اكتمل ✓
الفصل 2

كيفية صلاة الاستخارة ودعائها وكيف أعرف نتيجتها ومتى تقال أذكار الصباح والمساء وما حكم حلق اللحية؟

صلاة الاستخارة ركعتان كأي ركعتين، ثم يدعو المصلي: اللهم خيرني في أمري، فإن وجد تيسيرًا بعدها فهو علامة الإذن، وإن وجد عقبات فالأفضل التمهل. أذكار الصباح تُقال من الفجر حتى الظهر، وأذكار المساء تبدأ بعد الظهر وتمتد إلى الليل. أما حلق اللحية فيرى الإمام الشافعي أنه من باب الآداب والعادات فيكره ولا يحرم، وهو القول المعتمد للفتوى في هذا العصر.

55 دقيقة قراءة
  • هل يجوز للرجل أن يحب امرأة في الله دون أن يقع في الحرام، وما الثواب المترتب على ذلك؟

  • صلاة الاستخارة ركعتان عاديتان يعقبهما دعاء: اللهم خيرني في أمري، وعلامة القبول هي التيسير الذي يلي الصلاة.

  • أذكار الصباح تُقال من الفجر إلى الظهر، وأذكار المساء تبدأ بعد الظهر وتمتد إلى الليل.

  • حكم حلق اللحية عند الإمام الشافعي أنه مكروه لا حرام، وهو القول المعتمد للفتوى في العصر الحاضر.

  • الموز وسائر الفواكه لا زكاة عليها لأنها ليست أقواتًا، والزكاة تجب على الأقوات كالبلح والعنب.

  • من أكل مال حرام غير متعين فلا إثم عليه، وقاعدة الفقه: الحرمة إذا لم تتعين حلت.

السن في الجنة وترك التكلف في تفاصيل النعيم الغيبي

وبسؤال فضيلته:

سمعت أن المسلم عندما يدخل الجنة- سواء الرجل أو المرأة- سيكون في الثلاثين من عمره.. هل هذا كلام صحيح؟ وهل له علاقة بالصحة؟!

أجاب:

هناك أحاديث ضعيفة تقول أننا سنكون في سن سيدنا عيسي عليه السلام وإننا سنكون في حجم كبير يربو على ستين ذراعا.. والذراع حوالي 42 سم، فلنقل نصف متر، فيكون طولنا حوالي 30 مترا، فالرجال والسيدات يكون طولهم حوالي 15 ضعفا تقريبا من الآن. هذا الكلام ورد في الآثار.. ولكنه ليس عقيدة جازمة.. إنما الواضح في القرآن عن الجنة أنها شيء آخر، فيها" ما لا عين رأت. ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".

فكيف سندخل؟ وما شكلنا؟.. كل هذه الأشياء في الحقيقة أشياء بسيطة لما سوف نراه. فلا نجهد تفكيرنا في هذا، إنما نشغل بالنا في طاعة الله الذي أمرنا بحسن السياسة فيما بيننا، وفي حسن التدبير فيما بيننا، وأن نحب الآخرين، ونعبد الله ونجتنب الخيانة والفساد والرشوة والإفساد في الأرض، والقتل والعنف والقسوة.. ونكون رحماء.

القضية الآن. فيم نشغل أنفسنا؟ نشغل أنفسنا بالدنيا وتعميرها؟ أم نشغل أنفسنا بتفاصيل تفاصيل ما سوف يحدث يوم القيامة في الجنة..{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا ععلى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} سنحب بعضنا، النزعة الشيطانية التي تتزغ بعضنا بها الدنيا لن تكون موجودة، لا غضب يوم القيامة. إذن، هيا بنا نعود إلى دنيانا فنصلحها.. هيا بنا نعود إلى دنيانا فنعمل فيها لوجه الله. هيا بنا نخلص العمل لله{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} هيا بنا نقاوم الفساد.. هيا بنا نقاوم الإلحاد.. هيا بنا نقاوم الذين يريدون أن يحاولوا الإنسان إلى قطعة من اللحم أو الخردة.. هيا بنا ندعوا الناس إلى الجمال، وإلى الرحمة، وإلى عمارة الدنيا.. فالوقوف كثيرا عند أخبار الآخرة سينشئ لنا عقلية تغيب عن الواقع، وتنظر إلى ما بعد الواقع.. وربنا سبحانه وتعالى وصف وصفا في الجنة يحفز الإنسان على فعل الخيرات، ويمنع الإنسان عن فعل المعاصي ويدعوه دائما إلى عبادته سبحانه وتعالى.. ولكن ليس للجنة وحدها نعبد الله.. فأهل الله أمرونا أننا نفعل لله وليس للجنة، وأننا لا نعبد الله طمعا في جنته ولا خوفا من ناره بقدر ما نعبده سبحانه وتعالى حبا في ذاته ورهبة من أن يغضب علينا أو أن نخرج من دائرة رضاه. فنحن نعبد الله لأنه هو الله الذي يستحق العبادة..

