ما معنى الزهد في الدنيا وكيف تجلى في قصص الصحابة وما أثر ترك الوحي والآخرة على الأمة؟
الزهد في الدنيا هو إخراج الدنيا من القلب مع العمل فيها، وقد تجلى ذلك في قصة صاحب الحُق الذي سلّم جوهرة تاج كسرى إلى القائد رغم فقره الشديد لأنه كان يجاهد في سبيل الله لا طلبًا للدنيا. والرغبة في الآخرة هي الأساس الذي يجعل المسلم متمسكًا بالوحي، فإذا نُسيت الآخرة هان على الناس ترك الوحي وضاعت الدنيا والآخرة معًا. والعودة إلى الوحي واستحضار الآخرة هما طريق الحياة الطيبة والعزة.
- •
كيف يمكن لأمة تملك كنز القرآن أن تتيه وتضيع في الدنيا والآخرة معًا؟
- •
الفاصل بين المسلمين وغيرهم هو الوحي الذي أنزله الله هدىً ودين حق للعالمين.
- •
قصة صاحب الحُق تجسّد معنى الزهد في الدنيا؛ رجل فقير سلّم جوهرة تاج كسرى لأن الجهاد عنده لله لا للدنيا.
- •
ترك الوحي وترك الآخرة أمران مترتبان أوقعا الأمة في متاهة شاملة في الفكر والتربية والسياسة.
- •
الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة هما اللذان صنعا الفاتحين الأوائل وفتحوا بهما شرق الأرض وغربها.
- •
الحياة الطيبة موعودة لمن آمن وعمل صالحًا وأطاب مطعمه وجعل قلبه فوق عقله وعقله فوق سلوكه.
- 1
الوحي هو الفاصل بين المسلمين وغيرهم، وقد جعل الله هذه الأمة خير أمة للناس بشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
- 2
قصة صاحب الحُق الذي سلّم جوهرة تاج كسرى رغم فقره الشديد تُجسّد معنى الزهد في الدنيا والأمانة في الجهاد لله.
- 3
الزهد في الدنيا يعني إخراجها من القلب والعمل لله خالصًا، وهو السر الذي جعل الصحابة يفتحون الأرض ويملكونها.
- 4
ترك الوحي وترك الآخرة هما سبب تيه الأمة، وقد حذّر النبي من التنافس على الدنيا وانشغالها عن الآخرة.
- 5
ترك الوحي وترك الآخرة يُفضيان إلى خسارة الدنيا والآخرة معًا، والقرآن يصف الحجاب الذي يحول بين المعرض وبين فهم الوحي.
- 6
العقلية الرافضة للوحي تتعامل مع القرآن تعاملًا جُمليًّا وتنكر البعث، والله يعلم ما يستمعون به من تحيزات تحجبهم عن الهداية.
- 7
نسيان الآخرة يُفضي إلى ترك الوحي، واستحضارها يصنع العبد الصالح، وهجر القرآن يُورث الندم الشديد يوم القيامة.
- 8
الحياة الطيبة تقوم على الإيمان والعمل الصالح وطيب المطعم وجعل القلب فوق العقل، وهي طريق العبد الرباني الذي تُقبل دعوته.
ما الذي يميز الأمة الإسلامية عن غيرها وما علاقة الوحي بسعادة الدارين؟
الفاصل بين المسلمين وغيرهم هو الوحي الذي أنزله الله هدىً ودين حق ليظهره على الدين كله. وقد منّ الله على هذه الأمة بأن جعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. والوحي يحمل من الأوامر والنواهي ما أراد الله به سعادة الدارين للبشر، فمن آمن به واتبعه نال تلك السعادة.
ما قصة صاحب الحُق وجوهرة تاج كسرى وما دلالتها على الزهد في الدنيا؟
صاحب الحُق رجل مجهول الاسم شارك في معارك الفتح مع الفرس، فوجد جوهرة تاج كسرى وهي أعلى جوهرة في الأرض، فسلّمها إلى القائد سعد بن أبي وقاص في علبة دون أن يخفيها. وحين أُحضر إلى سعد كان يمسك بثيابه البالية خشية أن تظهر عورته، فتعجب سعد ممن يرى هذا الثروة الهائلة ولا يخفيها. هذه القصة من أبلغ قصص الزهد في الدنيا وتجسيد الأمانة في سبيل الله.
