هل الاحتفال بالمولد النبوي حرام أم بدعة حسنة وما حكم التوسل بالنبي في المذاهب الأربعة؟
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة حسنة يثاب عليها صاحبها وفق جمهور العلماء من الحفاظ كالسيوطي وابن حجر، وليس حراماً طالما خلا من المنكرات. أما حكم التوسل بالنبي فقد اتفقت المذاهب الأربعة على جوازه واستحبابه في حياته وبعد انتقاله، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا ابن تيمية.
- •
هل الاحتفال بالمولد النبوي حرام أم مشروع، وما الدليل على جوازه من السنة والأثر؟
- •
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة حسنة يثاب عليها، وقد درج عليه السلف منذ القرن الرابع الهجري بالتلاوة والإطعام وإنشاد المدائح.
- •
حكم التوسل بالنبي عند المذاهب الأربعة الجواز والاستحباب، ولا فرق بين حياته وبعد انتقاله، وأدلته من القرآن والسنة الصحيحة.
- •
محبة النبي وآل البيت أصل من أصول الإيمان، والمغالاة المنهي عنها تكون في الاعتقاد لا في المحبة.
- •
النبي حي في قبره بروحه وجسده يصلي ويستغفر لأمته ويرد السلام، وزيارة قبره مستحبة باتفاق الأمة.
- •
زيارة أضرحة آل البيت وشد الرحال إليها مستحب، وحديث لا تشد الرحال خاص بالمساجد لا بالزيارات.
- 1
محبة النبي أصل من أصول الإيمان ومظهر محبة الله، ولا يكتمل الإيمان حتى يكون النبي أحب إلى المؤمن من نفسه.
- 2
النبي أفضل الخلق نسباً، اصطفاه الله من خير القبائل والبيوت، وهو سيد ولد آدم بنص حديثه الشريف.
- 3
عبارة لولا محمد ما خلق الله الخلق منسجمة مع التوحيد؛ لأن النبي عنوان العبادة التي هي حكمة خلق الجن والإنس.
- 4
النبي نور بنص القرآن، وإثبات نوره الحسي لا يعارض بشريته، والسلامة في إثبات كليهما دون تفصيل.
- 5
حديث أول ما خلق الله نور نبيك موضوع لا يصح سنده، لكن معناه ممكن الصحة إذا حُملت الأولية على الأنوار.
- 6
آية النساء 64 باقية إلى يوم القيامة، واستدل بها الأئمة الأربعة على استحباب زيارة قبر النبي والتوسل به.
- 7
حب آل البيت واجب بأمر الله ووصية النبي، والمغالاة المنهي عنها في الاعتقاد لا في المحبة.
- 8
رؤية النبي يقظة ممكنة عقلاً وشرعاً عند جمهور العلماء، وهي باب عزيز خاص بالصالحين ولا يترتب عليها حكم شرعي.
- 9
الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة مستحبة درج عليها السلف، وأصَّل له ابن حجر والسيوطي بأدلة صحيحة من السنة.
- 10
أبوا النبي من أهل الفترة غير المعذبين، والله لا يعذب أحداً حتى يرسل إليه رسولاً بنص الآيات القاطعة.
- 11
التوسل بالنبي جائز مستحب باتفاق المذاهب الأربعة حياةً وبعد وفاة، وأدلته من القرآن والسنة الصحيحة قاطعة.
- 12
النبي حي في قبره بروحه وجسده حياة خاصة بالأنبياء، يصلي ويرد السلام ويستغفر لأمته بنص الأحاديث الصحيحة.
- 13
زيارة قبر النبي مستحبة باتفاق الأمة، وشد الرحال إليها مستحب لأن الوسائل لها حكم المقاصد، وحديث لا تشد الرحال خاص بالمساجد.
- 14
الترجي بالنبي وتأكيد الكلام به جائز لا حرج فيه، وليس حلفاً محرماً، وقد ورد في كلام النبي والصحابة.
- 15
زيارة أضرحة آل البيت مستحبة وأولى من زيارة قبور الأقارب، لأن فيها براً وصلة لرسول الله بنص القرآن والسنة.
ما درجة محبة النبي وهل تتعارض مع محبة الله؟
محبة النبي صلى الله عليه وسلم مظهر محبة الله، ولا تعارض بينهما؛ فمن أحب الله أحب رسوله. وقد أخبر النبي أن الإيمان لا يكتمل حتى يكون أحب إلى المؤمن من والده وولده والناس أجمعين، بل من نفسه كما في حديث عمر. قال ابن رجب الحنبلي إن محبة النبي من أصول الإيمان وهي مقارنة لمحبة الله.
هل النبي أفضل الناس نسباً وكيف اصطفاه الله؟
النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق نسباً، وقد اصطفاه الله من خير القبائل والبيوت؛ فاصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ومن إسماعيل بني كنانة، ومن قريش بني هاشم، واصطفى منهم النبي. وقد مدح الله نسبه الشريف بقوله تعالى: وتقلبك في الساجدين، أي في أصلاب الآباء من آدم حتى أخرجه نبياً.
هل عبارة لولا محمد ما خلق الله الخلق صحيحة المعنى وتتعارض مع التوحيد؟
العبارة لا تتعارض مع التوحيد بل تؤكده إذا فُهمت صحيحاً؛ فحكمة خلق الجن والإنس هي العبادة كما في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، والنبي هو عنوان العبادة والتوحيد وأفضل العابدين. وما في السموات والأرض مخلوق لخدمة الإنسان، والنبي هو الإنسان الكامل وعنوان الإنسانية، فهو محقق حكمة الخلق.
هل النبي نور وهل ذلك يعارض بشريته؟
النبي صلى الله عليه وسلم نور ومنير بنص القرآن الكريم: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وإثبات النور الحسي له لا يتعارض مع بشريته التي أخبر بها القرآن، كما أن القمر طبيعته صخرية ومع ذلك له نور حسي. المحظور هو نفي البشرية عنه لمخالفته للقرآن.
هل حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر صحيح؟
حكم المحدثون بأن هذا الحديث منكر موضوع لا أصل له في كتب السنة، وجزم بوضعه الحافظ الصغاني وأقره العجلوني. غير أن معناه يمكن أن يكون صحيحاً إذا حُملت الأولية على الأنوار، أي أن النبي أول الأنوار التي خلقها الله، وقد أقر الدردير المالكي هذا المعنى. فالحديث موضوع لا يصح نسبته للنبي، ومعناه قابل للصحة.
هل آية ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك باقية بعد وفاة النبي وكيف استدل بها الأئمة؟
الآية مطلقة ليس لها مقيد نصي ولا عقلي، فهي باقية إلى يوم القيامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد استدل بها جميع المذاهب الأربعة على استحباب زيارة قبر النبي والتوسل به؛ فالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة كلهم يستحبون قراءتها عند الروضة الشريفة وطلب الاستغفار من النبي بعد انتقاله.
ما درجة حب آل البيت وما حدود تلك المحبة وهل فيها مغالاة؟
حب آل البيت واجب بأمر الله في قوله: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى، وقد أوصى النبي بهم في أحاديث متعددة. والمغالاة لا تكون في المحبة وإنما تكون في الاعتقاد، فطالما كان المسلم سليم الاعتقاد فلا حرج عليه في محبة آل البيت من كل قلبه، وكلما زاد حبه لهم ارتقى في درجات الصالحين.
هل يمكن رؤية النبي يقظة وما مذهب أهل العلم في ذلك؟
رؤية النبي في اليقظة ممكنة عقلاً وشرعاً، وليست من المسائل التشريعية التي يترتب عليها زيادة في الدين. وقد استدل السيوطي وابن حجر الهيتمي والنفراوي المالكي على جوازها بحديث من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، وأن تخصيصها بيوم القيامة بعيد. وهي باب عزيز لا يُفتح لكل أحد، وينبغي لمن رأى ألا يحدث من لا طاقة له بذلك.
هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حرام أم بدعة حسنة وما الدليل على جوازه؟
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة حسنة يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم النبي وإظهار الفرح بمولده، وقد درج عليه السلف منذ القرن الرابع الهجري. وقد أصَّل له الحافظ ابن حجر من حديث صيام عاشوراء شكراً لله، وصرح السيوطي بأنه من البدع المندوبة، واستدل له بقوله تعالى: وذكرهم بأيام الله. ويكون الاحتفال بالتلاوة والذكر وإطعام الطعام بعيداً عن المظاهر المذمومة.
ما مصير أبوي النبي وما حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة؟
أبوا النبي من أهل الفترة الذين لم يُرسل إليهم رسول، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله لا يعذب أحداً حتى يرسل إليه نذيراً بنص آيات قاطعة كقوله: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً. أما الحديثان الواردان في مسلم فيمكن تأويلهما، وإن أبى المخالف التأويل فيُردان لمعارضتهما الآيات القاطعة، وهو مسلك الأئمة الأعلام.
ما حكم التوسل بالنبي بعد وفاته وما موقف المذاهب الأربعة منه؟
حكم التوسل بالنبي عند المذاهب الأربعة الجواز والاستحباب دون تفريق بين حياته وبعد انتقاله، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا ابن تيمية. وأدلته من القرآن آية ابتغاء الوسيلة وآية مجيء المذنبين إلى النبي، ومن السنة حديث الضرير الصحيح الذي صححه الترمذي والحاكم والألباني، وقصة عثمان بن حنيف بعد انتقال النبي، وحديث الاستسقاء عند قبره في زمن عمر.
هل النبي حي في قبره وما خصوصية حياة الأنبياء بعد الموت؟
النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من الحياة الدنيا بنص القرآن، لكنه حي في قبره بروحه وجسده حياة أكمل من حياته قبل الانتقال. والأنبياء أحياء في قبورهم يصلون بنص الحديث الصحيح، وجسده الشريف محفوظ لأن الله حرم على الأرض أكل أجساد الأنبياء. وهو يرد السلام على من سلم عليه، ويستغفر لأمته، ويشفع لهم عند الله.