اختيار المرأة لزوجها في الجنة عند تعدد الأزواج

وبسؤال فضيلته:

سمعت أن الزوجة في الجنة لها الحق أن تختار زوجها نفسه الذي كان معها في الدنيا أن يكون زوجها في الآخرة، أو يكون معها في الجنة، فما صحة ذلك؟ وهل لو كانت في مرتبة أعلى فلها أن تطلب رفع مرتبتها إليها؟

أجاب:

لو تزوجت المرأة زوجين يحدث هذا، فهي تختار أيهما كان أقرب إليها رحما، وأحسن عشرة، وأحسن عليها من الاثنين.

حكم السحر والذهاب لمن يتعامل مع الجن لفك الأعمال

وبسؤال فضيلته:

اعتقدت في وقت من الأوقات أن أحدا عمل لي سحرا، وتناقشت مع أحد أصدقائي، فقال لي إنه يعرف شخصا من الممكن أن يعرف إن كان معمولا لي سحر أم لا وهو يتعامل مع الجن المسلم من أجل فك الأعمال السحرية، فهل ما فعلته فيه شرك بالله؟ وهل هناك فك سحر؟ مع العلم أني قرأت أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وسيدنا جبريل هو الذي عرفه مكان السحر، فهل كانت هذه الحادثة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لحكمة من الله سبحانه وتعالى أم معجزة من معجزات الرسول؟

أجاب:

إذا كنت لم تذهب إلى هذا الرجل فيجب عليك ألا تذهب إليه.. والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حذرنا، وقال:

"من أتى ساحراً أو كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم"

والسحر هذا شيء مثل تأثيرات كونية يحدث في الكون تشبه تماماً الإنفولونزا.. ليس هناك سحر بمعنى أو شخصاًُ يسحر شخصاً آخر، فيظل مسحوراً أبداً.

لا شيء مثل هذا موجود. السحر هذا نوع من أنواع المصائب التي تصيب الجسم ثم تزول بإذن الله، تزول بالذكر أو بالهمة أو بالدواء أو بالعلاج.. وهكذا فيجب علينا ألا نعطي الأشياء أكبر من حجمها.. نعم السحر موجود، والجن موجود.ولكن تأثيره على الإنسان إنما هو تأثر الأمراض المعتادة.. ثم بعد ذلك ينشط الإنسان كأنه قد نشط من عقال.. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كما ورد في البخاري أصابه شيء من السحر لبشريته، وليدلل على أن هذا السحر أمر تافه، وسيدنا موسى أيضاً {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} فأصيب بنوع من أنواع التخيل ثم بعد ذلك ثبت فؤاده، وبالهمة ذهب هذا السحر، وذهب تأثيره..{وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} فعليك ألا تذهب أبداً إلى هذا الرجل. أما إذا كنت ذهب فاستغفر الله، واستغفار الله أن تمسك المسبحة مثلاً وتقول: أستغفر الله العظيم، فقط، تجد الله سبحانه وتعالى شرح صدرك، ونور قلبك، وغفر لك.. ثم تتناسى هذا، وتعزم على ألا تعود مرة ثانية إلى هذا الأمر أبداً.

