اكتمل ✓

ما معنى تسخير الكون للإنسان في الإسلام وما حدود قدرة الإنسان على السيادة والتحكم في الطبيعة؟

تسخير الكون للإنسان في الإسلام يعني أن الله سخّر الطبيعة وخيراتها للإنسان بإرادته وقدرته، لا بقوة الإنسان أو تميزه. والإنسان مكلّف بحمل أمانة الخلافة واستثمار الكون لتعمير الأرض لا تدميرها. وحدود سيادته تقف عند إرادة الله، إذ لا سلطان حقيقي في الكون غير سلطانه.

ما معنى تسخير الكون للإنسان في الإسلام وما حدود قدرة الإنسان على السيادة والتحكم في الطبيعة؟
ما معنى تسخير الكون للإنسان في الإسلام وما حدود قدرة الإنسان على السيادة والتحكم في الطبيعة؟
3 دقائق قراءة
  • هل يملك الإنسان سيادة حقيقية على الكون أم أن التسخير من إرادة الله وحده؟

  • حرّر الإسلام الإنسان من عبودية الأشياء وجعله يتعامل مع الطبيعة من منظور السلطة والانتفاع لا الرهبة.

  • تأكيد القرآن على تسخير الكون للإنسان هو تأكيد على روح المنهج العلمي القائم على الثقة بقدرة الإنسان المعرفية.

  • قدرات الإنسان وُهبت له ليفهم سنن الله في الكون وينتفع بخيراته، لا ليتعالى أو يدّعي السيادة المطلقة.

  • أدلة متعددة تثبت أن التسخير من الله لا من قوة الإنسان: الذباب يعجز الإنسان، والطفل يقود الحيوانات الضخمة، والطبيعة تتصرف باستقلالية.

  • الإنسان مدعو لمعرفة حدوده مع خالق الكون، فالعقل ركّبه الله فيه ليعمّر الأرض ويعرف خالقه لا ليلحد أو يدمّر.

تحرير الإنسان من عبودية الأشياء ومنظور السيادة على الكون

البيئة في الحضارة الإسلامية: قضية تسخير الكون للإنسان

إن الإسلام حرر الإنسان من عبودية عالم الأشياء، وجعله يتحرر من رهبتها أو مراقبتها بتوجس، فأصبح يتعامل معها من منظور السلطة والسيادة، فلا يُفَوِّتُ أي فرصة للانتفاع بما سخره الله فيها.

والإنسان لا يستطيع أن يصل من التأمل في الكون إلى معرفة نظامه وقوانينه، إلا إذا وثق بنفسه أولا وآمن بأن الكون المشاهد خاضع لإدراكه وبحثه، وبأن ظواهره ليست بالشيء المبهم الغامض الذي لا يفسر، وبأن في مقدوره الاستفادة من الكون واستغلال خيراته على أوسع نطاق لتأمين حياته ورفاهيتها.

تأكيد التسخير وعلاقته بالمنهج العلمي وتميّز الإنسان بالخلافة

وتأكيد القرآن على أن الكون كله مسخر للإنسان هو في نفس الوقت تأكيد على روح المنهج العلمي الصحيح، الذي يحاول دائماً استكشاف ما هو مجهول من هذا الكون وظواهره على أساس من الثقة بقدرة الإنسان وبالعلم في مواجهة الطبيعة.

فالإنسان جزء من الكون، لكنه تميز عليه بعلاقته الخاصة مع الخالق، فهو المكلف بحمل الأمانة التي شق على السماوات والأرض والجبال تحملها، لأنها مسؤولية، فارتضت الكائنات أن تكون مسخرة للإنسان يُسْأَلُ هو عنها.

وقد تميز الإنسان أيضاً على بقية المخلوقات بأنه خُلِقَ مُعَدًّا لاستيعابها معرفياً، فباستطاعته أن ينقل العالم الخارجي في صورته الكمية والكيفية إلى عالمه الداخلي، فاستحق بقدرته المعرفية أن يحمل أمانة الخلافة.

وظيفة القدرات البشرية وحدودها في تسخير الكون

والملكات والقدرات التي مُنِحَهَا الإنسان وفُضِّلَ بها إنما هي ليتمكن من الاستفادة بما سخر له في الكون من منافع، ولم تكن للسيطرة على الكون والتعالي عليه، والشعور بالسيادة المطلقة فيه، فإن تلك القدرات التي وهبت للإنسان هي لتمكينه من فهم وإدراك سنن الله المودعة سلفاً في كونه، وبمعرفتها يتمكن من الانتفاع بخيرات الكون التي سخرها الله له.

إذن فليست ملكات الإنسان وقدراته هي التي سَخَّرَتْ له الكونَ ومَكَّنَتْهُ منه، ودليل ذلك:

دليل الذباب على أن التسخير من إرادة الله لا من قوة الإنسان

  1. ألا نرى أضعف الخلق كالذباب يمكنه أن يخترق كل الحُجُز ويصل إلى الإنسان فيسلبه شيئاً لا يستطيع استنقاذه منه، قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [سورة الحج: آية ٧٣].

