اكتمل ✓
الفصل 30

كيف أظهرت الكائنات من جمادات وحيوانات ونباتات محبتها لرسول الله وما هي أبرز معجزاته الكونية كانشقاق القمر؟

فطر الله جميع الكائنات غير المكلفة من جمادات ونباتات وحيوانات على محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة رسالته. وقد تجلت هذه المحبة في صور عديدة: سلام الحجر والشجر والجبال عليه، وحنين جذع النخل إليه، وتسبيح الحصى في يده، وانشقاق القمر بإشارته، واستجابة السحاب لدعائه، وسجود الجمل والأصنام بين يديه. وقد ذكر القرآن الكريم معجزة انشقاق القمر في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾.

16 دقيقة قراءة
  • هل تعلم أن كل شيء بين السماء والأرض يعلم أن محمداً رسول الله إلا عاصي الجن والإنس، كما أخبر النبي نفسه؟

  • الحجر والشجر والجبال في مكة كانت تسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وتشتاق إليه، وشهد بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

  • جذع النخل بكى حنيناً للنبي حين فارقه إلى المنبر، فضمه النبي وخيّره بين الجنة والدنيا فاختار الجنة.

  • معجزة انشقاق القمر آية كونية ثابتة بالقرآن والسنة، أجراها الله تأييداً لنبيه حين طلبتها قريش.

  • استجاب السحاب والتراب والحجر والطعام لإشارة النبي ودعائه في مواقف متعددة متواترة تفيد العلم القطعي.

  • الحيوانات من وحش البيت إلى الأسد والجمل كانت تُجلّ النبي وتتأدب في حضرته وتعظّم ذكره حتى في غيابه.

تسبيح الكائنات ومعرفتها برسالة النبي محمد

من عظم مكانة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم عند ربه - جل شأنه - أن فطر سبحانه جميع الكائنات غير المكلفة من جمادات ونباتات وحيوانات على محبته وطاعته، وجعلها - سبحانه وتعالى - عارفة به عالمة برسالته، ولا غرابة في ذلك فقد أشار القرآن الكريم إلى إدراك هذه الكائنات وتسبيحها لله العظيم. قال تعالى:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس» .

سلام الحجر والشجر والجبال على رسول الله بمكة

فالحجر والشجر والجبال أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرحوا ببعثته الشريفة، وسلموا عليه واشتاقوا إليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» ، وفي رواية أخرى «كان يسلم علي ليالي بعثت» ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا معه في بعض نواحينا، فمررنا بين الجبال والشجر، فلم نمر بشجرة ولا جبل، إلا قال السلام عليك يا رسول الله» .

فرح المدينة المنورة بقدوم النبي وحزنها على وفاته

والمدينة فرحت وأضاءت لقدوم المصطفى صلى الله عليه وسلم فعن أنس رضي الله عنه قال:

«لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلم من المدينة كل شيء، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا» .

محبة جبل أحد للنبي وطاعته لأمره الشريف

وكان أحد من الجبال التي شهد النبي صلى الله عليه وسلم بحبها له وللمؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم عنه:

«هذا جبل يحبنا ونحبه» .

بل استجاب هذا الجبل الأشم في خضوع وطاعة لأمر حبيبه وسيده النبي صلى الله عليه وسلم عندما ركله برجله الشريفة صلى الله عليه وسلم لما اهتز أحد به هو وأصحابه، فقد صح عن أنس رضي الله عنه:

«أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله وقال: اثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان» . فاستجاب أحد على الفور محبًا مطيعًا لسيده وحبيبه المصطفي صلى الله عليه وسلم.

تسبيح الحصى في يد النبي وأيدي الخلفاء الراشدين

والحصى يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويفرح به ويسبح في يده الشريفة صلى الله عليه وسلم، واستمرت تسبح لله بفرحها وحبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصلت ليد عثمان رضي الله عنه، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: إني لشاهد عند النبي في حلقة وفي يده حصيات، فسبحن في يده - وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فسبحن مع أبي بكر، سمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فسبحن في يده، يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان، فسبحن في يده، ثم دفعهن إلينا، فلم يسبحن مع أحد» .