ما حكم زيارة قبر النبي وشد الرحال إليه وإلى قبور الصالحين؟
زيارة قبر النبي مستحبة باتفاق الأمة سلفاً وخلفاً، وذهب بعض المحققين إلى أنها سنة مؤكدة. أما شد الرحال فحكمه حكم المقصود، فإذا كانت الزيارة مستحبة فشد الرحال إليها مستحب. وحديث لا تشد الرحال خاص بالمساجد لا بالزيارات، وقد نص على ذلك النووي والعراقي والسبكي وغيرهم من العلماء.
هل قول والنبي حلف محرم بغير الله أم أمر جائز؟
الترجي وتأكيد الكلام بالنبي أو بغيره مما لا يُقصد به حقيقة الحلف جائز لا حرج فيه، وقد ورد في كلام النبي نفسه وكلام الصحابة كقوله: أما وأبيك لتنبأنه، وأفلح وأبيه إن صدق. وقد بين الإمام النووي أن هذا ليس حلفاً وإنما كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف تعظيماً لغير الله.
ما حكم زيارة أضرحة آل بيت النبي وما فضلها؟
زيارة أضرحة آل البيت من أقرب القربات وأرجى الطاعات؛ لأن في زيارتهم براً وصلة لرسول الله كما في قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. وقد وصى النبي بآل بيته في أحاديث متعددة، وقال أبو بكر الصديق: لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي. فزيارة قبورهم أولى من زيارة قبور أقاربنا.
الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة مستحبة باتفاق جمهور العلماء، والتوسل بالنبي جائز مستحب عند المذاهب الأربعة.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة حسنة يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم النبي وإظهار الفرح بمولده، وقد درج عليه السلف منذ القرن الرابع الهجري بالتلاوة والإطعام وإنشاد المدائح، وأصَّل له الحافظ ابن حجر من حديث صيام عاشوراء شكراً لله على نعمة النجاة، وصرح السيوطي بأنه من البدع المندوبة.
حكم التوسل بالنبي عند المذاهب الأربعة الجواز والاستحباب دون تفريق بين حياته وبعد انتقاله، ودليله حديث الضرير الصحيح وآية ابتغاء الوسيلة وآية مجيء المذنبين إلى النبي، وقد استحب الأئمة الأربعة قراءة آية النساء 64 عند قبره الشريف. أما محبة آل البيت فهي مظهر محبة النبي، والمغالاة المنهي عنها تكون في الاعتقاد لا في المحبة.
أبرز ما تستفيد منه
- الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة مستحبة وليس حراماً.
- التوسل بالنبي جائز مستحب باتفاق المذاهب الأربعة حياةً وبعد وفاة.
- النبي حي في قبره بروحه وجسده يصلي ويستغفر لأمته.
- زيارة قبر النبي وأضرحة آل البيت مستحبة وشد الرحال إليها جائز.
محبة النبي ووجوب تقديمها على النفس والناس أجمعين
س34: ما هي درجة محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟ وهل يمكن ان تتعارض محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مع محبة الله ؟
الجواب
محبة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هي مظهر محبة الله سبحانه وتعالى، فمن أحب مَلِكا أحب رسوله، ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حبيب رب العالمين، وهو الذي جاء لنا بالخير كله، وتحمل المتاعب من أجل إسلامنا ودخولنا الجنة، وقد أعلمنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مكانته التي ينبغي أن تكون في قلوبنا حتى يكمل إيماننا حيث قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » [1].
وعن زهرة بن معبد عن جده قال:
« كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب عنده أحب إليه من نفسه » فقال عمر: فلأنت الآن والله أحب إلى من نفسي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: « الآن يا عمر » [2].
قال ابن رجب الحنبلي:
«محبَّة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليهما محبَّة شيء من الأمور المحبَّبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك...» [3]
فلا يتحقق كمال الإيمان لعبد حتى تبلغ محبته للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ذلك القدر الذي أراده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من سيدنا عمر رضي الله عنه، وتلك هي الدرجة التي ينبغي لكل مسلم أن يتطلع إليها، وهذا لا تعارض بينه وبين حب الله، فأنت تحب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ لأنه من جهة الله، فأساس حبك لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو حب الله، وليس هناك مخلوق تجلى الله بصفات جماله وكماله عليه كسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فأنت تحب التجليات الإلهية التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو المرآة التي تعكسها لنا، فالحب لله وحده، وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بكل قلبك هو حب لله ولا تعارض بينهما. ما ذكر بإيجاز بيان لما يجب أن تكون عليه محبتنا له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، رزقنا الله حبه واتباعه وجواره في الآخرة، والله تعالى أعلى وأعلم.
أفضلية نسب النبي واصطفاء الله له من خير القبائل والبيوت
س35: هل سيدنا أفضل الناس نسبا ؟
الجواب
سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو أعظم البشر قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« أنا سيد ولد آدم ولا فخر » [4]،
بل هو أعظم المخلوقات فهو خير من العرش. فلا ينبغي لنبي أو لمخلوق أن يتفوق عليه في أي خصلة من خصال المدح، والنسب من خصال المدح المهمة، وقد مدح الله سبحانه وتعالى نسبه الشريف فقال:
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [5]
فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: «وتقلبك في الساجدين» قال: أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًا [6].
فكان أنسب الأنبياء بين أقوامهم، وكان أنسب القوم على الإطلاق،كما أخبر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بنفسه عن ذلك؛ فعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
« إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [7].
وعن عمه العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
« إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا » [8].
فهو سيدنا أبو القاسم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وأمه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم السيدة آمنة بنت وهب بن عبدمناف بن زهرة بن كلاب المذكور في نسبه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهو الجد الخامس له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
نورا ومن فلق الصبــــــــاح عمـودا نسب كأن عليه من شمس الضحى حاز المكـارم والتقـى والجــــــــودا مـا فيـــــــه إلا سيـد مـن سيـــــــــــد
ومما ذكر نعلم أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أفضل الخلق على الإطلاق، نفعنا الله به في الدنيا والآخرة، وجعلنا على أثره نسير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
معنى عبارة لولا محمد ما خلق الله الخلق وضوابط فهمها توحيديا
س36: هل عبارة لولا سيدنا محمد ما خلق الله الخلق(لولاك لولاك ما خلقت الافلاك) صحيحة المعنى؟ هل الخلق الله الخلق لأجل سيدنا محمد؟
الجواب
الأصل في الألفاظ التي تجري على ألسنة الموحدين أن تحمل على المعاني التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا ينبغي أن نبادر برمي الناس بالكفر والفسق والضلال والابتداع، فإن إسلامه قرينة قوية توجب علينا ألا نحمل ألفاظه على معناها الظاهر إن اقتضت كفرًا أو فسقًا، وتلك قاعدة عامة ينبغي على المسلمين تطبيقها في كل العبارات التي يسمعونها من إخوانهم المسلمين، ولنضرب لذلك مثلًا لذلك: فالمسلم يعتقد أن المسيح عليه السلام يُحيي الموتى، ولكن بإذن الله وهو غير قادر على ذلك بنفسه وإنما بقوة الله وحوله، والمسيحي يعتقد أنه يُحيي الموتى، ولكنه يعتقد أن ذلك بقوة ذاتية، وأنه هو الله، أو ابن الله، أو أحد أقانيم الإله كما يعتقدون. وعلى هذا فإذا سمعنا مسلمًا موحدًا يقول: «أنا أعتقد أن المسيح يحيي الموتى»، ونفس تلك المقولة قالها آخر مسيحي، فلا ينبغي أن أظن أن المسلم تنصر بهذه الكلمة، بل أحملها على المعنى اللائق بانتسابه للإسلام ولعقيدة التوحيد.
أما العبارة الواردة إلينا في السؤال فلا ظاهرها، ولا باطنها يوحي بأي شرك، فإن اعتقد أي إنسان أن الله خلق الخلق من أجل مخلوق فهذا ليس كفرًا ولا يخرجه من الملة، غاية الأمر أنه اعتقد أمرًا خلاف الواقع، هذا إن كان الاعتقاد خاطئًا.
ولكن معنى قولنا «لولا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما خلق الله الخلق» فتلك عبارة لا تتناقض مع الإسلام وأصول العقيدة وأساسيات التوحيد، بل تؤكده وتدعمه خاصة إذا فُهمت بالشكل الصحيح الذي سنبينه إن شاء الله.
فمعنى القول بأنه لولا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما خلق الله الخلق، هو أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [9]،
فتحقيق العبادة هي حكمة الخلق، والعبادة لا تتحقق إلا بالعابدين، فالعبادة عرض قائم بالعابد نفسه، وأفضل العابدين هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهو عنوان العبادة، وعنوان التوحيد، كما أن الآية تتكلم عن الجن والإنس ولا تتكلم عن الخلق أجمعين. أما باقي ما في السموات والأرض فهو مخلوق لخدمة الإنسان، قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [10].
وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو عنوان الإنسانية، بل هو الإنسان الكامل ولقد خاطبه ربه بذلك قائلاً له سبحانه:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ﴾ [11].
وعلى هذا فإن تلك العبارة منسجمة تمام الانسجـام مع أصـول التشريع الإسـلامي؛ فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو محقق حكمة خلق الخلق؛ لأنه عنوان قضية التوحيد والعبادة التي هي حكمة خلق الجن والإنسان، وهو الإنسان الكامل وعنوان الإنسانية التي من أجلها خلق الله ما في السموات والأرض، والله تعالى أعلى وأعلم.
نورانية النبي في القرآن والسنة والجمع بينها وبين بشريته
س37: هل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نور وهل هذا يعارض بشريته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟
الجواب
النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نور هذا صحيح قال تعالى:
﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍۢ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ﴾ [12]،
وقال تعالى:
﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [13]،
فهو صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نور ومنير، ولا شيء في أن تقول إن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان نورًا طالما أن الله عز وجل قد وصفه بذلك وسماه نورًا، ولقد ثبت في السنة أن الصحابة كانوا يقولون: إنه وجهه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كالقمر [14]، وقدر أخبر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه عندما حملت فيه أمه:
«رأت نورًا أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام » [15]،
وقد أخبر أصحابه رضوان الله عليهم أن:
«النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما دخل المدينة أضاء منها كل شيء، وعندما مات أظلم منها كل شيء» [16]
إلى غير ذلك من آثار وأحاديث تبين أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان نورًا، ولا ينبغي أن ننفي أن ذلك النور كان حسياً، فليس هناك ما يتعارض مع كونه كان منيرًا، وأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم له نور حسي مع أصل العقيدة، كما أنه لا يعارض طبيعته البشرية التي أخبر بها القرآن.
