اكتمل ✓
الفصل 1

ما تعريف أصول الفقه وكيف يرتبط بالفلسفة الإسلامية والمنهج العلمي؟

أصول الفقه هو منهج للتعامل مع النص الشرعي، عرّفه الرازي بأنه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل. وهو علم أنشأه العقل المسلم على غير مثال سابق، يشتمل على مصادر البحث وطرقه وشروط الباحث. ترتبط هذه الإجراءات ارتباطاً وثيقاً بالفلسفة الإسلامية التي تمثل الرؤية الكلية التي تنبثق عنها تلك الإجراءات.

5 دقائق قراءة
  • هل أصول الفقه علم مستقل حقاً أم مجرد تجميع من علوم متفرقة كالنحو والكلام والحديث؟

  • تعريف أصول الفقه عند الرازي والبيضاوي يكشف أركان المنهج العلمي الثلاثة: مصادر البحث وطرقه وشروط الباحث.

  • علوم الحديث تمثل منهجاً فريداً للمسلمين في نقد السند والمتن، تفوق به المسلمون على اليهود والنصارى في توثيق الروايات.

  • الحكم الشرعي عند الأصوليين هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وأقسامه الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة.

  • أصول الفقه يتميز عن النحو واللغة بتعمقه في المعاني الدقيقة كدلالة صيغة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم.

  • العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية تتجلى في ثلاثة مستويات: إدراك العلاقة وتشغيلها وتطويرها.

أصول الفقه كمنهج علمي مستقل وتعريف الرازي والبيضاوي له

1- أصول الفقه والمنهج:

أصول الفقه من العلوم التي أنشأها العقل المسلم على غير مثال، غير مقلد لأي أمة سبقته في هذا المضمار، شأنه في ذلك شأن مصطلح الحديث وعلومه، ويُعد كل واحد منهما منهجاً بالمعنى الدقيق.

فأصول الفقه منهج للتعامل مع النص الشرعي، وفي تعريفه عند مدرسة الرازي مثلاً تذكر أركان المنهج العلمي؛ حيث عرفه الرازي في المحصول بأنه:

" مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها " .

وعرفه البيضاوي في قوله:

" معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد " .

ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص أركان ذلك المنهج، إنه يحرص على معرفة:

  • مصادر البحث.

  • طرق البحث.

جـ- شروط الباحث.

وهي الأركان المنطقية لأي منهج في البحث العلمي الذي يبعد عن الخرافة، ويبتعد عن الذاتية، ويقرب من الموضوعية.

علوم الحديث كمنهج لنقد السند والمتن وتميّز المسلمين به

وعلوم الحديث بما دوّن في علم مصطلح الحديث، أو علم الجرح والتعديل، أو علوم الحديث رواية أو دراية إنما تعد منهجاً في التعامل مع النص ثبوتاً، وتوثيقاً بالمعنى الأعم حيث تشتمل هذه العلوم على نقد السند ونقد المتن معاً، حتى يتم الحكم على المنقول بالقبول أو الرد سنداً ومتناً، وهذا المنهج بديع للمسلمين دون من سواهم من الأمم.

تفوق الإسناد الإسلامي على نقل اليهود والنصارى في رواية الأخبار

ويبدو أن اليهود حاولوا ذلك من قبل ففشلوا، حيث إن الأسانيد التي تحت أيدينا الآن تزيد عن مائة ألف في حين أن أسانيد اليهود على قلتها لا تصل إلى موسى، بل بين منتهاها وبين موسى ألف وخمسمائة سنة أو أكثر من ثلاثين عصراً أو جيلاً.

يقول ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل:

"...ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود بل هو أعلى ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بل يقفون ولا بد حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصراً في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى: هلال وشماني وشمعون ومرعقيبا وأمثالهم، وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم أخذها عنه مشافهة في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه " ا.هـ .

منطق طالب الحق بين التثبت من المصادر ومنهج فهم النصوص

إن التفكير المنطقي لمريد الحق هو التأكد أولاً مما تقوم به الحجة حيث ثبت لدي المسلم أن ذلك هو القرآن والسنة، فلابد من طريق للتثبت والتوثيق لهذه المصادر، فإن ثبتت فكيف نفهمها، فكان ذلك المنهج هو المنهج الدقيق لأداء ذلك الهدف، والوصول إليه.

المنهج كفلسفة وإجراءات وتعريف الحكم الشرعي وموضوع الفقه

2- الإجراءات والفلسفة تكشفان عن المنهج:

وإذا ما سرنا على أن المنهج إنما هو فلسفة تنبثق عنها إجراءات -وهو تعريف المنهج عندي-: تبين مدى العلاقة بين أصول الفقه وبين الفلسفة الإسلامية.

