اكتمل ✓
الفصل 7

كيف يتحقق الفرقان بين الحق والباطل وما دعاء الهداية للنجاة من فتن آخر الزمان؟

يتحقق الفرقان بين الحق والباطل بالتقوى والافتقار إلى الله والإكثار من الذكر، إذ يقول الله تعالى: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾. ومن أبرز أدعية الهداية المأثورة: «اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه». والنجاة من فتن آخر الزمان تكون بالتمسك بكتاب الله والفرار من الفتن والمبادرة بالأعمال الصالحة.

15 دقيقة قراءة
  • هل تعلم أن دعاء الهداية «اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه» هو أساس اكتساب الفرقان بين الحق والباطل؟

  • التقوى هي المفتاح القرآني للفرقان، إذ يعد الله المتقين بأن يجعل لهم قدرة التمييز بين الحق والباطل.

  • الفتنة في اللغة والقرآن تحمل معاني متعددة: الابتلاء والكفر والعذاب والتلبيس والضلال والقتل.

  • فتن آخر الزمان تشمل اختلاط أهل الحق بأهل الباطل وظهور الرويبضة والسنين الخداعة التي يصدَّق فيها الكاذب.

  • أحاديث فتن آخر الزمان الصحيحة تأمر بالمبادرة بالأعمال الصالحة، وتجعل العبادة في الهرج كالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

  • المخرج من الفتن يكون بالفرار منها والتعوذ بالله والتمسك بالقرآن الكريم حبل الله المتين.

استحضار الرسول وكثرة الذكر طريق لاكتساب البصيرة والفرقان

وهذه الخطوة مترتبة على الخطوتين السابقتين، فإن استحضار صورة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأن يجعله المسلم أبًا له مع كثرة الذكر يُوَلِّد في النَّفْسِ والقلب البصيرة، ويتمكَّن من المفارقة، ولكن هذه المفارقة لا تَتَأتَّى إلا بالافتقار إلى الله وأن يطلب ذلك منه لأنه هو الحق سبحانه، وهو الهادي إليه، يقول تعالى:

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (يونس:35)،

وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".

رؤية دائرة النور والظلام والخروج من الظلمات بولاية الله

وتحقيق تلك البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق والباطل تجعل المؤمن يرى دائرة النور ودائرة الظلام، فيرى في النور طاقة، ويرى فيه بيانٌ وحلاوة وكشفٌ عن الحقائق.

ويرى في الظلام برودة ورائحة خبيثة وأحوالاً مَرْدِيَّة، ويخرج المسلم من الظلمات إلى النور بذكر الله والاستعانة به، فالله سبحانه وتعالى يُوالي الذين آمنوا به ويخرجهم من الظلمات إلى النور كما وعد سبحانه بذلك في كتابه العزيز فقال تعالى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:257).

ويتحصَّل الإنسان على هذه القدرة من التفريق بين الحق والباطل بتقوى الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ (الأنفال:29).

فالتفريق بين الحق والباطل نور، يحققه الله لمن اتبع نوره الهادي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم واستجاب للكتاب العزيز القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:15، 16).

حكمة خلق النور والظلمات والأضداد لتمييز الأشياء في الكون

والنور والظلمات من خلق الله، ومن فوائد خلق الأضداد في الكَوْنِ تمييز الأشياء، فما كان لنا أن ندرك قيمة النور إن لم يكن هناك ظلمات، ولا قيمة الصحة إن لم يكن هناك مرض، ولكن الذين يستحبون الظلمات على النور هم الجائرين الذين انحرفوا عن مُراد الله، ولذا يقول تعالى:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام:1)،

وقديما قالوا: وبضدها تتميز الأشياء.

ولا تعني علاقة التَّضَادِّ بين المخلوقات أنَّ أحَدَ الأطراف شَرٌّ والآخر خير، فإن هذا قد يتحقق في الحق والباطل.. في الظلمات والنور.. والصدق والكذب، في الصحة والمرض - على تفصيل في كل ذلك - إلا أنه لا يتحقَّق في الغَني والفقير، والحاكم والمحكوم، والأبيض والأسود، فهذه المتناقضات في خلق الله تقتضي التكامل بينها، وخلقها الله متناقضة ليُظْهِرَ كلُّ ضِدٍّ حُسْنَ الآخر، وذلك مصداقا لقول الشاعر:

الخـد كالصبـح مبيض

والشَّعْـر كالليـل مسودُّ

ضدان لما استجمع حسنا

والضد يظهر حسنه الضد

تسمية التوراة والقرآن بالفرقان كأداة لتمييز الحق والباطل

ولقد سَمَّى الله التوراة وصحف موسى عليه السلام بالفرقان، قال تعالى:

﴿و َإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة:53)،

وقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (الأنبياء:48)

وسَمَّى ربُّنا القرآن بالفرقان، في سورة اسمها (الفرقان)، قال تعالى:

﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ( الفرقان:1)،

وقال تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة:185)،

وقال سبحانه:

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (آل عمران:3، 4)،

وإطلاق الفرقان على كلام الله باعتبار أنه الأداة التي يفرق بها الإنسان بين الحق والباطل، ويهتدي به إلى الطريق المستقيم.

لقب الفاروق ومعنى الفتنة لغة وارتباطها بالابتلاء والاختبار

وسُمِّي أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله تعالي عنه– بـ (الفاروق) لشِدَّة بصيرته ولعظمة قُدْرَتِه على التفريق بين الحق والباطل مهما كان هناك لَبْسٌ وخَلْطٌ في الأمور.

والمسلم يحتاج إلى الفرقان من ربه في كلِّ وقت وفي كل مكان، ويشتدُّ احتياجه له في وقت الفتنة وزمانها، فما هي الفتنة وما هي حقيقتها، وكيف يخرج المسلم منها بفرقان ربه؟

الفتنة في اللغة هي: الابتلاء والامتحان والاختبار،

وأصلها مأخوذ من قولك: «فتنت الفضة والذهب» إذا أذبتهما بالنار لتُمَيِّزَ الرديء من الجيد، وعلى هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ (البقرة:102)،

ومنها قوله تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال:28)،

وقوله تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35).

دلالات الفتنة في القرآن بين الكفر والفضيحة والعذاب والعقوبة

وتأتي الفتنة بمعنى الكفر كما في قوله تعالى:

﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:193)،

ومنها قوله تعالى:

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب:14).

كما تأتي بمعنى الفضيحة كما في قوله تعالى:

﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(المائدة:41).

وتأتي الفتنة بمعنى العذاب والعقوبة، قال تعالى:

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ (الأنفال:25)،

ومنها قوله تعالى:

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:63)،

ومنها قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (العنكبوت:10).

ومنها قوله تعالى:

﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾(الصافات: 62، 63).

الفتنة كقتل وسوء وضلال وتلبيس في نصوص القرآن الكريم

وتأتي الفتنة بمعنى القتل والاقتتال بين الناس، منها قوله تعالى:

﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال:73)،

قال تعالى:

﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة:126).

وتأتي بمعنى السوء والمكروه ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾ (الحج:11).

وتأتي بمعنى الضلال والغواية، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (الحج:53).

وتأتي الفتنة بمعنى التلبيس والخلط بين الأمور لإخفاء

الحقيقة، ومنها قوله تعالى:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ (آل عمران:7)،

وقوله تعالى:

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة:48).

تعوذ النبي من الفتن وشرح زمن الحق والباطل وزمن الفتنة

ولقد جمع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بين كلِّ هذه المعاني، فيما كان يتعوَّذ من الأدعية في الصلاة، فعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قالت:

كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاَةِ « اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». قَالَتْ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ « إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» .

والفتنة بمعنى الخلط والتلبيس هي التي نقصدها بالحديث في ذكر الفرقان والتفريق بين الحق والباطل، فزمان الحق هو الزمن الذي يغلب فيه الحق ويسود، ويَخْبُو فيه الباطل ويَضْمَحِلُّ، وزمان الباطل هو عكس ذلك فيغلب فيه الباطل والظلم، ويَخْبُو فيه الحق ويَقِلُّ، إلا أن الرؤية تكون واضحة في هذين الزمانين، أما زمن الفتنة وهو الزمن الذي تختلط فيه الأوراق وتَلْتَبِسُ فيه الأمور فتصعب رؤية الحق، ومعرفة الباطل.