إن المحظور هو نفي البشرية عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ لأن هذا مخالف لصحيح القرآن فقد قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [17]،
فالسلامة في ذلك أن تثبت كل ما أثبت الله لنبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فتثبت أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان نورًا ومنيرًا ولا يزال، وأنه بشر مثلنا، دون تفصيل وتنظير.، وإثبات النور الحسي له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا يتعارض مع كونه بشرًا، فالقمر طبيعته صخرية، ومع ذلك هو نور وله نور حسي، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم خير من القمر، وخير من خلق الله كلهم، نسأل الله أن يهدينا الطريق المستقيم، فهذا بيان لقضية نورانية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
حكم حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ومعنى الأولية
س38: حديث اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر هل صحيح؟
الجواب
حكم المحدثون بأنه حديث منكر وذهبوا إلى وضعه. قال العلامة عبد الله بن الصديق الغماري:
«وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره، وقال الحافظ السيوطي في الحاوي في الفتاوى ج1 ص 325: «ليس له إسناد يعتمد عليه» اهـ، وهو حديث موضوع جزمًا...... إلى أن قال: وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة [18].
ولقد حكم بوضعه أكثر المحدثين كالحافظ الصغاني [19]، وأقره الحافظ العجلوني على ذلك [20].
ومعنى الحديث يمكن أن يكون صحيحًا إذا كانت الأولية في الأنوار فإن ذلك لا يبعد، وعلى أن الأولية مطلقة، فهي ثابتة للقلم وللعرش على الخلاف المشهور، وقد ذكر العجلوني ذلك فقال:
«وقيل الأولية في كل شيء بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري وكذا باقيها، وفي أحكام ابن القطان فيما ذكره ابن مرزوق عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، قال: كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام. انتهى ما في المواهب [21].
وذكر العلامة الدردير المالكي إقراره لمعنى الحديث فقال:
(ونوره) صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (أصل الأنوار) والأجسام كما قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لجابر رضي الله عنه: «أول ما خلق الله نور نبيك من نوره» الحديث فهو الواسطة في جميع المخلوقات [22].
فإن عوالم الله سبحانه وتعالى متعددة، فهناك عالم الملك وهو عالم الشهادة، وهناك عالم الملكوت وهو عالم الغيب، ومنه عالم الروح، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وهناك أنوار خلقها الله سبحانه وتعالى، فليس هناك ما يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أول الأنوار التي خلقها الله سبحانه وتعالى وفاضت منه الأنوار إلى البشرية في عالم الروح.
فالحديث موضوع ولا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومعناه يمكن أن يكون صحيحًا كما بيناه، والله تعالى أعلى وأعلم.
بقاء حكم آية ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك واستدلال الأئمة بها
س39: هل قول الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [23] باق إلى يوم القيامة ام انتهى بانتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحياة الدنيا؟
الجواب
آية مطلقة ليس لها مقيد نصي ولا عقلي، فليس هناك ما يقيد معناها بحياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الدنيوية، فهي باقية إلى يوم القيامة، فالعبرة بالقرآن دائمًا بعموم اللفظ وليست بخصوص السبب، ومن زعم تخصيص تلك الآية بحياته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو تخصيصها به فعليه أن يأتي بالدليل، فالإطلاق لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه الأصل والتقييد هو الذي يحتاج للدليل.
وهذا ما فهمه المفسرون، بل أكثر المفسرين التزامًا بالأثر كالحافظ ابن كثير رحمه الله، فقد ذكر الآية وعقب عليها بقوله:
«وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو النصر الصباغ في كتابه الشامل هذه القصة المشهورة عن العتبي قال: « كنت جالسًا عند روضة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [24] وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي ثم أخذ يقول: يا خير من دفـــــــنت بالقاع أعظمـــــــــه فطاب من طيبــــــهن القـــــــــاع والأكم نفسي الفـــــــــداء لقبر أنت ساكنـــــــــه فيه العفاف وفيه الجـــــــــود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له. [25] وروى القصة كذلك البيهقي [26].
وهذا لا يعني أننا نستدل بالرؤيا، ولكننا نستدل بعدم اعتراض الإمام ابن كثير على القصة التي ساقها في تعرضه لتفسير تلك الآية، وما ذكره من إقرار العتبي للأعرابي في فعله وعدم الإنكار عليه بطلب الاستغفار من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد انتقاله الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وقد استدل بتلك الآية أغلب الفقهاء على استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كما استحبوا قراءتها أثناء زيارة روضته الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فذهب الحنفية إلى استحباب قراءة الآية عند قبره الشريف؛ ففي الفتاوى الهندية في آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما نصه:
«ثم يقف عند رأسه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كالأول ويقول: اللهم إنك قلت وقولك الحق ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾» [27].
ومن مذهب المالكية يقول ابن الحاج العبدري:
« من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام من لم يزره، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك آمين يا رب العالمين. ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ألم يسمع قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [28]، فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما; لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد, وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه, فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نعوذ بالله من الحرمان» [29].
وقال إمام الشافعية الإمام النووي في بيانه لآداب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويتوسل به في حق نفسه, ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى, ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب، وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: «كنت جالسا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [30]، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي...» [31]،
ثم ذكر القصة التي أوردها ابن كثير.
وفي مذهب الحنابلة يرشد الإمام ابن قدامة إلى تلاوة تلك الآية ومخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بها وطلب الاستغفار منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في آداب زيارة قبره الشريف؛ حيث قال ما نصه:
«ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة, وتستقبل وسطه, وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته, السلام عليك يا نبي الله, وخيرته من خلقه وعباده, أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك, ونصحت لأمتك, ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, وعبدت الله حتى أتاك اليقين, فصلى الله عليك كثيرًا, كما يحب ربنا ويرضى, اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين, وابعثه المقام المحمود الذي وعدته, يغبطه به الأولون والآخرون, اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم, إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد, كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم, إنك حميد مجيد, اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [32]. وقد أتيتك مستغفرًا من ذنوبي, مستشفعًا بك إلى ربي, فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة, كما أوجبتها لمن أتاه في حياته, اللهم اجعله أول الشافعين, وأنجح السائلين, وأكرم الآخرين والأولين, برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين أجمعين » [33].
وصرح العلامة الرحيباني من الحنابلة باستحباب قراءة الآية عند قبره الشريف أثناء الزيارة حيث قال في إرشاده لخير ما يقال أثناء الزيارة ما نصه:
« اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين, وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون, اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد, كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد, اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [34]وقد أتيتك مستغفرًا من ذنوبي مستشفعًا بك إلى ربي، فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته, اللهم اجعله أول الشافعين, وأنجح السائلين, وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يدعو لوالديه وإخوانه وللمسلمين أجمعين» [35].
مما سبق نعلم أن جميع المذاهب يستحبون قراءة تلك الآية عند الروضة الشريفة، ويعتقدون أنها باقية، وهو ما عليه أمة الإسلام سلفًا وخلفًا، ولا عبرة لمن شذ منها عن ذلك الفهم، فاستغفار النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد وفاته لا يمنعه عقل ولا نقل، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله، وما رأيت من شر استغفرت لكم » [36]،
والله تعالى أعلى وأعلم.
محبة آل البيت ودرجتها وضوابطها بين التعظيم والغلو
س40: حب آل البيت ودرجته وأهميته وما هي حدود تلك المحبة وهل هناك مغالاة ؟
الجواب
قال تعالى:
﴿ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [37]،
وصح عن سعيد بن جبير رحمه الله أن قال في معنى هذه الآية:
« لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة » [38]،
فهذه توصية بقرابته يأمره الله أن يبلغها إلى الناس.
وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بحب آل بيته والتمسك بهم، ووصانا بهم - عليهم السلام أجمعين - في كثير من أحاديثه الشريفة، نذكر منها قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربى فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين؛ أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ». فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي». فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم ؟ قال: هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال: نعم» [39]
وقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا؛ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي » [40].
فنحن نحب الله حبًا كبيرًا، وبحبنا لله أحببنا رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي كان نافذة الخير التي رحم الله العالمين بها، وبحبنا لرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أحببنا آل بيته الكرام الذين أوصى بهم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وعظمت فضائلهم وزادت محاسنهم.
فموقع محبة أهل بيت رسـول الله من كل أعماق قلب المسلم، وهو مظهر حب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فبحبه أحببتهم، كما أن محبة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هي مظهر محبة الله، فبحب الله أحببت كل خير، فالكل في جهة واحدة وسائل توصل للمقصود والله يُفهمنا مراده.
والمغالاة لا تكون في المحبة، وإنما تكون في الاعتقاد، فطالما أن المسلم سليم الاعتقاد، فلا حرج عليه في المحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأهل بيته، فنحن نعتقد أنه لا إله الله، وأن سيدنا محمد هو رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأن الأنبياء معصومون، وغير الأنبياء من العترة الطاهرة والصحابة الكرام ليسوا بمعصومين وإنما هم محفوظون بحفظ الله للصالحين، ويجوز شرعًا وقوعهم في الآثام والكبائر، ولكن يحفظهم الله بحفظه. فطالما أن المسلم سليم الاعتقاد في هذه النواحي فيحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من كل قلبه، وهي درجات يرزقها الله لمن أحبه، فكلما زاد حب المسلم لأهل البيت ارتقى بهذا الحب في درجات الصالحين؛ لأن حب أهل البيت الكرام علامة على حب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم علامة على حب الله عز وجل، والله تعالى أعلى وأعلم.
