اكتمل ✓
الفصل 16

كيف يُرجَّح بين القياسين بموافقة الأصول في العلة والحكم وما ضابط العلة المطردة؟

يُرجَّح أحد القياسين على الآخر بموافقة علته أو حكمه للأصول الممهدة في الشريعة، إذ شهادة الأصول الكثيرة تغلب على الظن وتقوي اعتبار العلة. كما يُقدَّم القياس ذو العلة المطردة التي يثبت بها الحكم في جميع الفروع على القياس ذي العلة المنقوضة التي يثبت بها الحكم في بعض الصور دون بعض. وطرق الترجيح لا تنحصر، بل هي تلويحات تجول فيها الاجتهادات.

دقيقتان قراءة
  • هل يمكن الترجيح بين قياسين متعارضين بمجرد كثرة الأصول الموافقة لأحدهما؟

  • يُرجَّح القياس الذي تكون علة أصله موافقة للأصول الممهدة في الشريعة على القياس الذي لا تتوافق علته مع تلك الأصول.

  • مثال تثليث الرأس في الوضوء يوضح كيف يُقدَّم القياس الموافق لأصول متعددة كالتيمم والخف على القياس الموافق لأصل واحد.

  • يُرجَّح القياس الذي يوافق حكمه أدلة كثيرة أو أصولاً متعددة على القياس الذي لا يوجد في حكمه شيء من ذلك.

  • العلة المطردة التي يثبت بها الحكم في جميع الفروع مقدَّمة على العلة المنقوضة التي يثبت بها الحكم في بعض الصور دون بعض.

  • طرق الترجيح لا تنحصر، وهي تلويحات تجول فيها الاجتهادات ويتوسع فيها المتمكن من فن الفقه.

تعريف أول صور الترجيح بموافقة القياس للأصول في العلة

وهي تعود في مجملها إلى ما قدمنا، فنذكر منها ثلاثة على سبيل المثال: أولاها: أن يكون أحد القياسين موافقا للأصول في العلة، بأن يكون علة أصله على وفق الأصول الممهدة في الشريعة دون الآخر؛ فيرجح الأول لشهادة كل واحد من تلك الأصول باعتبار تلك العلة. قال إمام الحرمين رحمه الله:

"إذا تعارضت علتان واختصت إحداهما بالاستناد إلى أصول، ففي الترجيح بكثرة الأصول خلاف بين أهل الأصول. فذهب بعضهم إلى أن ذلك يقتضي ترجيحا من جهة أنها في محل الشواهد، وكثرة الشهادات تغلب على الظن، وهو المقصود بالترجيح، واستشهد هؤلاء بكثرة الرواة في تعارض الخبرين".

تقرير الشوكاني وتطبيق قاعدة موافقة الأصول مع مثال تثليث الرأس

وقال الشوكاني رحمه الله:

" … أن يقدم القياس الموافق للأصول بأن يكون علة أصله على وَفْق الأصول الممهدَة في الشرع على ما كان موافقا لأصل واحد؛ لأن وجود العلة في الأصول الكثيرة دليل على قوة اعتبارها في نظر الشرع، وقيل: هما سواء".

ومن أمثلة ذلك: تثليث الرأس في الوضوء، فإنه إن قيس بالتيمم والخف فلا تثليث، وإن قيس على أصل واحد وهو بقية أفعال الوضوء ثلث، فيقدم الأول، لكن للقائس الثاني أن يفرق بأن التثليث في الخف يعيبه، وفي التيمم يشوه الوجه، ولا كذلك مسح الرأس . وجدير بالذكر التنبيه على أن مثل هذا الضرب من الترجيح يقدم القياس الذي توافق فيه علته علة أخري إذا جوزّنا التعليل بعلتين لشىء واحد، وقيل: لا كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة .

ترجيح القياس الموافق للأصول في الحكم وبيان شهادة الأصول

ثانيها: يرجح القياس الموافق للأصول في الحكم على غيره: فلو تعارض قياسان وكان حكم أحدهما دلت عليه أدلة كثيرة، أو كان جنسه موجودا في أصول متعددة، والحكم في القياس الآخر لم يوجد فيه شىء من ذلك ترجح القياس الذي وافقت الأصول فيه حكمه على القياس الآخر؛ لأن شهادة كل أصل دليل اعتبار الحكم، والترجيح بكثرة الأدلة معتبر. قال أبو الحسن البصرى رحمه الله:

"قد يراد بشهادة الأصول أن يكون جنس ذلك الحكم ثابتا في الأصول مثل تحريم المثلة في الجملة، فالعلة المحرمة لمثلة مخصوصة أولى؛ لأن الشريعة في الجملة تشهد بها، وقد يراد بشهادة الأصول الكتاب والسنة والإجماع".

ترجيح القياس ذي العلة المطردة على القياس ذي العلة المنقوضة

ثالثها: يرجح القياس الذي يكون مطرد الفروع بأن يلزم الحكم عليته في جميع الصور، على معنى أن العلة في القياس يثبت بها الحكم في جميع الفروع، وعلة القياس الآخر يثبت الحكم بها في البعض دون البعض، فلا شك أن الأول مقدَّم؛ لأن العلة المطردة متفق على صحة التعليل بها. أما العلة المنقوضة ففي جواز التعليل بها خلاف. والله تعالى أعلم.

كلام تاج الدين السبكي في عدم انحصار طرق الترجيح وتوسع الاجتهاد

ويرحم الله تاج الدين السبكي حين قال:

"واعلم أن طرق الترجيح لا تنحصر، فإنها تلويحات تجول فيها الاجتهادات، ويتوسع فيها من توسع في فن الفقه... وأما الأمثلة في بابي تراجيح الأخبار والأقيسة. فإذا ضرب الضارب بعضها في بعض وأراد الإتيان لكل قسم بمثال كان طالبا لتطويل عظيم... ".

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الوجه الأول من أوجه الترجيح بين القياسين المتعارضين بحسب الأمور الخارجية؟

أن يكون أحد القياسين موافقاً للأصول في العلة

ما الدليل الذي استشهد به إمام الحرمين على الترجيح بكثرة الأصول الشاهدة للعلة؟

كثرة الرواة في تعارض الخبرين

ما موقف الشوكاني من تقديم القياس الموافق لأصول كثيرة على الموافق لأصل واحد؟

يُقدَّم الموافق لأصول كثيرة لأن وجود العلة فيها دليل قوة اعتبارها

في مثال تثليث الرأس في الوضوء، ما القياس الذي يُقدَّم وفق قاعدة موافقة الأصول؟

القياس على التيمم والخف معاً لأنهما أصلان

ما المقصود بشهادة الأصول للحكم عند أبي الحسن البصري؟

ثبوت جنس الحكم في الأصول أو دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه

لماذا يُقدَّم القياس ذو العلة المطردة على القياس ذي العلة المنقوضة؟

لأن العلة المطردة متفق على صحة التعليل بها بخلاف المنقوضة

ما تعريف العلة المطردة في القياس الأصولي؟

العلة التي يثبت بها الحكم في جميع الفروع دون استثناء

ما موقف تاج الدين السبكي من انحصار طرق الترجيح؟

طرق الترجيح لا تنحصر وهي تلويحات تجول فيها الاجتهادات

ما الوجه الثاني من أوجه الترجيح بين القياسين المذكورة في هذا الباب؟

ترجيح القياس الموافق للأصول في الحكم

ما العلة المنقوضة في اصطلاح الأصوليين؟

العلة التي يثبت بها الحكم في بعض الصور دون بعض

ما المقصود بالترجيح بين القياسين بموافقة الأصول في العلة؟

أن تكون علة أصل أحد القياسين موافقة للأصول الممهدة في الشريعة دون الآخر، فيُرجَّح الأول لأن تلك الأصول تشهد باعتبار علته.