ما معنى الزهد في الدنيا وكيف كان سببًا في فتح الأرض؟
معنى الزهد في الدنيا هو إخراج الدنيا من القلب والجهاد لله لا طلبًا لمال أو امرأة أو أرض أو سلطان. وقد جسّد صاحب الحُق هذا المعنى حين سلّم ملايين الجنيهات لأن المال الحرام لا يجوز له أخذه، وهو لا يجد ثيابًا تستر عورته. هؤلاء الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة هم الذين فتحوا الأرض وملكوها شرقًا وغربًا.
ما سبب تيه الأمة الإسلامية وضياعها وما علاقة ذلك بترك الوحي والآخرة؟
حدث أمران أوقعا الأمة في التيه: تركها للوحي وتركها للآخرة، فأصبحت لا تعرف كيف تقوّم الأفكار ولا تربي الأبناء ولا تتفاوض مع عدوها. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا حين قال إن الذي يخشاه على أمته ليس الفقر بل أن تُبسط عليهم الدنيا فيتنافسوا فيها كما تنافس من قبلهم فتلهيهم. والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة هما الحصن من هذا الخطر.
كيف يؤدي ترك الوحي وترك الآخرة إلى خسارة الدنيا والآخرة معًا؟
ترك الوحي وترك الآخرة أمران مترتبان أفضيا إلى أن تصبح الأمة صفر اليدين كفقراء اليهود في المثل، فقدت الدنيا وفقدت الآخرة. والقرآن الكريم يصف حال من لا يؤمن بالآخرة بأن الله يجعل بينه وبين القرآن حجابًا مستورًا وعلى قلبه أكنة، فيسمع التلاوة دون أن يجعلها هداية أو منهج حياة. وهذا هو حال من أعرض عن الوحي شهوةً للدنيا.
ما طبيعة العقلية التي تحجب صاحبها عن الانتفاع بالقرآن وما موقفها من الآخرة والبعث؟
العقلية التي تحجب صاحبها عن القرآن هي التي ترى أنه صناعة بشرية لا يجب الاستهداء به ولا جعله دستور حياة، وإن آمنت به فإيمانًا جُمليًّا لا يتحكم في مورد ولا مصدر. وهذه العقلية ذاتها تنكر البعث وتستبعد إعادة الخلق بعد الموت، وقد ردّ الله عليها بأن الذي فطرهم أول مرة قادر على إعادتهم. والله يعلم ما يستمعون به حين يسمعون القرآن من تحيزات وأحكام مسبقة.
ما العلاقة بين نسيان الآخرة وترك الوحي وما مصير من هجر القرآن؟
نسيان الآخرة هو الذي يهوّن على الناس نسيان الوحي، فبدأ الناس في التاريخ بتصديق الآخرة تصديقًا باهتًا ثم انحلوا من عقدة الوحي. ومن استحضر الآخرة حق استحضارها لا يمكن أن يتجرأ على معصية الله ولا يمكن إلا أن يكون عبدًا صالحًا في كل شيء. أما من هجر القرآن فسيعضّ الظالم على يديه يوم القيامة ويتمنى لو اتخذ مع الرسول سبيلًا، وسيشكو النبي إلى ربه أن قومه اتخذوا هذا القرآن مهجورًا.
ما شروط الحياة الطيبة وكيف يكون المسلم عبدًا ربانيًّا تُقبل دعوته؟
الحياة الطيبة موعودة لمن عمل صالحًا وهو مؤمن، وشروطها أن يعبد المسلم الله ويعمر الأرض ويزكي نفسه ويدعو إلى الله. ومن شروط قبول الدعاء أن يكون المطعم والمشرب حلالًا، فمن غُذّي بالحرام قال النبي في شأنه: أنّى يستجاب لذلك. والعبد الرباني هو من يجعل قلبه فوق عقله وعقله فوق سلوكه، فإذا تحكم السلوك والشهوة في العقل وعلا العقل على القلب اختل الأمر وأصبح المرء صورة مشوهة.
