربين.
- 23
الإسلام يكفل السلام والأمن لغير المسلمين داخل المجتمع الإسلامي، ويحرم ظلم المعاهدين وأهل الذمة تحريمًا شديدًا.
- 24
مؤرخون غربيون كجوستاف لوبون وروبرتسن شهدوا بأن تسامح المسلمين مع أصحاب الأديان الأخرى أمر لم يُعهد في تاريخ الديانات.
- 25
نسبة الإرهاب إلى الإسلام بسبب أفعال بعض المسلمين ظلم، كما لا تُنسب محاكم التفتيش والحروب الصليبية إلى تعاليم المسيحية.
- 26
الإسلام يدين التخريب والإرجاف في البلاد الآمنة ويصف فاعليه بالمفسدين في الأرض، والأديان جاءت لرحمة الناس ونشر العدل.
- 27
النبي رحمة للعالمين وصفًا شاملًا، والجهاد في الإسلام نقي في أهدافه وشروطه، وشبهة انتشار الإسلام بالسيف ناتجة عن التعصب والتجاهل.
- 28
المؤرخان الغربيان توماس كارليل وغوستاف لوبون يشهدان بأن الإسلام انتشر بالدعوة لا بالسيف، وأن التاريخ يثبت أن الأديان لا تفرض بالقوة.
- 29
أهداف الجهاد في الإسلام هي رد العدوان وتأمين الدعوة والمطالبة بالحقوق ونصرة العدل، وهي أهداف نبيلة تميز الجهاد عن الحروب العدوانية.
- 30
شروط الجهاد الإسلامي تحمي المدنيين والبيئة وأصحاب الأديان، وتمنع العدوان على غير المقاتلين وتوجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية.
- 31
الجهاد في الإسلام يربي النفس على الفروسية ويزيل الطغاة ويقر العدل والحرية لجميع الناس ويحقق قوة الردع اللازمة لأمن الأوطان.
- 32
القتال الفعلي في غزوات النبي لم يتجاوز سبع مرات بمجموع 251 قتيلًا، وانتشار الإسلام كان تدريجيًا طبيعيًا عبر الدعوة لا الإكراه.
- 33
انتشار الإسلام تميز بعدم إبادة الشعوب والإبقاء على التعددية الدينية وإقرار الحرية الفكرية، على عكس الاستعمار الغربي الذي أباد الشعوب وسرق البشر.
- 34
الإسلام كفل للمسلم حقوقًا سياسية أربعة: اختيار الحاكم والشورى وتولي المناصب والنصيحة، وتطورت الدولة الإسلامية لتواكب تعقد المجتمعات.
- 35
جوهر الديمقراطية من صميم الإسلام في الشورى واختيار الحاكم، والإسلام يجيز اقتباس النظم النافعة من غير المسلمين كما فعل النبي وعمر.
- 36
الديمقراطية الإسلامية تجسد مبادئ الشورى واختيار الحاكم مع صون ثوابت الأمة العقدية، والمسلم يستفيد من تجارب الآخرين بميزان الشرع.
- 37
مذهب أبي حنيفة ومحمد يجيز للمسلم التعامل بالعقود الفاسدة مع الحربيين في دارهم، والمال المكتسب منها طيب يجوز الحج به.
- 38
أبو حنيفة ومحمد يجيزان بيع الميتة والربا والقمار مع الحربيين في دارهم، مستدلين بإقرار النبي للعباس على الربا في مكة قبل الفتح.
- 39
كبار الحنفية اعتمدوا جواز العقود الفاسدة في دار الحرب مع تقييد الكمال بن الهمام الإباحة بأن تكون الزيادة للمسلم لا للحربي.
- 40
الحنفية استدلوا بمرسل مكحول وحديث بني قينقاع على جواز الربا مع الحربيين في دارهم، إذ أجاز النبي لهم ما لا يجوز بين المسلمين.
- 41
مصارعة النبي لركانة على الغنم ومناحبة أبي بكر لقريش دليلان على جواز القمار مع المشركين في دارهم عند الحنفية.
- 42
مال الحربيين مباح لأنه كان سيؤخذ غنيمة، والحج منه جائز عند الحنفية، مع التنبيه على قواعد التقليد والورع التي تربط هذا المذهب بالمذاهب الأخرى.
هل يجوز للمسلم إهداء غير المسلم وعيادته وتهنئته؟
يجوز للمسلم إهداء غير المسلم وعيادته وتهنئته، وذلك من باب الإحسان الذي أمر الله به في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. ولم ينهَ الله المسلمين عن بر غير المسلمين ووصلهم وإهدائهم وقبول الهدية منهم ما لم يكونوا محاربين، قال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾.
هل قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا من غير المسلمين؟
ثبت في صحيح السنة بما يفيد التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا غير المسلمين. ومن ذلك أن المقوقس صاحب الإسكندرية أهدى للنبي كسوة وبغلة وجاريتين إحداهما أم إبراهيم، فقبلها النبي. وهذا يدل على أن قبول هدية غير المسلم سنة نبوية ثابتة.
ما الفرق بين الصدقة والهدية في قصة سلمان الفارسي مع النبي؟
في قصة إسلام سلمان الفارسي جاء بمائدة رطب وقال إنها صدقة فرفضها النبي لأنه لا يأكل الصدقة، ثم جاء بها مرة أخرى وقال إنها هدية فقبلها النبي وأمر أصحابه بالأكل. هذا يبين أن النبي كان يقبل الهدية من غير المسلمين ويرفض الصدقة، وأن سلمان لم يكن قد أسلم بعد حين قدّم الهدية.
هل قبل النبي هدايا كسرى وقيصر وعاد المرضى من غير المسلمين؟
ثبت عن علي بن أبي طالب أن كسرى وقيصر وملوكًا آخرين أهدوا للنبي فقبل منهم جميعًا. كما ثبت عن أنس أن النبي عاد غلامًا يهوديًا كان يخدمه. وقد استنتج الحافظ العراقي من قصة سلمان أن قبول هدية الكافر جائز، بل كان من أبرز علامات نبوته التي أخبرت بها الكتب السابقة.
ما موقف الفقهاء من قبول هدية غير المسلم وتهنئته وعيادته؟
أجمع فقهاء الإسلام على جواز قبول هدية غير المسلم وصلته، فقال زكريا الأنصاري: يجوز قبول هدية الكافر للاتباع. وذهب السرخسي إلى جواز صلة المسلم للمشرك قريبًا أو بعيدًا محاربًا أو ذميًا. وقال المرداوي الحنبلي إن عيادة غير المسلم والتهنئة والتعزية هو الصواب. وقال الشيخ عليش إن تهنئة النصراني لا تعد ردة ما لم يقصد تعظيم الكفر.
هل يجب على الابن طاعة أبيه إذا أمره بطلاق زوجته؟
تعارض حقوق الوالدين مع استمرار الحياة الزوجية مسألة قديمة ظهرت منذ عصر النبوة حين أمر عمر بن الخطاب ابنه عبد الله بطلاق زوجته. وقد تناول فقهاء الشريعة هذه المسألة بالتحليل لتحديد حد البر وحد العقوق عند تعارضهما مع الحياة الزوجية.
هل تجب طاعة الأم في طلاق الزوجة وما شرط وجوب طاعة الأب في ذلك؟
قيّد ابن تيمية وجوب طاعة الأب في الطلاق بصلاح الأب وتقواه، فإن لم يكن صالحًا فلا طاعة. أما طاعة الأم في طلاق الزوجة فقد حرّمها ابن تيمية صراحةً خاصة إن كان للابن أولاد، وقال: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه. وذهب ابن مفلح إلى أنه لا تجب طاعة الأبوين في الطلاق.
ما قول الحنابلة في وجوب طاعة الوالدين في طلاق الزوجة؟
ذهب البهوتي صراحةً إلى أنه لا يجب على الابن طاعة أبويه ولو كانا عدلين في طلاق زوجته، لأن ذلك ليس من البر. وأيّده السفاريني في غذاء الألباب، ونقل أن الإمام أحمد سُئل عن رجل أمره أبوه بطلاق امرأته فقال: لا تطلقها، وقال: حتى يكون أبوك مثل عمر. وكذلك ذكر ابن مفلح في الآداب الشرعية أن ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد.
هل يُعدّ رفض الابن طلاق زوجته بأمر والديه عقوقًا؟
لا يُعدّ رفض الابن طلاق زوجته بأمر والديه عقوقًا، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. وأكد ابن أطفيش الإباضي أن الابن غير ملزم بطلاق زوجته إذا طلب منه أبواه ذلك، وإن كان لا يضيق عليه أن يطيعهما فيه. والخلاصة أنه لا يجب على الابن طاعة والده في أمره بطلاق زوجته.
كيف يُفهم تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث وما نسبة الحدود منها؟
تطبيق الشريعة يجب أن يُفهم بصورة أوسع من قصره على تطبيق الحدود العقابية، فالشريعة لها جوانب مختلفة ودرجات متباينة. وليس من العدل وصف واقع بأنه لا يطبق الشريعة لمجرد مخالفته لبعض أحكامها، إذ حدثت هذه المخالفات على مدى التاريخ الإسلامي في كل بلدان المسلمين. وكلمة تطبيق الشريعة بمفهومها الحديث المقصور على الحدود كلمة حادثة.
ما مكونات الشريعة الإسلامية وما الذي تشمله؟
الشريعة الإسلامية تشمل العقائد والرؤية الكلية للكون والإنسان والوحي واليوم الآخر. كما تشتمل على الفقه الذي يضبط السلوك الفردي والجماعي، ومنظومة الأخلاق وطرق التربية ومناهج التفكير، والتعامل مع الوحي قرآنًا وسنة ومع الواقع مهما تغير أو تعقد.
ما الجانبان الأساسيان في قضية الحدود الشرعية وما شروط تطبيقها؟
قضية الحدود تشتمل على جانبين: الأول هو الاعتقاد بأحقية هذا النظام العقابي في ردع الإجرام وتأكيد إثم تلك الذنوب. والثاني أن الشرع وضع شروطًا لتطبيق الحدود وأوصافًا وأحوالًا لتعليقها أو إيقافها، وعند عدم توفر تلك الشروط فإن تطبيق الحدود مع ذلك الفقد يعد خروجًا عن الشريعة.
ما الغرض من الحدود في الإسلام وما معنى حديث ادرءوا الحدود بالشبهات؟
الشرع لم يجعل الحدود لغرض الانتقام بل لردع الجريمة قبل وقوعها، والشرع لا يتشوف لإقامتها بقدر ما يتشوف للعفو والصفح والستر. وقد لم تُقَم الحدود في مصر لمدة نحو ألف سنة لعدم توفر الشروط الشرعية. والنبي قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، وقال: لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة.
كيف تؤثر أوصاف العصر كالضرورة والشبهة والجهالة في تطبيق الأحكام الشرعية؟
قد يوصف العصر بصفات كالضرورة والشبهة والفتنة والجهالة، وهذه الأوصاف تؤثر في الحكم الشرعي، فالضرورة تبيح المحظور حتى لو عمت واستمرت. والشبهة تجيز إيقاف الحد كما صنع عمر في عام الرمادة. وما أسماه الأصوليون النسخ العقلي هو أثر ذهاب المحل في الحكم، فالحكم لا يطبق إذا ذهب محله كأحكام الرقيق والخلافة الكبرى والنقدين.
ما الجهات الأربع التي تتغير بها الأحكام الشرعية وكيف يؤثر ذلك في الفقه المعاصر؟
نص القرافي على أن الأحكام تتغير بأربع جهات: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. فالأحكام المبنية على العرف تتغير بتغير الزمان، وأجاز المذهب الحنفي العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين فتغيرت بتغير المكان، والضرورات تبيح المحظورات فتتغير بتغير الأحوال، وأحكام الشخص الطبيعي تختلف عن الشخص الاعتباري فتتغير بتغير الأشخاص.