تأثير الفتنة على النفس وتقلب الإيمان وحديث بادروا بالأعمال

وهذا الَّلبْسُ أو الفتنة قد تُحْدِثُ في النَّفْسِ البَشَرِيَّة فتَلْتَبِسُ الأمور داخل الإنسان، فتجعل الحليمَ حيرانًا، فيفقد وضوح الرؤية وتختلط عليه الأمور كثيرًا، ويكون ذلك التباس في الرؤية والنَّفْسِ، ويحتاج فيه المسلم إلى فرقان ربه وتَبَيُّنِه الذي كان سائدًا في أول الأمر في زمن غلبة الحق، قال تعالى:

﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ (البقرة:256).

وقد تَشْتَدُّ هذه الفِتَنُ كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وتقلب حالَ الناس بين الكفر والإيمان مَرَّاتٍ كثيرة، قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

« بَادِرُوا بِالأَعْمَال فِتَنًا كَقِطَعِ الليْل المُظْلمِ يُصْبِحُ الرَّجُل مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» .

اختلاط أهل الحق والباطل ومرجعية الكتاب والسنة والبينات

وهناك نوع آخر من الخلْط واللبْس يكون في المجتمع، وينتج من تداخل أهل الحق وأهل الباطل فيختلط هؤلاء بأولئك فيصعب تميزهم، ويحتاج المؤمن في هذا النوع من الاختلاط بين أهل الحق وأهل الباطل لنوع آخر من التمييز، ولذا أمر الله الناس أن يطلبوا منه هداية طريق أهل الحق، والبعد عن طريق أهل الباطل، قال تعالى:

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة:7).

إلا أن المقياس في معرفة الحق والباطل يعود إلى الأفكار والآراء لا إلى الأشخاص، فالرجال تُعرَف بالحق، ولا يُعرَف الحق بالرجال، والحق المطلق هو الله سبحانه وتعالى، ونعرفه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهما مقياس معرفة الحق والباطل، فلا توجد عصمة لأحد غير الأنبياء لأنهم مُبَلِّغِين عَنْ ربهم، أمَّا غيرُ الأنبياء فأقوالهم وآراؤهم واجتهاداتهم تخضع للتقييم بمعايير النَّصِّ الشَّرْعِيِّ.

فالفرقان هو البَيِّنة من الله للتفريق بين الحق والباطل، وبين أهل الحق والباطل، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم به يعرف الحق من الباطل أمره ربه سبحانه وتعالى أنْ يُخْبِرَنا بأنه على بَيِّنَةٍ منه سبحانه وتعالى، فقال:

﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ (الأنعام:57)،

كما أنَّ كتاب ربنا هو مقياس لمعرفة الحق، وكذلك سمَّاه ربنا "بينة"، فقال تعالى:

﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ (الأنعام:157).

مواقف الأقوام من البينة وخصائص الفتنة ومسلك الغرباء

وقد يَضِلُّ الناس ويَرَوْنَ البَاطِلَ حقًّا، وتَأْبَى عقولُهم الاستجابة لأمر الله، وفي هذه الحالة يأمر الله الأنبياء بأن يُعَلِّمُوا الناس أنهم على بَيِّنَةٍ ويتركوا لهم حرية الرأي والعقيدة، كما أخبر سبحانه عن نوح عليه السلام حيث قال:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود:28).

وقد ذَكَرَ ربُّنا عن قوم هود ذلك، فقال تعالى:

﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود:53)

إلى أن قال لهم هود عليه السلام ما حَكَاه القرآن في قوله تعالى:

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (هود:57).

ومن خصائص الفتنة أنها في بداية أمْرِها يَشْتَدُّ اختلاطها وفي نهاية أمرها تُعْرَِفُ ويَنْتَبِهُ الإنسان لها، والمؤمن مأمور في الفتنة بالبُعْدِ عنها وعدم تزكيتها وعدم الدخول فيها، فالنجاة في الفرار من الفتن، وهذا مسلك الغرباء الذين هم أحَبُّ الناس إلى الله تعالى كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حيث قال:

«أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام» .

ويقول الإمام علي – رضي الله تعالى عنه - ناصحًا الناس في الفتن:

«كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيُرْكَب، ولا ضرع فيُحْلَب» .

الفرار من الفتن مع البقاء في المجتمع وتعظيم شأن التقوى

وليس معنى ذلك أن يعتزل المسلم المجتمع، وإنما معنى ذلك أن لا يعطي نفسه للفتنة ولا يَنْجَرَّ إليها ويُسْتَدْرَجَ فيها، فهذا أول ما يجب على المسلم تجاه الفتنة، أنْ يَفِرَّ منها، ولا يشارك فيها، فثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال:

«إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن» .