الزهد في الدنيا واستحضار الآخرة هما سر قوة الأمة وطريق عودتها إلى الوحي والحياة الطيبة.
الزهد في الدنيا لا يعني ترك العمل بل إخراج الدنيا من القلب مع البقاء فيها، وهذا ما جسّده صاحب الحُق حين سلّم جوهرة تاج كسرى إلى قائده وهو لا يجد ثيابًا تستر عورته، لأن جهاده كان لله لا طلبًا لمال أو سلطان. هؤلاء هم الذين فتحوا الأرض شرقًا وغربًا بقلوب خالية من الدنيا ممتلئة بالآخرة.
الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة أمران متلازمان مع التمسك بالوحي؛ فنسيان الآخرة يهوّن ترك الوحي، وترك الوحي يُفضي إلى التيه الشامل في الفكر والتربية والسياسة. والعودة إلى الوحي واستحضار الآخرة مع طيب المطعم وجعل القلب فوق العقل هي الطريق الموصل إلى الحياة الطيبة التي وعد الله بها المؤمنين العاملين.
أبرز ما تستفيد منه
- الزهد في الدنيا هو إخراجها من القلب لا الهروب من العمل فيها.
- قصة صاحب الحُق دليل على أن الزهد هو سر الفتح والنصر.
- ترك الوحي وترك الآخرة معًا يُفضيان إلى خسارة الدنيا والآخرة.
- الحياة الطيبة مشروطة بالإيمان والعمل الصالح وطيب المطعم وسلامة القلب.
أفكار الخطبة وبيان محاور الوحي والآخرة والحياة الطيبة
من أفكار الخطبة..
-
خير أمة أخرجت للناس، والعهد الخاتم الذي رضيه الله سبحانه وتعالى للعالمين.
-
الفاصل بين المسلمين وغيرهم.. هو الوحي.
-
ما الفقرَ أخشى عليكم..!
-
لن يسَعَ آخرَ هذه الأمة إلا ما وسعه أولُها.
-
نسيان الوحي طريق الذل والهوان في الدنيا، والهلاك والخسران في الآخرة.
-
لا ينتفع بالوحي معرض عن الآخرة..!
-
حياتنا طيبة؛ نعبد الله وحده، ونعمر الأرض، ونزكي النفس.. ولنا الجنة بإذن ربنا ورحمته.
-
كن عبدًا ربانيًّا.. أطِبْ مطعمك، وليكن قلبك فوق عقلك، وعقلك فوق سلوكك.
الذي بيننا وبين العالمين هو الوحي، وحي أنزله رب العالمين، رب السماوات والأرض، الذي كان قبل الخلق، وإنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون، وقال للسماء وللأرض: ﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [1]
أنزل الكتاب على قلب نبيِّه ﴿بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [2] بلَّغ، ولله الحجة البالغة، ومَنَّ علينا أن جعلنا خير أمةٍ أخرجت للناس، وطلب منا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر وأن نؤمن بالله، ولقد رأينا ما احتواه الوحي من تعليمات فيها من الأوامرَ والنواهي ما أراد الله بها سعادة الدارين للبشر، فآمن بها من آمن وكفر بها من كفر، واتبعها من اتبعها، واستوعبها من استوعبها، وحُجِب عنها -كلها أو جزئها- من حُجِب عنها، والأمر لله من قبل ومن بعد؛ فإذا كان الأمر كذلك وكنا خير أمةٍ أخرجت للناس، وكان معنا من الوحي ما قد رضي الله سبحانه وتعالى للبشر.. فما الذي حدث ؟!
سؤال غياب أمة محمد وقصة صاحب الحُق وجوهرة كسرى
أين أمة محمد التي كان ينبغي لها أن تكون في وسط الأمم وفي أعلى قمة الهرم، تشهد الناس وتشهد عليهم، ويشهدها الناس فيجعلونها إمامًا يُحتذى.. ما الذي حدث ؟!