كيف تتعامل الدول الإسلامية المعاصرة مع تطبيق الحدود الشرعية؟
السعودية تطبق الحدود عبر القضاء الشرعي مباشرة. وباكستان والسودان وإيران وماليزيا ونيجيريا نصت قوانينها على الحدود لكن تم الإيقاف الفعلي لها في معظمها. وبقية الدول الإسلامية الست والخمسون سكتت عن قضية الحدود معتبرةً أن عصرنا عصر شبهة عامة، وأن الشهود المعتبرين شرعًا قد فُقدوا من زمن بعيد.
ما مرجعية المسلمين في المسائل الدينية المستجدة وما دور الأزهر في ذلك؟
أساس المرجعية عند المسلمين هو القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم علماء الدين الذين يوقعون باسم الدين من خلال النقل الأمين للشرع. والأزهر الشريف بوصفه أقدم مؤسسة علمية تعلم الدين يعد من أهم المرجعيات، ويضم مجمع البحوث الإسلامية. وكذلك مفتو البلاد الإسلامية والمجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي بجدة.
ما طبيعة الخلاف بين السنة والشيعة وما موقف الأزهر من المذهب الجعفري؟
الخلاف بين السنة والشيعة في أمور فرعية وإن كانت كثيرة، وهم متفقون على أساس العقيدة من الإله والرسول والكتاب والإيمان بالغيبيات. والأزهر يدرس المذهب الجعفري منذ قرون ويعتبره من المذاهب الفقهية المعتبرة. والشيعة جزء من أمة الإسلام لا ينفصل عنها، والإسلام أوسع من السنة فحسب بل يشمل السنة والشيعة وغيرهم.
كيف يرد الإسلام على شبهة منع حرية العقيدة بقتل المرتد؟
الإسلام وضع دستورًا واضحًا لحرية الاعتقاد في قوله تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾. وقضية قتل المرتد تُنظر من زاويتين: النص الشرعي النظري الذي يبيح دم من ترك دينه وفارق الجماعة، والتطبيق التشريعي الفعلي في عهد النبي وخلفائه الذي يكشف أن القتل لم يكن لمجرد تغيير العقيدة.
لماذا لم يقتل النبي المنافقين والمرتدين الذين صدرت منهم ألفاظ الكفر؟
النبي لم يقتل عبد الله بن أبي رغم قوله الكفر الصريح، ولم يقتل ذا الخويصرة ولا من اتهمه بعدم العدل، وكان في ترك قتلهم مصالح عظيمة من تأليف الناس وعدم تنفيرهم. وقال للنبي لعمر حين أشار بقتل عبد الله بن أبي: لا يبلغ الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وهذا يدل على أن الاعتبارات العملية والمصلحية كانت تحكم التطبيق.
كيف فهم الفقهاء قضية قتل المرتد وهل هي مرتبطة بحرية العقيدة؟
فهم فقهاء المسلمين أن قتل المرتد ليس مرتبطًا بحرية العقيدة والفكر، وأن النصوص الشديدة في ذلك عنت الخروج على الإسلام لا الخروج من الإسلام، وهو جرم ضد النظام العام مرادف لجريمة الخيانة العظمى. وقال الشيخ شلتوت إن قتل المرتد ليس حدًا، وأن المبيح للدم هو محاربة المسلمين لا الكفر بنفسه. وأكد ابن تيمية أن النبي قتل من ضموا إلى ردتهم أذى للإسلام لا من ارتدوا فحسب.
ما علاقة الإسلام بالإرهاب وكيف ينظر الإسلام إلى الإنسان؟
الإرهاب وليد العقليات الفاسدة والقلوب القاسية لا وليد الأديان. والإسلام دين تسامح وتعايش سلمي مع كافة البشر، وينظر إلى الإنسان باعتباره مخلوقًا مكرمًا دون النظر إلى دينه أو لونه أو جنسه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾. ووضع الإسلام دستور العلاقة بين المسلم وغيره في آية الممتحنة الآمرة بالبر والقسط.
كيف يكفل الإسلام السلام والأمن لغير المسلمين داخل المجتمع الإسلامي؟
السلام اسم من أسماء الله وشعار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. والإسلام يعتقد أن الإنسان مهما كان معتقده له الحق في العيش في أمان وسلام داخل وطن المسلمين. وقد حذر النبي من ظلم المعاهدين وقال: من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا فأنا حجيجه يوم القيامة.
ما شهادات المؤرخين الغربيين على تسامح المسلمين مع أصحاب الأديان الأخرى؟
قال العلامة الفرنسي جوستاف لوبون إن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية ولم يقل بمثلها مؤسسو الأديان السابقة. وقال روبرتسن في تاريخ شارلكن إن المسلمين وحدهم جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وتركوا من لم يرغب في الإسلام حرًا في التمسك بتعاليمه الدينية.
هل يصح نسبة الإرهاب إلى الإسلام بسبب أفعال بعض المسلمين كما لا يُنسب إلى المسيحية؟
ليس من العدل نسبة الإرهاب إلى الإسلام لمجرد صدوره من مجموعات تنسب نفسها إليه، وإلا كانت هذه دعوى لهدم جميع الأديان. فالكنيسة الإسبانية قمعت وعذبت المسلمين واليهود وطردتهم، ومحاكم التفتيش حكمت على 340000 نسمة منهم 200000 أحرقوا أحياء، ولا نحسب ذلك على تعاليم المسيحية. والحروب الصليبية اقترفت فظائع لا تُحسب على الدين المسيحي.
ما موقف الإسلام من التخريب والإرجاف الذي يحدث في البلاد الإسلامية؟
الإسلام يستنكر التخريب والإرجاف في البلاد الآمنة باعتباره من فساد العقول وخراب القلوب والكبر. ويصف القرآن المفسدين في الأرض بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾. والإرهاب الصهيوني كذلك لا يُحسب على تعاليم الدين اليهودي.
كيف يرد الإسلام على شبهة انتشاره بالسيف وما حقيقة الجهاد؟
الله وصف النبي بأنه رحمة للعالمين وصفًا شاملًا لكل زمان ومكان وحال وفئة. والجهاد في الإسلام حرب في غاية النقاء والطهر والسمو في جانبي التنظير والتطبيق. وشيوع أن الإسلام انتشر بالسيف ناتج عن التعصب والتجاهل لحقيقة الدين الإسلامي، والقرآن يأمر بعدم خلط الأوراق والبحث عن الحقيقة.
ما شهادة توماس كارليل وغوستاف لوبون على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف؟
قال توماس كارليل إن اتهام النبي بالتعويل على السيف سخف غير مفهوم، إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو يستجيبوا له. وقال غوستاف لوبون إن التاريخ أثبت أن الأديان لا تفرض بالقوة، وأن القرآن انتشر بالدعوة وحدها، وبلغ الهند والصين اللتين لم يفتحهما العرب.
ما أهداف الحرب والجهاد في الإسلام؟
أهداف الحرب في الإسلام أربعة: رد العدوان والدفاع عن النفس، وتأمين الدعوة إلى الله وإتاحة الفرصة للضعفاء الراغبين في اعتناقها، والمطالبة بالحقوق السليبة، ونصرة الحق والعدل. وهذه الأهداف تجعل الجهاد الإسلامي من أنقى أنواع الحروب من ناحية الهدف والأسلوب.
ما شروط الجهاد في الإسلام وكيف يحمي المدنيين وأصحاب الأديان؟
شروط الجهاد في الإسلام تشمل: النبل والوضوح في الوسيلة والهدف، وعدم القتال إلا مع المقاتلين دون عدوان على المدنيين، والكف عن القتال إذا جنح العدو للسلم، والمحافظة على الأسرى ومعاملتهم معاملة حسنة، والمحافظة على البيئة والنهي عن تحريق الأشجار وإفساد الزروع، والمحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان.
ما الآثار التربوية والسياسية المترتبة على الجهاد في الإسلام؟
الآثار المترتبة على الجهاد في الإسلام خمسة: تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية، وإزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس، وإقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم، وتقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية، وتحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس في أوطانهم.
ما حقائق غزوات النبي وكيف انتشر الإسلام في الأقاليم المفتوحة؟
مجموع تحركات النبي العسكرية نحو ثمانين غزوة لكن القتال الفعلي لم يحدث إلا في نحو سبع مرات، وعدد القتلى من الجانبين 251 فقط. وانتشر الإسلام بعد ذلك بطريقة طبيعية عبر إقامة العلاقات والهجرة، ففي المائة عام الأولى كانت نسبة المسلمين في إيران 5% وفي مصر 2%، ووصلت النسبة إلى 50% في إيران بعد 235 هجرية وفي مصر بعد 330 هجرية.
ما خصائص انتشار الإسلام التي تميزه عن الاستعمار الحديث؟
خصائص انتشار الإسلام تشمل: عدم إبادة الشعوب، ومعاملة العبيد معاملة راقية بتعليمهم وتوليتهم الحكم، والإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس وهندوس، وإقرار الحرية الفكرية دون محاكم تفتيش، وبقاء الحجاز فقيرًا حتى اكتشاف البترول. وعلى العكس تعرض العالم الإسلامي للاستعمار وإبادة الشعوب وسرقة البشر.
ما الحقوق السياسية التي كفلها الإسلام للمسلم وكيف تطورت الدولة الإسلامية؟
تطورت الدولة الإسلامية منذ نشأتها وابتكر المسلمون الأنظمة الملائمة لكل عصر. وكفل الإسلام للمسلم أربعة حقوق سياسية: اختيار الحاكم والرضا به عبر البيعة، والمشاركة في القضايا العامة عبر الشورى، وتولي المناصب السياسية، ونصح الحاكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هل يتعارض مبدأ الديمقراطية مع الشورى الإسلامية وهل يجوز اقتباس النظم من غير المسلمين؟
جوهر الديمقراطية من صميم الإسلام، فالإسلام يتفق مع مبدأ اختيار الحاكم ويدل على ذلك إنكاره أن يؤم الناس من يكرهونه. والإسلام لا يمنع اقتباس الأفكار النافعة من غير المسلمين، فقد اقتبس النبي فكرة الخندق من الفرس وجعل أسرى بدر يعلمون المسلمين القراءة، واقتبس عمر نظام الدواوين. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها.
ما ضوابط الديمقراطية المقبولة إسلاميًا وما حدودها أمام ثوابت الأمة؟
الديمقراطية المبتغاة للبلاد الإسلامية شكل للحكم يجسد مبادئ الإسلام السياسية في اختيار الحاكم وإقرار الشورى والنصيحة ومقاومة الجور. والمسلم لا يأخذ كل ما في الديمقراطية الغربية بل يقر الصواب ويبتعد عن الخطأ. والديمقراطية التي يقرها الإسلام لا تجعل ثوابت الأمة من عقائد وأعراف محلًا للإلغاء، كما أن الديمقراطية الغربية تجعل العلمانية خطًا أحمر.
هل يجوز أداء الحج من المال الناتج عن العقود الفاسدة في بلاد غير المسلمين؟
ذهب الإمامان أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، وأن المسلم في دار الحرب له أخذ أموال الحربيين بأي وجه كان ولو بالعقد الفاسد كالقمار أو بيع الميتة والخمر. وعلى هذا يكون المال المكتسب من هذه العقود طيبًا، ويجوز الحج به.
ما تفصيل مذهب أبي حنيفة ومحمد في جواز أخذ مال الحربي بالعقود الفاسدة؟
قال محمد في شرح السير الكبير: إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس بأن يأخذ أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان. وأجاز بيع الدرهم بالدرهمين وبيع الميتة والقمار مع الحربيين في دارهم. واستدل السرخسي بأن العباس رضي الله عنه كان يربي بمكة بعد إسلامه ولم ينهه النبي، مما يدل على جواز ذلك في دار الحرب.
هل اعتمد الحنفية جواز العقود الفاسدة في دار الحرب وما تقييدهم لذلك؟
اعتمد كبار الحنفية كالمرغيناني والكمال بن الهمام والحصكفي وابن عابدين قول أبي حنيفة ومحمد بجواز العقود الفاسدة في دار الحرب. وقيّد الكمال بن الهمام الإباحة بأن تكون الزيادة للمسلم لا للحربي، وأن الأئمة في دروسهم قيدوا حل الربا بأخذ المسلم من الحربي لا العكس.
