اكتمل ✓
الفصل 9

ما أبرز صفات الإمام الشافعي وأخلاقه وكيف كانت وفاته؟

الإمام الشافعي كان جامعاً لصفات نادرة تشمل علو الهمة والجود والورع والتواضع والفصاحة والفراسة. كان يقسم ليله بين الصلاة والتأليف والنوم، ويختم القرآن في رمضان ستين مرة في الصلاة. توفي رحمه الله ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وقد عاش أربعاً وخمسين سنة.

14 دقيقة قراءة
  • كيف أثّرت قرشية الإمام الشافعي في تكوين شخصيته وأنفته وعلاقاته بالكبراء والأمراء؟

  • تميّز الشافعي بعلو الهمة إذ كان يستيقظ في الليل ليكتب المسائل العلمية خشية نسيانها.

  • كان الشافعي من أشد الناس ورعاً في المعاملات، فرفض تضمين الخياط ثمن ثيابه المحترقة لاختلاف العلماء في المسألة.

  • اتصف الشافعي بالجود الشديد حتى أفلس ثلاث مرات وباع حلي زوجته وابنته، وكان يوزع جوائز الخلفاء على القرشيين.

  • كانت فصاحة الشافعي بالغة حتى عُدّ ممن تؤخذ عنهم اللغة، وتعلّم لهجة هذيل الأفصح بين العرب.

  • توفي الإمام الشافعي ليلة الجمعة آخر رجب سنة 204هـ عن أربعة وخمسين عاماً، وكانت آخر كلماته تعبيراً عن الخوف والرجاء.

أثر قرشيته وتكوينه النفسي في نشأته ومكانته

- تكوينه النفسي 1- قرشيته: لعل من أول المؤثرات في تكوين شخصية الإمام الشافعي كونه من قريش، وقد رأينا كيف أن قرشيته هي التي دفعت بوالديه كي ترحل به مبكرا إلى مكة كي ينشأ في وسط أقرانه من قريش على ذات الصفات والأخلاق والوسط الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي قبل الإسلام، ثم تعضد هذا الوضع وامتداده بعد الإسلام بخروج النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من قريش، ثم توالي الخلفاء الراشدون ثم الدولة الأموية ثم الدولة العباسية وجميعهم ينتسبون إلى أرقى بيوتات قريش وأقواها.

ولا ريب أن من كان هذا نسبه فإنه يؤثر في تكوينه تأثيرا لا ينكر.

ومن الطبيعي أن القرشيين كانوا محل حسد وغيرة بسبب مكانتهم الاجتماعية المتميزة.

قصة الحميدي وأحمد بن حنبل في بيان فضل الشافعي

يحكى لنا الحميدي عن نفسه ما يوضح لنا ذلك في قصة طريفة عن أول مجلس حضره للإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – يقول الحميدي:

جلسنا إلى الشافعي ودارت مسائل فلما قمنا قال لي أحمد ابن حنبل: كيف رأيت فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه وكان ذلك مني بالقرشية ( يعني من الحسد ) فقال لي أحمد بن حنبل فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان وتمر مائة مسألة يخطئ خمسا أو عشرا. اترك ما خطأ وخذ ما أصاب.

يقول الربيع بن سليمان: كان الشافعي عربي النفس عربي اللسان.

مناظرته لمحمد بن الحسن وموقفه من جوائز الكبراء

وكانت قرشية الشافعي أحد دعائم تكوينه النفسي ناظر ذات يوم محمد بن الحسن فغلبه بحضور هرثمة بن أعين أحد خواص قواد هارون الرشيد فكتب هرثمة الخبر ودخل بع على هارون الرشيد فقال أكان يأمن محمد بن الحسن أن يقطعه رجل من بني عبد مناف فاخرج إلى الشافعي وأقرئه سلامي وقل له إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسة آلاف دينار وعجلها لك من بيت الحضرة قال الشافعي فخرج هرثمة وأقرأني سلامه وقال إن أمير المؤمنين قد أمر بخمسة آلاف دينار وقال هرثمة لولا أن أمير المؤمنين لا يساوي،لأمرت لك بمثلها، ولكن الق غلامي فاقبض منه أربعة آلاف دينار فقال الشافعي:

جزاك الله خيرا لو لا أني لا أقبل جائزة إلا ممن هو فوقي لقبلت جائزتك ولكن عل لي ما أمر به أمير المؤمنين.