  1. وكذلك نرى أضعف الناس جسماً كالطفل الصغير وأضعفهم عقلاً كالمجنون يستطيع كلٌّ منهما التحكم فيما سُخِّرَ للإنسان نفعه كالماء والحيوانات الضخمة وغيرها، تنفعل له وتستجيب لقياده، لا لقدرة بدنية أو عقلية فيه.

تفاعل الطبيعة مع الإنسان دون قصد ونتيجة ذلك في فهم التسخير

  1. وقد تنفعل الطبيعة مع الإنسان دون قصد منه، كأن يمر فى طريق فتطأ قدمه بذرة فتصير شجرة فيأكلها حيوان فيصيده الإنسان فيأكله، فيجعله الله سبباً فى حياة دون أن يدرى ذلك.

ونخلص من ذلك أن الكون سُخِّرَ للإنسان بإرادة الله وقدرته، وليس لِتَمَيُّزِهِ وقوته دَخْلٌ فى ذلك التسخير.

استقلال الطبيعة أحياناً عن الإنسان وتخلف السنن عن سيطرته

  1. والطبيعة قد تنفعل بذاتها بإذن الله فتحافظ على قدرتها ونضارتها وجمالها، فحتى فترة وجيزة من التاريخ كان الإنسان يعثر في الأرض على أماكن لم تطأها قدم إنسان من قبل، وقد حظيت الطبيعة فيها بخيرات وحياة وجمال ينبهر به الإنسان.

  2. ويثبت التاريخ والمشاهدات والتجارب عن حالات كثيرة تتخلف فيها مظاهر الكون عن سيطرة الإنسان وقبضته، فتنخرق السُّنَّة التي يظن الإنسان أنه أحاط بكل أسرارها واستنفد جميع أسباب إقامتها، فالمؤمن يعلم أن من وراء ذلك إلها واحدا، وأنه لا سلطان حقيقة في الكون غير سلطانه ولا قوة قاهرة غير قوته ولا ملك إلا ملكه.

غرور فرعون بملكه وقلب الموازين بنصرة موسى وقومه

ويحكي لنا القرآن عن بعض الملوك المتجبرين والفراعنة في الأرض الذين ظنوا أن سلطانهم فوق كل قوة، فقال تعالى:

{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [سورة الزخرف: آية ٥١].

وكأن تسلطه على الأرض والماء في بقعة من الأرض يعطيه الحق في استعباد الناس. وقد سعى لاستعبادهم بكل سبيل، ولم يتصور أن يَخْرُجَ موسى وقومه على إرادته وبطشه.

فكل القوانين الكونية أو التوقعات البشرية تُؤَكِّدُ أن فرعون منتصر، فبعد أن تجبر في أرض مصر وتكبر وعلا أهلها وقهرهم حتى أقروا له بالعبودية، لا يمكن لموسى ومن تبعه أن ينجو من بطشه، فضلا عن أن يتحقق له ما وعده الله به، وأنجزه وعده. قال: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} ولاة وملوكا {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:6] نورثهم ملك آل فرعون في الأرض. {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ} [القصص:7]، ولولا أن تدخلت إرادة الله وقوته فقلبت الموازين وغيرت السنن في اتجاه نصرة الحق ونجاة أصحاب المنهج ما كانت تلك النتيجة.

حدود الإنسان وملكية الله للكون ووظيفة العقل في تعمير الأرض

ولا يمكن لإنسان العصر أن يستقر نفسيا ويأخذ وجهته الصحيحة نحو إنجاز رسالته على الأرض إلا إذا عرف حدوده مع خالق هذا الكون ومدبره، ذلك أن الكون كله شأن من شؤون الله تعالى،

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [سورة آل عمران: آية ١٠٩]

فهو تعالى خالق الكون بما فيه الإنسان، وهو الذي ركَّب العقل في الإنسان ليعمِّر به الأرض لا ليدمرها، وليعرف به خالقه لا ليلحد، والإنسان مدعوٌّ أن يضع نفسه في إطار الكون كله وقوانينه المطردة لا في إطار قدرته الخاصة المحدودة، وسيرى أن ليس للإنسان قدرة على توجيه مجرى الحوادث الكونية وفق مشيئته، لأن هذا من شأن خالق الأشياء جميعا ومدبرها، وهو الله.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي حرّر الإسلام الإنسان منه في تعامله مع الطبيعة؟

عبودية عالم الأشياء والرهبة منها

ما الشرط الأساسي الذي يجعل الإنسان قادراً على استكشاف نظام الكون وقوانينه؟

الثقة بالنفس والإيمان بأن الكون خاضع لإدراكه

لماذا تميّز الإنسان على بقية المخلوقات باستحقاق حمل أمانة الخلافة؟

بقدرته المعرفية على استيعاب العالم الخارجي

ما الغرض الحقيقي من القدرات والملكات التي وُهبت للإنسان وفق المفهوم الإسلامي؟

فهم سنن الله والانتفاع بخيرات الكون

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها دليلاً على عجز الإنسان أمام أضعف المخلوقات؟

