اكتمل ✓

ما حكم الإساءة للرسول باسم حرية التعبير وكيف يتعامل الإسلام مع هذه الأزمة؟

الإسلام يكفل حرية الرأي والعقيدة لكل إنسان، لكنه يُحرّم الاعتداء على مقدسات الآخرين بما فيها سب الأنبياء. حرية التعبير في الفقه الإسلامي حرية ملتزمة مقيدة بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. والمنهج القرآني في إدارة أزمة الاستهزاء يقوم على الصفح الجميل والإعراض عن المشركين مع الاستمرار في الدعوة.

ما حكم الإساءة للرسول باسم حرية التعبير وكيف يتعامل الإسلام مع هذه الأزمة؟
ما حكم الإساءة للرسول باسم حرية التعبير وكيف يتعامل الإسلام مع هذه الأزمة؟
4 دقائق قراءة
  • هل يمكن الجمع بين حرية التعبير الغربية واحترام مقدسات المسلمين في عالم واحد؟

  • أزمة الدنمارك كشفت هوة عميقة بين العالم الإسلامي والغرب في فهم مفهوم الحرية وحدودها.

  • كتاب الديمقراطية في أمريكا لتوكفيل يُعدّ مرجعاً أساسياً لفهم العقلية الغربية وأصول الديمقراطية.

  • الديمقراطية الغربية ذاتها تُقرّ بوجود رؤيتين للحرية، إحداهما مرفوضة لأنها تؤدي إلى الفوضى.

  • الإسلام يكفل حرية العقيدة ويؤخر المحاسبة عليها إلى يوم القيامة، لكنه يُحرّم الاعتداء على مقدسات الآخرين.

  • المنهج القرآني في التعامل مع المستهزئين يقوم على الصفح الجميل والإعراض، وهو الأساس الذي يجب أن تُدار به هذه الأزمات.

مقدمة أزمة الدنمارك وطرح قضية الحرية والحوار مع الغرب

أزمة الدنمارك 1-3

بمناسبة معرض الكتاب، والأزمة الحاصلة الآن بين العالم الإسلامي وبين الغرب للإساءة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت أن أكتب شيئًا حول الفرق بين حرية الرأي، وحرية التعبير، وعلاقة ذلك بالمبدأ الديمقراطي، وبالإسلام.

فليس فقط الدين مختلف، والعقلية مختلفة، والتاريخ مختلف، والثقافة مختلفة، بل أيضًا التناول مختلف، ورأيت أن فتح هذا الباب في غاية الأهمية، ونحن ندعو إلى بناء جسور الحوار والتفاهم بين البشر، وأن هذه الاختلافات في لغة الحوار، وفي المفاهيم تعد عقبة شديدة تهدم كل ما نبني، وتعطل كل ما انطلقنا، وتغبش الهدف الذي نريد أن نصل إليه.

وكنت أتمنى أن تكون المساحة التي أكتب فيها اليوم أكبر من ذلك، حتى أستطيع الوصول إلى عقل القارئ بصورة متكاملة عن هذه القضية الحساسة، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يناله.

عرض كتاب الديمقراطية في أمريكا وأهميته لفهم عقلية الغرب

  1. كتاب (الديمقراطية في أمريكا)، وهو من جزأين تأليف ألكسيس توكفيل، وترجمة وتعليق الأستاذ أمين مرسي قنديل، طبع عالم الكتب، وطبع فيها ثلاث طبعات آخرها سنة 1991م، وكانت هذه الترجمة عن الطبعة السادسة عشر، والتي أعدها وعلق عليها آندريه جاين، وحظي هذا الكتاب بتصدير من الدكتور محسن مهدي، أستاذ الدراسات العربية بجامعة هارفارد، وهو كتاب مهم للغاية، فقد ألفه صاحبه في أوائل القرن التاسع عشر بالفرنسية، ونشر في أمريكا في سنة 1862 بترجمة إنجليزية، ثم تراه ينشر حتى يومنا هذا، ولذلك فهو من قبيل الكتب الأساسية الشارحة لتلك الأصول التي نبحث عنها لفهم لغة الآخر، ومكونات عقليته، وهو الأمر اللازم لتحليل المضمون وقراءة الأحداث وأهم من ذلك كله كيفية التعامل.

معرض الكتاب ذكرني بذلك الكتاب، ولا أدري إذا كان ما زال موجودا في الأسواق أم أنه قد نفدت نسخه، لكنه ذكرني أيضا بكثير من الكتب الأساس، التي يجب علينا أن نطلع عليها، بعد أن أصبحنا في قرية واحدة، أو في بحر واحد نشعر بالأمواج فيه سويًا، وبدرجة واحدة.