فانظر كيف امتنع الشافعي – رحمه الله تعالى – من قبول جائزة هرثمة بسبب قرشيته وحيث لم يكن هرثمة من قريش وقبلها هارون الرشيد لكونه أعلي نسباً منه.

أثر الجماعة العلمية في تكوينه وموقف ابن أبي ذئب الأول

2- الجماعة العلمية: للجماعة العلمية أثر كبير في تكوين المنتسب إليها ولا يقتصر الأثر على الجانب العلمي وحده بل يمتد ليشمل كافة الجوانب الأخرى وخاصة الأخلاقية التي تمتاز بها الجماعة.

وإذا نظرنا إلى الجماعة العلمية في عصر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فسنجد الكثير من الصفات والميزات العامة التي تركت أثرها الكبير في شخصية الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ولا شك أن هناك الكثير من المواقف الحياتية التي عبرت من خلالها تلك الجماعة عن شخصيتها.

ولقد حكي لنا الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى- نفسه العديد من تلك المواقف، وحكايته لها دليل على تأثيرها فيه، حتى أنه اعتني بحكايتها وروايتها لتلاميذه.

فمن ذلك ما رواه الشافعي قال: حدثني عمي محمد بن على قال إني لحاضر مجلس أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وفيه ابن أبي ذئب (وهو أحد حفاظ الحديث البارزين) والحسن بن زيد وأي المدينة، فأتى الغفاريون (قبيلة من العرب منها أبو ذر الغفاري) فشكوا إليه شيئا من أمر الحسن فقال: يا أمير المؤمنين سل المسلمين، كثيرو الأذى لهم فقال: أشهد أنهم أهل تحكم في أعراض المسلمين، كثيرو الأذى لهم فقال أبو جعفر قد سمعتم فقالوا سله عن الحسن فقال ما تقوله فيه؟

جرأة ابن أبي ذئب في نصح المنصور وإنكار الظلم

فقال:

أشهد أنه: يحكم بغير الحق ويتبع هواه.

قال محمد فجمعت ثيابي والسياق قائم على رأس أبي مخافة أن يأمر به فيقتل فيصيب دمه ثوبي فقال أبو جعفر قد سمعت يا حسن ما قاله فقال سله عن نفسك فقال أبو جعفر لابن أبي ذئب: فما تقول في ؟ قال: أو يعفيني أمير المؤمنين.

فقال والله لتخبرني.

فقال:

اشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه، وجعلته في غير أهله

فجاء أبو جعفر من موضعه حتى وضع يده في قفاه.

قال محمد: فجمعت ثيابي مخافة أن يأمر به فيصيب دمه ثوبي ثم قال أبو جعفر: أما والله لو لا أنا لأخذت أبناء فارس والروم والترك والديلم بهذا المكان منك.

فقال:

قد ولى أبو بكر وعمر: فأخذا بالحق وقسما بالسوية، وأخذ بأقفاء فارس والروم. وأصغر أنافهم

فخلي أبو جعفر قفاه وأطلق سبيله وقال:

والله لولا أعلم أنك صادق لقتلتك

فقال ابن أبي ذئب لأبي جعفر:

أنا والله أنصح لك من المهدي (يعني ابنه).

إنكار محمد بن عجلان على والي المدينة ودور ابن أبي ذئب

ويروي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن محمد بن عجلان (أحد كبار رواة الحديث) كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.

قال فخطب والي المدينة يوما فأطال الخطبة فلما نزل وصلي: صاح به ابن عجلان فقال:

يا هذا اتق الله: تطيل بيانك وكلامك على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

فأمر به بحبس فأخبر ابن أبي ذئب، فدخل على الوالي، وقال:

حسبت ابن عجلان !؟

فقال: ما يكفيه أنه يأمرنا فيما بيننا وبينه، فنصير إلى ما يأمرنا، حتى يصيح بنا على رؤوس الناس؛ فنستضعف.