ثم عليه أن يَتَعَوَّذَ بالله منها حتى تَنْجَلِيَ ويعودَ الصفاء في الرؤية والنَّفْسِ مَرَّةً أخرى، وقد وردَ في الدعاء الذي علمه النبي أصحابه، فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا» .

وبعد تجنُّبِ الفتن والفرار منها، والتعوذ بالله من شَرِّها وصِدْقِ الالتجاء إليه في أن يُجَنِّبَه اللهُ شَرَّها، على المسلم أن يراعي تقوى الله في كل أوقاته حتى يتبيَّن له الأمر وذلك مصداقًا لقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ (الأنفال:29).

وحقيقة التقوى هي التباعد عن كُلِّ مُضِرٍّ في الآخرة، وقد ذُكر في معناها أيضًا: أنها عبارة عن حجاب معنوي يَتَّخِذُه العَبْدُ بينه وبين العقاب، كما أنَّ الحجابَ المحسوسَ يَتَّخِذُه العَبْدُ مانعًا بينه وبين ما يكرهه.

ثمرات التقوى في القرآن وكونها معيار التفاضل ووصية للأمم

وكثرت آيات القرآن الكريم التي تَحُثُّ المسلمين على تقوى الله سبحانه وتعالى، وتَنَوَّعَتْ أشكال الجزاء عليها، فتارة يُعَلِّمُنَا الله أنها سبب الفلاح، فيقول سبحانه:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 189)،

وتارة يأمرنا ربُّنا بملازمة المتقين، فيقول تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194)،

وتارة يُعَلِّمُنَا ربُّنا أنها معيار تقويم الناس عنده سبحانه، فيقول:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)،

وكانت التقوى وصية الله لجميع الأمم، ووصيته للذين أوتوا الكتاب من قبلنا، كما أنها وصية الله لنا كذلك، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِياًّ حَمِيداً﴾ (النساء: 131).

المبادرة بالأعمال وفضل العبادة في زمن الفتن والهرج

وعلى المؤمن أن يُكْثِرَ مِنْ أعمال الخير بشكل عام ليُعِينَه الله بذلك على الخروج من الفتن، وأن يُبَادِرَ بتلك الأعمال استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حيث يقول:

«بادروا بالأعمال فتنًا كقِطَعِ الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» ،

ويقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«العبادة في الهرج كهجرة إلي»

وفي رواية

«العبادة في الفتنة كالهجرة إلي»

؛ يعني بذلك أنَّ لها ميزة وفضل وأجر عظيم في أوقات الفتن.

يقول الحافظ ابن رجب - رحمه الله - مُعَلَّقًا على هذا الحديث: «وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مؤمنًا به،متبعًا لأوامره مجتنبًا لنواهيه».

القرآن حبل الله المتين ومخرج شامل من الفتن بأنواعها

ومن أهَمِّ ما يُعين المسلم على الخروج من تلك الفتن كتاب الله سبحانه وتعالى كما وَصَفَه بذلك الصادق المصدوق فيما وَرَدَ عنه أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:

«إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: كِتَابُ اللهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ يَرُدَّهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ، أَضَلَّهُ اللَّهُ، هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَالذَّكَرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي، لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلُقُ عَنْ رَدٍّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ حِينَ سَمِعَتْهُ، أَنْ قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دُعِيَ إِلَيْهِ، هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ، هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم» .

ذلك فيما يَخُصُّ الفِتَنَ التي تصيب الإنسان فتُغَبِّشُ على الرؤية، أما النوع الثاني من الفتن وهو اختلاط أهل الحق وأهل الباطل فيصعب التمييز بينهم، فقد أشار القرآن إلى هؤلاء المُنْدَسِّين الذين يتسبَّبُون في فتنة المجتمع، وهم لا يَخْفَوْن عليه سبحانه، فقال تعالى:

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (الأحزاب:18).

سنون خداعات والرويبضة والدجال في الواقع الثقافي الملتبس

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ذلك الزمان الذي يختلط فيه أهل الحق بأهل الباطل، ويظن الناس أن الكاذب صادق، والصادق كاذب حيث قول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» .

وفي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه وهو حديث طويل عبارة «وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى تَرَوْا أُمُورًا عِظَامًا يَتَفَاقَمُ شَأْنُهَا فِي أَنْفُسكُمْ, تَسْأَلُونَ َبينكم هَلْ كَانَ نَبِيُّكُمْ عليه السلام ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا ذِكْرًا، حَتَّى تَزُولَ جِبَالٌ عَنْ مَرَاتِبِهَا» .