ما الأدلة الحديثية التي استند إليها الحنفية لإثبات جواز الربا مع الحربيين؟
استدل الحنفية بمرسل مكحول: لا ربا بين المسلمين وبين أهل دار الحرب في دار الحرب، وقال السرخسي إن مكحولًا فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول. واستدلوا بحديث بني قينقاع حين أجلاهم النبي وقال لهم: ضعوا أو تعجلوا، وهو نوع من الربا أجازه النبي لأنهم كانوا أهل حرب.
كيف استدل الحنفية بمصارعة ركانة ومناحبة أبي بكر على جواز القمار مع المشركين؟
استدل الحنفية بأن النبي صارع ركانة على ثلث غنمه في مكة وهي دار شرك، ولو كان مكروهًا ما فعله النبي. كما استدلوا بأن أبا بكر ناحب مشركي قريش على غلبة الروم لفارس، وأمره النبي بالزيادة في الخطر، فأخذ أبو بكر خطره وأجازه النبي، وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة.
ما تعليل إباحة مال الحربيين وما القواعد التي تربط هذا المذهب بالمذاهب الأخرى؟
تعليل الحنفية لإباحة مال الحربيين أن مالهم مباح لأن المسلمين لو ظهروا على ديارهم لأخذوه بالغنيمة، فيجوز أخذه بلا غدر. وثمة قواعد تربط هذا المذهب بالمذاهب الأخرى: تقليد القائل بالجواز عند الضرورة رفعًا للحرج، وأن الإنكار يكون في المجمع عليه لا المختلف فيه، والتفريق بين حد الفقه وحد الورع. وعلى هذا يكون الحج من هذا المال جائزًا لأن المال طيب.
الإسلام يأمر بالإحسان إلى غير المسلمين، ويضع للحدود شروطًا صارمة، وينفي ارتباط الردة بحرية العقيدة، وينفي انتشاره بالسيف.
رد الشبهات الإسلامية يكشف أن الإحسان إلى غير المسلمين من إهداء وعيادة وتهنئة أمر قرآني وسنة نبوية ثابتة، وأن تطبيق الشريعة أوسع بكثير من مجرد إقامة الحدود الجنائية، إذ يشمل العقيدة والأخلاق والفقه ومناهج التفكير، وللحدود شروط إثبات صارمة جعلت تعطيلها في كثير من العصور والبلدان موقفًا شرعيًا معتبرًا.
قضية قتل المرتد مرتبطة بالخروج على النظام العام لا بحرية الفكر، وقد ثبت أن النبي لم يقتل كثيرًا ممن صدرت منهم ألفاظ الكفر. وشبهة انتشار الإسلام بالسيف يردها التاريخ بأرقام الفتوحات وبطء تحول السكان، فضلًا عن شهادات مؤرخين غربيين كغوستاف لوبون وتوماس كارليل. أما الديمقراطية فجوهرها من صميم الإسلام في الشورى واختيار الحاكم، مع ضرورة صون ثوابت الأمة العقدية.
أبرز ما تستفيد منه
- الإهداء والعيادة والتهنئة لغير المسلمين من الإحسان الواجب وسنة النبي الثابتة.
- لا يجب على الابن طاعة والده في طلاق زوجته وعدم الطاعة ليس عقوقًا.
- الحدود لها شروط صارمة وتعطيلها عند فقد الشروط موقف شرعي معتبر.
- قتل المرتد عقوبة على الخروج على النظام العام لا على مجرد تغيير العقيدة.
- الإسلام انتشر بالدعوة لا بالسيف، وجوهر الديمقراطية موجود في مبدأ الشورى الإسلامي.
حكم إهداء غير المسلم وعيادته وتهنئته وضابط الإحسان العام
س15: هل يجوز للمسلم ان يهدي هدية لغير المسلم وتهنئته وعيادته اذا مرض؟
الجواب
الوصل، والإهداء، والعيادة، والتهنئة لغير المسلم من باب الإحسان، وقد أمرنا الله عز وجل أن نقول الحسنى لكل الناس دون تفريق قال تعالى:
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[1]، وأمرنا الله بالإحسان دائمًا قال تعالى:
﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ﴾
[2]، كما أن الله لم ينهَنا عن بر غير المسلمين، ووصلهم، وإهدائهم، وقبول الهدية منهم، وما إلى ذلك من أشكال البر بهم، قال تعالى:
﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [3].
قبول النبي لهدايا غير المسلمين وقصة المقوقس صاحب الإسكندرية
ولقد طبق النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هذا الفهم القرآني في سنته الشريفة فكان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، وكان دائمًا القرآن هو خلقه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم [4]، فكان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقبل الهدايا من غير المسلمين؛ فقد ثبت في صحيح السنة بما يفيد التواتر أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قبل هدية غير المسلمين.
ومن هذا:
« أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية ـ يعني بكتابه معه إليه ـ فقبل كتابه، وأكرم حاطبًا، وأحسن نزله، ثم سرحه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها، وجاريتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس العبدري» [5].
قصة سلمان الفارسي والتمييز بين الصدقة والهدية للنبي
ومن ذلك قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه، وفيها:
« جاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ما هذا يا سلمان ؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة، فرفعها وجاء من الغد بمثله فوضعه بين يديه. فقال: ما هذا يا سلمان ؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال: ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة، فجاء من الغد بمثله فوضعه بين يديه يحمله. فقال: ما هذا يا سلمان، فقال هدية لك، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: انشطوا » [6].
قبول هدايا الملوك الكفار وزيارة النبي للغلام اليهودي
ومن ذلك ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
« أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقبل منه وأهدى له قيصر فقبل, وأهدت له الملوك فقبل منها » [7].
وقد تعقب هذا الأثر الحافظ العراقي بقوله: « فيه قبول هدية الكافر، فإن سلمان رضي الله عنه لم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد استيعاب العلامات الثلاث التي كان علمها من علامات النبوة، وهي: امتناعه من الصدقة, وأكله للهدية، وخاتم النبوة وإنما رأى خاتم النبوة بعد قبول هديته» [8]اهـ. فكان قبول الهدية جائز في الشرع، بل هو سنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل كان أبرز علامات نبوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم التي أخبرت بها الكتب السابقة، وعن أنس رضي الله عنه قال:
« عاد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم غلامًا يهوديًا كان يخدمه » [9]
إجماع الفقهاء على جواز قبول هدية غير المسلم وصِلته بالإحسان والدعوة
وقد فهم علماء الإسلام من هذه الأحاديث أن قبول هدية غير المسلم ليست فقط مستحبة لأنها من باب الإحسان؛ وإنما لأنها سنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فيقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: « ( ويجوز قبول هدية الكافر ) للاتباع» [10].
ويؤيد هذا الفهم ما قاله السرخسي وهو: «وذكر عن أبي مروان الخزاعي قال: قلت لمجاهد: رجل من أهل الشرك بيني وبينه قرابة، ولي عليه مال، أدعه له ؟ قال: نعم، وصله. وبه نأخذ فنقول: لا بأس بأن يصل المسلم المشرك قريبًا كان أو بعيدًا، محاربًا كان أو ذميًا لحديث سلمة بن الأكوع قال: صليت الصبح مع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فوجدت مس كف بين كتفي، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: هل أنت واهب لي ابنة أم قرفة ؟ قلت: نعم. فوهبتها له. فبعث بها إلى خاله حزن بن أبي وهب، وهو مشرك وهي مشركة. وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم خمس مائة دينار إلى مكة حين قحطوا، وأمر بدفع ذلك إلى أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية ليفرقا على فقراء أهل مكة. فقبل ذلك أبو سفيان، وأبى صفوان وقال: ما يريد محمد بهذا إلا أن يخدع شبابنا. ولأن صلة الرحم محمود عند كل عاقل وفي كل دين، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق؛ وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: {بعثت لأتمم مكارم الأخلاق}. فعرفنا أن ذلك حسن في حق المسلمين والمشركين جميعا.» [11].
وقال ابن مفلح الحنبلي بعد ذكر قوله تعالى:
﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾
[12]: « قال ابن الجوزي: قال المفسرون: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين وجواز برهم وإن كانت الموالاة منقطعة, وذكر عن بعضهم نسخها والتي بعدها آية السيف. قال: وقال ابن جرير: لا وجه له; لأن بر المؤمنين المحاربين قرابة كانوا أو غير قرابة لا يحرم إذا لم يكن فيه تقوية على الحرب بكراع أو سلاح, أو دلالة على عورة أهل الإسلام لحديث أسماء... ثم قال: واحتج في المغني عليهم بإهداء عمر الحلة الحرير إلى أخيه المشرك، وبحديث أسماء قال: وهذان فيهما صلة أهل الحرب وبرهم» [13].
وكذلك ذكر المرداوي الحنبلي حكم تهنئة غير المسلمين، وتعزيتهم، وعيادتهم، فقال: « قوله (وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم: روايتان) وأطلقهما في الهداية... وأن قول العلماء: يعاد، ويعرض عليه الإسلام. قلت: هذا هو الصواب» [14].
وجاء في الفتاوى الهندية: «ولا بأس بالذهاب إلى ضيافة أهل الذمة، هكذا ذكر محمد رحمه الله تعالى... ثم قال: ولا بأس بضيافة الذمي، وإن لم يكن بينهما إلا معرفة، كذا في الملتقط... ثم قال: ولا بأس بأن يصل الرجل المسلم والمشرك قريبًا كان أو بعيدًا محاربًا كان أو ذميًا» [15].
وقد سئل الشيخ عليش في تهنئة غير المسلمين هل تعد من قبيل الردة فقال: «لا يرتد الرجل بقوله لنصراني أحياك الله لكل عام حيث لم يقصد به تعظيم الكفر ولا رضي به» [16].
ومما ذكر من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وآراء علماء الإسلام نرى أنه من الإحسان أن يصل المسلم غير المسلم على كل حال من عيادة، وتعزية، وتهنئة، وإهداء، وقبول الهداية، وضيافة، وما إلى ذلك، وأن هذا الشأن أحد أشكال الدعوة إلى دين الله بحسن الأخلاق، وبمكارم الخصال، والله تعالى أعلى وأعلم.
مقدمة مسألة طاعة الأب في طلب طلاق زوجة الابن وتعريف محل الإشكال
س16: أمر الأب ابنه بأن يطلق زوجته فهل من يجب على الابن طاعة والده في ذلك؟
الجواب
الذرية من آثار ارتباط الرجل بالمرأة، وهو الزواج، وكذلك الذرية سبب لوجود علاقة جديدة هي الأبوة والأمومة، وقد لا يتصور إنسان أنه قد يتعارض أمر الزواج واستمرار الحياة الزوجية وما فيها من خير للبشرية، مع أمر حقوق الوالدين وطاعتهما.
ولكن الواقع شهد من عصر النبوة الأول أنه حدث تعارض بين حقوق الوالدين، وبين استمرار الحياة الزوجية، عندما أمر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه عبد الله أن يطلق امرأته التي يحبها - كما سيأتي مفصلا - منذ هذا الحين، وفقهاء الشريعة يتناولون الموضوع بالعرض والتحليل؛ لنعلم ما الذي يجب على المسلم فعله في مثل هذه الأمور، وما هو حد البر، وما هو حد العقوق إذا تعلق بإنهاء الحياة الزوجية.
تقييد وجوب طاعة الأب في الطلاق بصلاحه ورفض طاعة الأم في ذلك
فنراهم مصرحين بعدم الطاعة إلا أن يكون الأب الآمر من الصالحين والأتقياء، بغير التعرض لمسألة هل يستحب أم لا، فلقد ذكر ابن تيمية أن: « كلام أحمد في وجوب طلاق الزوجة بأمر الأب مقيد بصلاح الأب» [17].
أما ابن تيمية فقد حرم على الابن طاعة أمه في طلاق زوجته خاصة إن كان له منها أبناء؛ حيث سئل ابن تيمية في رجل متزوج وله أولاد, ووالدته تكره الزوجة وتشير عليه بطلاقها هل يجوز له طلاقها ؟ الجواب:
« لا يحل له أن يطلقها لقول أمه, بل عليه أن يبر أمه وليس تطليق امرأته من برها، والله أعلم » [18].