فقال ابن أبي ذئب

ابن عجلان أحمق أحمق؛ هو يراك تأكل الحرام وتلبس الحرام (يعني ولا ينهاك عن ذلك )، ويقول: لا تطل بيانك وكلامك على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

فقال الوالي:

أخرجوا ابن عجلان ما عليه من سبيل.

سفيان الثوري مع الأمراء وتحذير مالك من ترك لا أدري

ويحكي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن سفيان الثوري أنه دخل على أمير المؤمنين فجعل يتجانُ عليهم، ومسح البساط، ويقول:

ما أحسنه، ما أحسنه، بكم أخذتم هذا.

ثم قال:

البول البول، حتى أخرج.

فالإمام الثوري كان ا يحب الدخول على السلطان، فأراد أن يحتال بما فعل ليعتقدوا فيه الجنون، فيزهدوا فيه، ويتباعد عنهم.

ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم ( لا أدرى): أصيب مقاتله.

جود الزهري مع أصحابه وقول السخي لا تؤدبه التجارب

ويحكى الشافعي موقفاً من مواقف الجود الذي كان من أخص صفاته فيقول: عاتب بن حيوه الزهري في الإنفاق والدين ( كان الزهري يستدين لينفق على أصحابه، وينفق في وجوه البر) فقال:

لا تأمن من أن يمسك عنك هؤلاء القوم، فتكون قد حملت على أمانتك

فوعده أن يقصر.

فمر به رجاء ابن حيوه يوما وقد وضع الطعام، ونصب موائد الشغل.

فقال له رجاء:

هذا الذي اقترفنا عليه ؟

فقال له الزهري:

أنزل؛ فإن السخي لا تؤدبه التجارب.

علو همة الإمام الشافعي في الليل وكتابة العلم

  • بيان بعض من صفاته رحمه الله تعالى:

1- علو الهمة:

كان الإمام الشافعي عالي الهمة إلى الغاية منها.

فمن ذلك ما يحكيه الحميدى:

خرجت مع الشافعي إلى مصر وكان هو ساكناً في العلو، ونحن في الأوساط فربما خرجت في بعض الليل فأري المصباح؛ فأصبح بالغلام – يعني الخادم – فسمع الشافعي صوتي فيقول: بحقي عليك أرق، فأرقي، فإذا قرطاس ودواة؛ فأقول: مه يا أبا عبد الله. فيقول: تفكرت في معني حديث – أ، مسألة – فخفت أن يذهب علي، فأمرت بالمصباح وكتبته.

هذه الصورة تبين علو همته وحرصه على العلم في كل أوقاته.

لطفه بأصحابه وتعلقهم به في السفر والإقامة

2- لطفه بأصحابه:

كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لطيفا بأصحابه رقيق الحاشية وكان لأصحابه تعلق كبير به، يرحلون معه إذا رحل ويسكن كثير منهم حول وبالقرب منه، حتى لا يفوتهم منه شيء وفيما حكاه لنا الحميدي في النقطة السابقة ما يوضح لنا طرفاً من ذلك.

صلاحه وحبه للصالحين وصلته بعباد زمانه

3- صلاحه وحبه للصالحين:

كان الشافعي من كبار الصالحين والعباد، لا يترك قيام الليل، فكان يقسم ليلة ثلاثا، ثلث يصلي وثلث يؤلف، ثلث ينام.

وكان له مع صالحي أهل زمانه ود وأنس.

أرسل يوماً تلميذه حرملة إلى إدريس بن يحي العابد مالك و المتوفى بمصر سنة (211)، وقال لحرملة:

قل له يدعو الله لي.

كثرة عبادته وختمه للقرآن ودعاؤه في الصلاة

4- عبادته:

كان الشافعي رحمه الله تعالى كثير العبادة محبا للصلاة، وتلاوة القرآن وقيام الليل يحدثنا الربيع بن سليمان المرادي عن صلاة شيخه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في رمضان فيقول:

كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرة، كل ذلك في صلاة.

