اكتمل ✓

كيف يخرج المسلم من المعاصي والشهوات المحرمة ويثبت أمام الفتن بالتقوى والفرقان؟

يخرج المسلم من المعاصي والشهوات المحرمة بثلاث خطوات رئيسية: الفرار من الفتن والتعوذ بالله منها، ثم التمسك بتقوى الله التي تمنحه الفرقان للتمييز بين الحق والباطل، ثم الإكثار من أعمال الخير والتمسك بكتاب الله. وتنقسم الفتن إلى شبهات تُدفع بالعلم، وشهوات تُدفع بالتقوى، وبهما معاً ينجو الإنسان من كل أشكال الفتن.

كيف يخرج المسلم من المعاصي والشهوات المحرمة ويثبت أمام الفتن بالتقوى والفرقان؟
كيف يخرج المسلم من المعاصي والشهوات المحرمة ويثبت أمام الفتن بالتقوى والفرقان؟
9 دقائق قراءة
  • كيف يواجه المسلم الفتن والشهوات المحرمة في زمن اختلط فيه الحق بالباطل وتصدّر فيه التافهون للشأن العام؟

  • الفتنة ضد الفرقان، وهي لبس في الرؤية يُعالَج بالفرار منها وعدم المشاركة فيها والتعوذ بالله من شرها.

  • التقوى هي الخطوة المحورية للخروج من الفتن، إذ يجعل الله بها للمؤمن فرقاناً يميّز به الحق من الباطل.

  • الإكثار من أعمال الخير والعبادة في زمن الفتنة له أجر عظيم يعادل الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  • الفتن نوعان: شبهات تزول بالعلم، وشهوات كافتتان بالنساء والمال والجاه تزول بالتقوى.

  • الصبر الجميل وبناء الإعلام الجاد والتمسك بصفات عباد الرحمن هي المخرج من تفاهة الرويبضة الثقافية.

تعريف الفتنة وعلاقتها بالفرقان ووجوب الفرار منها

خطوات الخروج من المعاصي والشهوات المحرمة (5)

تكلمنا في المقال السابق عن الفتنة وعلمنا أنه ضد الفرقان، إذ الفرقان القدرة على رؤية الحق والباطل بوضوح، والفتنة هي لبس وخلط في الرؤية، وتكلمنا كيف يواجه المسلم الفتنة للخروج منها بسلام، فذكرنا الفرار من الفتنة، وعدم المشاركة فيها.

وذكرنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم «أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء. قيل : ومن الغرباء ؟ قال : الفرارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام» [رواه أبو نعيم في حلية الأولياء].

وقول الإمام علي ناصحا الناس في الفتن : «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب» [نهج البلاغة].

وعلمنا أن ذلك لا يعني أن يعتزل المسلم المجتمع، وإنما معنى ذلك أن لا يعطي نفسه شيئا للفتنة ولا ينجر إليها ويستدرج فيها، فهذا أول ما يجب على المسلم تجاه الفتنة أن يفر منها ولا يشارك فيها. فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن» [رواه أبو داود]

التعوذ من الفتن ودور التقوى في نيل الفرقان

ثم عليه أن يتعوذ بالله منها حتى تنجلي ويعود الصفاء في الرؤية والنفس مرة أخرى، وقد ورد في الدعاء الذي عمله النبي أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم : « اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا» [رواه أحمد].

وبعد تجنب الفتن والفرار منها، والتعوذ بالله من شرها وصدق الالتجاء إليه في أن يجنبه الله شرها، على المسلم أن يراعي تقوى الله في كل أوقاته حتى يتبين له الأمر وذلك مصداقا لقوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال :29].

وحقيقة التقوى هي التباعد عن كل مضر في الآخرة، وقد ذُكر في معناها أيضا : أنها عبارة عن حجاب معنوي يتخذه العبد بينه وبين العقاب ، كما أن الحجاب المحسوس يتخذه العبد مانعا بينه وبين ما يكرهه.

مكانة التقوى في القرآن وكونها وصية للأمم كلها

وكثرت آيات القرآن الكريم التي تحث المسلمين على تقوى الله سبحانه وتعالى، وتنوعت أشكال الجزاء عليها، فتارة يعلمنا الله أنها سبب الفلاح، فيقول سبحانه

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة : 189].

وتارة يأمرنا بربنا بملازمة المتقين فيقول تعالى

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 194].

وتارة يعلمنا ربنا أنها معيار تقويم الناس عنده سبحانه فيقول :

﴿ِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات : 13].