كما ذهب ابن ملفح في الفروع إلى أنه لا تجب طاعة أبويه في الطلاق، فقال ما نصه: «فإن أمرته أمه فنصه [19]: لا يعجبني طلاقه, ومنعه شيخنا منه, ونص في بيع السرية: إن خفت على نفسك فليس لها ذلك. وكذا نص فيما إذا منعاه من التزويج » [20].
أقوال الحنابلة والسفاريني حول عدم وجوب طاعة الوالدين في الطلاق
وكذا ذكر في الآداب الشرعية أيضا حيث قال: « ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، وأنه إذا امتنع لا يكون عاقًا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك وأولى، فإن أكل المكروه ومرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول تؤذي صاحبه ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه " [21].
وأيضا ذهب العلامة المحقق الحنبلي البهوتي إلى أنه لا يجب على الابن أن يطيع الوالدين في طلاق زوجته، فقد قال ما نصه: « (ولا يجب) على ابن (طاعة أبويه) ولو كانا (عدلين في طلاق) زوجته; لأنه ليس من البر (أو) أي: ولا يجب على ولد طاعة أبويه في (منع من تزويج) نصا لما سبق » [22].
وإلى هذا أيضا ذهب صاحب غذاء الألباب حيث قال: « (و) كأمرهما له (بتطليق زوجات) له أو بيع أمة له (برأي) أي اعتقاد (مجرد) عن مستند شرعي. قال في القاموس: الرأي: الاعتقاد، جمعه آراء. قال في الآداب الكبرى: فإن أمره أبوه بطلاق امرأته لم يجب. ذكره أكثر الأصحاب. وسأل رجل الإمام رضي الله عنه، فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي, قال لا تطلقها. قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته؟ قال: حتى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه» [23].
ترجيح عدم وجوب طاعة الوالدين في طلاق الزوجة وعدم اعتباره عقوقا
وذهب ابن أطفيش الإباضي في شرح النيل وشفاء العليل، أن الابن غير ملزم بطلاق زوجته إذا ما طلب منه أبواه أو أحدهما هذا حيث قال: « إن نذر بطلاق زوجته أو طلبه أبواه إليه لم يلزمه الوفاء به, ولا يضيق عليه أن يطيعهما فيه » [24].
من العرض السابق يتبين لنا أنه لا يجب على الابن طاعة والده في أمره بطلاق زوجته، وأن عدم طاعة الوالد في هذا ليست من قبيل العقوق، والله تعالى أعلى وأعلم.
إعادة تعريف تطبيق الشريعة وحدود الاقتصار على العقوبات الجنائية
س17: كيفية تطبيق الشريعة في العصر الحديث؟ وما هي نسبة الحدود من مجموع الشريعة الإسلامية؟
الجواب
قضية تطبيق الشريعة لا بد أن تفهم بصورة أوسع من قصرها على تطبيق الحدود العقابية بإزاء الجرائم، كما هو شائع في الأدبيات المعاصرة، سواء عند المسلمين أو عند غيرهم؛ حيث إن تطبيق الشريعة له جوانب مختلفة، وله درجات متباينة، وليس من العدل أن نصف واقعًا ما بأنه لا يطبق الشريعة لمجرد مخالفته لبعض أحكامها في الواقع المعيش؛ حيث إن هذه المخالفات قد تمت على مدى التاريخ الإسلامي وفي كل بلدان المسلمين ودولهم بدرجات مختلفة ومتنوعة.
ولم يقل أحد من علماء المسلمين إن هذه البلاد قد خرجت عن ربقة الإسلام، أو إنها لا تطبق الشريعة، بل لا نبعد في القول إذا ادعينا أن كلمة تطبيق الشريعة كلمة حادثة.
حقيقة الشريعة ومكوناتها من العقيدة والفقه والأخلاق ومناهج التفكير
حقائق تجب معرفتها:
- إن الشريعة تعني ما يتعلق بالعقائد والرؤية الكلية من أن هذا الكون مخلوق لخالق، وأن الإنسان مكلف بأحكام شرعية تصف أفعاله، وأن هذا التكليف قد نشأ من قبيل الوحي وأن الله أرسل به الرسل وأنزل الكتب، وهناك يوم آخر للحساب وللثواب والعقاب.
كما أنها تشتمل على الفقه الذي يضبط حركة السلوك الفردي والجماعي والاجتماعي، وتشتمل أيضا على منظومة من الأخلاق، وطرق التربية، ومناهج التفكير، والتعامل مع الوحي قرآنًا وسنة، ومع الواقع مهما تغير أو تبدل أو تعقد.
الجوانب الاعتقادية والتطبيقية في نظام الحدود وشروط إقامتها
- قضية الحدود تشتمل على جانبين؛ الجانب الأول: هو الاعتقاد بأحقية هذا النظام العقابي في ردع الإجرام، وفي تأكيد إثم تلك الذنوب، ومدى فظاعتها وتأثيرها السيئ على الاجتماع البشري، ورفضها بجميع صورها نفسيا لدى البشر، وأن هذا النظام العقابي لا يشتمل على ظلم في نفسه، ولا على عنف في ذاته.
والجانب الآخر: هو أن الشرع قد وضع شروطًا لتطبيق هذه الحدود، كما أنه قد وضع أوصافًا وأحوالًا لتعليقها أو إيقافها، وعند عدم توفر تلك الشروط أو هذه الأوصاف والأحوال، فإن تطبيق الحدود مع ذلك الفقد يعد خروجًا عن الشريعة.
طبيعة الحدود كوسيلة ردع لا انتقام ونصوص درء الحدود بالشبهات
-
المتأمل في نصوص الشريعة يجد أن الشرع لم يجعل الحدود لغرض الانتقام، بل لردع الجريمة قبل وقوعها، ويرى أيضًا أن الشرع لا يتشوف لإقامتها بقدر ما يتشوف للعفو والصفح والستر عليها. والنصوص في هذا كثيرة لا تتناهى.
-
لمدة نحو ألف سنة لم تقم الحدود في بلد مثل مصر، وذلك لعدم توفر الشروط الشرعية التي رسمت طرقًا معينة للإثبات، والتي نصت على إمكانية العودة في الإقرار والتي شملت ذلك كله بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«ادرءوا الحدود بالشبهات»
[25]، وقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة» [26].
تأثير أوصاف العصر وزوال المحل على تطبيق الحدود والنسخ العقلي
- قد يوصف العصر بصفات تجعل الاستثناء مطبقًا بصورة عامة، في حين أن الاستثناء بطبيعته يجب أن يطبق بصورة مقصورة عليه، من ذلك وصف العصر بأنه عصر ضرورة، ومن ذلك وصف العصر بأنه عصر شبهة، ومن ذلك وصف العصر بأنه عصر فتنة، ومن ذلك وصف العصر بأنه عصر جهالة، وهذه الأوصاف تؤثر في الحكم الشرعي؛ فالضرورة تبيح المحظور، حتى لو عمت واستمرت، ولذلك أجازوا الدفن في الفساقي المصرية مع مخالفتها الشريعة.
والشبهة تجيز إيقاف الحد كما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة؛ حيث عمت الشبهة بحيث فُقد الشرط الشرعي لإقامة الحد، والإمام جعفر الصادق والكرخي من الحنفية وغيرهما أسقطوا حرمة النظر إلى النساء العاريات في بلاد ما وراء النهر لإطباقهن على عدم الحجاب حتى صار غض البصر متعذرا إن لم يكن مستحيلا، ونص الإمام الجويني في كتابه «الغياثي» على أحوال عصر الجهالة وفصل الأمر تفصيلاً عند فقد المجتهد ثم العالم الشرعي ثم المصادر الشرعية.. فماذا يفعل الناس؟
ويتصل بهذا ما أسماه الأصوليون في كتبهم كالرازي في «المحصول» بالنسخ العقلي، وهو أثر ذهاب المحل في الحكم، وهو تعبير أدق؛ لأن العقل لا ينسخ الأحكام المستقرة، وذلك بإجماع الأمة، ولكن الحكم لا يطبق إذا ذهب محله؛ فالأمر بالوضوء جعل غسل اليد إلى المرفقين من أركانه، فإذا قطعت اليد تعذر التطبيق أو استحال، وكذلك الأحكام المترتبة على وجود الرقيق، والأحكام المترتبة على وجود الخلافة الكبرى، والأحكام المترتبة على وجود النقدين بمفهومهما الشرعي من ذهب أو فضة وكذلك كثير.
ضرورة فهم الواقع وتغير الأحكام بالزمان والمكان والأشخاص والأحوال
- من أجل الوصول إلى تنفيذ حكم الشرع، ومراد الله سبحانه منه، والوصول إلى طاعـة الله ورسـوله؛ يجب علينا أن ندرك الواقع، ورد في شعب الإيمان من موعظة آل داود عليه السلام عن وهب بن منبه يقول:
«وعلى العاقل أن يكون عالمًا بزمانه، ممسكا للسانه، مقبلا على شأنه» [27].
ومن هنا فإن الفقهاء نصوا على أن الأحكام تتغير بتغير الزمان إذا كانت مبنية على العرف (نص المادة 90 من مجلة الأحكام العدلية)، وأجاز المذهب الحنفي في جانب المعاملات العقود الفاسدة في ديار غير المسلمين فتغيرت الأحكام بتغير المكان، وقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات» المأخوذة من قوله تعالى:
﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[28] تجعل الشأن يتغير بتغير الأحوال، وكذلك تتغير هذه الأحكام بتغير الأشخاص، فأحكام الشخص الطبيعي الذي له نفس ناطقة تختلف عن الشخص الاعتباري حيث لا نفس له ناطقة. وهذه الجهات الأربع وهي الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال، هي التي نص عليها القرافي كجهات للتغير يجب مراعاتها عند إيقاع الأحكام على الواقع.
ومعلوم أن عصرنا لم يعد أمسه يعاش في يومنا، ولا يومنا يعاش في غدنا، وسبب ذلك أمور، منها: كم الاتصالات، والمواصلات، والتقنيات الحديثة التي جعلت البشر يعيشون وكأنهم في قرية واحدة، ومنها زيادة عدد البشر زيادة مطردة لا تنقص أبدا منذ 1830 ميلادية وإلى يومنا هذا. ومنها: كم العلوم التي نشأت لإدراك واقع الإنسان في نفسه، أو باعتباره جزءًا من الاجتماع البشري، أو باعتباره قائما في وسط هذه الحالة التي ذكرناها.
وسمات العصر هذه ونحوها غيرت كثيرًا من المفاهيم، كمفهوم العقد، والضمان، والتسليم، والعقوبة، ومفهوم المنفعة ومفهوم السياسة الشرعية؛ فلا بد من إدراك ذلك كله حتى لا تتفلت منا مقاصد الشريعة العليا.
تجارب الدول الإسلامية المعاصرة في تطبيق الحدود وتعليقها
- يمكن عرض تجارب الدول الإسلامية المعاصرة مع قضية تطبيق الحدود:
- •
فنجد أن السعودية تطبق الحدود عن طريق القضاء الشرعي مباشرة من غير نصوص قانونية مصوغة في صورة قانون للعقوبات الجنائية، والتطبيق السعودي للحدود مستقر، وليس هناك أي دعوة أو توجه مؤثر لإلغائها أو إيقافها أو تعليقها. وإن كانت هناك بعض النداءات من معارضي النظام السياسي تدعو إلى ضبط الإجراءات وتصف النظام الحالي بعدم العدالة، وباعتدائه على حقوق الإنسان.
- •
حالة باكستان والسودان، وإحدى ولايات نيجيريا، وإحدى ولايات ماليزيا، وإيران التي نصت قوانينها على الحدود الشرعية، وتم الإيقاف الفعلي لها من ناحية الواقع في باكستان وتم تعليقها بعد عهد النميري في السودان، وتم تعليقها أيضًا في إيران وماليزيا، وطبقت في ولاية نيجيريا بصورة غاية في الجزئية، ويشيع في كل هذه البلدان العمل بالتعزير بدلًا من تطبيق الحد، فيما عدا الجرائم التي تستوجب الإعدام.