يقول الإمام الحسن الكرابيسي:

بتم ع الشافعي ثمانين ليلة وكان يصلي نحو ثلث الليل فما رأيته يزيد على الخمسين آية فإذا أكثر فمائة وكان لا يمر بآية رحمة الله إلا سأل الله تعالى لنفسه، وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ بالله منها، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين، وكان جمع فيه الخوف والرجاء معاً.

ورعه في المعاملات وموقفه من الديباج والضمان

5- روعه:

أراد الشافعي الخروج إلى مكة، فأسلم إلى قصار (يعني: خياط) ثيابه بغدادية مرتفعة الثمن، فوقع حريق، فأحترق دكان القصار والثياب، فجاء القصار ومعه قوم يتحمل بهم على الشافعي في تأخيره ليدفع إليه قيمة الثياب.فقال له الشافعي:

قد أختلف أهل العلم في تضمين القصار ولم أتبين أن الضمان يجب فلست أضمنك شيئاً.

ودخل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يوما على الخادم للرشيد وهو في بيت قد فرش بالديباج، فلما وضع الشافعي رجله على العتبة أبصره، فرجع ولم يدخل فقال له الخادم أدخل فقال الشافعي.

لا يحل افتراش هذا.

تواضعه العلمي ورغبته في نشر العلم دون شهرة

6- تواضعه:

كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى متواضعاً، لا يحب الشهرة، ولا يحب الثناء على ما كان معه من العلم، على الرغم ما كان فيه من الشهرة الواسعة.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

وودت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس: أوجر عليه ولا يحمدوني.

ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب إلى.

ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى للإمام أحمد بن حنبل:

انتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني.

ومع هذا فيقول الإمام أحمد:

ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه.

إدراكه لمنزلته وهيبته في المناظرة وعدم إراقة وجهه

ومع تواضع الشافعي فإنه ما كان يريق وجهه لكل أحد، وقد تقدم رفضه قبول جائزة هرثمة بن أعين.

كما كان الشافعي مدركاً لمنزلته العلمية تمام الإدراك لا يظلم نفسه ولا يضعها في غير منزلتها وقد ذكرنا في مناظرات الشافعي أنه ما كان يقبل مناظرة أي أحد ويشترط أن يكون مناظره نظيرا له في الدرجة العلمية.

هيبته في بيته وقصة المرضعة والرحى وقت القيلولة

7- هيبته:

كانت للشافعي هيبة، دخلت البيت ذات يوم مرضعة لبعض أهله، معها طفل لها، كان الشافعي نائماً وقت القيلولة فبكى الصبي فخافت أن يستيقظ الشافعي وكانت له هيبة فوضعت يدها على فم الصبي وخرجت مبادرة وكان بعيداً فلم تبلغ الباب حتى اضطرب الصبي فلما استيقظ الشافعي قال له بعض أهله يمزحون معه.

ويحك يا ابن إدريس كدت تقتل اليوم نفساً

فأحمر وانتفخ وجعل يقول:

وكيف ذلك

فأخبروه بالخبر فخلف أن لا يقيل مدة طويلة إلا والرحى عند رأسه تصحن وكان إذا أراد أن يقيل يجيء بالرحى حتى تطحن عند رأسه.

جوده في قبول جوائز الرشيد وتوزيعها على القرشيين

8- جوده:

كان للشافعي – رحمه الله تعالى – من أجواد الناس، يكاد لا يمسك شيئاً من كرمه وجوده، وله في الجود مواقف كثيرة.

دخل عليه رسول من هارون الرشيد وقال:

قد أمر لك بخمسة آلاف دينار.

فحمل إليه المال.

فدعا الشافعي بالحجًام فأخذ من شعره وأعطاه خمسين دينارا ثم أخذ رقاعاً، وصر من تلك الدنانير صرراً ففرقها في القرشيين الذين هم بالحضرة ومن هم بمكة حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار.