فأصول الفقه يشتمل بدون شك على بيان الإجراءات اللازمة للتعامل مع النص لفهمه، والوصول إلى أوصاف الفعل البشرى، وهي الأوصاف التي تدور في نطاق ما يسميه الأصوليون بالحكم.

فالحكم عندهم:

" هو خطاب اللّه المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع " .

وله أقسام هي: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة، وهي أوصاف للفعل البشرى، الذي يكون مبتدأ في جملة مفيدة، والحكم خبر له؛ فتتكون بذلك مسائل الفقه.

فموضوع علم الفقه: فعل الإنسان، وموضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها.

وبدون شك فإن هذه الإجراءات التي يشتمل عليها أصول الفقه تخرج وتنبثق من رؤية كلية تمثل مباحث الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام.

الاعتراض على استقلال أصول الفقه واعتباره تجميعا من علوم متفرقة

يقول الإمام الزركشي في كتابه الجامع البحر المحيط مؤكداً عنصر الإجرائية في أصول الفقه، والذي دعى بعضهم إلى ادعاء أن ذلك العلم من العلوم البينية، التي لا تستقل بنفسها، ويرد عليهم:

" فإن قيل: هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة ؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها، والكلام في الاستثناء، وعود الضمير للبعض، وعطف الخاص على العام ونحوه، ونبذة من علم الكلام، كالكلام في الحسن والقبح، وكون الحكم قديماً، والكلام على إثبات النسخ، وعلى الأفعال ونحوه، ونبذة من اللغة كالكلام في موضوع الأمر والنهي، وصيغ العموم، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، ونبذة من علم الحديث كالكلام في الأخبار، فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك، وغير العارف بها لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع والقياس والتعارض والاجتهاد، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضاً، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة.

فالجواب: منع ذلك، فإن الأصوليين دققوا النظر في أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة، ولا اللغويون، فإن كلام العرب يتسع والنظر فيه يتشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي.

مثاله: دلالة صيغة " افعل " على الوجوب، و" لا تفعل " على التحريـــم، وكون كل وأخواتها للعموم، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئاً من ذلك غالباً، وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقرار خاص، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب " ا هـ .

تعمق الأصوليين في دلالات اللغة لإثبات تميز علم أصول الفقه

فالجواب: منع ذلك، فإن الأصوليين دققوا النظر في أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة، ولا اللغويون، فإن كلام العرب يتسع والنظر فيه يتشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي.

مثاله: دلالة صيغة " افعل " على الوجوب، و" لا تفعل " على التحريـــم، وكون كل وأخواتها للعموم، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئاً من ذلك غالباً، وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقرار خاص، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب " ا هـ .

تأكيد السبكي لسبق الأصوليين في مباحث اللغة وامتزاج المنهج بالرؤية الكلية

ويؤكد ذلك المعنى قبله السبكي في كتابه الإبهاج شرح المنهاج حيث يقول:

"... هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة، وإن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم، وهو مما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم تتعرض لها أهل اللغة " ا هـ .

فمن هذه النصوص نبين وجود الأدوات والإجراءات واتصالها وامتزاجها بالرؤية الكلية.

موضوعات الفلسفة وعلاقتها بأصول الفقه في مستويات الإدراك والتشغيل

3- موضوعات الفلسفة بين نقاط التلاقي:

وإذا ما سرنا أيضاً في تعريف الفلسفة من حيث موضوعها بأنها تشتمل على ثلاثة مباحث رئيسة هي الوجود: ( اللّه - الكون - الإنسان )، والمعرفة ( المنطق )، والقيم ( الأخلاق والجمال ) ؛ فإننا سنرى بوضوح نقط التلاقي والعلاقة الموجودة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية، حيث تعد تلك الفلسفة الخلفية الأساس لمجموعة الإجراءات المتمثلة في معرفة مصادر البحث وكيفية التعامل معها وشروط الباحث كما سبق، وهذا يتم على مستويات ثلاثة، وهي:

أولاً - إدراك تلك العلاقة

ثانياً - تشغيل تلك العلاقة والاستفادة منها

ثالثاً - تطوير العلاقة بين الأصول والفقه.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الأركان الثلاثة التي يمكن استخلاصها من تعريف أصول الفقه عند الرازي والبيضاوي؟