ما الذي حدث لأمة محمد ومعها الكنز.. القرآن... و(لا تنقضي عجائبه ولا يخلَقُ من كثرة الرَدِّ) [3]... وهو الميثاق الأخير والعهد الخاتم الذي رضيه الله للعالمين..!!
ما الذي حدث في قلوب فتحت العالم شرقًا وغربًا وكان منها صاحـب الحُقِّ ؟! وصاحب الحُق رجل لا نعرف اسمه؛ كان في إحدى المعارك مع الفرس وقد عرف أن الغلول حرام، وأنه كلما وجد من مال أو من شيء فعليه أن يسلمه إلى القائد، وكان القائد سعد بن أبى وقاص رضي الله تعالى عنه، وجاء الرجل وسلَّم حُقًّا (علبةً)، هذه العلبة كانت فيها جوهرة التاج وهي أعلى جوهرة في الأرض.. تاجُ كسرى ! وما أدراك ما كسرى حينئذ ؟! إيوان كسرى كان طوله أكثر من ثمانمائة متر؛ يدخل الداخل من أوله فتأخذه الهيبة، حتى إذا ما وصل إلى عرشه سجدَ له، فما بالكم بتاجه الذي على رأسه وجوهرته ! سلَّم الرجل الجوهرة إلى خيمة القائد.. فتح سعد هذه العُلبة فوجد فيها تلك الجوهرة النفيسة وتعجب أن يكون أحد من البشر يرى هذا ولا يخفيه..! فأمر بإحضار الرجل، فجاء الرجل وهو يقبض على ثيابه بيديه، وتعجب سعد ! المفترض أن يدخل فيصافح القائد، لكن الرجل كان منشغلاً بثيابه البالية عن مصافحة سعد، فقال له سعد: أبيدك شيء ؟! قال: لا..؛ إنما أنا أستر عورتي.
زهد صاحب الحُق وإخراج الدنيا من القلب وفتح الأرض
يخاف أن يترك ثيابه حتى لا تظهر عورته !! سلمها للقائد لأنه كان يتذكر الله رب العالمين، ويعلم أن فعله إنما هو جهاد في سبيله، لا من أجل دنيا يصيبها ولا امرأة يتزوجها، ولا أرض يضمها إلى أرضه ولا سلطان يتوخاه ويبتغيه؛ إنما هو جاء من أجل أن يجاهد في سبيل الله؛ لأنه سمع أنه بينه وبين الجنة أن يموت..
أخرجوا الدنيا من قلوبهم وكان فيهم صاحب الحُق الذي لا يجد ثيابًا يستر بها عورته ويسلم ملايين الجنيهات والدنانير والدراهم إلى القائد لأن هذا المال حرام عليه.. هؤلاء هم الذين فتحوا الأرض وملكوها..
ما الذي حدث وهذا التاريخ معنا وهذا الكنز مازال يُتلى ويُحفظ بيننا ؟!
ترك الوحي وترك الآخرة كسبب للتيه والضلال في الأمة
حدث أمران:الأمر الأول أننا قد تركنا الوحي، والأمر الثاني أننا قد تركنا الآخرة. فإذا ما تركنا الوحي وتركنا الآخرة عشنا في متاهةٍ لا نعرف كيف نبدأ ولا كيف نسلك ! عشنا في متاهةٍ لا نعرف كيف نقوِّم الأفكار، ولا كيف ننتقد النُّظُم، ولا كيف ننشئ المناهج، ولا كيف نربي أبناءنا، ولا كيف أن نتفاوض مع عدونا، ولا كيف أن نسيطر على حالنا.. ولا نعرف شيئًا مطلقًا..تُهنا.. ضللنا الطريق.. !
وصدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم... حين قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعَتِ الأنصار بقدومهِ، فوافقت صلاةَ الصبح معَ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلما انصرَفَ تعرَّضوا له، فتبسمَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حينَ رآهم وقال:
(أظنُّكم سمعتم بقدوم أبي عُبَيدةَ وأنه جاء بشيء ؟!) قالوا: أجَلْ يا رسولَ اللّه، قال: (فأبشروا وأَمِّلوا ما يسُرُّكم، فوَاللَّه ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكمُ الدُنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافَسوها كما تَنافسوها، وتلهيَكم كما ألهتْهم) [4].