كرمه في المال والمهور وتجهيزه للأصحاب رغم الإفلاس

يحكي أبو ثور أن الشافعي أراد الخروج إلى مكة ومع مال فقلت له – وقلما كان يمسك الشيء من سماحته-:

يعني أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولوالدك من بعدك

فخرج، ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال:

ما فعل به

فقال:

ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها؛ لمعرفتي بأصلها: أكثرها قد وقفت على البيت الحرام ولكن قد بسطنا مضربا بمني يكون أصحابنا إذا حجوا ينزلون فيه.

ويقول الربيع بن سليمان:

تزوجت فسألني الشافعي: كم أصدقتها ؟ فقلت: ثلاثين ديناراً فقال: كم أعطيتها؟ قلت: ستة دنانير فصعد داره، وأرسل غلي البصرة فيها أربعة وعشرون ديناراً.

ويقول محمد بن عبد الله بن الحكم:

كان الشافعي أسخي الناس بما يجد وكان يمر بنا فإن وجدني وإلا قال: قولي لمحمد – إذا جاء – يأتي المنزل؛ فإني لست أتغدى حتى يجيء.

ويقول عمرو بن سواد السرحي:

كان الشافعي أسخي الناس على الدينار والدرهم والطعام وقال لي الشافعي أفلست في عمري ثلاث إفلاسات فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي ابنتي وزوجتي.

زهده في الشبع وبيان مضار امتلاء البطن على القلب

9- تقلله من المطعم والمشرب:

يقول الشافعي – رحمه الله تعالى -:

ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعه، أطرحتها؛ لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.

فراسته في تصحيح الكتب ورحلته في طلب كتب الفراسة

10- فراسته وذكاؤه:

كان الشافعي على درجة عالية من الفراسة والذكاء ودقة الملاحظة لما حلوه

كان يقول:

إذا رأيتم الكتاب في إلحاق وإصلاح فاشهدوا له بالصحة

وذلك لأن من نسخ كتاباً فلا بد من أن يخطئ فيه فإذا راجعه واكتشف خطأه أصلحه وألحق ما فاته بالهامش وأما من لم يرجع فيأتي كتابه خالياً من الإصلاح والإلحاق فيبقى خطؤه على حاله وهذا من ذكاء الشافعي وحسن إدراكه للواقع وصحة تصوره للأمور.

وكان الشافعي – رحمه الله تعالى – ولعا بالفراسة وكتبها ويحكي عن نفسه فيقول خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها ثم لما حان انصرافي مررت على رجل في طريقي وهو محتب بفناء أزرق العينين ناتئ الجبهة، سناط (أي لا لحية له) فقلت له:

هل من منزل ؟

فقال:

نعم

قال الشافعي.

وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة.

فأنزلني فرأيت أكرم رجل: بعث إلى بعشاء وطيب وعلف لدابتي وفراش ولحاف.

قصة الرجل الأزرق العينين وقاعدة موضع الدواة للكاتب

فجعلت أتقلب الليل أجمع ما أصنع بهذه الكتب إذ رأيت هذا النعت في هذا الرجل فرأيت أكرم رجل.

فقلت:

ارم بهذه الكتب

فلما أصبحت قلت للغلام.

أسرج أسرج، فركبت ومررت عليه وقلت له إذا قدمت مكة، ومررت بذي طوى فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي.

فقال لي الرجل:

أمولي لأبيك أنا.

قلت:

لا فهل لك عندي من نعمة؟

قلت:

لا

فقال:

أين ما تكلفت لك البارحة

قلت وما هو قال:

اشتريت لك طعاما بدرهمين وأداماً بكذا وعطرا بثلاثة دراهم وعلفا لدابتك بدرهمين، وكراء الفراش واللحاف درهمان

قلت:

يا غلام أعطه

فهل بقي من شيء.

قال:

كراء المنزل، فإني وسعت عليك، وضيقت على نفسي.

قال الشافعي:

فغبطت نفسي بتلك الكتب.

فقلت له بعد ذلك هل بقي من شيء ؟

قال:

امض أخزاك الله، فما رأيت قطاً شراً منك.

وكان الشافعي يقول:

إذا أردت أن تعرف الرجل: أكاتب هو، فانظر أين يضع دواته، فإذا وضعها عن شماله أو بين يديه فأعلم انه ليس بكاتب.