- •
بقية الدول الإسلامية التي يبلغ عددها 56 دولة من مجموع 196 دولة في العالم سكتت في قوانينها عن قضية الحدود، وكانت وجهة النظر في هذا الشأن أن عصرنا عصر شبهة عامة، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:
«ادرءوا الحدود بالشبهات»
[29]، كما أن الشهود المعتبرين شرعًا لإثبات الجرائم التي تستلزم الحد قد فُقدوا من زمن بعيد؛ فيورد التنوخي في كتابه «مشوار المحاضرة»: أن القاضي كان يدخل المحلة أو القرية فيجد فيها أربعين شاهدًا ممن نرضى من الشهداء عدالة وضبطًا، وأنه الآن -أي في عصره- يدخل القاضي البلدة؛ فلا يجد فيها إلا الشاهد أو الشاهدين. وأن عصرنا بصفة عامة يمكن أن يوصف بفقد الشهادة أيضا.
والتفتيش للوصول إلى الحقيقة التي تؤدي إلى إقامة الحد ليس من منهاج الشريعة، فإن ماعزا أتى يقر على نفسه، فأشاح النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بوجهه أربع مرات، ثم أحاله على أهله لعلهم يشهدون بقلة عقله أو جنونه، ثم أوجد له المخارج، ولما رجع في إقراره أثناء إقامة الحد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لعمر رضي الله عنه:
«هلا تركتموه»
وأخذ العلماء من هذا جواز الرجوع عن الإقرار ما دام في حق من حقوق الله، وليس بشأن حق من حقوق البشر، كما أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يسأله عن الطرف الآخر للجريمة وهي المرأة، ولم يفتش عنها حتى كنوع من أعمال استكمال التحقيق. وروي عن أبي بكر وعمر وأبي الدرداء وأبي هريرة أن السارق كان يؤتى به إليهم فيقولون له:
«أسرقت؟.. قل: لا» [30]!
فالنص على الحدود كما ذكرنا يفيد أساسًا تعظيم الإثم الذي جعل الحد بإزائه، وأنه من الكبائر والقبائح التي تستوجب هذا العقاب العظيم، ويؤدي ذلك إلى ردع الناس عن هذه الجرائم على حد قوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾
[31]، ويكمل الحد في هذا الشأن الضبط الاجتماعي الذي يتولد من الثقافة السائدة لدى الكافة باستعظام هذه الآثام، ونبذ من اشتهر بها أو أعلنها أو تفاخر بفعلها. كما أن الشرع فتح باب التوبة، وأمر بالستر في نصوص عديدة من الكتاب السنة.
وبهذا العرض الموجز نكون قد بينا التأصيل الشرعي والتوصيف الشرعي والواقعي لقضية تطبيق الشريعة، ومساحة الحدود فيها، والله تعالى أعلى وأعلم.
مرجعية القرآن والسنة ودور الأزهر والمجامع الفقهية في العصر الحديث
س18: مرجعية الأزهر الشريف ومدى اتفاقه مع الشيعة او اختلافه؟
الجواب
أساس المرجعية عند المسلمين والاحتكام في ما يستجد من مسائل القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وحيث إنه لا يستقل المسلم العادي بالفهم الدقيق لمعاني القرآن الكريم والسنة النبوية؛ لما يتطلب لذلك من دراسة علوم أخرى كعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة، وعلوم القرآن كأسباب النزول، والتجويد والقراءات، وعلوم الشريعة كالفقه والأصول، وعلوم التوحيد والمنطق؛ فإن علماء المسلمين في كل عصر هم نقلة الدين، وهم من يوقعون باسم الدين من خلال النقل الأمين للشرع الشريف، فهم ينقلون الوحي الشريف، وتفسيره، وتراث الأقدمين، وطرق التوفيق والترجيح في الأقوال.
وحيث إن الأزهر الشريف أقدم مؤسسة علمية تعلم الدين، وتنشر الدعوة الإسلامية، ويضم أعدادًا كبيرة من العلماء المسلمين في شتى تخصصات علوم الدين الإسلامي، فإنه يعد من أهم المرجعيات بما يشتمل عليه من مؤسسات علمية تجمع كلمة المسلمين، كمجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف والذي يرأسه الإمام الأكبر أ.د محمد سيد طنطاوي، ويعتبر شيخ الجامع الأزهر من أكبر المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، وكذلك مفتي البلاد الإسلامية، والمجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، فالمرجعية للكتاب والسنة، ومن ثم علماء الدين، ومن ثم تلك المجامع المذكورة، وذلك بالنسبة للعصر الحديث الذي نحن فيه.
طبيعة الخلاف بين السنة والشيعة وموقف الأزهر من المذهب الجعفري
أما بالنسبة للخلاف بين السنة والشيعة، فهناك اختلافات في أمور فرعية، وإن كانت كثيرة، ولكن هناك اتجاه للتقريب بين السنة والشيعة، وهم متفقون على أساس العقيدة، فليست الخلافات بيننا في أساس قضية الإله والرسول والكتاب والإيمان بالغيبيات، والشيعة يعيشون مع السنة منذ قرون عديدة في المملكة العربية السعودية، وبلاد الخليج والعراق واليمن وباكستان، ولا أظن أن الشيعة يعتقدون أن السنة ليسوا مسلمين، ولا السنة بالطبع يعتقدون أن الشيعة ليسوا مسلمين، كما لا نستطيع أن نقول إنه ليس هناك أية اختلافات وإلا فما سبب اختلاف المذهب إن لم يكن هناك اختلافات.
والأزهر وهو أقدم مؤسسة علمية تدرس العلم منذ أكثر من ألف عام - ويعتبر تابعًا للسنة - وفيه منذ تلك القرون الطويلة يدرس المذهب الجعفري، ويعتبر من المذاهب الفقهية التي يرجع علماء السنة إليها في استخراج الأحكام، وهو أساس مذهب الشيعة.
فنحن نعتقد أن الشيعة جزء من أمة الإسلام لا ينفصل عنها، ولا ينفر منها، وإن ظهر غير ذلك فبسبب سوء فهم بعض الجهلة وغير المتخصصين المتعصبين، أما من طالع العلم وتخصص في دراسة العقيدة والواقع فقد علم أن الإسلام أوسع من السنة فحسب بل يشمل السنة والشيعة وغيرهم، والله تعالى أعلى وأعلم.
إشكالية قتل المرتد بين حرية العقيدة وآية لا إكراه في الدين
س19: الرد على منع الإسلام لحرية العقيدة بقتل المرتد.
الجواب
تمثل قضية «قتل المرتد» في الفكر الغربي إشكالية كبيرة، فيظنون أن الإسلام يكره الناس حتى يتبعوه، ويغفلون عن دستور المسلمين في قضية حرية الاعتقاد التي يمثلها قوله تعالى:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [32].
ويمكن النظر إلى قضية «قتل المرتد» من زاويتين؛ الزاوية الأولى: هي النص الشرعي النظري والذي يبيح دم المسلم إذا ترك دينه وفارق الجماعة [33]، والثانية: هي التطبيق التشريعي ومنهج التعامل في قضية المرتد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكذلك خلفائه رضوان الله عليهم.
مواقف النبي من المنافقين والمرتدين فعليًا وعدم تعجيل القتل
فأما في عهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فإنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يقتل عبد الله بن أبي، وقد قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل [34]، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل [35]، ولم يقتل من قال له: يقولون إنك تنهى عن الغي وتستخلي به [36] ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله [37] ولم يقتل من قال له: لما حكم للزبير بتقديمه في السقي أن كان ابن عمتك [38]، وغير هؤلاء ممن كان يبلغه عنهم أذى له وتنقص، وهي ألفاظ يرتد بها قائلها قطعًا لأنها اتهام للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بما في ذلك من تكذيب له بأمانته وعدله.
وقد كان في ترك قتل من ذكرت وغيرهم مصالح عظيمة في حياته، وما زالت بعد موته من تأليف الناس وعدم تنفيرهم عنه؛ فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه، وقال لعمر رضي الله عنه لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي:
لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه
[39]. ولم يستخدم ما أباحه الله له في الانتقام من المنافقين ومعاقبتهم كما ورد في سورة الأحزاب قال تعالى:
﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [40]
وكذلك ما رواه جابر بن عبد الله من أن أعرابيًا بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى النبيَّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: يا محمد، أَقِلْني بيعتي، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ثم جاءه فقال: أَقِلْني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أَقِلْني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها»
[41]، فهو لم يقتله، فلماذا لم يقتل كل أولئك الذين يصدق فيهم قول ربنا:
﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ﴾ [42]
فهم الفقهاء للردة كجريمة على النظام العام لا عقيدة فردية
وأما في عهد الخلفاء، وبالتحديد في زمن الفاروق عمر رضي الله عنه، فقد روي أن:
«أنسًا رضي الله عنه عاد من (تُستَر)، فقدم على عمر رضي الله عنه فسأله: ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين، قال: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، قُتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر - أي قال «إنا لله وإنا إليه راجعون» - قال أنس: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أودعتهم السجن »
[43]. فلم يرَ أنه من الضروري قتلهم، رغم أنهم ارتدوا وقاتلوا المسلمين.
كل تلك الوقائع التي كانت في عهد التشريع جعلت فقهاء المسلمين يفهمون أن مسألة «قتل المرتد» ليست مسألة مرتبطة بحرية العقيدة والفكر، ولا مرتبطة بالاضطهاد، وأن النصوص التي شددت في ذلك، لم تعني الخروج من الإسلام بقدر ما عنت «الخروج على الإسلام» الذي يُعدُّ جرمًا ضد النظام العام في الدولة، كما أنه خروجٌ على أحكام الدين الذي تعتنقه الأمة، ويُعتَبر حينذاك مرادفًا لجريمة «الخيانة العظمى» التي تحرمها كل الشرائع والدساتير والقوانين.
ويرى الشيخ شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق رحمه الله أن قتل المرتد ليس حدا فيقول: «وقد يتغير وجه النظر في المسألة إذ لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبُت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبى الإكراه في الدين» [44].
فقتل المرتد لم يكن لمجرد الارتداد، وإنما للأتيان بأمر زائد مما يفرق جماعة المسلمين، حيث يستخدمون الردة ليردوا المسلمين عن دينهم فهي حرب في الدين كما قال تعالى:
﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[45] ويؤيد ذلك أيضًا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية «أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد قبل توبة جماعة من المرتدين، وأمر بقتل جماعة آخرين، ضموا إلى الردة أمورًا أخرى تتضمن الأذى والضرر للإسلام والمسلمين، مثل أمره بقتل [مقيس بن حبابة] يوم الفتح، لمَّا ضم إلى ردته قتل المسلم وأخذ المال، ولم يتب قبل القدرة عليه.
وأمر بقتل [القُرَنيين] لمَّا ضموا إلى ردتهم مثل ذلك، وكذلك أمر بقتل «ابن خطل» لمَّا ضم إلى ردته السبَّ وقتل المسلم، وأمر بقتل [ابن أبي السرح] لمَّا ضم إلى ردته الطعن والافتراء» [46].
ومما سبق يتبين لنا أن «قضية قتل المرتد» غير مطبقة في الواقع العملي المعيش، ووجودها في المصادر التشريعية لم يكن عقوبة ضد حرية الفكر والعقيدة، وإنما تخضع للقانون الإداري، والله تعالى أعلى وأعلم.
موقف الإسلام من الإرهاب وتكريم الإنسان والبر بغير المسلمين
س20: ما علاقة الإسلام بالإرهاب ؟
الجواب
إن الإرجاف، أو ما يسميه المجتمع الدولي الآن الإرهاب لا يمكن أن يكون وليد الأديان، وإنما هو وليد العقليات الفاسدة، والقلوب القاسية، والنفوس المتكبرة، فإن القلب الرباني لا يعرف الفساد، ولا يعرف التخريب، ولا يعرف الكبر.
إن الإسلام دين تسامح وتعايش سلمي مع كافة البشر أفرادا وجامعات، و ينظر الدين الإسلامي للإنسان على أنه مخلوق مكرم، دون النظر إلى دينه، أو لونه، أو جنسه، قال تعالى:
﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [47].