معنى وعد الحور العين وكون نساء الدنيا المؤمنات هن الحور

وبسؤال فضيلته:

ربنا سبحانه وتعالى وعد الرجال المؤمنين بالحور العين في الجنة، فهل هذا الوعد للنساء أيضا أم للرجال فقط؟

أجاب:

وعد النساء في الجنة واضح جدا، وهو أنهن الحور العين، هن أنفسهن الحور العين، النساء اللائي يعشن معنا الآن.. القضية كلها أننا سنتحول في الجنة إلى دار نعيم.. دار تشريف وليست دار تكليف.. نعيم مقيم يعني دائم، لا يوجد موت، لا توجد فيه حرارة زائدة أو برودة زائدة الأنهار تجري من تحتنا.. والطين مسك، وإذا خضنا فيه بأرجلنا فإننا نتعطر.. هي شيء آخر.

نساء الدنيا المؤمنات هن الحور العين في الجنة، ولكن ليس بنفس الشكل، ولا بنفس الملامح.. وإنما شيء آخر.. بحيث إذا ظهرت واحدة منهن على هيئتها في الجنة لأهل الأرض ماتوا من حلاوتها.. فهن أنفسهن حور عين، وجائزتهن نحن الرجال.. فإن شاء الله يرضي عنا جميعا ويوفقنا في الدنيا للطاعة، ويوفقنا في الآخرة للجنة.

الحب في الله وضوابط العشق العفيف وثواب من كتم حبه

وبسؤال فضيلته:

الحب في الله شئ عظيم، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله اثنان تحابا في الله، فهل الاثنان من جنس واحد؟ بمعنى أن تحب المرأة امرأة أخري في الله، والرجل يحب الرجل في الله، أم أن من الممكن للمرأة أن تحب الرجل في الله؟

أجاب:

يمكن للرجل أن يحب المرأة في الله، ويمكن المرأة أن تحب الرجل في الله، ولكن هذا الحب هو في الله؟ يعني أنه مجرد من الشهوة تماما، هل هو كحب الأخ لأخته وكحب الرجل أمه؟ فالحب كبير، ومعانيه متنوعة.

فلو فرضنا أن رجلا أحب امرأة الحب الذي يتبادر إلى أذهان الناس. الحب العاطفي الذي ينتهي بالزواج.. ولكن هذا الحب لو استمر معه دون زواج.. ولم يكن منه أي إثارة للمرأة التي أحبها.. عف، ولم يرتكب الحرام، وظل الحب مكتوما في قلبه إلى أن مات، فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:

" من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا"

فهذا أيضا ممن له أجر الشهادة.. لأنه كتم حبه، ولم يبح به، لم يتكلم، لم يعد المرأة، لم يخل بها، لم يزن.. جعل حبه في قلبه مكتوما فازداد اشتعالا في قلبه فمات من آثر هذا الكتم.. فضل الموت من أن يقع في المعصية، فضل العفة.. لم فعل هذا؟! فعل هذا حبا في الله، وامتثالا لأمر الله، وطلبا للعفة والحب مادام في إطار الشرع الشريف فلا بأس.. فإن المسلمين أحبوا والتزموا فابن رشد- وهو من كبار علماء المسلمين- كان يجلس إلى امرأة تثير أفكاره، وكانت من تلامذته فغارت منها زوجته، واحتدت المناقشة يوما بين ابن راشد وزوجته بسببها، فلما علمت الفتاه بذلك تركت مجلس أستاذها، وقررت ألا تعود إليه حتى لا تتسبب نزاعا بين الرجل وزوجته..فجلس ابن رشد وهو لا يعرف كيف يفكر.. كانت البنت تنظم له أفكاره وتثير فيه ما يكتب وعندما رأت الزوجة الاكتئاب يزحف على زوجها، ولأنه لم يكتب شيئا لمدة أسبوع أو أسبوعين ذهبت إليها وأحضرتها.. وعرفت أنه ليس كل علاقة بين الرجل والمرأة يكون الجنس هو المسيطر عليها. بل هناك علاقة الأستاذ بالتلميذة، والأخ بالأخت، والابن بالأم.. وهكذا.

وحتى لا يستغل بعض الناس ما قلباه ليدعو إلى التفلت.. أكرر: نحن لا ندعو إلى التفلت.. نحن ندعو إلى الحب في الله. وهذا الحب في الله في الحقيقة هو من أعلى القيم الإنسانية. والله يحبنا، ونحن نحب ربنا سبحانه وتعالى، وينبغي أن يكون بين الناس هذا الحب.