إمكان رؤية النبي يقظة وبيان مذهب أهل العلم في ذلك
س41: هل يمكن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقظة؟
الجواب
إن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في اليقظة ليست من المسائل التشريعية التي يترتب عليها زيادة في الدين، أو نقص فيه، وإنما هي مسألة واقعية يتحمل مسئوليتها من ادعى ذلك، وهي من قبيل المبشرات، ومن قبيل الكرامة، وهذه الرؤية لا تتنافى مع كونه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم انتقل من حياتنا هذه، ولا يلزم منها دعوى الصحبة، ولا يترتب عليها أي شيء.
إذا عرفنا ذلك ننظر هل هذه الدعوى مستحيلة عقلًا أو لا ؟ فالمستحيل العقلي هو وجود أي ذات في مكانين في وقت واحد، ودعوى رؤيته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا يلزم منها وجوده في مكانين في وقت واحد؛ إذ مكانه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم روضته الشريفة يحيا فيها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يصلي لربه ويأنس به، كما أن الأنبياء جميعهم أحياء في قبورهم، فعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون » [41]،
ويؤكده قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره » [42].
ورؤيته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا تعد إلا أن تكون انكشافًا للولي عن حاله الذي هو في قبره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقظة، وهذا لا ينكره العقل، ويؤيده النقل فقد ثبت عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يخطب فكشف الله له عن حال سارية - كرامة له رضي الله عنه - وهو في بلاد نهاوند بفارس، وناداه قائلا:
« يا سارية الجبل الجبل، وسمع سارية النداء » [43]،
وطالما جاز وقوعه لغير النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلا يقتصر على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو حتى الصحابة وحدهم، وكذلك المرئي فقد يكون سارية أو غيره.
وقد تكون الرؤية رؤية صورة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الحقيقية بمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في مكانه في روضته الشريف، والرائي رأى صورته الشريفة وتسمى صورة من عالم المثال، وذلك ينتج من كثرة المحبة والتفكير في شخصه الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فالإنسان قد تتعدد صورته بتعدد الأسطح العاكسة كالمرايا وغيرها.
وقد ورد النص النبوي الذي يؤكد إمكانية وقوع رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقظة، فعن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:
« من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي » [44].
فعبارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم «فسيراني في اليقظة» تدل على إمكان رؤيته له في حياته، وتخصيص اليقظة بيوم القيامة بعيد، لأمرين؛ الأول أن أمته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ستراه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره، الثاني: أن الحديث لم يقيد اليقظة بيوم القيامة، وهذا التخصيص بغير مخصص تحكم ومعاندة.
ولقد ثارت هذه المسألة في زمن العلامة السيوطي فصنف كتابًا خاصًا وسماه:
«تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك» وقال في مقدمته: «فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في اليقظة، وأن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجب منه، وادعوا أنه مستحيل، فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها: «تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك » [45]،
ولقد ساق في تلك الرسالة الأدلة والبراهين على جواز وإمكان رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقظة وكذلك سماع صوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والملائكة.
يقول ابن حجر الهيتمي:
« أنكر ذلك جماعة وجوزه آخرون وهو الحق، فقد أخبر بذلك من لا يتهم من الصالحين، بل استدل بحديث البخاري (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) أي بعيني رأسه، وقيل بعين قلبه. واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة، على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ؛ لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة من رآه في المنام ومن لم يره في المنام. وفي شرح ابن أبي جمرة للأحاديث التي انتقاها من البخاري ترجيح بقاء الحديث علىعمومه في حياته ومماته لمن له أهلية الاتباع للسنة ولغيره. قال: ومن يدعي الخصوص بغير تخصيص منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقد تعسف، ثم ألزم منكر ذلك بأنه غير مصدق بقول الصادق، وبأنه جاهل بقدرة القادر وبأنه منكر لكرامات الأولياء مع ثبوتها بدلائل السنة الواضحة » [46].
ويقول العلامة النفراوي المالكي:
« يجوز رؤيته عليه الصلاة والسلام في اليقظة والمنام باتفاق الحفاظ، وإنما اختلفوا هل يرى الرائي ذاته الشريفة حقيقة أو يرى مثالا يحكيها، فذهب إلى الأول جماعة وذهب إلى الثاني: الغزالي، والقرافي، واليافعي، وآخرون، واحتج الأولون بأنه سراج الهداية، ونور الهدى، وشمس المعارف كما يرى النور والسراج والشمس من بعد، والمرئي جرم الشمس بأعراضه فكذلك البدن الشريف، فلا تفارق ذاته القبر الشريف، بل يخرق الله الحجب للرائي ويزيل الموانع حتى يراه كل راء ولو من المشرق والمغرب، أو تجعل الحجب شفافة لا تحجب ما وراءها، والذي جزم به القرافي أن رؤياه منامًا إدراك بجزء لم تحله آفة النوم من القلب فهو بعين البصيرة لا بعين البصر بدليل أنه قد يراه الأعمى. وقد حكى ابن أبي جمرة وجماعة أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقظة. وروي: «من رآني مناما فسيراني يقظة». ومنكر ذلك محروم؛ لأنه إن كان ممن يكذب بكرامات الأولياء، فالبحث معه ساقط لتكذيبه ما أثبتته السنة أشار إلى جميع ذلك شيخ مشايخنا اللقاني في شرح جوهرة التوحيد» [47].
وقال ابن الحاج في المدخل:
« بل بعضهم يدعي رؤيته عليه الصلاة والسلام، وهو في اليقظة وهذا باب ضيق، وقل من يقع له ذلك الأمر إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان، بل عدمت غالبا، مع أنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم » [48].
بل إن الشيخ عليش تكلم عن أن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أسباب تأييد آراء العلماء المجتهدين، فقال:
«وسمعت سيدي عليًا الخواص يقول: لا يصح خروج شيء من أقوال الأئمة المجتهدين عن الشريعة أبدًا عند أهل الكشف قاطبة، وكيف يصح خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مواد أقوالهم في الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وسؤاله عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة: هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا ؟ يقظة ومشافهة وكذلك كانوا يسألونه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن كل شيء من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينوا الله تعالى به ويقولون يا رسول الله قد فهمنا كذا من آية كذا وفهمنا كذا من قولك في الحديث الفلاني كذا فهل ترضاه أم لا، ويعملون بمقتضى قوله وإشارته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومن توقف فيما ذكرناه من كشف الأئمة ومن اجتماعهم برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من حيث الأرواح، قلنا له: هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين » [49].
من العرض السابق نرى أن رؤية الصالحين للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في اليقظة قد تحدث، ولا يوجد مانع عقلي أو شرعي يمنعها، ولكن هذا باب عزيز ليس مفتوحًا لكل أحد، وينبغي على من رآه أن لا يحدث من لا طاقة له بهذا حتى لا يكذب فمخاطبة الناس بما يعقلون أولى، والله تعالى أعلى وأعلم.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي وضوابط كونه بدعة حسنة
س42: هل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بدعة ؟
الجواب
لقد كان المولد النبوي الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشري جميعه، وعبر القرآن الكريم عن وجود النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأنه « رحمة للعالمين »، وهذه الرحمة لم تكن محدودة؛ فهي تشمل تربية البشر وتزكيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم نحو الصراط المستقيم وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان، بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره
﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [50].
والاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومحبَّة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أصل من أصول الإيمان، وقد صح عنه أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده» [51]،
وأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [52].
قال ابن رجب:
« محبَّة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليهما محبَّة شيء من الأمور المحبَّبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ﴾ [53].ولما قال عمر للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: أنت أحـبُّ إليَّ من كلِّ شيء إلاَّ من نفسي فقال: « لا يا عمر، حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك» فقال عمر: والله أنت الآن أحبُّ إليَّ من نفسي، قال: «الآن يا عمر» [54].
والاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو الاحتفاء به، والاحتفاء به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرَّف الوجود بأسره باسمه، وبمبعثه، وبمقامه، وبمكانته، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله، وفرجه، ونعمته على العالمين، وحجته.
وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين: ابن الجوزي، وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، والحافظ ابن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي رحمهم الله تعالى.
وألف في استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف جماعة من العلماء والفقهاء بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وقد أطال ابن الحاج في [المدخل] في ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال، وذكر في ذلك كلامًا مفيدًا يشرح صدور المؤمنين، مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه المدخل في ذم البدع المحدثة التي لا يتناولها دليل شرعي.
قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي في كتابه «حسن المقصد في عمل المولد» بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول: ما حكمه من حيث الشرع، وهل هو محمود أو مذموم، وهل يثاب فاعله؟ قال:
« والجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه و ينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
وقد رد السيوطي على من قال:
« لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة » بقوله: « نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود » مبينًا أن إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى قد استخرج له أصلا من السنة، واستخرج له هو - يعني السيوطي- أصلا ثانيا موضحا أن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة»
روى البيهقي عن الشافعي رضي الله عنه عنه قال:
« المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما: أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قيام شهر رمضان نعم البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي.
قال السيوطي:
« وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز ابن عبد السلام ».
وأصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة؛ لأن ولادته أعظم النعم علينا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وهذا ما رجحه ابن الحاج في المدخل حيث قال:
« لأن في هذا الشهر مَنَّ الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة ».
والأصل الذي خرج عليه الحافظ ابن حجر عمل المولد النبوي هو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، قال الحافظ:
« فيستفاد منه فعل شكر الله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود، والصيام، والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم ؟ »
ويؤكد الحافظ ابن حجر على مظاهر ذلك الاحتفال، فيقول:
«فينبغي أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة، والإطعام، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وما كان مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به ».
ونقل السيوطي عن إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري من كتابه «عرف التعريف بالمولد الشريف» قوله:
«إنه صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.
وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهادي:
إذا كان هــــــــــذا كافرا جـــــــــــاء ذمه وتبَّت يــــــــــداه في الجـحيـــــــم مخــــــــــــلدا أتى أنـــــــــه في يـــــــــوم الاثنين دائما يخـــــــفف عنـــــــــــه للسرور بأحمــــــــــدا فما الظن بالعبــــــد الذي كان عمــــــــــره بأحمــــــــد مسرورا ومات موحدا؟ اهـ [55]
كما يمكن الاستدلال بعموم قوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ﴾ [56]،
فلا شك أن مولد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أيام الله فيكون الاحتفال به ما هو إلا تطبيقًا لأمر الله، وما كان كذلك فلا يكون بدعة، بل يكون سنة حسنة حتى ولو لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ونحن نحتفل بمولده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ لأننا نحبه، ولِمَ لا نحبه وقد عرفه وأحبه كل الكائنات؛ فهذا الجذع وهو جماد أحب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل وبكى بكاء شديدًا تشوقا للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقد تواتر هذا الخبر، وصار العلم به محتم، وروي عن أكثر من صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« أنه عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب، فإذا طال وقوفه وضع يده الشريفة على ذلك الجذع، ولما كثر عدد المصلين صنع له الصحابة منبرًا، فلما خرج صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من باب الحجرة الشريفة يوم الجمعة يريد المنبر، وجاوز الجذع الذي كان يخطب عنده إذا بالجذع يصرخ صراخًا شديدًا، ويحن حنينا مؤلمًا حتى ارتج المسجد وتشقق الجذع، ولم يهدأ، حتى نزل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن المنبر وأتى الجذع، فوضع يده الشريفة عليه، ومسحه، ثم ضمه بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ، ثم خيره بأن سارره بين أن يكون شجرة في الجنة، تشرب عروقه من أنهار الجنة، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا، فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله» فسكن الجذع، ثم قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: « والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم » [57].
ومما سبق ذكره من أقوال الأئمة كابن حجر، وابن الجوزي، والسيوطي، وغيرهم، وتبين أن هذا حال الأمة من القرن الخامس الهجري، نرى استحباب الاحتفال بالمولد الشريف موافقة للأمة والعلماء، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن والذكر وإطعام الطعام، ولا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وما إلى ذلك، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع العملي للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة؛ وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الرحمة المهداة حبيب رب العالمين، وفي الختام أذكر قول صاحب البردة:
ثم اصطفــــــــــاه حبيبًا بارئُ النَّســــــــمِ فهو الذي تم معنــــــــاه وصـــــــــورته فجـــــوهر الحسن فيـــــــــــه غيرُ منقسـمِ منزهٌ عن شـــــــــريـكٍ فـي محاسنـــــــه واحكم بما شئت مـدحًا فيه واحتكم دعْ ما ادعتْهُ النصارى في نبيـــــــــهم وانسب إلى قــــــــــدره ما شئت من عظمِ وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف حدٌّ فيعــــــــرب عنــــــــه ناطقٌ بفـــــــــمِ فإن فضـــــــل رســــــــول الله ليس له
والله تعالى أعلى وأعلم
مصير أبوي النبي وحكم أهل الفترة والرد على الإشكالات الحديثية
س43: ما هو مصير أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟
الجواب
سبق أن بينا أن محبة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أفضل القربات، وتكلمنا عن مكانة هذه المحبة، وكان ذلك في إجابة السؤال رقم 34، ويكفينا لمعرفة تلك المكانة حديث النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي يقول فيه:
«والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» [58].
ولا شك أن الحب يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شك كذلك أن الحديث بسوء عن أبويه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقد قال تعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [59] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [60]،
ولقد نهانا الله صراحة عن أذية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومشابهة اليهود - لعنهم الله- في ذلك، فقال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ [61]،
قال القاضي: فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ويرضي رسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولا نتجرأ على مقامه الشريف ونؤذيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالكلام بما لا يرضيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
واعلم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأجداده إن ثبت وقوع بعضهم فيما يظهر أنه شرك فإنهم غير مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسل إليهم رسول، فأهل السنة والجماعة قاطبة يعتقدون أن من وقع في شرك وبدل شرائع التوحيد في الفترة ما بين النبي والنبي لا يعذب، والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [62]،
وقوله سبحانه:
﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ﴾ [63]،
وقوله تعالى:
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [64]،
وقوله عز وجل:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [65]،
فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غير محجوجين برحمة الله وفضله.
هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهل الحق أهل السنة والجماعة، أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا، وقد يقول قائل لعل أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أرسل إليهم نذير، وهم أشركوا بعد بلوغ الحجة، فهذا لا يسعفه نقل، بل جاءت النصوص تنفيه، وتؤكد عكس ذلك قال تعالى:
﴿وَمَآ ءَاتَيْنَٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ﴾ [66]،
وقال سبحانه:
﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [67]،
وقال عز وجل:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىٓ أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَٰلِمُونَ﴾ [68].
فدلت النصوص السابقة على أن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم غير معذبين، لا لأنهما أبويه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين، قال الشاطبي: جرت سنته سبحانه في خلقه: أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله [69]، وقال القاسمي في تفسيره لقوله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [70] ما نصه: « وما صحَّ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهم رسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر » [71].
قال ابن تيمية:
« إن الكتاب والسنة قد دلت على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذِّبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل، لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية» [72].
أما ما يدل على نجاة أبويه بخصوصهما دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة فهو قول الله تعالى:
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [73]
فعن ابن عباس رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ - قال: أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبياً [74].
وعن هذا فعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
« إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [75].
وعن عمه العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
« إن الله خلق الخـلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعـلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً » [76].
فوصف رسـول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك، قال تعالى يصف المشركين:
﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [77].
أما ما يثيره المخالفون بسبب ورود حديثى آحاد يعارضان ما ذكر من الآيات القاطعة، وهما حديثا مسلم؛ الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» [78].
والثاني:
«أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي ؟ قال: في النار. فلما قضى دعاه. فقال: إن أبي وأباك في النار» [79].
فالرد عليهم أولا: أن الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أمه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النار، وإنما عدم الإذن في الاستغفار لا يدل على أنها مشركة، وإلا ما جاز أن يأذن له ربه عز وجل أن يزور قبرها، فلا يجوز زيارة قبور المشركين وبرهم.
الحديث الثاني: يمكن حمله على أنه كان يقصد عمه؛ فإن أبا طالب مات بعد بعثته، ولم يُعلن إسلامه، والعرب يطلقون الأب على العم، كما في قوله تعالى عن إبراهيم:
﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ﴾ [80]،
وأبو إبراهيم هو تارح، أو تارخ كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين.
أما إذا رفض المخالف ذلك التأويل وأراد الاستمساك بظاهر النص في الحديث الثاني، حيث لم يسعفه ظاهر النص في الحديث الأول، فنقول: نزولا على كلامكم وإذا اعتبرنا أن الحديثين دلا على أن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم غير ناجيين، فإن ذلك يجعلنا أن نرد الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عكس ذلك مما مر، وهذا هو مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون، وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي حيث قال:
« وإذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الإسناد رد بأمور: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ» [81].
ورد المحدثون كالبخاري والمديني حديث:
« خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» [82]،
وقد ردوه لأنه يعارض القرآن كما ذكر ذلك ابن كثير [83] في تفسيره لقوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِۦٓ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [84].
وكذلك فعل الإمام النووي رضي الله عنه عندما رد ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت:
« فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» [85]،
ورغم أنه متفق عليه لم يتهاون الإمام النووي في رد ظاهره؛ حيث ذكر:
«أن ظاهره أن الركعتين في السفر أصل لا مقصورة, وإنما صلاة الحضر زائدة, وهذا مخالف لنص القرآن وإجماع المسلمين في تسميتها مقصورة, ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعًا وجب ترك ظاهره» [86].
فليختر المخالف أيًا من المسلكين إما التأويل وهو الأولى لعدم رد النصوص، وإما رد هذه الأخبار الآحاد لمعارضتها للقطعي الصريح من القرآن الكريم، وهو مسلك الأئمة الأعلام، وعلى أية حال فلعله قد ثبت أن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ناجيان، بل جميع آبائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، رزقنا الله حبه، ومعرفة قدره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.
حكم التوسل بالنبي بعد وفاته ومعنى الوسيلة في القرآن والسنة
س44: حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟
الجواب
من المعاني التي أُسيء فهمها في الإسلام في عصرنا الحديث معنى «التوسل» مما يوجب علينا أن نعود للأصل اللغوي والمعنى الشرعي للتوسل قبل الحديث عن حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
معنى الوسيلة في اللغة والشرع:
الوَسِيلةُ في اللغة: الـمَنْزِلة عند الـمَلِك. و الوَسِيلة: الدَّرَجة. و الوَسِيلة: القُرْبة. و وَسَّل فلانٌ إِلـى الله وسِيلةً إِذا عَمِل عملاً تقرَّب به إِلـيه. و الواسِل: الراغِبُ إِلـى الله؛ قال لبـيد:
أَرى النـــــاسَ لا يَدْرونَ مـــــــــا قَدْرُ أَمرِهم بَلـى كـــــــــــلُّ ذي رَأْيٍ إِلـى الله واسِلُ
وتوَسَّل إِلـيه بوَسِيلةٍ إِذا تقرَّب إِلـيه بعَمَل. وتوَسَّل إِلـيه بكذا: تقرَّب إِلـيه بحُرْمَةِ آصِرةٍ تُعْطفه علـيه. و الوَسِيلةُ: الوُصْلة والقُرْبى، وجمعها الوسائل [87].
ولا يخرج معنى الوسيلة الشرعي عن ذلك المعنى اللغوي، فإن قضية حياة المسلم هي أن يتقرب إلى الله ويحصل رضاه وثوابه، ومن رحمة الله بنا أن شرع لنا كل العبادات وفتح باب القرب إليه، فالمسلم يتقرب إلى الله بشتى أنواع القربات التي شرعها الله عز وجل، وذلك عندما يصلي المسلم فإنه يتقرب إلى الله بالصلاة، أي أنه يتوسل إلى الله بهذه الصلاة، وعليه فإن القرآن كله يأمرنا بالوسيلة (بالقرب) إلى الله.