يعني أنه ليس بكاتب محترف. لأنه وضع دواة الحبر بعيداً عن يده اليمنى فيكون أشق عليه وأبعد فربما سقط الحبر من الريشة أثناء هذه المسافة.

كما أنه ربما أصاب بيده اليسرى الدواة فقلبها وإذا وضع الدواة أمام الكتاب بين يديه ربما تزحزح الكتاب أثناء عملية الكتابة فقلت الدواة كما أن الدواة تلقي بظلها على الكتاب فتحجب الضوء عنه، ولهذا فإن أفضل موضع للدواة أن تكون عن يمين الكتاب.

دراسته للمجتمع وملاحظاته عن السمنة وزواج الأقارب

11- شفعه بدراسة المجتمع من حوله:

كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ولعاتً بدراسة الظاهرة الاجتماعية من حوله دائم السعي لفهم شخصيات المجتمع ونماذجه وله في ذلك مواقف كثيرة.

فمن قوله:

أحذر الأعور والأحوال والأعرج والأحدب والأشقر والكوسج وكل من به عاهة في بدنه وكل ناقص الخلق فإنه صاحب التواء ومعاملته عسرة.

ويقول:

ما رأيت سميناً عاقلا قط إلا رجلاً واحداً.

يريد محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فقد كان سمينا.

ويقول ما أفلح سمين قط إلا يكون محمد بن الحسن.

قيل له:

ولم ؟

قال:

لأن العاقل لا يخلو مكن إحدى خلتين: إما أن يغتنم لأخرته ومعاده، أو يغتنم لدنياه ومعاشه. والشحم مع الغم لا ينعقد فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم فينعقد الشحم.

ويلاحظ الشافعي أثر زواج الأقارب على ضعف النسل فيقول:

ليس قوم لا يخرجون نسائهم إلى رجال غيرهم في التزويج ولا رجالهم إلى نساء غيرهم في التزويج إلا جاء أولادهم حمقي.

فصاحته وتعلمه لغة هذيل وشهادات الأئمة والجاحظ له

12- فصاحته:

كان الشافعي من أفصح الناس، وأعلم بلغات العرب، حتى عدوه ممن تؤخذ عنه اللغة.

وقد خرج الشافعي- كما يحكي عن نفسه – إلى قبيلة هذيل بالبادية ليتعلم كلامها ويأخذ طبعها العربي وكانت أفصح العرب يقول.

ابن هشام صاحب المغازي وكان بصيرا بالعربية الشافعي ممكن تؤخذ عنه اللغة.

ويقول الإمام أحمد:

كان الشافعي من أفصح الناس وكان مالك يعجبه قراءته لأنه كان فصيحا.

ويقول أبو عبيد القاسم ين سلام (أحد كبار الأئمة):

كان الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة.

ويقول أحمد بن أبي سريج:

ما رأيت أحداً أفوه، ولا أنطق من الشافعي.

ويقول الجاحظ:

نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، كأن كلامه ينظم دُراً إلى دُرً.

وكان الشافعي يقول:

أصحاب العربية جن الإنس يبصرون ما لا يبصر غيرهم.

يعني أنهم يفهمون من أسرار النصوص القرآنية والنبوية ما لا يفهم غيرهم لمعرفتهم بأسرار اللغة ودقائقها.

مواعظه وحكمه في العقل والناس والبلد والرأي

13- مواعظه وحكمه:

للشافعي مواعظ بالغة. وأشعار رقيقة تدل على ما كان ينطوي عليه من الصلاح والتقوى وعلى ما كان يمتاز به من العقل والحكمة.

فمن ذلك أنه حضر ميتا يوما فلما سجى عليه نظر إليه فقال:

اللهم بغناك عنه وفقره إليك اغفر له.

وعاتب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ابنه يوماً، وكان فيما قال له فوعظه به:

يا بني والله لو علمت أن الماء البارد يثلم من مروءتي شيئاً - ما شربت إلا حارا.

وقال الشافعي رحمه الله تعالى:

إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً ينتهي إليه.