مصادر البحث وطرقه وشروط الباحث

كيف عرّف الرازي أصول الفقه في كتابه المحصول؟

مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل

ما الذي يميز منهج علوم الحديث عند المسلمين عن غيرهم من الأمم؟

نقد السند والمتن معاً للحكم على المنقول قبولاً أو رداً

وفقاً لابن حزم، ما المسافة الزمنية التي تفصل أسانيد اليهود عن موسى عليه السلام؟

أكثر من ألف وخمسمائة سنة

ما تعريف الحكم الشرعي عند الأصوليين؟

هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع

ما موضوع علم أصول الفقه؟

الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها

ما المثال الذي ذكره الزركشي على تعمق الأصوليين في دلالات اللغة بما لم يصل إليه النحاة؟

دلالة صيغة افعل على الوجوب ولا تفعل على التحريم

ما المباحث الثلاثة الرئيسة التي تشتمل عليها الفلسفة وفق ما ورد في الكتاب؟

الوجود والمعرفة والقيم

على كم مستوى تتم العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية؟

ثلاثة مستويات

ما أقسام الحكم الشرعي الخمسة عند الأصوليين؟

الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة

ما الكتاب الذي استشهد به الزركشي في مناقشة استقلال أصول الفقه؟

البحر المحيط

ما الذي يؤكده السبكي في كتابه الإبهاج بشأن الأصوليين واللغة؟

أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم تتعرض لها أهل اللغة

ما تعريف البيضاوي لأصول الفقه؟

عرّفه البيضاوي بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.

لماذا يُعد أصول الفقه ومصطلح الحديث منهجين بالمعنى الدقيق؟

لأن كلاً منهما يشتمل على مصادر البحث وطرقه وشروط الباحث، وهي الأركان المنطقية لأي منهج علمي يبتعد عن الخرافة ويقترب من الموضوعية.

ما الفرق بين موضوع علم الفقه وموضوع علم أصول الفقه؟

موضوع علم الفقه هو فعل الإنسان، بينما موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها.

ما المقصود بأن المنهج فلسفة تنبثق عنها إجراءات؟

يعني أن كل منهج علمي يقوم على رؤية كلية فكرية تمثل فلسفته، ثم تنبثق عن هذه الرؤية إجراءات عملية تطبيقية، وهذا ينطبق على أصول الفقه في علاقته بالفلسفة الإسلامية.

ما الكتاب الذي نقل عنه ابن حزم مقارنته بين الإسناد الإسلامي وأسانيد اليهود والنصارى؟

كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل.

ما الذي تضبطه كتب اللغة وما الذي تعجز عنه وفق الزركشي؟

كتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، لكنها تعجز عن المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي.

ما المستويات الثلاثة لتشغيل العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية؟

أولاً إدراك تلك العلاقة، وثانياً تشغيلها والاستفادة منها، وثالثاً تطوير العلاقة بين الأصول والفقه.

ما الذي يقصده الأصوليون بمصطلح الحكم في نطاق الفقه؟

الحكم هو وصف الفعل البشري الذي يكون مبتدأ في جملة مفيدة والحكم خبر له، وتتكون بذلك مسائل الفقه من أوصاف كالوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة.

ما الدليل على أن أصول الفقه علم أنشأه العقل المسلم على غير مثال سابق؟

لم يسبق المسلمين أي أمة في إنشاء هذا المنهج للتعامل مع النص الشرعي، شأنه شأن علم مصطلح الحديث، وكلاهما إبداع إسلامي خالص.

ما مثال الاستثناء الذي ذكره الزركشي مما تعمق فيه الأصوليون دون النحاة؟

مسألة الاستثناء من حيث هل الإخراج يكون قبل الحكم أو بعده، وهي من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب بأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو.

ما المباحث الثلاثة التي تشتمل عليها الفلسفة من حيث موضوعها؟

الوجود ويشمل الله والكون والإنسان، والمعرفة وهي المنطق، والقيم وتشمل الأخلاق والجمال.

لماذا يرفض الزركشي وصف أصول الفقه بأنه من العلوم البينية التي لا تستقل بنفسها؟

لأن الأصوليين دققوا النظر في أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فأصول الفقه يمتلك استقراءً خاصاً وأدلة خاصة تجعله علماً مستقلاً.

ما الخطوتان المنطقيتان اللتان يسير عليهما طالب الحق في التعامل مع المصادر الشرعية؟

أولاً التثبت والتوثيق من المصادر الشرعية وهي القرآن والسنة، ثم البحث في كيفية فهم تلك المصادر واستنباط الأحكام منها.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!