وقد ذكر الوسيلة في كتابه العزيز في موضعين؛ الموضع الأول: يأمر بها قال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ [88]،
والثاني: يثني الله على الذين يتوسلون إليه في دعائهم قال تعالى
﴿أُولَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [89].
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بل استحباب ذلك، وعدم التفريق بين حياته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وانتقـاله الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولم يشذ إلا ابن تيمية حيث فرق بين التوسـل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى حياته وبعد انتقاله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا عبرة لشذوذه، فندعو الأمة إلى التمسك بما اتفق عليه أئمتها الأعلام، وحتى لا نكرر الكلام ففي إجابة السؤال رقم 39 والذي كان يسأل عن قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [90].
هل تلك الآية باقية أم انتهت بانتقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، نقلنا ما يثبت استحباب المذاهب الأربعة للتوسل بالنبي وطلب الاستغفار منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلتراجع، وفيما يلي نسرد الأدلة من الكتاب والسنة التي كانت سندًا لإجماع المذاهب الأربعة وهي:
أولا: أدلة القرآن الكريم
-
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ [91].
-
﴿أُولَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [92].
-
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [93].
فالآية الأولى تأمر المؤمنين أن يتقربوا إلى الله بشتى أنواع القربات، والتوسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الدعاء من القربات، التي ستثبت تفصيلا في استعراض أدلة السنة، وليس هناك ما يخصص وسيلة عن وسيلة، فالأمر عام بكل أنواع الوسائل التي يرضى الله بها، والدعاء عبادة ويقبل طالما أنه لم يكن بقطيعة رحم، أو إثم، أو احتوى على ألفاظ تتعارض مع أصول العقيدة ومبادئ الإسلام.
والآية الثانية: يثني الله عز وجل على هؤلاء المؤمنين الذين استجابوا لله، وتقربوا إليه بالوسيلة في الدعاء، كما سنبين كيف يتوسل المسلم إلى الله في دعائه من السنة.
والآية الثالثة: صريحة في طلب الله من المؤمنين الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، واستغفار الله عند ذاته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الشريفة، وأن ذلك أرجى في قبول استغفارهم، وهذه الآية باقية كما بينا في إجابة السؤال رقم 39.
ثانيا: أدلة السنة:
- عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. قال:
«إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك ». قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: « اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربى في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في » [94]،
وقد صحح الحديث الحاكم، والترمذي، ولا نعلم أحدًا ضعفه حتى في ذلك العصر الحديث، وممن اشتهروا بالمنهج التشددي، فقد صححه الشيخ الألباني [95]، فليس هناك من يعترض على سند الحديث ولا متنه، وهذا الحديث دليل على استحباب هذه الصيغة من الأدعية حيث علمها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأحد أصحابه، وأظهر الله معجزة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، حيث استجاب لدعاء الضرير في نفس المجلس، وفي الحقيقة فنحن لا نحتاج إلى ذكر قصة الحديث، التي حدثت في زمن معاوية بن أبي سفيان، حتى نستدل على جواز الدعاء بهذه الصيغة بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا عَلَّم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أحدًا من أصحابه صيغة للدعاء، ونقلت إلينا بالسند الصحيح، فدل ذلك على استحباب الدعاء بها في كل الأوقات حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وليست هناك مخصص لهذا الدعاء لذلك الصحابي وحده، ولا مقيد لذلك بحياته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فالأصل في الأحكام والتشريعات أنها مطلقة وعامة، إلا أن يثبت المخصص أو المقيد لها، ورغم ذلك كله، قال الشوكاني [96]:
وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن
ولغياب تلك المعاني الأصولية عن أذهان الكثير في ذلك العصر سنضطر أن نذكر قصة هذا الحديث، والتي تبين أن ذلك الصحابي الجليل أرشد من له حاجة إلى هذا الدعاء بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وذلك فيما يلي.
- قصة الحديث: أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إلى حتى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قاله له، ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب، حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان وأجلسه معه على الطنفسة وقال له: ما حاجتك ؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأتاه رجل ضرير [97]...
ثم ذكر الحديث.
قال العلامة الحافظ السيد عبد الله بن الصديق الغماري:
«هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه... فذكر القصة بتمامها، ثم قال: ويعقوب بن سفيان هو النسوي الحافظ الإمام الثقة، بل هو فوق الثقة وهذا إسناد صحيح، فالقصة صحيحة جدًا، وقد وافق على تصحيحها أيضا الحافظ المنذري في الترغيب ج3 ص:606، والحافظ الهيثمي مجمع الزوائد: ج3 ص: 379» [98]،
والقصة تدل على ما يدل عليه الحديث مع إغلاق الباب على من حاول أن يزعم أن الحديث خاص بحياة النبي ـ ولا مخصص كما ذكرنا ـ ولكن ذلك يشد العضد ويؤيد الصواب إن شاء الله تعالى.
- حديث الخروج إلى المسجد للصلاة، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«من قال حين يخرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى، فإنى لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته» [99].
وهذا حديث صحيح صححه كل من: الحافظ بن حجر العسقلاني [100]، والحافظ العراقي [101]، وأبو السن المقدسي شيخ المنذري [102]،و الحافظ الدمياطي [103]، والحافظ البغوي [104].
والحديث يدل على جواز التوسل إلى الله في الدعاء بالعمل الصالح وهو سير المتوضئ إلى الصلاة، وبحق السائلين لله.
- حديث أنس عند موت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنه، وهو حديث طويل، وفي آخره:
« وقال: الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين» [105].
والحديث في سنده مقال اختلف أهل الحديث في رجال؛ وذلك لأن سند الحديث فيه «روح بن صلاح» وقد وثقه ابن حبان، وعده ابن الجوزي من المجهـولين، وعلى هذا فقد اُختلف في صحـة هذا الحديث وضعفه، في رفع سنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إلا أن معناه صحيح مؤيد بما مر من أحاديث صحيحة.
- توسل آدم عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يغفر له في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد، لما غفرت لي. فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه ؟ قال: يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك » [106].
وقد صححه الحاكم حيث عقبه بقوله:
«هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب» [107]،
وقد قال عنه الحافظ ابن كثير بأنه منكر في كتابه قصص الأنبياء عند ذكر قصة آدم عليه السلام، كما بالغ الحافظ الذهبي عندما حكم بوضعه؛ لأن في سنده عبد الرحمن، وعبد الرحمن ليس بكذاب، ولا متهم، بل هو ضعيف فقط، ومثله لا يجعل الحديث موضوعًا وأقصى ما يحدث أن يكون ضعيفًا، وعلى أية حال فنذكر خلاف المحدثين بشأنه للأمانة العلمية، وفي الحديث - إن صح - دلالة واضحة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الدعاء، وأما ما قد يشكل من خاتمة الحديث وهو قول المولى: «ولولا محمد ما خلقتك» فقد بينت ذلك في إجابة السؤال رقم 36 فليراجع.
- حديث «أعينوا عباد الله»؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«قال إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من نوى الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله » [108]
قال عن سنده الحافظ الهيثمي:
«رواه الطبراني ورجاله ثقات» [109]،
وفي الحديث دليل على الاستعانة بمخلوقات لا نراها، قد يسببها الله عز وجل في عوننا ونتوسل بها إلى ربنا في تحقيق المراد كالملائكة، ولا يبعد أن يقاس على الملائكة أرواح الصالحين فهي أجسام نورانية باقية في عالمها.
- قصة الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عند قبره في زمن عمر، فعن مالك الدار ـ وكان خازن عمر ـ قال:
«أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام فقال: إيت عمر، فأقرئه مني السلام، وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك بالكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبر عمر فقال: « يا رب ما ءالو إلا ما عجزت» [110].
وهو حديث صحيح صححه الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث قال ما نصه:
«وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر... الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة [111]،
وقد ذكر الرواية كذلك الحافظ ابن كثير وقال: هذا إسناد صحيح [112].
والحديث قد صححه كبار الحفاظ، فيصلح أن يكون دليلًا على جواز الطلب من النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالاستسقاء والدعاء بعد انتقاله الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
- قصة الخليفة المنصور مع الإمام مالك صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهي:
«أن مالكًا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي - ثاني خلفاء بني العباس - يا أبا عبد الله: أأستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو ؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله » [113]،
وفيه إشارة إلى اعتبار حديث توسل آدم عليه السلام عند الإمام مالك، وأنه يرى أن من الخير استقبال قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والاستشفاع به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ولكل هذه الأدلة الصريحة الصحيحة من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أجمع علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها على جواز واستحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في حياته وبعد انتقاله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، واتفقوا على أن ذلك لا يحرم قطعًا، وهو ما نراه أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مستحب وأحد صيغ الدعاء إلى الله عز وجل المندوب إليها، ولا عبرة لمن شذ عن إجماع العلماء كابن تيمية ومن ردد كلامه من بعده، والله تعالى أعلى وأعلم.
حياة النبي في قبره وخصوصية حياة الأنبياء بعد الموت
س45: هل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حي في قبره ؟
الجواب
لابد من تحرير المصطلحات أولًا في تلك القضية، فإن أكثر المشكلات تزول بمجرد تحرير المصطلحات، فإذا كان المقصود من حياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قبره بأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم ينتقل من حياتنا الدنيا، ولم يقبضه الله إليه فذلك باطل بنص القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِين مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَٰلِدُونَ﴾ [114] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [115].
فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم انتقل من هذه الحياة الدنيا، ولكن بانتقاله هذا لم ينقطع عنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وله حياة أخرى هي حياة الأنبياء، وهي التي تسمى الحياة بعد الموت، أو الممات كما سماها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حيث قال:
«حياتي خير لكم تُحدثون ويَحْدُث لكم. ومماتي خير لكم، تُعرض علي أعمالكم فما رأيتُ من خير حمدت الله، وما رأيتُ من شر استغفرت الله لكم» [116].
وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي؛ حتى أرد عليه السلام» [117]،
وهذا الحديث يدل على اتصال روحه ببدنه الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أبدًا؛ لأنه لا يوجد زمان إلا وهناك من يسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وحياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد انتقاله ليست كحياة باقي الناس بعد الانتقال؛ وذلك لأن غير الأنبياء لا ترجع أرواحهم إلى أجسادهم مرة أخرى، فهي حياة ناقصة بالروح دون الجسد، وإن كان له اتصال بالحياة الدنيا كرد السلام وغير ذلك مما ثبت في الآثار، ولكن الأنبياء في حياة هي أكمل من حياتهم قبل الانتقال وأكمل من حياة باقي الخلق بعد الانتقال.
وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام يعبدون ربهم في قبورهم، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
«مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره» [118]،
وعنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» [119]،
ويدل هذا الحديث على أنهم أحياء بأجسادهم وأرواحهم لذكر المكان حيث قال «في قبورهم»، ولو كانت الحياة للأرواح فقط لما ذكر مكان حياتهم، فهم أحياء في قبورهم حياة حقيقية كحياتهم قبل انتقالهم منها، وليست حياة أرواح فحسب؛ كما أن أجسادهم الشريفة محفوظة يحرم على الأرض أكلها، فقد صح عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال:
«إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» [120]
فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حي في قبره بروحه وجسده، وجسده الشريف محفوظ كباقي أخوته من الأنبياء، وهو يأنس بربه متعبدًا في قبره، متصلاً بأمته، يستغفر لهم، ويشفع لهم عند الله، ويرد عليهم السلام، وغير ذلك الكثير.
فمن كذب بحياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قبره بعد انتقاله، فقد كذبه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيما ذكرنا من الأحاديث، ومن كذب أنه انتقل من حياتنا الدنيا، فقد كذب ما ذكرنا من القرآن، والصواب هو أن تثبت انتقاله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الحياة الدنيا، وتثبت حياته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قبره، وأنه يعبد ربه، ويرد السلام على من سلم عليه، ويشفع لأمته، ويستغفر لهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، والله تعالى أعلى وأعلم.
زيارة قبر النبي وقبور الصالحين وحكم شد الرحال إليها
س46: ما حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقبور الصالحين ؟
الجواب
تنقسم الإجابة على هذا السؤال إلى قسمين؛ القسم الأول: حكم زيارة قبور الصالحين وعموم المسلمين، وقبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. والقسم الثاني: حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقبور الصالحين.
أولا: حكم زيارة قبور المسلمين وقبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
زيارة القبور مشروعة باتفاق الأمة؛ فهي مستحبة للرجال باتفاق كافة العلماء، وكذلك مستحبة للنساء عند الأحناف، وجائزة عند الجمهور ولكن مع الكراهة وذلك لرقة قلوبهن وعدم قدرتهن على الصبر, ودليل الاستحباب قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها, فإنها تذكر بالآخرة» [121],
ويستثنى من كراهة زيارة القبور للنساء عند الجمهور زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم, فإنه يندب لهن زيارته, وكذا قبور الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام؛ لعموم الأدلة في طلب زيارته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلا يخفى على عاقل من المسلمين قيمة زيارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكيف لو كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم ينتقل إلى ربه وكان بين أظهرنا الآن، فهل سوف ينتقل إليه ويزوره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟ فبالتأكد أنه لن يتردد في زيارته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد وفاته تتحقق بزيارة قبره الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وقد أجمعت الأمة الإسلامية سلفًا وخلفًا على مشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فذهب جمهور العلماء من أهل الفتوى في المذاهب إلى أنها سنة مستحبة, وقالت طائفة من المحققين: هي سنة مؤكدة, تقرب من درجة الواجبات, وهو المفتى به عند طائفة من الحنفية. وذهب الفقيه المالكي أبو عمران موسى بن عيسى الفاسي إلى أنها واجبة.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [122].
آية مطلقة ليس لها مقيد نصي ولا عقلي، فليس هناك ما يقيد معناها بحياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الدنيوية، فهي باقية إلى يوم القيامة، فالعبرة بالقرآن دائمًا بعموم اللفظ وليست بخصوص السبب، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» [123].
ومنها قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في الحديث:
«من زار قبري وجبت له شفاعتي» [124].
وهناك آداب عديدة يجب التحلي بها في حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عند زيارة قبره، منها: خفض الصوت، والوقوف بوقار وخشوع، واستحضار صورة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهيبته، وعدم الاجتراء على قبره الشريف بالتمسح والطواف ونحوه، ولا بأس بالتمسح بمنبره الشريف كما نقل عن أحمد رضي الله عنه حيث قال ابن قدامه المقدسي ما نصه:
«ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولا تقبيله, قال أحمد: ما أعرف هذا. قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقومون من ناحية فيسلمون. قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر يفعل. قال: أما المنبر فقد جاء فيه. يعني ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارئ, أنه نظر إلى ابن عمر, وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه» [125].
ثانيا: حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والقبور عموماً:
وشد الرحال كناية عن السفر والانتقال، والسفر في نفسه ليس عبادة ولا عملًا مقصودًا لذاته في أداء العبادات، ويلزم القائل بأن شد الرحال لزيارة القبور وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا يجوز أن يكون حكم استحباب زيارة القبور وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم خاصًا بأهل البلد الذي فيه القبر، فيكون أهل المدينة وحدهم هم الذين يجوز لهم الخروج من بيتهم يقصدون زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأن أي إنسان آخر يحتاج إلى السفر ليفعل نفس الفعل يكون آثمًا وهذا بعيد جدًا، بل هو غلط ووهم.
فإن علماء الأصول اتفقوا على أن الوسائل لها حكم المقاصد، فإذا كان الحج واجبًا، فشد الرحال للحج واجب، وإن كانت زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والصالحين، والأقارب وعموم المسلمين مستحبة، فيتعين أن يكون شد الرحال لزيارتهم مستحبة، وإلا فكيف يستحب الفعل وتحرم وسيلته ؟
وقد ذهب العلماء إلى أنه يجوز شد الرحال لزيارة القبور؛ لعموم الأدلة, وخصوصا قبور الأنبياء والصالحين. أما قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا, والمسجد الحرام, والمسجد الأقصى» [126],
خاص بالمساجد, فلا تشد الرحال إلا لثلاثة منها. بدليل جواز شد الرحال لطلب العلم وللتجارة.
وقد اتفق العلماء في هذا الفهم وننقل قول الشيخ سليمان بن منصور المشهور (بالجمل):
« (لا تشد الرحال( أي للصلاة فيها فلا ينافي شد الرحال لغيرها... إلى أن قال: قال النووي: ومعناه لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غير هذه الثلاثة، ونقله عن جمهور العلماء. وقال العراقي: من أحسن محامل الحديث أن المراد منه حكم المساجد فقط؛ فإنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد من الرحلة لطلب العلم وزيارة الصالحين, والإخوان, والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلًا فيه. وقد ورد ذلك مصرحا به في رواية الإمام أحمد، وابن أبي شيبة بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: «لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام, والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» وفي رواية: «لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها»... إلخ قال السبكي: وليس في الأرض بقعة فيها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة. قال: ومرادي بالفضل ما شهد الشرع باعتباره ورتب عليه حكمًا شرعيًا، وأما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها، بل لزيارة، أو علم، أو نحو ذلك من المندوبات، أو المباحات، وقد التبس ذلك على بعضهم، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة كسيدي أحمد البدوي ونحوه داخل في المنع وهو خطأ; لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، فمعنى الحديث لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد، أو إلى مكان من الأمكنة؛ لأجل ذلك المكان، إلا إلى الثلاثة المذكورة، وشد الرحال لزيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل لمن في المكان فليفهم ا هـ. برماوي» [127].
وعليه فإن شد الرحال لزيارة قبر النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مستحب؛ لأنه الوسيلة الوحيدة لتحصيل المستحب وهو الزيارة، وكذلك شد الرحال لزيارة قبور الصالحين والأقارب مستحب؛ لأنه وسيلته، وشد الرحال للأمور المباحة مباح، والله تعالى أعلى وأعلم.
الترجي بقول والنبي والفرق بينه وبين الحلف المحرم بغير الله
س47: هل الترجي بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حلف به كأن يقول الإنسان والنبي تفعل هذا؟ وهل هو محرم ؟
الجواب
جاء الإسلام وأهل الجاهلية يحلفون بآلهتهم على جهة العبادة والتعظيم لها مضاهاة لله سبحانه وتعالى عما يشركون، كما قال عز وجل واصفًا لحالهم:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ [128]،
فنهى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن ذلك حماية لجناب التوحيد فقال:
« مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ [وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى] فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» [129]،
وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ » [130]
أي: قال قولاً شابه به المشركين لا أنه خرج بذلك من الملة – والعياذ بالله – فإن العلماء متفقون على أن الحالف بغير الله لا يكون كافرًا حتى يُعَظِّم ما يحلف به كتعظيم الله تعالى، وكُفْرُه حينئذٍ من جهة هذا التعظيم لا من جهة الحلف نفسه.
وكذلك نهى النبيصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن التشبه بأهل الجاهلية في حلفهم بآبائهم؛ افتخارًا بهم، وتقديسًا لهم، وتقديمًا لأنسابهم على أخوة الإسلام جاعلين ولاءهم وعداءهم على ذلك – فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«أَلاَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وَإِلاَّ فَلْيَصْمُتْ» [131]
وعلة هذا النهي قد بَيِّنها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بقوله في الحديث الآخر:
« لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ » [132]
وكما قال تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ [133]
قال المفسرون: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يُطْعِم ويحمل الحَمَالات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم.