وقال رحمه الله تعالى:

سياسة الناس أشد من سياسة الدواب.

وقال رحمه الله تعال:

اعلم أنه ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فأنظر الذي فيه صلاحك فألزمه.

وقال رحمه الله تعالى:

لا تسكن بلداً لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك، ولا طيب ينبئك عن أمر بدنك.

وأنشد الشافعي:

ولا تعطين الرأي من لا يريده فلا أنت محمود ولا الرأي نافعة

هواياته في الرمي وطلب العلم كأهم نهماته

14- هواياته:

يقول الإمام الشافعي عن نفسه:

كانت نهمتي في شيئين: في الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة وسكت عن العلم وهو فيه كذلك بل أكثر.

مرض وفاته وقراءته لآل عمران ورغبته في نشر كتبه

12- وفاته رحمه الله:

  • مرض الوفاة:

مرض الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مرضا شديدا وكانت علته بالبواسير فاشتدت عليه علته.

ويحكي تلميذه يونس بن عبد الأعلى:

ما رأينا أحدا لقي من السقم ما لقي الشافعي فدخلت عليه فقال لي يا أبا موسى اقرأ على ما بعد العشرين والمائة من آل عمران، وأخف القراءة، ولا تثقل فقرأت عليه، فلما أردت القيام. قال: لا تغفل عني فإني مكروب.

وذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ما وضع من كتبه في مرضه فقال:

لوددت أن الخلق تعلمه ولم ينسب إلى منه شيء أبداً.

ويقول المزني:

دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت يا أستاذ؟

فقال:

أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً ولكأس المنية شارباً وعلى الله وارداً ولسوء عملي ملاقياً، فوالله ما أدري أروحي تصير إلى الجنة، أو إلى النار، فأعزيها.

ثم رمى بطرفه إلى السماء، واستعبر وأنشد:

إليك إله الخلق أرفع رغبتي وإن كنت يا ذا المن والوجود مجرما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سلما فما زلت ذا عفو عن الذنب لن تزل تجود وتعفو منه وتكرما فلولا لم يقدر بإبليس عابد فكيف وقد اغوي صفيك أدما

لحظاته الأخيرة ووقت وفاته وسنه عند الموت

يقول الربيع بن سليمان:

لما كان مع المغرب ليلة مات الشافعي قال له ابن عمه: تنزل حتي نصلي. فقال: تجلسون تنتظرون خروج نفسي؟! فنزلنا، ثم صعدنا. فقلنا له: صليت أصلحك الله؟ قال: نعم. وتوفي رحمه الله تعالى مع العشاء الأخيرة.

  • وفاته:

توفي رحمه الله كما يحكي تلميذه الربيع بن سليمان:

ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة بعد ما صلى المغرب، آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة، فانصروا، فرأوا هلال شعبان سنة أربع ومائتين.

فيكون رحمه الله عاش أربعا وخمسين سنة.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما السبب الذي دفع والدَي الإمام الشافعي إلى الرحيل به مبكراً إلى مكة؟

