اكتمل ✓

ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وكيف تتعامل مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحقوق المدعاة في العصر الحديث؟

مقاصد الشريعة الخمسة هي حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والمال، وهي تمثل منظومة متكاملة لحماية حقوق الإنسان. وافق المسلمون على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1947 بوصفه مشتركاً إنسانياً، غير أنهم يرفضون إدراج حقوق مدعاة لم يتفق عليها البشر كالشذوذ الجنسي. والحقوق المعتبرة الملزمة هي تلك التي يتفق عليها الناس جميعاً.

ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وكيف تتعامل مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحقوق المدعاة في العصر الحديث؟
ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وكيف تتعامل مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والحقوق المدعاة في العصر الحديث؟
5 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تكون حقوق الإنسان المعلنة اليوم مشجباً لتمرير الشهوات والثقافات الخاصة بدلاً من حماية الإنسان حقاً؟

  • اهتم المسلمون بحقوق الإنسان منذ القدم معبّرين عن ذلك بمقولة (الإنسان قبل البنيان) وبتشريعات تصون كرامته.

  • مقاصد الشريعة الخمسة تشمل حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والمال وتمثل منظومة حقوقية شاملة تتجاوز الزمان والمكان.

  • وافق المسلمون على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1947 بوصفه مشتركاً إنسانياً يمكن التعايش في ظله.

  • يُرفض إدراج الشذوذ الجنسي ضمن حقوق الإنسان لأنه لم يتفق عليه البشر وهو مخالف لكل الأديان والفطرة السليمة.

  • نظرية القصاص في الشريعة الإسلامية أكثر إنسانية من عقوبة الإعدام المجردة لأنها تتيح العفو والدية وتحقق الإصلاح.

استلهام عنوان زكي نجيب محمود ونقل النقاش إلى حقوق الإنسان

لك الله يا حقوق الإنسان

كتب المفكر العربي الأستاذ الكبير زكي نجيب محمود مقالة تحت عنوان (لك الله يا علوم الإنسان) نعى فيها على من يحاول أو يؤصل بنظرة إيمانية للدخول في دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي النظرة التي شاعت في الحقيقة في مدرسة إسلامية المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للمعرفة، وشاعت أيضا وبصورة مختلفة بعد كتابات (ماكس فيبر) حول الأخلاق البروتوستانتية ثم في كتابات كثيرة في الاقتصاد باعتباره من علوم الإنسان من مدخل قيمي، أي أن القيم تسيطر عليه.

وبغض النظر عن موقفنا من فكر الراحل العلامة زكي نجيب محمود ومساحات الاشتراك والاختلاف معه ومع مراحل تفكيره وعطائه بدأ من تسمية كتابه (خرافة الميتافيزيقيا) وانتهاء بتغيير اسمه إلى (موقف من الميتافيزيقيا) أو المقالات التي كتبها في الأهرام في نهاية حياته مدافعا عن الثقافة العربية. بغض النظر عن ذلك فقد سمحت لنفسي أن أستعير عنوان مقاله مع تغيير الموضوع من علوم الإنسان إلى حقوق الإنسان، ولعل هذا المقال يكون استمراراً لمقالي السابق (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