أما الحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع كالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، والإسلام، والكعبة فلا مشابهة فيه لحلف المشركين بوجه من الوجوه، وإنما مَنَعَه مَنْ مَنَعَه مِنَ العلماء أخذًا بظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله، وأجازه من أجازه – كالإمام أحمد في أحد قوليه رضي الله عنه وتعليله ذلك بأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به –؛ لأنه لا وجه فيه للمضاهاة بالله تعالى بل تعظيمه بتعظيم الله له، وظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله تعالى غير مراد قطعًا لإجماعهم على جواز الحلف بصفات الله تعالى، فهو عموم أريد به الخصوص.
قال ابن المنذر:
«اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفارة فيها، وأمّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله كقوله: وحق النبي، والإسلام، والحج، والعمرة، والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلاً في النهي، وممن قال بذلك أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامًّا لنَهَوْا عن ذلك ولم يوجبوا فيه شيئًا » [134] ا هـ.
أما عن الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقةُ الحلف فغير داخل في النهي أصلًا، بل هو أمر جائز لا حرج فيه حيث ورد في كلام النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكلام الصحابة الكرام، فمن ذلك: - ما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم:
« أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهْ؛ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ» [135]،
وحديث الرجل النجدي الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن الإسلام. وفي آخره: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
«أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ » أَوْ « دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» [136].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَبِّئْنِى بِأَحَقِّ النَّاسِ مِنِّى بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، فَقَالَ:
« نَعَمْ وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ؛ أُمُّكَ » [137]
وعَنْ أَبِى الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلاَّ فِي الْحَلْقِ أَوِ اللَّبَّةِ ؟ قَالَ:
« وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ» [138]
وروي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أُتِيَ بِطَعَامٍ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ فَقَالَ:
« نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ » فَنُووِلَ ذِرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: « نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ »، فَنُووِلَ ذِرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: « نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ »، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ذِرَاعَانِ ! فَقَالَ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «وَأَبِيكَ لَوْ سَكَتَّ مَا زِلْتُ أُنَاوَلُ مِنْهَا ذِرَاعًا مَا دَعَوْتُ بِهِ» [139].
وجاء في قصة الأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عِقْدًا لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال له:
« وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ » [140]
وثبت في الصحاح أن امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت له:
« لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ » [141]
تعني طعام أضيافه.
قال الإمـام النووي:
«ليس هذا حلفًا، وإنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقـة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقـة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله سبحانه وتعالى، فهذا هو الجواب المرضي» [142].
ونقل الحافظ ابن حجر قول الإمام البيضاوي في هذا الشأن حيث قال:
وقال الإمام البيضاوي: «هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء» [143].
وبناءً على ذلك فإن الترجي أو تأكيد الكلام بسيدنا النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو آل البيت أو غير ذلك كما جاء بالسؤال مما لا يُقصد به حقيقة الحلف هو أمر مشروع لا حرج على فاعله لوروده في كلام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكلام الصحابة، وجريان عادة الناس عليه بما لا يخالف الشرع الشريف، وليس هو حرامًا ولا شركًا، ولا ينبغي للمسلم أن يتقول على الله بغير علم حيث يقول تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [144]،
ولا يجوز للعاقل أن يتهم إخوانه بالكفر والشرك فيدخل بذلك في وعيد قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
« إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» [145].
والله تعالى أعلى وأعلم.
زيارة أضرحة آل البيت وفضلها في بر النبي وقرابته
س48: حكم زيارة أضرحة آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟
الجواب
زيارة آل بيت النبوة من أقرب القربات وأرجى الطاعات قبولاً عند رب البريات؛ وقد وصَّى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أمته بآل بيته، فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال:
قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى " خُمًّا " بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ! أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَوَّلُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ». فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » [146]،
وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على زيارة القبور كذلك فقال:
« زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ » [147].
وقد بينت حكم زيارة القبور عموماً في إجابة السؤال رقم 46 فليراجع.
وأَوْلى القبور بالزيارة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قبور آل البيت النبوي الكريم؛ لأن في زيارتهم ومودتهم برًّا وصلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كما قال تعالى:
﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ [148]،
بل إن زيارة الإنسان لقبورهم آكد من زيارته لقبور أقربائه من الموتى، كما قال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي » [149]،
وقال رضي الله عنه أيضًا:
« ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فِي أَهْلِ بَيْتِهِ » [150].
وعليه فإن زيارة قبور آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الكرام مستحبة، وأولى من زيارة قبور أقاربنا، فقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أحب إلينا من قرابتنا، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عند جمهور العلماء؟
بدعة حسنة يثاب عليها صاحبها
ما الأصل الذي استخرجه الحافظ ابن حجر لمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي؟
حديث صيام يوم عاشوراء شكراً لله
ما موقف المذاهب الأربعة من حكم التوسل بالنبي بعد وفاته؟
جميعها تجيزه وتستحبه
من العالم الذي شذ عن إجماع المذاهب الأربعة في مسألة التوسل بالنبي بعد وفاته؟
ابن تيمية
ما حكم حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر عند المحدثين؟
موضوع منكر لا أصل له
ما الدليل القرآني الذي استدل به العلماء على أن الاحتفال بالمولد النبوي تطبيق لأمر الله؟
وذكرهم بأيام الله
ما الذي يدل عليه حديث من رآني في المنام فسيراني في اليقظة؟
أن رؤية النبي يقظة ممكنة
ما حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي وقبور الصالحين؟
مستحب لأن الوسائل لها حكم المقاصد
بماذا يُفسر ابن عباس قوله تعالى: وتقلبك في الساجدين؟
تقلبه في أصلاب الآباء من آدم حتى أخرجه نبياً
ما حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة عند أهل السنة والجماعة؟
لا يعذبون لعدم قيام الحجة عليهم
ما الذي يدل عليه حديث ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام؟
اتصال روحه ببدنه الشريف أبداً
ما الفرق بين الحلف المحرم بغير الله والترجي بالنبي؟
الترجي لا يقصد به حقيقة الحلف فهو جائز
ما الذي يميز حياة الأنبياء في قبورهم عن حياة غيرهم بعد الموت؟
الأنبياء أحياء بأرواحهم وأجسادهم ويصلون في قبورهم
لماذا تُستثنى زيارة قبر النبي من كراهة زيارة القبور للنساء عند الجمهور؟
لعموم الأدلة في طلب زيارته وخصوصية مكانته
ما الدليل الذي ساقه الحافظ ابن الجزري على فضل الفرح بمولد النبي؟
أن أبا لهب يُخفف عنه العذاب كل ليلة اثنين لفرحه بمولد النبي
ما الشرط الذي وضعه العلماء لكي لا يكون الاحتفال بالمولد النبوي مذموماً؟
أن يخلو من المظاهر المذمومة كالرقص والطبل، وأن يكون بالتلاوة والذكر وإطعام الطعام وإنشاد المدائح النبوية.
ما تعريف الوسيلة في اللغة العربية؟
الوسيلة في اللغة هي المنزلة عند الملك، والدرجة، والقربة، وتوسل إلى الله أي تقرب إليه بعمل.
ما الحديث الصحيح الذي استدل به العلماء على جواز التوسل بالنبي؟
حديث الضرير الذي علمه النبي دعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، وقد صححه الترمذي والحاكم والألباني.
ما الدليل على أن حديث لا تشد الرحال خاص بالمساجد لا بالزيارات؟
جواز شد الرحال لطلب العلم والتجارة وزيارة الصالحين باتفاق العلماء، وقد نص على ذلك النووي والعراقي والسبكي، وورد في رواية أحمد وابن أبي شيبة التصريح بالمساجد.
ما القاعدة الأصولية التي تجعل شد الرحال لزيارة قبر النبي مستحباً؟
قاعدة الوسائل لها حكم المقاصد، فإذا كانت الزيارة مستحبة فشد الرحال إليها مستحب.
ما الفرق بين البدعة الحسنة والبدعة الضلالة عند الإمام الشافعي؟
البدعة الضلالة ما خالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، والبدعة الحسنة ما أُحدث من الخير ولا خلاف فيه لواحد من هذه الأصول.
ما الدليل على أن محبة النبي لا تتعارض مع محبة الله؟
محبة النبي مظهر محبة الله؛ فمن أحب الله أحب رسوله، وأساس حب النبي هو حب الله، وليس هناك مخلوق تجلى الله بصفات جماله وكماله عليه كالنبي.
ما الدليل القرآني على نورانية النبي؟
قوله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، وقوله: وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
لماذا لا يُعذَّب أبوا النبي رغم وقوعهم فيما يظهر أنه شرك؟
لأنهم من أهل الفترة الذين لم يُرسل إليهم رسول، والله لا يعذب أحداً حتى يبعث رسولاً بنص قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً.
ما الدليل على أن الأنبياء أحياء في قبورهم بأجسادهم لا بأرواحهم فقط؟
ذكر المكان في الحديث: مررت على موسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره، ولو كانت الحياة للأرواح فقط لما ذكر مكان حياتهم.
ما الذي يميز رؤية النبي يقظة عن كونها مسألة تشريعية؟
رؤية النبي يقظة مسألة واقعية من قبيل المبشرات والكرامة، لا يترتب عليها زيادة في الدين ولا نقص، ولا تستلزم دعوى الصحبة.
ما الذي استدل به الإمام مالك على استحباب التوسل بالنبي عند قبره؟
قال للخليفة المنصور: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله.
ما معنى قول النبي: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم؟
في حياته يحدث لأمته ويحدث لهم، وبعد انتقاله تُعرض عليه أعمالهم فما رأى من خير حمد الله وما رأى من شر استغفر لهم.
ما الفرق بين الحلف بغير الله المحرم والحلف بما هو معظم في الشرع؟
الحلف المحرم هو ما كان تعظيماً لغير الله مضاهاةً له كحلف الجاهلية بآلهتهم، أما الحلف بما هو معظم في الشرع كالنبي فلا مشابهة فيه لحلف المشركين، وقد أجازه الإمام أحمد في أحد قوليه.
ما الدليل على أن زيارة أضرحة آل البيت أولى من زيارة قبور الأقارب؟
قول أبي بكر الصديق: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وقوله: ارقبوا محمداً في أهل بيته.