كونه من قريش لينشأ بين أقرانه

لماذا رفض الإمام الشافعي قبول جائزة هرثمة بن أعين؟

لأنه لا يقبل جائزة إلا ممن هو فوقه في النسب

ماذا قال ابن أبي ذئب للخليفة أبي جعفر المنصور حين سأله عن نفسه؟

شهد أنه أخذ المال من غير حقه وجعله في غير أهله

كم مرة كان الإمام الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان؟

ستين مرة

ما الأضرار التي ذكرها الشافعي للشبع؟

يثقل البدن ويقسّي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم

لماذا رمى الشافعي بكتب الفراسة التي جمعها من اليمن؟

لأنه وجد أكرم رجل بأخبث نعت فيها فلم تنفعه

أين يجب أن توضع الدواة عند الكاتب المحترف وفق قاعدة الشافعي؟

عن يمين الكتاب

ما الذي قاله الشافعي عن أثر زواج الأقارب؟

إن القوم الذين لا يخرجون نساءهم لغيرهم يأتي أولادهم حمقى

ما الهوايتان اللتان ذكر الشافعي أن نهمته كانت فيهما؟

الرمي وطلب العلم

متى توفي الإمام الشافعي وكم كان عمره؟

سنة 204هـ عن أربعة وخمسين عاماً

ما الذي قاله الشافعي في مرض وفاته حين سأله المزني كيف أصبح؟

قال أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً ولكأس المنية شارباً

كم مرة أفلس الإمام الشافعي في حياته من شدة كرمه؟

ثلاث مرات

ما الذي فعله الشافعي بجائزة هارون الرشيد البالغة خمسة آلاف دينار؟

وزّعها على القرشيين ولم يرجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار

ما الحيلة التي لجأ إليها سفيان الثوري للخروج من مجلس أمير المؤمنين؟

تظاهر بالجنون ومسح البساط وطلب الخروج للبول

ما قول الإمام مالك الذي نقله الشافعي عن ابن عجلان في شأن العالم؟

إذا أغفل العالم لا أدري أصيب مقاتله

ما الصفة التي وصف بها الربيع بن سليمان الإمام الشافعي؟

قال الربيع بن سليمان: كان الشافعي عربي النفس عربي اللسان.

ما الذي قاله أحمد بن حنبل حين استفاد من الشافعي؟

قال أحمد بن حنبل: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه، وذلك رغم أن الشافعي نفسه قال لأحمد إنكم أعلم بالحديث والرجال مني.

كيف كان الشافعي يقسم ليله؟

كان الشافعي يقسم ليله ثلاثة أثلاث: ثلث يصلي وثلث يؤلف وثلث ينام.

ما الذي قاله الجاحظ في وصف أسلوب الشافعي الكتابي؟

قال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، كأن كلامه ينظم دراً إلى در.

لماذا خرج الشافعي إلى قبيلة هذيل؟

خرج الشافعي إلى قبيلة هذيل بالبادية ليتعلم كلامها ويأخذ طبعها العربي لأنها كانت أفصح العرب.

ما الموقف الذي جعل الشافعي يحلف ألا يقيل إلا والرحى تطحن عند رأسه؟

حين وضعت مرضعة يدها على فم طفلها خشية أن يستيقظ الشافعي من هيبته فاضطرب الطفل، علم الشافعي بذلك فحلف ألا يقيل إلا والرحى تطحن عند رأسه حتى لا يتأذى أحد من هيبته.

ما الذي قاله الشافعي عن تمنيه في نشر علمه؟

قال الشافعي: وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أُؤجر عليه ولا يحمدوني، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب إليّ.

ما الذي قاله الشافعي عن السمين وعلاقته بالعقل؟

قال الشافعي: ما رأيت سميناً عاقلاً قط إلا رجلاً واحداً، وعلّل ذلك بأن العاقل إما يغتم لآخرته أو لدنياه والغم يمنع انعقاد الشحم.

ما الحكمة التي قالها الشافعي عن السكن في البلد؟

قال الشافعي: لا تسكن بلداً لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك.

ما الذي قاله الشافعي عن حدود العقل؟

قال الشافعي: إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً ينتهي إليه.

كيف كان الشافعي يتصرف حين يمر بآية رحمة أو آية عذاب في صلاته؟

كان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ بالله وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين.

ما الذي فعله الشافعي حين أراد شراء ضيعة بمكة فلم يجد مناسبة؟

بسط مضرباً بمنى يكون فيه أصحابه إذا حجوا ينزلون فيه، بدلاً من شراء الضيعة.

ما الذي قاله الشافعي عن موقفه في المناظرة؟

قال الشافعي: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وكان يشترط أن يكون مناظره نظيراً له في الدرجة العلمية.

ما علة وفاة الإمام الشافعي؟

مرض الشافعي بالبواسير واشتدت عليه علته حتى توفي.

ما الأبيات التي أنشدها الشافعي في مرض وفاته؟

أنشد أبياتاً تبدأ بـ: إليك إله الخلق أرفع رغبتي وإن كنت يا ذا المن والجود مجرما، وتعبّر عن الخوف من الذنب والرجاء في عفو الله.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!