مِن هؤلاء... الذين ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكانوا معه في الغداة والعشي- كان صاحب الحُقِّ... رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
محاولات الإضلال وترك الوحي والآخرة وخسارة الدنيا والآخرة
عباد الله.. ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [5] هل نجحوا ؟ أو أننا نحن الذين تركنا الوحي عن شهوات الدنيا التي قد ملأت قلوبنا، وعن أحوالنا التي لا ترضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين ؟
ترْكُ الوحي وترك الآخرة أمران مترتبان.. بدأنا في التاريخ بترك الوحي وما تضمنه وما دعا الله إليه مما فيه سعادة الدارين؛ وتركنا الآخرة.. فأصبحنا صِفر اليدين.. وكما في المثل: كفقراءِ اليهود!! قد فقدنا الدنيا وقد فقـدنا الآخـرة. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا﴾ [6] يا لطيف يا رب العالمين ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ﴾ [7] عزلة تامة عن القرآن الكريم..؛ يسمعون أصواتًا ولا يدركون أحكامًا.. يسمعون تلاوة تتلى، لكنهم لم يجعلوه هدايةًَ يُهتدى بها.. لم يجعلوه منهج حياة..
الحجاب عن فهم القرآن والعقلية الرافضة للوحي والبعث
لم يبدءوا في بناء حضارتهم من هذا المنطلق البديع.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُورًۭا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ﴾ [8].
العقلية القائمة عند هؤلاء يعلمها الله، الرؤية الكلية للكون والإنسان والحياة وما قبل ذلك وما بعد ذلك.. يعلمهـا الله ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ ولم يقل: "يستمعون إليه"، إن هناك شيئًا يستمعون من خلاله القرآن؛ هو أن القرآن من عند محمد، وأنه صناعة بشرية، وأننا لا يجب أن نلتفت إليه ولا أن نقف عنده كثيرا، ولا أن نستهديه ولا أن نجعله دستور حياة، والإيمان به إذا كان ولا بد، فلنجعله إيمانًا جُمليًّا لا يتحكم في مورد ولا يتحكم في مصدر ! ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا * ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا * وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًۭا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا ۞ قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا﴾ [9].
الربط بين ترك الوحي وترك الآخرة ومشهد الندم وهجر القرآن
ربطٌ بين ترك الوحي وترك الآخرة... إعجاز..! وهل غير هذا الذي حدث في التاريخ الإسلامي !! بدأ الناس بنسيان الآخرة وصدقوها تصديقًا باهتًا، ثم بعد ذلك انحلُّوا من عقدة الوحي وصدقوه تصديقًا جُمليًّا، ولم يجعلوا الآخرة هي الأساس وهي الحيوان -أو الحياتين- لا.. لم يجعلوها كذلك بل جعلوها شيئًا عابرًا... والأمر ليس كذلك !
إذا استحضرت الآخرة ومعناها وما ذكره الله عنها في الكتاب الكريم لا يمكن أن تتجرأ على معصية الله، ولا يمكن إلا أن يمتلئ قلبك هيبة لله وهمَّة له، ولا يمكن إلا أن تكون عبدًا صالحًا من عباد الله في كل شيء؛ في فعلك وتركك، في نومك وفي يقظتك، ولهانت عليك نفسك في جنب الله واطمأنت بذكره، لكن نسيان الآخرة هو الذي يهوِّن على الناس نسيان الوحي..!
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا * يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا * لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِلْإِنسَٰنِ خَذُولًۭا * وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا * وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًۭا وَنَصِيرًۭا﴾ [10]... ادعوا ربكم.
الحمد والصلاة على النبي ووعد الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح
الحمد لله حمد الشاكرين له.. الحمد لله حمدًا كثيرًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ بكرةً وأصيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، بيده هو الحول والقوة، ولا حول ولا قوة بنا ولا لنا..