ويبدو أننا نعيش في تلك الحالة الثقافية التي لم تستقر بعد، ولم تتحدد مفاهيم كثيرة منها، والتي خرج الرويبضة ليساهم فيها ويتكلم في الشأن العام، من التصدر للنصيحة حتى الطبية منها، إلى الإفتاء ولو بغير علم مع أنه لم يحفظ آية كاملة إلا في قصار السور، إلى تولي المناصب العامة، إلى الكلام في الشيوعية البائدة أو الفن الجديد، إلى من يريدنا أن ننسلخ عن أنفسنا وديننا وتاريخنا، إلى من يريد إرهابًا فكريًا، إما هو وإما الجحيم، ثم جحيمه هي الجنة، وأن جنته هي الجحيم؛ لأنه دَجَّال من الدَجَاجِلَة.

يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في شأن الدجال:

«قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ» .

الصبر والإعلام الجاد والصدقة بالعرض وصفات عباد الرحمن

والمَخْرَجُ من ذلك كله هو الصبر والتأكيد على الحرية الملتزمة وترك الرويبضة يكتشفه الناس في تفاهته وفي هشاشة تفكيره، والاستمرار في بناء الإعلام الجاد الملتزم الذي سوف يطرد الهَشَّ والغَثَّ والذي سيجعل التافه يتعلم أو يستحي أو يتوارى أو يسير مسار الجادين أو يحاول حتى لو لم يصل إلى مستواهم وأنا مستبشر خيرًا أن هذه الحالة من الكسل والتفاهة سوف تنتهي؛ فقد ظهرت صحافة الإثارة في أمريكا سنة (1830 ) ثم استقرَّ الأمْرُ الآن، وأصبح من دواعي الاشمئزاز عند الطبقة المثقفة هناك أن يرى أحدهم صحيفة من هذه الصحف في يد قارئ مسكين وكأنه يقول له بنظرته العاتبة: (هل ما زلت هنا لم تتعلم؟) إن هذه الثقافة لن تأخذ كثيرًا من الوقت، وذلك بسبب التطور الهائل من الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا.

وحتى نَصِلَ إلى هذه الحالة علينا أن نصبر ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف:18) وأن نتصَدَّق بعِرْضِنا على الناس «عن أبي هريرة أن رجلا من المسلمين قال: اللهم إنه ليس لي مال أتصدَّق به وإني جعلت عرضي صدقة، قال: فأوْجَبَ النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قد غفر له» ، وأن نهجرهم هجرًا جميلا، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل:10)

وأن نتمسَّك بصفات عباد الرحمن، قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (الفرقان:

  1. 65).

الرجوع للحقائق وترك لهو الحديث والجدل بلا علم

والشرع يأمر أن نرجع إلى الحقائق لا إلى الأوهام، وإلى الواقع لا إلى الخيال المريض، قال تعالى وهو ينهانا عن الفتنة بكل أشكالها كلامًا وفعلاً وسلوكًا:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (لقمان:20، 21).

وقال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (لقمان:6)،

وقال:

﴿ أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (النجم:59، 61)،

وسامدون أي تُغَنُّون بالباطل من القول، وقال تعالى:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:116).

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الدعاء المأثور للتفريق بين الحق والباطل؟

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه

ما الآية القرآنية التي تربط التقوى بالفرقان بين الحق والباطل؟

﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفر عنكم سيئاتكم﴾

لماذا لُقِّب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بـ«الفاروق»؟

لشدة بصيرته وعظمة قدرته على التفريق بين الحق والباطل

ما أصل كلمة «الفتنة» في اللغة العربية؟

من إذابة الفضة والذهب بالنار لتمييز الرديء من الجيد

ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة في زمن الهرج والفتنة؟

كالهجرة إليه صلى الله عليه وسلم

من هو «الرويبضة» الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث السنين الخداعة؟

السفيه يتكلم في أمر العامة

ما الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه المخرج من الفتن؟

كتاب الله الذي هو الفصل ليس بالهزل

ما الفرق بين زمن الحق وزمن الفتنة؟

زمن الحق يغلب فيه الحق وتكون الرؤية واضحة، وزمن الفتنة تلتبس فيه الأمور وتصعب رؤية الحق