حنين جذع النخل للنبي واختياره أن يكون شجرة في الجنة

ولقد أحبه الجذع وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف صلى الله عليه وسلم، بل وبكى بكاء شديدا تشوقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد تواتر هذا الخبر، وصار العلم به محتمًا، وروي عن أكثر من صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أنه عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب، فإذا طال وقوفه وضع يده الشريفة على ذلك الجذع، ولما كثر عدد المصلين صنع له الصحابة منبرا، فلما خرج صلى الله عليه وسلم من باب الحجرة الشريفة يوم الجمعة يريد المنبر، وجاوز الجذع الذي كان يخطب عنده، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم ومسحه، ثم ضمه بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ، ثم خيره بأن سارره بين أن يكون شجرة في الجنة، تشرب عروقه من أنهار الجنة، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا، فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله » فسكن الجذع، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم التزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

شجرة تستأذن ربها لتسلم على رسول الله

كما أن الشجرة تشوقت للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت ربها عز وجل أن تسلم عليه صلى الله عليه وسلم. فعن يعلى بن مرة الثقفي رضي الله عنه قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلنا منزلا، فنام النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته. ثم رجعت إلى مكانها. فلما استيقظ ذكرت له ذلك، فقال:

«هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم علي، فأذن لها» .

سجود الحجر والشجر للنبي في رحلة الشام مع أبي طالب

وقد سجد له الحجر والشجر الذي مر به النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه وهو مع أبي طالب في رحلة الشام، وهذا السجود سجود تحية للنبي صلى الله عليه وسلم وكان مشروعًا من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم للبشر، فنسخ في شريعة الإسلام في حق البشر، وظل أمرًا كونيا في حق الجمادات ومن لا يعقل، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهقال: «خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب - وكان قبل ذلك يمرون فلا يخرج إليهم ولا يلتقت إليهم - قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول الله رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبيٍّ» .

تكرر سجود الشجر أمام النبي لإظهار صدق رسالته

وقد تكرر سجود الشجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم - كان يداوي ويعالج - فقال: يا محمد، إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك ؟ قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: هل لك أن أريك آية ؟ وعنده نخل وشجر. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عذقا منها فأقبل، وهو يسجد ويرفع، ويسجد ويرفع رأسه حتى انتهى إليه، فقام بين يديه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى مكانك، فرجع إلى مكانه، فقال: والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبدا» .

شهادة الشجرة بالرسالة أمام الأعرابي ودلالتها

وكما عبر الشجر عن محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسجودها بين يديه وبإلقاء السلام عليه، كذلك عبرت عن حبها الشديد بشهادتها له صلى الله عليه وسلم بالشهادة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين تريد؟ قال إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذه السمرة. فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا، حتى كانت بين يديه فاستشهدها ثلاثا، فشهدت أنه كما قال. ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه. وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت إليك، فكنت معك» .

انشقاق القمر كآية كونية على صدق النبوة

ومن شواهد محبة الكائنات له صلى الله عليه وسلم استجابة الكائنات له، وتأييدها له بأمر ربها سبحانه وتعالى، ومن هذا ما حدث من انشقاق القمر لإشارته المباركة صلى الله عليه وسلم عندما طلبت قريش منه ذلك، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه:

«أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية؛ فأراهم انشقاق القمر» .

وفي حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:

«اشهدوا، اشهدوا» .

وقد ذكر القرآن الكريم معجزة انشقاق القمر لإشارته المباركة صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل:

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ .

استجابة السحاب لدعاء النبي في الاستسقاء وتحويل المطر

ولم تكن استجابة القمر هي الشهادة الوحيدة على محبة الكائنات واستجابتها لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استجاب السحاب

له صلى الله عليه وسلم وتجمع من كل مكان محبة وطاعة له بأمر ربه -سبحانه وتعالى-، ثم تساقط مطرًا فسقى الناس، وهذا ما رواه أنس رضي الله عنه قال: «أصاب الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وما في السماء قزعة، قال: فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك، وفي الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي، أو رجل غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم حوالينا لا علينا» قال: فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلاَّ تفرجت، حتى صارت المدينة مثل الجوبة، حتى سال الوادي - وادي قناة شهرا، قال: فلم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود» . فها هو السحاب يستجيب لإشارته الشريفة ويتفرج لها كما كان حال القمر كذلك.

سقوط الأصنام حول الكعبة عند الفتح بقراءة آيات الحق

حتى الأصنام التي عبدها الناس من دون الله فهي تسبح بحمد الله، وتحب الله، وتحب من يحبه الله سبحانه وتعالى، فهي تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وتستجيب كباقي الجمادات لإشاراته الشريفة، فكان يوم فتح مكة حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فصار صلى الله عليه وسلم يشير إليها بعود في يده واحدًا واحدًا، فتخر الأصنام على وجهها ، وهو يقرأ

﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾

﴿قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ .

استجابة التراب لرمي النبي يوم حنين وهزيمة المشركين

وقد استجاب التراب كذلك لرغبته وقصده الشريف صلى الله عليه وسلم عندما حمل النبي صلى الله عليه وسلم كفًا من التراب أو من الحصباء، ورمى بها وجوه الكفار، فلم يبق منهم واحد إلا دخل التراب في عينيه وفمه، فانهزموا جميعا، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما واجهنا العدو، تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو، فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما، وعلي بردتان، متزرا بأحدهما، مرتديا الأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزما - أي سلمة بن الأكوع - وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأى ابن الأكوع فزعا. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب، ثم استقبل به وجوههم، فقال شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين» .

نبع الماء من بين أصابع النبي وتواتر هذه المعجزة

وإذا كانت حياة القلوب والأرواح نبعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك نبع الماء الذي هو سبب حياة الأبدان من بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله. قال: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

قال الإمام القرطبي رحمه الله: قصة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة من غير نبينا صلى الله عليه وسلم؛ حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه.

تكثير العجين والطعام في قصة جابر يوم الخندق

واستجاب العجين والطعام لبصقه صلى الله عليه وسلم وكثر كما أراد له صلى الله عليه وسلم، وهذا تواتر في أزمنة مختلفة وفي أماكن مختلفة داخل المدينة وخارجها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لما حفر الخندق، ورأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا فانكفيت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، فأخرجت إلى جرابًا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، ذبحنا بهيمة لنا، وطحنا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سورا، فحي هلا بكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء. قال: فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جاءت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها. وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو» .

استجابة حجر الخندق لضربة النبي وتحوله كثيباً أهيلاً

وقد استجاب الحجر لضربته الشريفة صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، ولم يعص حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم فصار له رملا متفتتا، وقد عجز أصحابه أن يفتتوا منه جزءًا يسيرًا، فعن أيمن المخزومي رحمه الله قال: «أتيت جابرا رضي الله عنه فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب في الكدية فعاد كثيبًا أهيل - أو أهيم» .

نطق الشاة المسمومة وتحذيرها للنبي من السم

ونطقت الشاة بعد ذبحها وشيِّها محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وخوفًا عليه، بإذن ربها معجزة له صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنها مسمومة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه برفع أيديهم عنها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك علي .

وفي حديث جابر رضي الله عنه عند أبي داود: «قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا أيديكم، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية، فدعاها. فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: «أخبرتني هذه في يدي» للذراع.

تأدب الوحش في بيت النبي ومحبة الحيوان لراحته

وكانت الحيوانات تتأدب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم محبةً له وخوفًا على راحته، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش: فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل، ربض فلم يترمرم، ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه » .

قصة الأسد مع سفينة مولى رسول الله وتعظيمه لاسمه

كما كانت الحيوانات تجل ذكره، وتهابه وتحبه حتى في عدم حضرته، فعن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ركبت البحر، فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحًا من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد. فأقبل إليَّ يريدني. فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فطأطأ رأسه وأقبل إلي، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة، ووقفني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني. فكان ذلك آخر عهدي به» .

سجود الجمل للنبي وتعليم حرمة سجود البشر للبشر

كما سجد له صلى الله عليه وسلم الحجر والشجر محبة وإجلالا وتحية، كذلك سجد الحيوان، وهذا ما كان من جمل قصته مذكورة في السنة النبوية متواترة تفيد العلم القطعي، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه وإن الجمل استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وأن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا. فقاموا فدخل الحائط، والجمل في ناحية، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلب وإنا، نخاف عليك صولته، فقال: ليس علي منه بأس. فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل.

فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك، قال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها...» .

أبيات البردة في تفوق النبي وامتناع حصر فضائله

ورحم الله صاحب البردة حيث قال عنه:

فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ وَلَـمْ يُـدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلاَ كَـرَمِ

وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْـفاً مِنَ الدِّيَمِ

وَوَاقِفُونَ لَدَيْهِ عِنْدَ حَــدِّهِمُ مِنْ نُقْطَةِ الْعِلْمِ أَوْ مِنْ شَكْلَةِ الحِكَمِ

فَهُوَ الَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُـورَتُهُ ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبِيبــاً بَارِئُ النَّسَمِ

مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ فِي مَـحَاسِنِهِ فَجَوْهَرُ الْحُسْـنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمِ

دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمُ وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ

وَانْسِبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ وَانْسِبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ

فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فَيُــعْرِبُ عَنْهُ نَاطِــقٌ بِـفَمِ

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن علم الكائنات برسالته؟

إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أنه رسول الله إلا عاصي الجن والإنس