وكانت التقوى وصية الله لجميع الأمم، ووصيته للذين أوتوا الكتاب من قبلنا، كما أنها وصية الله لنا كذلك قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِياًّ حَمِيداً ﴾ [النساء : 131].

فضل أعمال الخير والعبادة في زمن الفتن والهرج

وعلى المؤمن أن يكثر من أعمال الخير بشكل عام ليعينه الله بذلك على الخروج من الفتن، وأن يبادر بتلك الأعمال استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» [رواه مسلم].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «العبادة في الهرج وفي رواية في الفتنة كهجرة إلي». [رواه مسلم] يعني بذلك أن لها ميزة وفضل وأجر عظيم في أوقات الفتن.

يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله معلقاً على هذا الحديث : «وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيهاً بحال الجاهلية فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ،متبعاً لأوامره مجتنباً لنواهيه»

القرآن الكريم كمخرج من الفتن وصفاته العظيمة

ومن أهم ما يعين المسلم على الخروج من تلك الفتن كتاب الله عز وجل كما وصفه بذلك الصادق المصدوق فيما ورد عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إنها ستكون فتنة، قال : قلت فما المخرج ؟ قال : كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، من ابتغى الهدى (أو قال العلم) من غيره أضله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي تناهى الجن إذ سمعته حتى قالوا : (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعى إليه هدي إلى صرط مستقيم» [رواه البيهقي في الشعب].

اختلاط أهل الحق بالباطل ووصف زمن الرويبضة

ذلك فيما يخص الفتن التي تصيب الإنسان فتغبش على الرؤية، أما النوع الثاني من الفتن وهو اختلاط أهل الحق وأهل الباطل فيصعب التمييز بينهم فقد أشار القرآن إلى هؤلاء المندسين الذين يتسببون في فتنة المجتمع وأنهم لا يخفون عليه سبحانه فقال تعالى :

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الأحزاب :18].

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الزمان الذي يختلط فيه أهل الحق بأهل الباطل، ويظن الناس أن الكاذب صادق، والصادق كاذب حيث قول صلى الله عليه وسلم : «يأتي على الناس سنوات جدعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيهم الرويبضة. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما الرويبضة ؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» [أحمد وابن ماجة والحاكم].

وفي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه وهو حديث طويل عبارة (ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا عظامًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا) [أخرجه ابن حبان في صحيحه]

الحالة الثقافية المعاصرة وتصدر الرويبضة للشأن العام

ويبدو أننا نعيش في تلك الحالة الثقافية التي لم تستقر بعد، ولم تتحدد مفاهيم كثيرة منها، والتي خرج الرويبضة ليساهم فيها ويتكلم في الشأن العام، من التصدر للنصيحة حتى الطبية منها، إلى الإفتاء ولو بغير علم مع أنه لم يحفظ آية كاملة إلا في قصار السور، إلى تولي المناصب العامة، إلى الكلام في الشيوعية البائدة أو الفن الجديد، إلى من يريدنا أن ننسلخ عن أنفسنا وديننا وتاريخنا إلى من يريد إرهابًا فكريا، إما هو وإما الجحيم، ثم جحيمه هي الجنة، وأن جنته هي الجحيم؛ لأنه دجال من الدجاجلة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الدجال : (يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره) [أخرجه أحمد وأبو داود].

الصبر وبناء الإعلام الجاد كمخرج من التفاهة الثقافية

والمخرج من ذلك كله هو الصبر والتأكيد على الحرية الملتزمة وترك الرويبضة يكتشفه الناس في تفاهته وفي هشاشة تفكيره، والاستمرار في بناء الإعلام الجاد الملتزم الذي سوف يطرد الهش والغث والذي سيجعل التافه يتعلم أو يستحي أو يتوارى أو يسير مسار الجادين أو يحاول حتى لو لم يصل إلى مستواهم وأنا مستبشر خيرًا أن هذه الحالة من الكسل والتفاهة سوف تنتهي فقد ظهرت صحافة الإثارة في أمريكا سنة 1830 ثم استقر الأمر الآن، وأصبح من دواعي الاشمئزاز عند الطبقة المثقفة هناك أن يرى أحدهم صحيفة من هذه الصحف في يد قارئ مسكين وكأنه يقول له بنظرته العاتبة : (هل ما زلت هنا لم تتعلم ؟) إن هذه الثقافة لن تأخذ كثيرا من الوقت، وذلك بسبب التطور الهائل من الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا.