ما المقياس الصحيح لمعرفة الحق والباطل عند اختلاط أهل الحق بأهل الباطل؟

الكتاب والسنة لا الأشخاص، فالرجال تُعرف بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال

ما الحكمة من خلق الله للأضداد في الكون كالنور والظلام؟

تمييز الأشياء وإدراك قيمتها، فما كان لنا أن ندرك قيمة النور لولا الظلام

ما الدعاء الذي علّمه النبي أصحابه للنجاة من مضلات الفتن؟

اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا

ما معنى قول الإمام علي رضي الله عنه: «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب»؟

لا تعطِ نفسك للفتنة ولا تنجر إليها ولا تكن طرفًا فيها

بماذا سمى الله القرآن الكريم في سورة تحمل هذا الاسم؟

الفرقان

ما معنى «السعيد» في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الفتن؟

من جُنِّب الفتن

ما حقيقة التقوى كما وردت في المحتوى؟

التباعد عن كل مضر في الآخرة وهي حجاب معنوي بين العبد والعقاب

ما الثلاثة أشياء التي تولد البصيرة والفرقان في القلب؟

استحضار صورة النبي صلى الله عليه وسلم وجعله أبًا روحيًا، وكثرة الذكر، والافتقار إلى الله وطلب الهداية منه.

ما الآية التي تصف الله بأنه ولي المؤمنين الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور؟

﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ (البقرة:257).

هل كل الأضداد في الكون أحدهما خير والآخر شر؟

لا، فالتضاد الأخلاقي يتحقق في الحق والباطل والنور والظلام والصدق والكذب، لكنه لا يتحقق في الغني والفقير والأبيض والأسود، إذ هذه تقتضي التكامل لا التعارض.

لماذا سُميت التوراة والقرآن بـ«الفرقان»؟

لأنهما الأداة التي يفرق بها الإنسان بين الحق والباطل ويهتدي بهما إلى الطريق المستقيم.

ما الفرق بين زمن الباطل وزمن الفتنة؟

في زمن الباطل يغلب الباطل والظلم لكن الرؤية تكون واضحة، أما زمن الفتنة فتختلط فيه الأوراق وتلتبس الأمور فتصعب رؤية الحق ومعرفة الباطل.

ما معنى الفتنة بمعنى التلبيس في القرآن؟

الخلط بين الأمور لإخفاء الحقيقة، كما في قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾.

ما الفتن التي كان النبي يتعوذ منها في صلاته؟

كان يتعوذ من فتنة المسيح الدجال وفتنة المحيا والممات، إضافة إلى عذاب القبر والمأثم والمغرم.

كيف تؤثر الفتنة على الإيمان وفق الحديث النبوي؟

قد تقلب حال الناس بين الكفر والإيمان مرات كثيرة، حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا.

من هم «الغرباء» الذين هم أحب الناس إلى الله وفق الحديث؟

الفرارون بدينهم، الذين يبتعدون عن الفتن ويحافظون على دينهم، ويُبعثون يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام.

ما الخطوات الثلاث التي يجب على المسلم اتخاذها تجاه الفتنة؟

أولًا: الفرار منها وعدم المشاركة فيها. ثانيًا: التعوذ بالله منها حتى تنجلي. ثالثًا: مراعاة تقوى الله في كل الأوقات.

ما وصف القرآن الكريم الذي ذكره النبي في حديث المخرج من الفتن؟

هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن رد ولا تنقضي عجائبه.

ما خصائص الفتنة من حيث بدايتها ونهايتها؟

في بداية أمرها يشتد اختلاطها ويصعب التمييز فيها، وفي نهاية أمرها تُعرف وينتبه الإنسان لها.

ما ثمرات التقوى التي ذكرها القرآن الكريم؟

التقوى سبب الفلاح، وتجعل الله مع المتقين، وهي معيار التفاضل عند الله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، وهي وصية الله لجميع الأمم.

ما تعليق الحافظ ابن رجب على حديث «العبادة في الهرج كهجرة إلي»؟

قال إن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم كحال الجاهلية، فمن انفرد منهم يتمسك بدينه ويعبد ربه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله مؤمنًا به.

ما موقف الشرع من اتباع أكثر الناس في زمن الفتنة؟

نهى الله عن اتباع أكثر من في الأرض لأنهم يتبعون الظن ويخرصون، قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!