يـا أيهـا النـاس.. يقـول ربنا جل في علاه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ [11] وما أطيبها حينئذٍ من حياة، وما أحسنه يومئذٍ من مآل وجزاء ! نريد أن نعيش الإيمان وأن يعيش الإيمان في قلوبنا، نريد ألا تتحول العقائد إلى مفاهيم قائمة في الذهن، بل نريد أن تكون منطلقًا للعمل، نريد أن يعيش المسلم مستحضرًا ربه في حياته، منكشفةً له الحقيقة على وجهها من أن هذه الحياة الدنيا فانية، وأن أمر الله فينا هو العبادة والعمارة والتزكية؛ فلا بد أن نعبد الله، وأن نعمر الأرض وأن نزكي النفس، فلا بد أن ندعو الناس إلى الله رب العالمين، مدركين أن الله قد حدَّ لنا حدودًا وأمرنا بأوامر ونهانا عن نواهٍ يجب أن نتقيد بها، وأن قد أخبرنا عن حقائق ينبغي أن نستحضرها، فإن نحن فعلنا ذلك كنا عبادًا ربانيين، وإن نحن مع ذلك أطبنا مطعمنا وانتهينا عن الفساد المستشري في أوساط الناس مددنا أيدينا إلى السماء: يا رب؛ فيستجيب الله لنا، أما أن يكون مطعم أحدنا حرامًا ومشربه حرامًا وغُذِّي بالحرام.. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(أنى يستجاب لذلك) [12]،
(ورب أشعث أغبر) -كصاحب الحُقِّ- (مدفوعٌ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه) [13] العبرة ها هنا.. (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم) [14] والقلب ينبغي أن يتحكم في العقل، والعقل يتحكم في السلوك، فإذا فعلنا ذلك استقامت لنا الدنيا، أما إذا تحكم سلوكنا وشهوتنا في عقولنا، وعلت عقولنا على قلوبنا_ اختل الأمر، وأصبحنا صورة مشوهة من الفجار! وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ﴾ [15]؛ فعلينا أن ندرك الأمر على حقيقته وأن نعود إلى الوحي، وأن نستحضر الآخرة في ظل ذكرنا لله سبحانه وتعالى.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الذي يميز المسلمين عن غيرهم من الأمم وفق محاور هذه الخطبة؟
الوحي المنزل من الله
من هو القائد الذي سلّم إليه صاحب الحُق جوهرة تاج كسرى؟
سعد بن أبي وقاص
لماذا كان صاحب الحُق يمسك بثيابه بيديه حين دخل على القائد؟
كانت ثيابه بالية ويخشى أن تظهر عورته
ما الأمران اللذان حدثا وأوقعا الأمة الإسلامية في التيه والضلال؟
ترك الوحي وترك الآخرة
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يخشاه على أمته حين قدم أبو عبيدة بمال من البحرين؟
أن تُبسط عليهم الدنيا فيتنافسوا فيها
ما وصف القرآن الكريم لحال من لا يؤمن بالآخرة في علاقته بالقرآن؟
يُجعل بينه وبين القرآن حجاب مستور وعلى قلبه أكنة
ما الإيمان الذي وصفته الخطبة بأنه لا ينفع صاحبه؟
الإيمان الجُملي الذي لا يتحكم في مورد ولا مصدر
ما الشرط الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لقبول الدعاء؟
طيب المطعم والمشرب وأن لا يُغذّى بالحرام
ما الترتيب الصحيح للعبد الرباني وفق ما ذكرته الخطبة؟
القلب فوق العقل والعقل فوق السلوك
ما الآية التي استشهدت بها الخطبة على وعد الله بالحياة الطيبة؟
من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة
ما الذي شكا منه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه يوم القيامة وفق آيات سورة الفرقان؟
أن قومه اتخذوا هذا القرآن مهجورًا
ما الأمور الثلاثة التي حدّد الله للمسلم أن يقوم بها في الأرض؟
العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس
ما وصف الخطبة لطول إيوان كسرى؟
أكثر من ثمانمئة متر
ما الذي يحدث حين يتحكم السلوك والشهوة في العقل ويعلو العقل على القلب؟
يصبح الإنسان صورة مشوهة من الفجار
ما معنى الزهد في الدنيا كما تجلى في قصة صاحب الحُق؟
الزهد في الدنيا هو إخراجها من القلب والعمل لله خالصًا لا طلبًا لمال أو سلطان، وقد جسّده صاحب الحُق حين سلّم جوهرة تاج كسرى وهو لا يجد ثيابًا تستر عورته.