ما الذي اختاره جذع النخل حين خيّره النبي صلى الله عليه وسلم؟

أن يكون شجرة في الجنة تشرب عروقها من أنهارها

في أي سورة قرآنية ذُكرت معجزة انشقاق القمر؟

سورة القمر

ما الحكم الشرعي الذي استنتجه النبي من سجود الجمل له؟

لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر

كم عدد الأصنام التي كانت حول الكعبة يوم فتح مكة؟

ثلاثمائة وستون صنماً

من روى قصة تسبيح الحصى في يد النبي وأيدي الخلفاء الراشدين؟

أبو ذر الغفاري

ما الذي قاله النبي لجبل أحد حين اهتز به وبأصحابه؟

اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان

ما الذي حدث للمدينة المنورة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟

أظلم من المدينة كل شيء

ما الذي قاله الراهب لقريش عن الحجر والشجر في رحلة الشام؟

إن الحجر والشجر لم يبق منهما شيء إلا خرّ ساجداً، ولا يسجد إلا لنبي

ما الذي فعله الأسد حين قال له سفينة مولى رسول الله إنه مولى النبي؟

طأطأ رأسه ودفعه بمنكبه حتى أخرجه من الأجمة ووقفه على الطريق

ما الذي قاله الإمام القرطبي عن معجزة نبع الماء من أصابع النبي؟

إنها تكررت في عدة مواطن وتفيد العلم القطعي بالتواتر المعنوي

من أخبر النبي بأن الشاة مسمومة؟

الشاة نفسها بإذن الله

ما الذي حدث للكدية الصلبة في الخندق حين ضربها النبي بالمعول؟

عادت كثيباً أهيل أي رملاً متفتتاً

ما الذي قاله صاحب البردة عن فضل رسول الله؟

إن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم

ما الذي كان يفعله الوحش في بيت النبي حين يدخل النبي؟

يربض ولا يتحرك كراهية أن يؤذيه

ما الآية القرآنية التي تثبت تسبيح الكائنات لله؟

قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ من سورة الإسراء.

ما الحجر الذي أخبر النبي أنه يعرفه ويسلم عليه؟

حجر بمكة كان يسلم على النبي قبل البعثة وليالي البعثة، وأخبر النبي أنه يعرفه الآن، كما رواه أحمد ومسلم.

من الصحابي الذي شهد أن كل شجرة وجبل في نواحي مكة كانت تقول للنبي: السلام عليك يا رسول الله؟

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أخرجه الدارمي والطبراني والحاكم.

لماذا توقف تسبيح الحصى حين دُفعت إلى سائر الصحابة غير الخلفاء الراشدين؟

لأن الحصى كانت تسبح محبةً للنبي وللخلفاء الراشدين الثلاثة خاصةً، ولم تسبح مع غيرهم، مما يدل على خصوصية مقامهم.

ما الذي قاله النبي لو لم يلتزم جذع النخل؟

قال: «والذي نفسي بيده لو لم التزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقاً إلى رسول الله».

ما نوع سجود الحجر والشجر للنبي في رحلة الشام؟

سجود تحية، وكان مشروعاً قبل البعثة ثم نُسخ في حق البشر في شريعة الإسلام، وظل أمراً كونياً في حق الجمادات.

ما الذي قاله الرجل من بني عامر بعد أن رأى العذق يسجد للنبي؟

قال: «والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبداً»، مما يدل على أن هذه المعجزة أثّرت فيه تأثيراً بالغاً.

كم مرة استشهد النبي الشجرةَ السمرة أمام الأعرابي؟

استشهدها ثلاث مرات، فشهدت في كل مرة أنه رسول الله كما قال، ثم رجعت إلى منبتها.

ما الذي قاله النبي لأصحابه حين رأوا السحاب يتجمع لدعائه؟

حين طلب الأعرابي الثاني رفع المطر، رفع النبي يديه وقال: «اللهم حوالينا لا علينا»، فتفرج السحاب عن المدينة حتى صارت مثل الجوبة.

ما الآية التي كان النبي يقرأها حين تخر الأصنام يوم فتح مكة؟

كان يقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ و﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.

ما الذي قاله النبي حين رمى التراب في وجوه الكفار يوم حنين؟

قال: «شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا مدبرين.

ما الذي قاله النبي حين أدخل يده في الإناء ليُخرج الماء؟

قال: «حي على الطهور المبارك والبركة من الله»، ثم رأى ابن مسعود الماء ينبع من بين أصابعه الشريفة.

كم عدد الناس الذين أكلوا من طعام جابر يوم الخندق؟

ألف رجل أكلوا حتى تركوا الطعام وانصرفوا، والبرمة تغط كما هي والعجين يُخبز كما هو.

ما الذي قاله صاحب البردة عن علاقة سائر الأنبياء بالنبي محمد؟

قال: «وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم»، أي أن جميع الأنبياء يأخذون من علمه وفضله.

ما الشرط الذي ذكره النبي لو كان سجود البشر لبشر جائزاً؟

قال: «لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها»، مما يدل على عظم حق الزوج.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!