ما الخلاف الذي أشار إليه إمام الحرمين في الترجيح بكثرة الأصول؟

ذهب بعض أهل الأصول إلى أن كثرة الأصول الشاهدة للعلة تقتضي ترجيحها لأن كثرة الشهادات تغلب على الظن، وخالف آخرون في ذلك.

بم استشهد إمام الحرمين على الترجيح بكثرة الأصول؟

استشهد بكثرة الرواة في تعارض الخبرين، إذ كثرة الرواة تُرجِّح الرواية كما أن كثرة الأصول تُرجِّح العلة.

ما قول الشوكاني في تقديم القياس الموافق لأصول كثيرة؟

قال إن وجود العلة في الأصول الكثيرة دليل على قوة اعتبارها في نظر الشرع، وقيل هما سواء.

ما مثال تثليث الرأس في الوضوء على قاعدة موافقة الأصول؟

إن قيس تثليث الرأس بالتيمم والخف فلا تثليث، وإن قيس على بقية أفعال الوضوء ثلَّث، فيُقدَّم القياس الموافق لأصلين على الموافق لأصل واحد.

ما الفرق الذي ذكره القائل الثاني في مثال تثليث الرأس؟

قال إن التثليث في الخف يعيبه وفي التيمم يشوه الوجه، ولا كذلك مسح الرأس، فيمكن التفريق بينهما.

ما شرط الترجيح بموافقة الأصول عند التعليل بعلتين؟

يُقدَّم القياس الذي توافقت علته مع علة أخرى إذا جوّزنا التعليل بعلتين لشيء واحد، وقيل لا ترجيح كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة.

ما الوجه الثاني للترجيح بين القياسين بحسب الأمور الخارجية؟

ترجيح القياس الموافق للأصول في الحكم، بأن يكون حكم أحد القياسين دلت عليه أدلة كثيرة أو كان جنسه موجوداً في أصول متعددة.

ما المعنيان اللذان ذكرهما أبو الحسن البصري لشهادة الأصول؟

الأول: أن يكون جنس الحكم ثابتاً في الأصول كتحريم المثلة في الجملة. الثاني: أن يُراد بشهادة الأصول الكتاب والسنة والإجماع.

ما معنى المثلة في اصطلاح الفقهاء؟

المثلة بفتح الميم وضم الثاء هي العقوبة، وجمعها المثلات.

ما الوجه الثالث للترجيح بين القياسين المذكور في هذا الباب؟

ترجيح القياس ذي العلة المطردة على القياس ذي العلة المنقوضة، لأن العلة المطردة يثبت بها الحكم في جميع الفروع بخلاف المنقوضة.

لماذا يُختلف في جواز التعليل بالعلة المنقوضة؟

لأن العلة المنقوضة لا يثبت بها الحكم في جميع الصور بل في بعضها دون بعض، مما أثار خلافاً بين الأصوليين في صحة التعليل بها.

ما دلالة قول تاج الدين السبكي إن طرق الترجيح لا تنحصر؟

يدل على أن باب الترجيح مجال واسع للاجتهاد الفقهي، ولا يمكن حصر أوجهه في عدد محدد، ويتوسع فيه المتمكن من فن الفقه.

ما الذي يستلزمه استيعاب أمثلة تراجيح الأقيسة والأخبار وفق كلام السبكي؟

يستلزم تطويلاً عظيماً، لأن ضرب بعض الأمثلة في بعض وإيراد مثال لكل قسم يستغرق مساحة كبيرة.

ما الفرق بين الترجيح بموافقة الأصول في العلة والترجيح بموافقة الأصول في الحكم؟

الأول يتعلق بعلة القياس وكونها موافقة للأصول الممهدة، والثاني يتعلق بحكم القياس وكون جنسه موجوداً في أصول متعددة أو دلت عليه أدلة كثيرة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!