آية الذباب من سورة الحج

ما الدلالة من قدرة الطفل الصغير والمجنون على التحكم في الحيوانات الضخمة؟

أن التسخير من إرادة الله لا من قوة الإنسان

ما الذي يثبته تفاعل الطبيعة مع الإنسان دون قصد منه؟

أن الكون سُخِّر للإنسان بإرادة الله لا بتدبيره

ما الذي يثبته استقلال الطبيعة أحياناً عن تدخل الإنسان؟

أن الطبيعة تحافظ على نضارتها وجمالها بإذن الله

ما الخطأ الذي وقع فيه فرعون وفق ما يحكيه القرآن الكريم؟

ظنّ أن سلطانه على الأرض والماء يعطيه حق استعباد الناس

ما الذي تكشفه قصة موسى وفرعون عن طبيعة السنن الكونية؟

إرادة الله تقلب الموازين وتغيّر السنن لنصرة الحق

لماذا ركّب الله العقل في الإنسان وفق المفهوم الإسلامي؟

ليعمّر الأرض ويعرف خالقه

ما الإطار الصحيح الذي يجب أن يضع فيه الإنسان نفسه وفق المنظور الإسلامي؟

إطار الكون وقوانينه المطردة لا إطار قدرته الخاصة المحدودة

كيف يتعامل الإنسان المسلم مع الطبيعة بعد تحرره من عبودية الأشياء؟

يتعامل معها من منظور السلطة والسيادة لا الرهبة والتوجس، فلا يفوّت أي فرصة للانتفاع بما سخّره الله فيها.

ما الشرط الذي يجعل الإنسان قادراً على التأمل في الكون ومعرفة نظامه؟

أن يثق بنفسه ويؤمن بأن الكون خاضع لإدراكه وبحثه، وأن ظواهره ليست مبهمة غامضة لا تُفسَّر.

ما الأمانة التي شقّ على السماوات والأرض والجبال تحملها فحملها الإنسان؟

أمانة الخلافة، وهي مسؤولية تعمير الأرض واستثمار الكون وفق إرادة الله.

بم تميّز الإنسان على بقية المخلوقات ليستحق حمل أمانة الخلافة؟

تميّز بقدرته المعرفية على نقل العالم الخارجي في صورته الكمية والكيفية إلى عالمه الداخلي.

ما الفرق بين الغرض من قدرات الإنسان والسيادة المطلقة على الكون؟

القدرات وُهبت للإنسان ليفهم سنن الله وينتفع بخيرات الكون، لا للسيطرة المطلقة أو التعالي على الكون.

ما مضمون آية الذباب في سورة الحج وما دلالتها؟

تبيّن أن أضعف الخلق كالذباب يستطيع سلب الإنسان شيئاً لا يستطيع استنقاذه منه، مما يدل على أن التسخير من الله لا من قوة الإنسان.

ما المثال الواقعي الذي يثبت أن التسخير من الله لا من القدرة البدنية أو العقلية؟

الطفل الصغير والمجنون يستطيع كل منهما التحكم في الحيوانات الضخمة والماء، لا لقدرة فيهما بل لأن التسخير من إرادة الله.

كيف تتفاعل الطبيعة مع الإنسان أحياناً دون قصد منه؟

كأن تطأ قدمه بذرة فتصير شجرة فيأكلها حيوان فيصيده الإنسان، فيجعله الله سبباً في حياة دون أن يدري.

ما الذي يحدث للطبيعة حين تبتعد عن تدخل الإنسان؟

تحافظ على قدرتها ونضارتها وجمالها بإذن الله، وقد كان الإنسان يعثر على أماكن لم تطأها قدم بشر تزخر بالخيرات والجمال.

ما الذي يعلمه المؤمن حين تتخلف السنن الكونية عن سيطرة الإنسان؟

يعلم أن من وراء ذلك إلهاً واحداً، وأنه لا سلطان حقيقي في الكون غير سلطانه ولا قوة قاهرة غير قوته.

ما الذي ظنّه فرعون عن سلطانه وكيف ردّ الله عليه؟

ظنّ أن ملكه لمصر وأنهارها يعطيه حق استعباد الناس، فتدخّلت إرادة الله وقلبت الموازين فأورث موسى وقومه ملكه.

لماذا لا يستطيع الإنسان توجيه مجرى الحوادث الكونية وفق مشيئته؟

لأن توجيه مجرى الحوادث الكونية من شأن خالق الأشياء جميعاً ومدبّرها وهو الله، وليس من شأن الإنسان المحدود القدرة.

ما الشرط النفسي الذي يحتاجه إنسان العصر ليؤدي رسالته على الأرض؟

أن يعرف حدوده مع خالق الكون ومدبّره، ويضع نفسه في إطار قوانين الكون المطردة لا في إطار قدرته الخاصة المحدودة.

ما الوظيفة المزدوجة للعقل الذي ركّبه الله في الإنسان؟

ليعمّر به الأرض لا ليدمّرها، وليعرف به خالقه لا ليلحد.

ما الآية التي تؤكد أن الكون كله ملك لله وإليه ترجع الأمور؟

قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} من سورة آل عمران.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!