الصبر الجميل والتصدق بالعرض وصفات عباد الرحمن

وحتى نصل إلى هذه الحالة علينا أن نصبر (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف :18] وأن نتصدق بعرضنا على الناس (عن أبي هريرة أن رجلا من المسلمين قال اللهم إنه ليس لي مال أتصدق به وإني جعلت عرضي صدقة قال فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له) [رواه الطبراني في الكبير] وأن نهجرهم هجرا جميلا قال تعالى : (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [المزمل :10] وأن نتمسك بصفات عباد الرحمن قال تعالى : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) [الفرقان :63 : 65].

الرجوع إلى الحقائق والتحذير من لهو الحديث والأكثرية الضالة

والشرع يأمر أن نرجع إلى الحقائق لا إلى الأوهام، وإلى الواقع لا إلى الخيال المريض قال تعالى وهو ينهانا عن الفتنة بكل أشكالها كلامًا وفعلاً وسلوكًا : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) [لقمان :20، 21].

وقال تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [لقمان :6] وقال : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم :59، 61]، وسامدون أي تغنون بالباطل من القول. وقال تعالى : ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام :116].

تقسيم الفتن إلى شبهات وشهوات وعلاقتهما بالعلم والتقوى

وبالنظر إلى الفتنة ومبعثها في النفس الإنسانية يمكن أن نقسم الفتنة إلى قسمين الأول : فتنة الشبهات. والثاني : فتنة الشهوات. وفتنة الشبهات : كالتشكيك في صحيح العقيدة، والدعوة إلى الغلو والتطرف، وهذا النوع من الفتن يزول بالعلم.

وأما فتنة الشهوات: وهي الغالبة على عامة البشر كالافتتان بالنساء أو بالمال الحرام أو بالمنصب أو بالجاه، وتزول هذه الفتن بالتقوى.فبالعلم والتقوى ينجو الإنسان من كل أشكال الفتن، وبغياب العلم والتقوى تظهر الفتن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : :«يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ» [رواه البخاري].

وفي رواية أخرى : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ» [رواه البخاري].

حكمة الفتنة في التمييز والتمحيص وابتلاء المؤمنين

والفتنة التي هي الابتلاء والامتحان تكون بالخير والشر، يقول تعالى :

﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾َ [الأنبياء :35].

والفتنة ليست شرا من كل الوجوه بل فيها أوجه للخير، ولا يعني ذلك أننا نسعى إليها أو أن نطلبها ولكننا لابد أن نستفيد منها إذا حدثت من هذا الخير التمييز بين الخبيث والطيب، قال تعالى :

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ﴾ [آل عمران :179].

وقال تعالى :

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال :37].

وقال عز وجل :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت :2 ، 3]

الفتنة كوسيلة لتقوية الإيمان واتباع سنة الماضين

وفي الفتنة تقوية لإيمان المؤمنين وتدريب لهم على الصبر والجلد، وتمحيص لما في قلوبهم من الإيمان قال تعالى :

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران :140، 141].

وقال سبحانه :

﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ِ [آل عمران :154].

كما أنها سنن الذي سبقوا وعلامة على اصطفاء الله لعباده، قال تعالى :

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة :214].

الفرقان كخطوة ثالثة والخاتمة بالدعاء بالنجاة من الفتن

هذا فيما يخص الفتن وكيفية الخروج منها بفرقان الله عز وجل، وكان الفرقان هو الخطوة الثالثة من خطوات الخروج من المحرمات والشهوات التي تناولنها في تلك المقالات الخمس، فذكرنا أن أولى تلك الخطوات أن يجعل المسلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا له، والثانية أن يكثر ذكر الله عز وجل، والثالثة أن يهتدي ويفرق بين الحق والباطل بفرقان ربه.