لماذا سلّم صاحب الحُق الجوهرة ولم يخفيها؟
لأنه كان يعلم أن الغلول حرام، وكان جهاده في سبيل الله لا من أجل دنيا يصيبها، فكان يتذكر الله ويعلم أن بينه وبين الجنة أن يموت في سبيله.
ما الأمران اللذان أوقعا الأمة الإسلامية في التيه؟
ترك الوحي وترك الآخرة، فإذا تُركا عاشت الأمة في متاهة لا تعرف كيف تقوّم الأفكار ولا تربي الأبناء ولا تتفاوض مع عدوها.
ما الذي كان النبي يخشاه على أمته لا الفقر؟
كان يخشى أن تُبسط عليهم الدنيا كما بُسطت على من قبلهم فيتنافسوا فيها وتلهيهم كما ألهت من قبلهم.
كيف يصف القرآن حال من لا يؤمن بالآخرة في علاقته بالوحي؟
يجعل الله بينه وبين القرآن حجابًا مستورًا وعلى قلبه أكنة أن يفقهه وفي أذنيه وقرًا، فيسمع التلاوة دون أن يجعلها هداية أو منهج حياة.
ما العلاقة بين نسيان الآخرة وترك الوحي؟
نسيان الآخرة هو الذي يهوّن على الناس نسيان الوحي؛ بدأ الناس بتصديق الآخرة تصديقًا باهتًا ثم انحلوا من عقدة الوحي وصدقوه تصديقًا جُمليًّا.
ما أثر استحضار الآخرة على سلوك المسلم؟
من استحضر الآخرة لا يمكن أن يتجرأ على معصية الله، ولا يمكن إلا أن يمتلئ قلبه هيبة لله وهمة، ويكون عبدًا صالحًا في فعله وتركه ونومه ويقظته.
ما شكوى النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وفق سورة الفرقان؟
يقول النبي: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا، وذلك بعد أن يعضّ الظالم على يديه ويتمنى لو اتخذ مع الرسول سبيلًا.
ما شروط الحياة الطيبة التي وعد الله بها؟
الحياة الطيبة مشروطة بالإيمان والعمل الصالح، وتشمل عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس والدعوة إلى الله مع طيب المطعم والمشرب.
لماذا لا يُستجاب دعاء من مطعمه حرام؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن من غُذّي بالحرام: أنّى يستجاب لذلك، لأن طيب المطعم شرط من شروط قبول الدعاء.
ما وصف النبي للعبد الذي يُقسم على الله فيُبرّه؟
رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه، وهو وصف يشبه حال صاحب الحُق الفقير الزاهد في الدنيا.
ما الترتيب الصحيح للعبد الرباني بين القلب والعقل والسلوك؟
القلب ينبغي أن يتحكم في العقل، والعقل يتحكم في السلوك، فإذا انعكس الأمر وتحكم السلوك والشهوة في العقل وعلا العقل على القلب اختل الأمر.
ما الذي ينظر إليه الله من عباده وفق الحديث النبوي؟
إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم.
ما وصف القرآن الكريم الذي ذكرته الخطبة من حيث عدم نفاده؟
القرآن لا تنقضي عجائبه ولا يخلَق من كثرة الرد، وهو الميثاق الأخير والعهد الخاتم الذي رضيه الله للعالمين.
ما نتيجة ترك الوحي والآخرة معًا على الأمة؟
أصبحت الأمة صفر اليدين كفقراء اليهود في المثل، فقدت الدنيا وفقدت الآخرة، وتاهت في كل شيء من الفكر إلى التربية إلى السياسة.
ما الأمور الثلاثة التي طلبها الله من المسلم في الأرض؟
العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس، وإلى جانبها الدعوة إلى الله رب العالمين والتقيد بحدوده وأوامره ونواهيه.