ووضع الإسلام دستور العلاقة بين المسلم وغيره في المجتمع الواحد:
﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾
[48]، في هذه الآية يأمرنا الله بالإحسان إلى غير المسلمين وعدم إيذائهم من خلال قوله « تبروهم »، والبرِّ: جماع الخير. وكأن الله سبحانه وتعالى يأمرنا ويندب لنا التعاون مع غير المسلمين في كافة سبل الخير.
السلام كشعار للمسلمين وتحريم ظلم المعاهدين وأهل الذمة
ولا يخفى على كل من عرف الإسلام مدى اهتمامه بالسلام العالمي؛ حيث جعله دعامته الأولى، بل إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، قال سبحانه وتعالى:
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[49]، وجعله تحيته إلى عباده، وأمرهم بأن يجعلوا السلام تحيتهم، يلقيها بعضهم على بعض، وشعارهم في جميع مجالات الحياة، في المسجد والمعهد والمصنع والمتجر..وسمّيت الجنّة دار السلام، فقد قال الله تعالى:
﴿۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[50] والآيات التي ورد فيها ذكر السلام كثيرة.
من هنا كان السلام شعار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ ظهور الإسلام حتى الآن. وهو شعار يُلقيه المسلم على غيره كلما لقيه، وكلما انصرف عنه، فيقول له: « السلام عليكم ».
وهذا السلام والأمن لم يكن مقصورًا على المسلمين فحسب، بل يعتقد المسلمون دائمًا أن الإنسان مهما كان معتقده له الحق في العيش في أمان وسلام داخل وطن المسلمين فإن حماية الآخر من الظلم الداخلي، أمر يوجبه الإسلام، ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان، فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم، بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا، أو يؤخر لهم العقاب مضاعفًا في الآخرة.
وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وتقبيحه، وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة.
يقول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة » [51].
آثار السلم على التقدم وشهادات غربية على تسامح المسلمين الديني
وحث الإسلام على السلم، والأمن؛ لما لهما من تأثير بالغ الأهمية على استقرار حياة البشر وتقدمها في جميع المجالات، ولكي نعلم مدى تأثير السلم والأمن على التقدم بالنسبة للشعوب، فعلينا أن نلقي نظرة على الآثار المدمرة للحروب على الشعوب والتقدم والرقي، فكما يقال: الضد يُظهر حُسنه الضد.
إن أول مقومات الرقي والتقدم للأمة هي صلاحية أفراد المجتمع صحيًا وبدنيًا لأداء وظائفهم؛ نجد أن للحروب، والعقوبات الاقتصادية آثاراً وخيمة على صحة الأمم وعافيتها.
إن التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين، وتم لهم به النصر والغلبة، أمر لم يُعهد في تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم.
يقول العلامة الفرنسي جوستاف لوبون: «رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته».
وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابين أو المؤمنين القليلين الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، يقول - على سبيل المثال - روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": «إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية» [52].
نقد ربط الإرهاب بالإسلام ومقارنة بمحاكم التفتيش والحروب الصليبية
فليس من العدل والإنصاف الاعتقاد بأن الإرجاف - الإرهاب - من الإسلام لمجرد أنه صدر من مجموعات تنسب نفسها إلى الإسلام، وإلا لكانت هذه دعوى لهدم جميع الأديان.
فنحن مثلًا نعرف عن المسيحية أنها تدعو إلى المحبة، وأنها اُضطهدت وعُذبت في وقت ضعفها، فهل نحسب ما قامت به الكنيسة الإسبانية من قمع وتعذيب للمسلمين واليهود، على تعاليم المسيحية؛ حيث صبت جام غضبها مع اليهود والمسلمين معًا بسبب انتشار فلسفة ابن رشد وأفكاره، وخصوصًا بين اليهود، فحكمت بطرد كل يهودي لا يقبل المعمودية، وأباحت له أن يبيع من العقار والمنقول ما يشاء، بشرط ألا يأخذ معه ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذ الأثمان عروضًا وحوالات. وهكذا خرج اليهود من إسبانيا تاركين أملاكهم لينجوا بأرواحهم، وربما اغتالهم الجوع ومشقة السفر، مع العدم والفقر.
وحكمت الكنيسة كذلك سنة 1052م على المسلمين بطردهم من إشبيلية وما حولها إذا لم يقبلوا المعمودية، بشرط ألا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية، ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل [53].
وكذلك لا نحب أن نحسب الحملات الصليبية على تعاليم المسيحية، ونحاول أن نفرق بين الديانة المسيحية وممارسة بعض المسيحيين المرجفين والإرهابيين، فإن القرن العشرين بتجاربه الانقلابية (على ما فيها من وحشية كالانقلاب الشيوعي والنازي) يعجز أمام فظائع الحروب الصليبية التي كانت تقترفها ضد المسيحيين أنفسهم، فبعضها كان يحرث الأرض بأجساد ضحاياها من المارقين كطريقة لتسميد الأرض!
ويذكر «فيدهام» أن هذه الحروب كانت مليئة بالفظائع؛ لأن رجال اللاهوت (الطيبين) كانوا مستعدين دائمًا أن يضعوا الزيت على النار، وأن يحيوا وحشية الجنود عندما يساورهم أي تردد أو ضعف، فقد يكون الجنود قساة، ولكنهم كانوا يميلون في بعض الأحيان إلى الرحمة، أما رجال اللاهوت فاعتبروا الاعتدال والرحمة نوعًا من الخيانة! [54].
يقول الشيخ محمد عبده عن محاكم التفتيش: لقد اشتدت وطأة هذه المحكمة حتى قال أهل ذلك العهد: يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيًا ويموت على فراشه!
ويقول: لقد حكمتْ هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة 1481م حتى سنة 1808م على 340000 نسمة منهم 200000 أحرقوا أحياء. [55]
إدانة التخريب المعاصر وبيان وصف القرآن للمفسدين في الأرض
كل هذا وليس ببعيد عنا عدد القرى التي دمرت بالكامل في أفغانستان لمعاقبة شخص واحد، وكذلك مازالت الحرائق في بغداد مشتعلة لمعاقبة شخص واحد؛ لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل ليس لها وجود إلا في الأكاذيب المقصودة.
والإرهاب الواضح الصريح الذي يقوم به الكيان الصهيوني لا يمكن أن نحسبه على تعاليم الدين اليهودي، فالأديان جاءت لرحمة الناس، ولنشر العدل والسماحة بينهم.
وهذا ليس معناه ألا نستنكر ما يحدث من تخريب وإرجاف في بلادنا الآمنة، فهذا من فساد العقول وخراب القلوب والكبر، يقول الله تعالى:
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾
[56]، بل إن هؤلاء يكاد ينطبق عليهم قول الله تعالى:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [57].
نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويسلم أبناءنا وأوطاننا وأمة الإسلام. والله تعالى أعلى وأعلم.
عموم رحمة النبي وشبهة انتشار الإسلام بالسيف ومفهوم الجهاد
س21: الرد على شبهة انتشار الإسلام بالسيف ؟
الجواب
يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ﴾
[58]. إن هذا البيان القرآني بإطاره الواسع الكبير الذي يشمل المكان كله، فلا يختص بمكان دون مكان، والزمان بأطواره المختلفة وأجياله المتعاقبة فلا يختص بزمان دون زمان، والحالات كلها سلمها وحربها فلا يختص بحالة دون حالة، والناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم عربهم وعجمهم فلا يختص بفئة دون فئة؛ ليجعل الإنسان مشدوهًا متأملًا في عظمة التوصيف القرآني لحقيقة نبوة سيد الأولين والآخرين، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) رحمة عامة شاملة، تجلت مظاهرها في كل موقف لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تجاه الكون والناس من حوله.
والجهاد في الإسلام حرب في غاية النقاء والطهر والسمو، وهذا الأمر واضح تمام الوضوح في جانبي التنظير والتطبيق في دين الإسلام وعند المسلمين، وبالرغم من الوضوح الشديد لهذه الحقيقة، إلا أن التعصب والتجاهل بحقيقة الدين الإسلامي الحنيف، والإصرار على جعله طرفًا في صراع وموضوعًا للمحاربة، أحدث لبسا شديدا في هذا المفهوم -مفهوم الجهاد- عند المسلمين، حتى شاع أن الإسلام قد انتشر بالسيف، وأنه يدعو إلى الحرب وإلى العنف، ويكفي في الرد على هذه الحالة من الافتراء، ما أمر الله به من العدل والإنصاف، وعدم خلط الأوراق، والبحث عن الحقيقة كما هي، وعدم الافتراء على الآخرين، حيث قال سبحانه في كتابه العزيز:
﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [59]
شهادات من توماس كارليل وغوستاف لوبون وأن الإسلام لم يفرض بالقوة
ولقد فطن لبطلان هذا الادعاء كاتب غربي كبير هو توماس كارليل، حيث قال في كتابه « الأبطال وعبادة البطولة » ما ترجمته:« إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها» [60].
ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب - وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفي عصور الفتوحات من بعده -: « قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة...، ولم ينتشر القرآن إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها...، ولم يكن القرآن أقل انتشارا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط» [61].
هذا وقد مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بمكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد كان نتاج هذه المرحلة أن دخل في الإسلام خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء، ولم يكن لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ثروة عظيمة يغري بها هؤلاء الداخلين، لم يكن لديه إلا الدعوة والدعوة وحدها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحمَّل المسلمون - لاسيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم - من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تعجز الجبال الرواسي عن تحمله، فما صرفهم ذلك عن دينهم، وما تزعزعت عقيدتهم، بل زادهم ذلك صلابة في الحق، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم، وما سمعنا أن أحدًا منهم ارتدّ سخطًا عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء، وكالحديد لا يزيده الصهر إلا قوةً وصلابةً، بل بلغ من بعضهم أنهم وجدوا في العذاب عذوبة، وفي المرارة حلاوة.
أفيصح مع هذه الحقائق الناصعة أن يقال: إن محمدا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد قهر الناس، وحملهم على الدخول في دينه بالقوة والإرهاب والسيف.
أهداف الحرب في الإسلام من رد العدوان وتأمين الدعوة ونصرة الحق
ويتبين من التدبر لآيات الله سبحانه وتعالى أن القتال في الإسلام من أنقى أنواع الحروب
(1) من ناحية هدفه وأسلوبه
(2) من ناحية شروطه وضوابطه
(3) من ناحية ما ترتب عليه من نتائج
أولًا: أهداف الحرب في الإسلام:
-
رد العدوان والدفاع عن النفس.
-
تأمين الدعوة إلى الله وإتاحة الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناقها.
-
المطالبة بالحقوق السليبة.
-
نصرة الحق والعدل.
شروط الجهاد في الإسلام وحماية المدنيين والبيئة ودور العبادة
ثانيًا: شروط الجهاد:
-
النبل والوضوح في الوسيلة والهدف.
-
لا قتال إلا مع المقاتلين ولا عدوان على المدنيين.
-
إذا جنحوا للسلم وانتهوا عن القتال فلا عدوان إلا على الظالمين.
-
المحافظة على الأسرى ومعاملتهم المعاملة الحسنة التي تليق بالإنسان.
-
المحافظة على البيئة ويدخل في ذلك النهي عن قتل الحيوان لغير مصلحة وتحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت.
-
المحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم.
الآثار التربوية والسياسية للجهاد من الفروسية إلى قوة الردع
ثالثًا: الآثار المترتبة عليه:
-
تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية.
-
إزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس، وهو الشر الذي يؤدي إلى الإفساد في الأرض بعد إصلاحها.
-
إقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم.
-
تقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية.
-
تحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس في أوطناهم.
حقائق الغزوات والفتوحات وأرقام انتشار الإسلام في الأقاليم
حقائق غزوات النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والفتوحات الإسلامية:
-
إن مجموع تحركات النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم العسكرية نحو ثمانين غزوة وسارية وتجريدة وإن القتال الفعلي لم يحدث إلا في نحو سبع مرات فقط.
-
المحاربين كانوا كلهم من قبائل مضر أولاد عمه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يقاتل أحد من ربيعة ولا قحطان.