الاهتمام الغربي بحقوق الإنسان ومقولة الإنسان قبل البنيان

  1. يشغل العلام الغربي نفسه منذ فترة ليست بالقصيرة بمسألة حقوق الإنسان، فمنذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة سنة 1947 وحتى اليوم وهناك اهتمام عالمي بهذه المسألة، وصدرت وثائق ومعاهدات واتفاقات حول هذه المسألة بخلاف عشرات الآلاف من الدراسات بلغات الدنيا المختلفة، ونشأت هيئات وجمعيات غير حكومية وحكومية لرعاية حقوق الإنسان وحفظ كرامته، ولقد اهتم المسلمون ومما قالوه ونفذوه في حضارتهم (الإنسان قبل البنيان) و (تربية الساجد قبل بناء المساجد) ولذلك اهتموا أن تذهب الرعاية إلى الإنسان وأن تزيين البنيان يأتي في المرتبة الثانية بعد اكتفاء الإنسان والقيام بجميع شئونه وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا) [أحمد والبخاري والترمذي] فيمكن للمسلم وقد كلف بخمس صلوات في اليوم والليلة أن يصلي حيثما أدركته الصلاة في أي مكان في الأرض، بل إن اتصال الإنسان بهذه الأرض التي يسجد عليها لله لم يقتصر على ذلك بل امتد إلى استعمال ترابها في التيمم الذي هو بديل عن الماء إذا فقده المصلي، فالماء به الاغتسال والوضوء، فإن فقدناه استعملنا الأرض بديلا عنه، وكأنه يشير إلى البداية والنهاية أما البداية (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30] وأما النهاية (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) [طه:55].

مقاصد الشريعة الخمسة وحماية النفس والعقل والدين

  1. واهتم المسلمون بالإنسان فجعلوا مقاصد الشريعة التي خاطبته والتي يخاطب بها الناس أجمعون وتتجاوز الزمان والمكان في جميع الأحوال خمسة، حفظ النفس: حتى تقوم حية قابلة للخطاب. وحفظ العقل: وعدم الاعتداء عليه بأي تسلط أو إكراه، بل هناك حفظ عليه في أساسه، وحفظ عليه في منهج تفكيره، وحفظ عليه في حريته وإبداعه حتى في مسائل الإيمان قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) [البقرة:256] و (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون:6] و (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:29] بالإضافة إلى حفظه بتحريم كل مسكر ومفتر قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة:219] وعن أم سلمة رضي الله عنها: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر) [أحمد وأبو داود]. وحفظ الدين: فإن الله يحب المتقين والصابرين والمتوكلين والمحسنين ولا يحب المفسدين ولا المتكبرين والخائنين ويحب ولا يحب دستور الإنسان الحضاري.

حفظ الكرامة والمال وبناء مؤسسة القضاء في الحضارة الإسلامية

وحفظ كرامة الإنسان: التي سميت في تراثنا بالعرض، ولقد أحيط بسياج كبير من الضمانات حرمت الاحتجاز القسري والاعتقال العشوائي والتعذيب للمتهم، وحرمت السب والقذف والاتهام المسبل عن الدليل، وحرمت التفرقة العنصرية بكافة أشكالها وغير ذلك كثير من حفظ حقوق الإنسان في كرامته. واهتم المسلمون بحفظ ملك الإنسان وحرمة الاعتداء على ماله واغتصاب حقه وجعل هذا من الكبائر التي تهدم الاجتماع البشري. ومن كل هذا بنيت الحضارة الإسلامية على مؤسسة القضاء.

موافقة المسلمين على المواثيق الحديثة ونقد الحقوق المدعاة

  1. وحقوق الإنسان التي نقشت على جدران الأمم المتحدة في مدخلها ـ والتي نرجو من الله أن لا تكون قد نقشت على الحجر ثم حرموها البشر ـ وافق عليها المسلمون في العصر الحديث كما وافقوا على كل دعوة إلى الخير وعلى كل اتفاق على الرشد، كما وافقوا كذلك على إلغاء الرق ورأوا فيها مشتركا يمكن أن يتفق عليه الناس ويعيشوا فيما بينهم بسلام. ولكن من غير تأسيس نظري أو فلسفي ومن غير نظام واضح المعالم رأينا من يحشر حقوقاً مدعاة للإنسان لم يتفق عليها البشر، والحقوق المعتبرة الملزمة هي الحقوق التي يتفق عليها البشر أما ما لم يتفق عليه البشر فإنه لا عبرة فيه، وها ما زال يمثل ثقافة سائدة عند من اخترعه أو وافق عليه، وهذه الحجة يجب ألا تغيب في ظل ارتفاع الأصوات والضجيج والغوغائية التي أصبحت هي السمة الغالبة في الناس بعد أن تأخر التفكير عن النشاط كما يقول (رينيه جونو) المفكر والفيلسوف الفرنسي وهو يتأمل في تدهور الحالة الفكرية لعموم العالم أين (مونيسيكو ولوك وسبنسر وفولتير وجان جاك رسول وهيوم) فقد كانوا يتكلمون بشيء قابل للبحث والمناقشة وعرضوا أفكارهم بطريقة لافتة للنظر مع رفضنا لكثير مما ذهبوا إليه، ولكن يبدو أن عدوا عاقلاً خير ألف مرة من صديق جاهل.