أساس الديمقراطية بين المساواة وحرية الرأي والعقيدة في الإسلام

  1. في ذلك الكتاب يقول إن أساس الديمقراطية هو السعي إلى المساواة، وأن هذا يحدث مشكلة يواجهها كهنة الديمقراطية والداعيين إليها مع الحرية ومفهومها، فهناك حرية الرأي والاعتقاد، وهناك حرية التعبير، وأن حرية الرأي والاعتقاد مكفولة لكل أحد منذ مذهب التجاريين، وكلام آدم سميث (دعه يعمل دعه يمر) وأن هذا يقتضي تلك القضية، وهو ما لا نجد فيه بأسًا في الدين الإسلامي، الذي قرر حرية العقيدة في أجلى صورها، وأخَّر المحاسبة عليها إلى يوم القيامة، وليس في الحياة الدنيا، فقال تعالى :

(فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:29]

وقال سبحانه:

(لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ) [البقرة:256]

وقال:

(فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [النساء:80].

إشكالية حرية التعبير والرؤيتان المتقابلتان لمفهوم الحرية

أما حرية التعبير سوف تتقاطع مع عقائد الآخرين من جهة، ومع المساواة من جهة أخرى، وإذا كانت هذه مشكلة عند كهنة الديمقراطيين من أول القرن التاسع عشر، فالعجيب أنها ما زالت مشكلة ونحن في القرن الحادي والعشرين.

بالرغم من أنهم قرروا بوضوح في كتبهم فقالوا: أن هناك رؤيتان للحرية الأولى مرفوضة: وهي ترى التحرر من القيود والضوابط جميعها، بحيث يستطيع أن يفعل الإنسان كل ما يريد، وهو الأمر الذي يحول الاجتماع البشري إلى فوضى عارمة، لا يمكن تصورها فضلا عن قبولها. والثانية: ترى أن الحرية تعني استقلال الإرادة والحرية في التعبير بما يتلائم مع الاجتماع البشري، والالتزام بالضوابط التي يتفق عليها جماعة البشر كالضوابط الدينية والأخلاقية، والعرفية التي يتصالح عليها المجتمع، والحرية بهذا المنظور توجه على أنها الوجه الآخر من المسئولية، فقبل أن يعلم الإنسان أنه يتمتع بالحرية، يعلم أنه مسئول عن تلك الحرية وتلك الاختيارات والأقوال والأفعال أمام المجتمع البشري الذي يعيش به.

نسبية الحرية وضرورة تقييد الفرد لحماية المجتمع الإنساني

وبذلك يتبين لنا أن تقييد حرية الفرد من مقتضيات قيام المجتمع الإنساني، خاصة مع تشابك المصالح واختلاف الأهواء، وتظل الحرية معنى نسبيا يتفاوات بتفاوت الزاوية التي ينظر منها إليها حتى لو تحدد نطاقها، وأعطيت وصفا معينا (سياسيا أو اقتصاديا أو دينيا .. إلخ)، فقد يكون المقصود الحرية من قيد معين بالمعنى السياسي أو الحرية بقصد تحقيق غرض معين بالمعنى الاجتماعي.

تسافل الصحف الدنماركية والنرويجية والفرنسية في الإساءة للرسول

  1. بعدما تسافلت الصحيفة الدنماركية ونشرت ما نشرت من الإساءة إلى سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم، رأينا صحيفة نرويجية تفعل ذلك ثم في فرنسا، بدعوى أنهم يريدون اختبار هذه المسألة، ولكنهم عرضوها بطريقة ساذجة فجة، وليست بنفس الطريقة التي تكلم عنها ألكسيس توكفيل الفرنسي الأصل في كتابه المشار إليه.

وهذا يبين لنا أن الرصانة والتفكير المستقيم قد انسحب من عند جمهور الغوغائيين، وهي سمة من سمات العصر نسأل الله اللطف بنا فيها.

حرية التعبير الملتزمة في الفقه الإسلامي واحترام مقدسات الآخرين

  1. حرية التعبير عند فقهاء المسلمين، حرية ملتزمة لا يجوز العدوان على مقدسات الآخرين، وحتى لو عبدوا الوثن، قال تعالى:

(وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:108].

وقال تعالى في صفات عباد الرحمن:

(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) [الفرقان:63].

وقال تعالى:

(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة:83].

المنهج القرآني في الصفح الجميل وإدارة الأزمات مع المستهزئين

وقال تعالى:

(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِى وَالْقُرْآنَ العَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ * كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ) [الحجر:85: 99].