-
أن عدد القتلى من المسلمين في كل المعارك 139، ومن المشركين 112، ومجموعهم 251، وهو عدد القتلى من حوادث السيارات في مدينة متوسطة الحجم في عام واحد، وبذلك يكون عدد القتلى في كل تحرك من تلك الثمانين 3.5 أشخاص وهذا أمر مضحك مع ما جُبل عليه العرب من قوة الشكيمة والعناد في الحرب أن يكون ذلك سببًا لدخولهم الإسلام وتغير دينهم.
-
لقد انتشر الإسلام بعد ذلك بطريقة طبيعية لا دخل للسيف ولا القهر فيها، وإنما إقامة العلاقات بين المسلمين وغيرهم وعن طريق الهجرة المنتظمة من داخل الحجاز إلى أنحاء الأرض. وهناك حقائق حول هذا الانتشار حيث يتبين الآتي:
في المائة العام الأولى من الهجرة: كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي ففي فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين فيها هي 5%، وفي العراق 3%، وفي سورية 2%، وفي مصر 2%، وفي الأندلس أقل من 1%.
أما السنوات التي وصلت النسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي:-
إيران سنة 185 هـ، والعراق سنة 225 هـ، وسورية 275 هـ، ومصر 275 هـ، والأندلس سنة 295هـ.
والسنوات التي وصلت نسبتهم فيها إلى 50% من السكان كانت كالآتي:-
بلاد فارس 235 هـ، والعراق 280 هـ، وسورية 330 هـ، ومصر 330هـ، والأندلس 355 هـ.
أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان كانت كالآتي:-
بلاد فارس 280 هـ، والعراق 320 هـ، وسورية 385 هـ، ومصر 385 هـ، والأندلس سنة 400 هـ.
خصائص انتشار الإسلام ومقارنته بالاستعمار الحديث في التعامل مع الشعوب
خصائص انتشار الإسلام:
( أ ) عدم إبادة الشعوب.
(ب) معاملة العبيد معاملة راقية بعد تعليمهم، وتدريبهم، وتوليتهم الحكم في فترة اشتهرت في التاريخ الإسلامي بعصر المماليك.
(ج) الإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس؛ حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك.
(د) إقرار الحرية الفكرية، فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة.
(هـ) ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرًا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.
إن هذه الحقائق ظلت باقية إلى يومنا هذا وعبر التاريخ، وعلى العكس منها تعرض العالم الإسلامي للاستعمار، ولإبادة الشعوب، وتهجيرها، ولمحاكم التفتيش، والحروب الصليبية، ولسرقة البشر من غرب إفريقيا، وصناعة العبيد في أمريكا من ملف واسع كبير، والغرض من ذكره المقارنة بين نقاء الإسلام والحروب عند غيرنا قديمًا وحديثًا.
هذه حقيقة انتشار الإسلام، وسمات الجهاد في الدين الإسلامي، والله تعالى أعلى وأعلم.
تطور أنظمة الدولة الإسلامية وحقوق المسلم السياسية الأساسية
س22: الإسلام والديمقراطية ؟
الجواب
تطورت أوضاع الدولة الإسلامية منذ نشأتها حتى نهاية الخلافة العثمانية، وكلما تعقد المجتمع وعممت العلوم والأكاديميات العلمية، واتسم العصر بالتخصصية؛ ابتكر المسلمون الأنظمة التي تتماشى مع هذا التطور، فأنشأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدواوين، وفي بداية الدولة الأموية بدأ سك العملة، وبدأ تنظيم السلطة التنفيذية الداخلية - الشرطة - وقوة الدفاع - الجند والجيش - وفصل السلطة القضائية عنهما، وكذلك السلطة السياسية.
فالإسلام إطار واضح يمكن تطبيقه في كل عصر، تمكن المسلمون الأوائل من تطبيقه في العصور الأولى للإسلام مع بساطة المجتمعات وقلة وظائف الدولة، وتمكن المسلمون من تطبيقه مع تعقد المجتمعات وزيادة وظائف الدولة.
وكفل الإسلام حقوق المسلم السياسية وإن كان من أشهرها:
(1) اختيار الحاكم والرضا به، وهو ما كان يعبر عنه في التراث الفقهي «بالبيعة».
(2)المشاركة العامة في القضايا التي تخص عامة الأمة، وهو مبدأ الشورى الذي حث عليه الإسلام.
(3)تولي المناصب السياسية في الحكومة أو مؤسسات الدولة.
(4)نصح الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
تقاطع مبادئ الديمقراطية مع الشورى الإسلامية واقتباس النظم النافعة
وتختلف الأنظمة في ترتيب الحقوق السياسية وكيفية تطبيقها، والذي يعني الإسلام به هو تحقيق المعنى وترك النظام والتطبيق لما يوافق كل عصر.
أما بخصوص الديمقراطية فلا يُتصور أن تكون الديمقراطية التي كافحت من أجلها الشعوب في الغرب، وصارعت صراعًا مريرًا لتتخلص من الطغاة والمستبدين، أن تكون منكرًا أو كفرًا؛ فإن جوهر الديمقراطية من صميم الإسلام.
فالإسلام يتفق مع مبدأ اختيار الحاكم. وأكبر دليل على ذلك أن الإسلام ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه، فما بالنا بالحياة السياسية إذًا، والبشرية أوجدت للديمقراطية صيغًا وأشكالاً مثل الانتخاب والاستفتاء وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، وحق الأقلية في المعارضة.. إلخ ؟ وكل هذه الأشكال ابتكرها الغرب وسبقنا فيها.
وكان من الأجدر أننا كمسلمين أن نكون نحن السباقين؛ إذ إن الإسلام سبق الديمقراطية بألف سنة بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهر الديمقراطية.
والدين الإسلامي لا يمنع اقتباس فكرة نظرية أو حل عملي من غير المسلمين. فقد اقتبس رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فكرة الخندق من الفرس، كما أنه جعل أسرى بدر المشركين يُعلمون المسلمين القراءة والكتابة. وكذلك اقتبس صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ختم كتبه من الملوك. واقتبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظام الدواوين ونظام الخراج. وعلينا أن نعلم في النهاية أن: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
ضوابط الديمقراطية المقبولة إسلاميًا وحدود ثوابت الأمة العقدية
ومن هنا، لا يلزم من الدعوة إلى الديمقراطية اعتبار حكم الشعب بديلًا عن حكم الله؛ إذ لا تناقض بينهما. فالديمقراطية المبتغاة للبلاد الإسلامية تعد شكلًا للحكم يجسد مبادئ الإسلام السياسية في اختيار الحاكم، وإقرار الشورى، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الجور. بمعنى آخر، عندما يطالب المسلمون بالديمقراطية، فهم يطالبون بوسيلة تساعدهم على تحقيق أهداف حياة كريمة يستطيعون من خلالها الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولن يضرهم أبدًا أن يستخدموا لفظًا غربيًا –كالديمقراطية- فإن مدار الحكم ليس على الأسماء، بل على المسميات والمضامين.
وبالرغم من كل ذلك، فإننا لا نستطيع أبدًا اعتبار الشورى نسخة من الديمقراطية، فالمسلم لا يأخذ كل ما في الديمقراطية الغربية وينفذه بغير عقل ووعي، وإنما عليه أن يقر ما في أفكار الآخرين من صواب ويبتعد عن الخطأ، فهو لا يقلد، وإنما يستفيد من تجارب الآخرين من خلال الميزان الذي وهبه الله وهو ميزان الشرع.
وحتى دعاة الديمقراطية الغربية يتفقون معنا أن الفكر الإنساني ليس معصومًا، وإنما يخضع للإضافة والتغيير والانتقاء، كذلك الديمقراطية بمفهومها الغربي تحتاج إلى تعديل إذا ما أردنا جعلها ديمقراطية إسلامية عربية وهذا لتناسب ثقافات وعادات الشعوب التي ستطبق عليهم، وتحفظ لهم الأمن والاستقرار.
والديمقراطية التي يقرها الإسلام ويدعو إليها، ديمقراطية لا تجعل ثوابت الأمة من عقائد وأعراف محلًا للإلغاء والنقاش، فكما أن الديمقراطية الغربية تجعل الحفاظ على العلمانية وتكريم السامية خطوطًا حمراء لا يجوز للديمقراطية تخطيها، كذلك يرى المسلمون أن العقائد الإسلامية والثوابت الدينية والعرفية للمجتمع المسلم خطوط حمراء، وإطار للعمل الديمقراطي.
فالديمقراطية إذا كانت لا تتعدى على حقوق الشعوب في المحافظة على هويتهم، وعقيدتهم، وشخصيتهم، ولا تجعل ثوابت الأمة محلًا للتبديل والتغيير، فهي الديمقراطية التي تخدم الإسلام وتحقق أهدافه، وإذا كانت ديمقراطية مفروضة من الخارج للهيمنة على الشعوب والأنظمة، فهي مظهر جديد من مظاهر الاحتلال البغيض، نسأل الله السلامة لنا ولأوطاننا، والله تعالى أعلى وأعلم.
سؤال عن الحج من المال الناتج عن العقود الفاسدة في بلاد غير المسلمين
س 23: ما الدليل على إباحة العقود الفاسدة في بلاد غير المسلمين؟
الجواب
حقيقة هذه الفتوى أني سئلت منذ عدة سنوات، وليس في وقت ما نشر ذلك في الصحف، وكانت الفتوى بخصوص الحج، وكان نص السؤال: « هل يجوز أداء الحج من المال الناتج من العقود الفاسدة: كبيع الخمر لغير المسلمين في بلادهم، وكربا مع غير المسلمين في بلادهم كذلك ؟ » وكانت إجابتي هي:
ذهب الإمامان أبو حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف إلى أنه لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، وأن المسلم في دار الحرب له أخذ أموال الحربيين بأي وجه كان ولو بالعقد الفاسد كالقمار أو بيع الميتة والخمر، قال محمد:
« وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس بأن يأخذ عنهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان » [62].
تفصيل مذهب أبي حنيفة ومحمد في جواز أخذ مال الحربي بالعقود الفاسدة
ثم قال: « ولو أن المستأمن فيهم - أي الحربيين - باعهم درهما بدرهمين إلى ستة، ثم خرج إلى دارنا، ثم رجع إليهم أو خرج من عامه ثم رجع إليهم فأخذ الدراهم بعد حلول الحول لم يكن به بأس » [63].
وقال السرخسي بعد ذكره لمرسل مكحول «لا ربا بين المسلمين وبين أهل دار الحرب في دار الحرب»: وهو - أي مرسل مكحول - دليل لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله - في جواز بيع المسلم الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب...، وكذلك لو باعهم ميتة أو قامرهم وأخذ منهم مالًا بالقمار، فذلك المال طيب له عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله » [64].
وقول الإمامين أبي حنيفة ومحمد هو المعتمد والمختار عند السادة الحنفية، فقد قال الإمام السرخسي بعد نصه السابق: «وحجتنا - السادة الأحناف - في ذلك ما روينا، وما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال في خطبته:
« كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب ».
وهذا؛ لأن العباس رضي الله عنه بعد ما أسلم رجع إلى مكة، وكان يرابي، وكان لا يخفي فعله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز، وإنما جعل الموضوع من ذلك ما لم يقبض حتى جاء الفتح » [65].
اعتماد الحنفية لهذا القول وتقييده بحصول الزيادة للمسلم
وقال المرغيناني [66]، والكمال بن الهمام [67]، والحصكفي [68]، وابن عابدين [69] قالوا جميعا: «لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب»، وذكروا أن المسلم في دار الحرب له أن يأخذ مال الحربيين بأي وجه كان بغير غدر منه.
وظاهر كلام السادة الحنفية أن الحكم عام في أخذ المسلم للربا في دار الحرب وإعطائه، ولكن الكمال بن الهمام ذكر أن أئمة الحنفية في دروسهم قيدوا حل الربا للمسلم في دار الحرب بأخذه من الحربي، فقال: « إلا أنه لا يخفى أنه إنما يقتضي حل مباشرة العقد - أي عقد الربا -إذا كان الزيادة ينالها المسلم، والربا أعم من ذلك إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان - يعني بالدرهم - من جهة المسلم ومن جهة الكافر، وجواب المسألة بالحل عام في الوجهين، وكذا القمار قد يفضي إلى أن يكون مال الخطر للكافر بأن يكون الغلب، فالظاهر أن الإباحة تفيد نيل المسلم للزيادة، وقد التزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم في حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم؛ نظرا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه » [70]، ونقل ذلك عنه ابن عابدين [71]، بل إلى بيع الخمر، والإطلاق هو المناسب لعصرنا.