الشذوذ الجنسي وحدود الحرية الشخصية في إطار حقوق الإنسان

  1. من أين سرت لحقوق الإنسان قضية الشذوذ الجنسي؟ من الذي جعل الشذوذ المقرف المخالف لكل دين على وجه الأرض عرفته البشرية، ذلك الشذوذ المسبب لدخول الإنسان في حياته جحيما لا يستطيع الفكاك منه، ونارا لا يستطيع أن يخرج منها، فيصاب بالاكتئاب والأمراض؟ من الذي دسه وسط حقوق الإنسان؟ ما نظريته أو فلسفته؟ إنها محض غوغائية وصوت عال متشنج يقول (اتركوا الإنسان في حياته الشخصية هو حر فيها) وهل هو حر في الانتحار؟ وهل هو حر في ممارسة الخيانة العظمى ضد دولته ووطنه ومجتمعه؟ وهل هو حر في تناول المخدرات وممارسة الدعارة والقتل للملل والقتل للمرض والقتل بالاتفاق؟ إلى آخر هذه القائمة التي أباحها بعضهم في مجتمعاتهم. فهل إباحة بعض الناس لهذا الهراء يدخله في حقوق الإنسان التي يجب عليه أن يلتزم بها العالم كله؟ إن أول شروط حقوق الإنسان أن يكون متفقاً عليها.

عقوبة الإعدام والقصاص كحق من حقوق الإنسان في الشريعة

  1. ومصيبة أخرى وهي عقوبة الإعدام التي يراد نفيها وإلغاءها، وهي تحتاج منا إلى نظر، وتأتي حيث إن الإعدام بضماناته ووضعه هو حق من حقوق الإنسان؛ حيث إن فلسفة العقوبة بنيت على ردع المجرم والقضاء على الجريمة والضمانات والشروط الموضوعة تكفي لتحقيق ذلك، ونظرية القصاص في الشريعة الإسلامية التي تمكن من العفو من أهل القتيل، فنشأ القصاص لتهدئة بالهم وإصلاح ذات البين أكثر تطوراً من الناحية الإنسانية من عقوبة الإعدام التي نمارسها اليوم، ففرصة العفو وفرصة التعويض المادي المسمى بالدية تضفي إنسانية أعلى من العقوبة المجردة. أما إلغاء الإعدام بالكلية كما ينادي به الصوت العالي غير المؤسس على نظر صحيح، ولا حتى فلسفة واضحة إنما هو اعتداء في نهايته على حقوق الإنسان.

نسأل الله ألا تكون حقوق الإنسان مشجبا يعلن عليه كل أحد ثقافته وشهواته وأموره الشخصية فحقوق الإنسان أمر مهم وخطير، ولا بد أن ننزله من الحجر إلى البشر، وأن نسعى فيما اتفقنا عليه بدلا من المهاترات التي لا تقبل عقلا ولا قلبا.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد مقاصد الشريعة التي اهتم بها المسلمون لحماية حقوق الإنسان؟