وهذه الآيات يجب أن تكون أساس التعامل في هذه الأزمة؛ لأنها هي الإشارات الربانية المعصومة من الهوى والزلل والقصور والتقصير، يجب علينا أن نتأملها وأن نستخرج منها قاعدة لإدارة الأزمات. (يتبع)

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الديمقراطية وفق كتاب توكفيل؟

السعي إلى المساواة

ما الآية القرآنية التي تنهى عن سب معبودات غير المسلمين؟

ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم

أي الرؤيتين للحرية يعتبرها الفكر الغربي مرفوضة؟

الحرية التي تعني التحرر من كل القيود والضوابط

ما الأمر الذي يُميّز حرية التعبير في الفقه الإسلامي عن المفهوم الغربي المطلق؟

أنها ملتزمة ولا تجيز الاعتداء على مقدسات الآخرين

ما الموقف الذي أوصى به القرآن الكريم تجاه المستهزئين بالرسول؟

الصفح الجميل والإعراض عن المشركين

في أي قرن ألّف توكفيل كتابه الديمقراطية في أمريكا؟

أوائل القرن التاسع عشر

ما الذي يُثبت أن الإسلام يكفل حرية العقيدة؟

أنه يؤخر المحاسبة على العقيدة إلى يوم القيامة

ما وصف الكاتب للطريقة التي عرضت بها الصحف الأوروبية مسألة حرية التعبير في أزمة الدنمارك؟

ساذجة وفجة

ما الصفة التي وصف بها القرآن الكريم عباد الرحمن في تعاملهم مع الجاهلين؟

يقولون سلاماً

لماذا يُعدّ تقييد حرية الفرد ضرورة اجتماعية؟

بسبب تشابك المصالح واختلاف الأهواء في المجتمع

ما الفرق الجوهري بين حرية الرأي وحرية التعبير في سياق أزمة الدنمارك؟

حرية الرأي والاعتقاد مكفولة لكل إنسان ولا خلاف عليها، أما حرية التعبير فتتقاطع مع عقائد الآخرين ومع مبدأ المساواة مما يجعلها مصدر إشكالية قائمة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

ما الهدف من قراءة كتاب الديمقراطية في أمريكا في سياق الأزمات مع الغرب؟

فهم مكونات العقلية الغربية وأصولها الفكرية، وهو الأمر اللازم لتحليل المضمون وقراءة الأحداث ومعرفة كيفية التعامل مع الآخر في عالم أصبح كقرية واحدة.

ما الآية القرآنية التي تُقرّر أن الإسلام لا يُكره أحداً على الدين؟

قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ) في سورة البقرة، وكذلك (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) في سورة الكهف.

كيف تُعرّف الرؤية الصحيحة للحرية في الفكر الغربي؟

هي استقلال الإرادة والحرية في التعبير بما يتلاءم مع الاجتماع البشري، مع الالتزام بالضوابط الدينية والأخلاقية والعرفية، وهي الوجه الآخر للمسؤولية.

ما الدول التي شاركت في نشر الإساءة للرسول في أزمة الدنمارك؟

بدأت الصحيفة الدنماركية ثم تبعتها صحيفة نرويجية ثم صحيفة فرنسية، بدعوى اختبار مسألة حرية التعبير.

ما الأمر الذي يُثبت نسبية مفهوم الحرية؟

الحرية تتفاوت بتفاوت الزاوية التي يُنظر منها إليها، فقد تعني الحرية من قيد معين بالمعنى السياسي أو تحقيق غرض معين بالمعنى الاجتماعي، حتى لو تحدد نطاقها وأُعطيت وصفاً معيناً.

ما الآية التي تأمر المسلمين بحسن القول مع الناس جميعاً؟

قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) في سورة البقرة.

ما السمة التي وصف بها الكاتب انتشار الغوغائية في الإعلام الغربي؟

وصفها بأنها سمة من سمات العصر، إذ انسحب التفكير الرصين والمستقيم من عند جمهور الغوغائيين الذين يتصدرون المشهد الإعلامي.

ما الآية التي تُبيّن أن الله تكفّل بالرد على المستهزئين بالرسول؟

قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ) في سورة الحجر، وهي تُطمئن النبي بأن الله يتولى الرد على من يستهزئ به.

ما الأمر الذي أوصى به القرآن النبي عند ضيق صدره مما يقوله المستهزئون؟

أوصاه بالتسبيح بحمد ربه وأن يكون من الساجدين وأن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين، كما في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لماذا يرى الكاتب أن الاختلافات في لغة الحوار بين الإسلام والغرب خطيرة؟

لأنها تُعدّ عقبة شديدة تهدم كل ما يُبنى من جسور التفاهم وتعطل كل ما انطلق من مساعي الحوار وتُغبّش الهدف الذي يُراد الوصول إليه.

ما الذي يعنيه قوله تعالى (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) في سياق حرية العقيدة؟

يعني أن مهمة النبي هي التبليغ والدعوة لا الإجبار على الإيمان، وأن الله لم يجعله رقيباً على عقائد الناس، مما يُؤكد أن الإسلام لا يُكره أحداً على الدين.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!