رزقنا الله نجاة من الفتن ما ظهر منا وما بطن ورزقنا الهداية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الفرق بين الفتنة والفرقان؟

الفتنة لبس وخلط في الرؤية والفرقان القدرة على رؤية الحق والباطل بوضوح

ما الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم للاستعاذة من الفتن؟

اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن

بماذا تزول فتنة الشبهات وبماذا تزول فتنة الشهوات؟

الشبهات بالعلم والشهوات بالتقوى

ما تعريف الرويبضة كما ورد في الحديث النبوي؟

الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة

ما أجر العبادة في زمن الفتنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؟

كهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم

ما الخطوات الثلاث للخروج من المحرمات والشهوات التي ذكرتها المقالات الخمس؟

جعل النبي أباً روحياً والإكثار من ذكر الله والاهتداء بالفرقان

ما الحكمة الإلهية من الفتنة والابتلاء وفق ما ذكره القرآن الكريم؟

التمييز بين الخبيث والطيب وتمحيص المؤمنين

ما وصف الإمام علي لكيفية التعامل مع الفتنة؟

كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب

ما الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حبل الله المتين والصراط المستقيم والمخرج من الفتن؟

كتاب الله القرآن الكريم

ما معيار تقويم الناس عند الله سبحانه وتعالى وفق القرآن الكريم؟

التقوى

ما الذي يصاحب قبض العلم وفق الحديث النبوي؟

ظهور الجهل والفتن وكثرة الهرج

ما المخرج من التفاهة الثقافية وتصدر الرويبضة للشأن العام؟

الصبر وبناء الإعلام الجاد الملتزم وترك التافه يكتشفه الناس

ما حقيقة التقوى كما وردت في المقال؟

التقوى هي التباعد عن كل مضر في الآخرة، وهي حجاب معنوي يتخذه العبد بينه وبين العقاب كما أن الحجاب المحسوس يمنع ما يكرهه.

ما الثمرة التي يمنحها الله للمتقين وفق سورة الأنفال؟

يجعل الله للمتقين فرقاناً يميّزون به الحق من الباطل ويكفّر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم كما في قوله: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾.

لماذا وصف النبي الفارين بدينهم بأنهم أحب شيء إلى الله؟

لأنهم يحافظون على دينهم ولا يعطون أنفسهم للفتنة ولا ينجرون إليها، وسيُبعثون يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام.

ما تفسير ابن رجب لحديث العبادة في الهرج كهجرة إلى النبي؟

لأن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم فيشبهون أهل الجاهلية، فمن تمسك بدينه وعبد ربه بينهم كان كمن هاجر من الجاهلية إلى النبي مؤمناً متبعاً لأوامره.

ما صفات القرآن الكريم التي ذكرها النبي في وصفه مخرجاً من الفتن؟

القرآن حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه.

ما الزمان الذي أخبر عنه النبي بأن الكاذب يُصدَّق والصادق يُكذَّب؟

هو زمن السنوات الجدعات الذي يختلط فيه أهل الحق بأهل الباطل ويُؤتمن الخائن ويُخان الأمين وينطق فيه الرويبضة.

ما الفرق بين فتنة الشبهات وفتنة الشهوات من حيث المثال؟

فتنة الشبهات كالتشكيك في صحيح العقيدة والدعوة إلى الغلو والتطرف، وفتنة الشهوات كالافتتان بالنساء والمال الحرام والمنصب والجاه.

ما معنى قوله تعالى ﴿وأنتم سامدون﴾ في سورة النجم؟

سامدون تعني تغنّون بالباطل من القول، وهو نهي عن الانشغال بلهو الحديث عن الحق.

ما الدرس المستفاد من تجربة صحافة الإثارة في أمريكا عام 1830؟

أن حالة التفاهة الثقافية لا تدوم، فقد ظهرت صحافة الإثارة ثم استقر الأمر وأصبحت مصدر اشمئزاز عند المثقفين، وكذلك ستنتهي التفاهة الثقافية الراهنة.

ما الصفات التي أمر القرآن بالتمسك بها في سورة الفرقان لعباد الرحمن؟

المشي على الأرض هوناً ومقابلة الجاهلين بالسلام وقيام الليل سجداً وقياماً والدعاء بصرف عذاب جهنم.

ما الحكمة من كون الفتنة سنة في الأمم السابقة؟

لأن الله يريد تمحيص المؤمنين وتقوية إيمانهم وتدريبهم على الصبر، ولن يدخل أحد الجنة دون أن يمسّه ما مسّ الذين خلوا من قبله.

ما معنى التصدق بالعرض الوارد في الحديث النبوي؟

هو أن يجعل المسلم عرضه صدقة فيعفو عمن آذاه ولا يرد الإساءة بمثلها، وقد أوجب النبي لمن فعل ذلك المغفرة.

ما الذي يحذر منه قوله تعالى ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك﴾؟

يحذر من اتباع الأكثرية الضالة التي تتبع الظن وتخرص، لأن الكثرة ليست دليلاً على الحق وقد تكون سبباً للضلال عن سبيل الله.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!