خمسة مقاصد

في أي عام صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الأمم المتحدة؟

1947

ما المقولة التي عبّر بها المسلمون عن اهتمامهم بحقوق الإنسان قبل البنيان؟

الإنسان قبل البنيان

ما الشرط الأول الذي يجب توافره في الحقوق الإنسانية الملزمة؟

أن يتفق عليها البشر جميعاً

ما الذي يميز نظرية القصاص في الشريعة الإسلامية عن عقوبة الإعدام المجردة؟

أنها تتيح العفو والدية

ما الذي حرمته الشريعة الإسلامية صوناً لكرامة الإنسان؟

الاحتجاز القسري والتعذيب والتفرقة العنصرية

ما موقف المسلمين من إلغاء الرق الوارد في المواثيق الدولية الحديثة؟

وافقوا عليه ورأوا فيه مشتركاً إنسانياً

ما الذي يحرمه الإسلام حفاظاً على العقل بجانب تحريم الإكراه الفكري؟

كل مسكر ومفتر

ما وصف الكاتب لإلغاء عقوبة الإعدام بالكلية؟

اعتداء على حقوق الإنسان

من المفكر الفرنسي الذي استشهد به الكاتب في وصف تدهور الحالة الفكرية العالمية؟

رينيه جونو

ما هي مقاصد الشريعة الخمسة؟

حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ الكرامة (العرض) وحفظ المال.

ما المقصود بمقولة (الإنسان قبل البنيان) في الحضارة الإسلامية؟

تعني أن الرعاية يجب أن تذهب أولاً إلى الإنسان، وأن تزيين البنيان يأتي في المرتبة الثانية بعد اكتفاء الإنسان والقيام بجميع شؤونه.

ما الآية القرآنية التي تدل على حرية الاعتقاد في الإسلام؟

قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ).

على أي مؤسسة بنت الحضارة الإسلامية منظومة حماية حقوق الإنسان؟

بنتها على مؤسسة القضاء التي تصون الكرامة والمال وتحرم الاحتجاز القسري والتعذيب.

ما الفرق بين الحقوق المعتبرة الملزمة والحقوق المدعاة؟

الحقوق المعتبرة الملزمة هي التي يتفق عليها البشر جميعاً، أما الحقوق المدعاة فهي ما لم يتفق عليه البشر وتمثل ثقافة خاصة بمن اخترعها.

لماذا يُعدّ الشذوذ الجنسي مرفوضاً كحق إنساني ملزم؟

لأنه لم يتفق عليه البشر، وهو مخالف لكل دين عرفته البشرية، وأول شروط حقوق الإنسان أن تكون متفقاً عليها.

ما فلسفة العقوبة التي تقوم عليها عقوبة الإعدام؟

تقوم على ردع المجرم والقضاء على الجريمة، وبضماناتها وشروطها الموضوعة تُعدّ حقاً من حقوق الإنسان.

ما الدية في نظرية القصاص الإسلامي وما أهميتها الإنسانية؟

الدية هي التعويض المادي الذي يُدفع لأهل القتيل بديلاً عن القصاص، وهي تضفي إنسانية أعلى من العقوبة المجردة لأنها تتيح العفو والإصلاح.

ما موقف الكاتب من المفكرين الغربيين الكلاسيكيين كمونتسكيو وفولتير؟

يرى أنهم كانوا يتكلمون بشيء قابل للبحث والمناقشة وعرضوا أفكارهم بطريقة لافتة، وإن كان يرفض كثيراً مما ذهبوا إليه.

ما الخطر الذي يحذر منه الكاتب بشأن مستقبل حقوق الإنسان؟

يحذر من أن تصبح حقوق الإنسان مشجباً يعلق عليه كل أحد ثقافته وشهواته وأموره الشخصية بدلاً من أن تكون منظومة حقوقية حقيقية متفقاً عليها.

ما الكتاب الذي بدأ به زكي نجيب محمود مسيرته الفكرية ثم غيّر موقفه منه؟

بدأ بكتاب (خرافة الميتافيزيقيا) ثم غيّر اسمه إلى (موقف من الميتافيزيقيا)، وانتهى بكتابة مقالات يدافع فيها عن الثقافة العربية.

ما الحديث النبوي الذي استشهد به الكاتب في سياق اتصال الإنسان بالأرض؟

حديث (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) رواه أحمد والبخاري والترمذي، الذي يدل على أن المسلم يصلي حيثما أدركته الصلاة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!