الأدلة الحديثية لمذهب الحنفية كمرسل مكحول وحديث بني قينقاع
وقد استدل السادة الحنفية على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:
(1) ما ذكر عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«لا ربا بين المسلمين وبين أهل دار الحرب في دار الحرب»
[72]. قال السرخسي: «وإن كان مرسلا فمحكول فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول» [73]. واستدل بهذا الدليل أيضا المرغيناني [74]، والكمال بن الهمام [75].
(2) واستدل محمد رحمه الله بحديث بني قينقاع، فإن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين أجلاهم قالوا:
« إن لنا ديونا لم تحل بعد».
فقال:
« تعجلوا أو ضعوا »،
ولما أجلى بني النضير قالوا:
« إن لنا ديونا على الناس ».
فقال:
«ضعوا أو تعجلوا. » [76]
وبيَّن السرخسي وجه الدلالة فقال: « ومعلوم أن مثل هذه المعاملة - الربا المتمثل في قوله: «ضعوا أو تعجلوا » - لا يجوز بين المسلمين، فإن من كان على غيره دين إلى أجل فوضع عنه بشرط أن يعجل بعضه لم يجز، كره كذلك عمر وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم، ثم جوزه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في حقهم؛ لأنهم كانوا أهل حرب في ذلك الوقت ولهذا أجلاهم، فعرفنا أنه يجوز بين الحربي والمسلم ما لا يجوز بين المسلمين » [77].
دليل مصارعة ركانة ومراهنة أبي بكر مع قريش على جواز القمار هناك
(3) وبما وقع عند مصارعته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ركانة حين كان بمكة، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، في كل مرة بثلث غنمه، ولو كان مكروها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ثم لما صرعه في المرة الثالثة قال ركانة: ما وضع أحد جنبي قط، وما أنت صرعتني، فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الغنم عليه" [78].
يقول السرخسي: «وإنما رد الغنم عليه تطولًا منه عليه وكثيرًا ما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مع المشركين يؤلفهم به حتى يؤمنوا » [79].
(4) روى ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، قال: قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« ألا كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول ربا أضعه ربا عمي العباس بن عبد المطلب » [80].
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن العباس رضي الله عنه بعدما أسلم بعد أن جيء به أسيرا في غزوة بدر، استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الرجوع إلى مكة بعد إسلامه، فأذن له، فكان يربي بمكة إلى زمن الفتح، وكان فعله لا يخفى على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز، وإنما جعل الموضوع من ربا في دار الحرب ما لم يقبض حتى جاء الفتح فصارت مكة دار الإسلام؛ ولذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الربا عند الفتح [81].
(5) ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ناحب مشركي قريش قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: « ألم غلبت الروم.. الآية » [82]، فقالت قريش له:
« ترون أن الروم تغلب ؟!»
قال: نعم. فقالوا:
« هل لك أن تخاطرنا».
فقال: نعم. فخاطرهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«أذهب إليهم فزد في الخطر»،
ففعل وغلبت الروم فارسًا، فأخذ أبو بكر خطره فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ». وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة وكانت مكة دار شرك [83].
تعليل إباحة المال المأخوذ من دار الحرب وربطه بقواعد التقليد والورع
(6) ولأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ناحب مشركي قريش قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى: « ألم غلبت الروم.. الآية » [84]، فقالت قريش له: « ترون أن الروم تغلب ؟! قال: نعم. فقالوا: هل لك أن تخاطرنا. فقال: نعم. فخاطرهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «أذهب إليهم فزد في الخطر»، ففعل وغلبت الروم فارسًا، فأخذ أبو بكر خطره فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ». وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة وكانت مكة دار شرك [85].
(6) ولأن مالهم مباح فحق للمسلم أن يأخذه بلا غدر؛ لحرمة الغدر؛ لأن المسلمين لو ظهروا على ديارهم لأخذوا مالهم بالغنيمة (شرح السير الكبير 4/1410، والبناية في شرح الهداية 7/385، والمبسوط 14/58، وفتح القدير 6/178 وحاشية ابن عابدين 4/188).
وبعد فحاصل مذهب السادة الحنفية جواز التعامل بالعقود الفاسدة في دار الحرب، بين المسلم وأهل دار الحرب، سواء كان العقد بيعًا لميتة، أو خنزير، أو خمر، أو مقامرة.
وما يجب أن يلتفت إليه مطالع هذا النقل عن السادة الحنفية، أن يضع في اعتباره، أن أهل المذاهب الأخرى لديهم قواعد يمكن من خلالها التعامل مع حالات الضرورة والابتلاء، ويمكن من خلالها عقد صلة بين ما ذهب إليه السادة الحنفية وبين أقوال المذاهب في المسألة ذاتها.
ومن هذه القواعد:
(1) تقليد القائل بالجواز عند الضرورة رفعا للحرج:
فقد قال الشيخ العلامة الشيرواني [86]: «لمن ابتلي بشيء من ذلك كما يقع كثيرًا تقليدًا ما تقدم ليتخلص من الحرمة».
(2) الإنكار يكون في المجمع عليه: فقد ذكر العلامة السيوطي [87]: «إنما ينكر المتفق عليه لا المختلف فيه» وهذا يعني أن المسـألة إذا اختلف فيها أهل المذاهب الفقهية، فلا يصح لأهل مذهب أن ينكروا على أهل مذهب آخر؛ لأن المسألة مختلف فيها.
(3) التفريق بين حد الفقه والحكم وحد الورع:
فقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن حد الورع أوسع من حد الحكم الفقهي؛ وذلك لأن المسلم قد يترك كثرا من المباح تورعا، كما كان الصحابة يتركون تسعة أعشار المباح ورعا خشية أن يقعوا في الحرام، ولكن هذا لا يعني أنهم يحرمون الحلال، والورع واسع حتى يصل إلى أن يخرج الإنسان من جميع ماله تورعا من أن يناله شيء من الحرام.
فعلى ما سبق تقديمه من مذهب السادة الحنفية، يكون أداء الحج من المال المكتسب من العقود الفاسدة بين المسلم وأهل دار الحرب في دارهم جائزا؛ لأن هذا المال طيب، كما نص على ذلك الإمام السرخسي [88]: «وكذلك لو باعهم ميتا أو قامرهم وأخذ منهم مالا بالقمار فذلك المال طيب».
فإذا كان المال طيبا جاز الحج به عند جميع الفقهاء والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الآية القرآنية التي استند إليها الفقهاء لإثبات جواز بر غير المسلمين وصلتهم؟
﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾
من هو المقوقس الذي أهدى النبي صلى الله عليه وسلم هدية قبلها؟
صاحب الإسكندرية
ما الذي ميّز النبي بين الصدقة والهدية في قصة سلمان الفارسي؟
رفض الصدقة وقبل الهدية
ما موقف ابن تيمية من طاعة الابن لأمه في طلاق زوجته؟
حرّم الطاعة في ذلك
ما الشرط الذي وضعه ابن تيمية لوجوب طاعة الأب في طلاق الزوجة؟
أن يكون الأب من الصالحين والأتقياء
ما الحديث النبوي الذي استند إليه الفقهاء لتعطيل الحدود عند الشبهة؟
ادرءوا الحدود بالشبهات
ما الجهات الأربع التي نص عليها القرافي كجهات لتغير الأحكام الشرعية؟
الزمان والمكان والأشخاص والأحوال
ما موقف الشيخ شلتوت من قتل المرتد؟
رأى أنه ليس حدًا وأن المبيح للدم هو محاربة المسلمين
ما الذي قاله النبي لعمر حين أشار بقتل عبد الله بن أبي المنافق؟
لا يبلغ الناس أن محمدًا يقتل أصحابه
ما الحقوق السياسية الأربعة التي كفلها الإسلام للمسلم؟
اختيار الحاكم والشورى وتولي المناصب ونصح الحاكم
ما الذي اقتبسه النبي صلى الله عليه وسلم من الفرس في غزواته؟
فكرة الخندق
ما نسبة المسلمين في مصر في المائة عام الأولى من الهجرة؟
2%
ما موقف مذهب أبي حنيفة ومحمد من الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب؟
جائز ولا ربا بينهما في دار الحرب
ما الذي قاله غوستاف لوبون عن انتشار الإسلام؟
انتشر بالدعوة وحدها لا بالسيف
ما عدد القتلى من الجانبين في مجموع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم؟
251 قتيل
ما حكم إهداء غير المسلم وعيادته وتهنئته في الإسلام؟
جائز بل مستحب من باب الإحسان الذي أمر الله به، وهو سنة النبي الثابتة، ولم ينهَ الله عن بر غير المحاربين من غير المسلمين.
ما الهدية التي أرسلها المقوقس للنبي صلى الله عليه وسلم؟
أرسل المقوقس صاحب الإسكندرية كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم، فقبلها النبي.
ما قول زكريا الأنصاري في قبول هدية الكافر؟
قال: يجوز قبول هدية الكافر للاتباع، أي اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ما قول البهوتي في طاعة الأبوين في طلاق الزوجة؟
قال: لا يجب على الابن طاعة أبويه ولو كانا عدلين في طلاق زوجته، لأن ذلك ليس من البر.
ما الفرق بين الشريعة وتطبيق الحدود؟
الشريعة أوسع بكثير من الحدود، إذ تشمل العقيدة والفقه والأخلاق ومناهج التفكير، والحدود جزء صغير منها مشروط بشروط صارمة.
ما المقصود بالنسخ العقلي عند الأصوليين؟
هو أثر ذهاب محل الحكم في الحكم نفسه، فالحكم لا يطبق إذا ذهب محله، كأحكام الرقيق التي لا تطبق بعد انتهاء الرق.
لماذا لم تُقَم الحدود في مصر لمدة ألف سنة؟
لعدم توفر الشروط الشرعية من شهود معتبرين وطرق إثبات محددة، وعملًا بحديث ادرءوا الحدود بالشبهات.
ما موقف عمر بن الخطاب من المرتدين الذين قاتلوا المسلمين؟
قال عمر إنه كان يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أودعهم السجن، ولم يرَ أنه من الضروري قتلهم رغم ردتهم وقتالهم للمسلمين.
ما تعريف الردة عند الفقهاء في سياق العقوبة؟
الردة المعاقب عليها هي الخروج على الإسلام لا مجرد الخروج من الإسلام، وهي جرم ضد النظام العام مرادف للخيانة العظمى.
ما الآية التي تمثل دستور الإسلام في حرية الاعتقاد؟
قوله تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ من سورة البقرة.
ما أهداف الحرب في الإسلام؟
رد العدوان والدفاع عن النفس، وتأمين الدعوة وإتاحة الفرصة للضعفاء، والمطالبة بالحقوق السليبة، ونصرة الحق والعدل.
ما شهادة توماس كارليل على شبهة انتشار الإسلام بالسيف؟
قال إن اتهام النبي بالتعويل على السيف سخف غير مفهوم، إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو يستجيبوا له.
ما خصائص انتشار الإسلام التي تميزه عن الاستعمار؟
عدم إبادة الشعوب، والإبقاء على التعددية الدينية، وإقرار الحرية الفكرية دون محاكم تفتيش، ومعاملة العبيد معاملة راقية.
ما جوهر الديمقراطية الذي يتفق مع الإسلام؟
اختيار الحاكم والرضا به، والمشاركة في القضايا العامة عبر الشورى، ونصح الحاكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ما مذهب أبي حنيفة ومحمد في بيع الخمر والميتة للحربيين في دارهم؟
يجيزانه ويعتبران المال المكتسب منه طيبًا، لأن مال الحربيين مباح للمسلمين ولو بالعقد الفاسد بشرط عدم الغدر.