ابن حجر العسقلاني تعلم على أكثر من 50 امرأة، روي عنهما الحديث. كريمة الدمشقية.. راوية البخاري.. فنحن الآن عندما ندرس البخاري نقول: وعن كريمة رضي الله تعالى عنها. وهكذا.. كريمة أصبحت في كل مسانيدنا الآن.. شهدة.. هي في سندنا في الخط العربي إلى ابن مقلة.. كل مسانيد أهل الأرض لابد أن نذكر كلمة(شهدة).. فكيف تلقى الناس عنها؟ وكيف تلقت هي عن الناس؟. وكيف كانت علاقة الأستاذ بالتلميذ.. أحبت شيخها في الله، فلابد أن يكون حدث مثل هذا، لأن هذا أمر متصل متواصل في سلسلة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

حكم حلق اللحية واختلاف الفقهاء وقاعدة ينكر المتفق عليه

وبسؤال فضيلته:

عملي يفرض علي أن أكون حليق اللحية.. فهل حلق اللحية حرام، وهل أنا مطالب بإطلاق اللحية؟ وإلى أي مدة أطلقها؟

أجاب:

الإمام الشافعي يرى أن حلق اللحية من العادات، ولذلك يقول: إن الأوامر الواردة فيه إنما هي أوامر متعلقة بالعادات، فيكره عنده حلق اللحية.. لكن بعض الأئمة يرى أن حلق اللحية حرام، وكأنه يرى أنها من علامات المسلم وهيئته كالإمام مالك.. ونحن مع وجودنا في هذا العصر، وكيفيته، واختلاطنا مع الناس نفتي بما عليه الإمام الشافعي، ونقول له: ليس من الحرمة أن تحلق لحيتك..

وقد جاء الكلام عن اللحية لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :

" قصوا الشوارب وأعفوا اللحى"

هذا أمر، والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينه تدل على غير ذلك.. ولكن الإمام الشافعي قال: هناك أوامر متعلقة بنطاق العادات اليومية. مثل( خذ بيمينك أعط بيمينك.. البس نعلك اليمين أول، كل بيمينك..) هي أشياء يومية متعلقة بها.. كما يكون عند الشخص شيب فيخضبه( واجتنبوا السواد) فهذا تنظيم للآداب، هذا إتيكيت.. وبند الإتيكيت كله يكون مندوبا وليس واجبا.

وقد اختلف المجتهدون في فهم حديث إطلاق اللحية، فالإمام الشافعي فهمه على أنه مجموعة من الآداب( الإتيكيت).. ومجموعة( الإتيكيت) ليست واجبة وبذلك وأنا أدعو للإسلام من المشرق إلى المغرب، وأن يدخل الإسلام الإنجليزي والأمريكي والإيطالي.. فأنا أقول له أنه مجموعة من الإتيكيت فقط، فإذا أحببت وملت إليها فستأخذ ثوابا.. وإذا لم يكن كذلك فليس عليك عقاب.. ولذلك الكراهة تشمل داخلها الإباحة.. فأنت إذا لم تفعلها فلن تأخذ ذنبا.. فإذن عندما يأتي شخص ويحلق لحيته في هذا العصر، فإنني أقول له قلد الإمام الشافعي.. نحن دائما نقول إذا رأينا خلافا نقول: قلد من أجاز.. هذه هي سعة الإسلام، ومرونة التشريع، هذا هو التفاهم الذي نفعله مع العصر.. هذه هي المراعاة لدعوة الإسلام العالمية وأنها لكل زمان ومكان.. نحن لا نقف عند مسائل السلف، نحن نتجاوزها بالقاعدة المقررة أنه" ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه".. فتحريم الخمر متفق عليه فننكر أن يشربه أحد، فإذا جاء شخص، وقال: أنا من طبيعة عملي أن أشرب خمرا، فأقول له: لا. أو آكل الخنزير. فأقول له: لا ليس عندي فسحة أن أقول لك نعم، اشرب ولو كأسا صغيرا، ولا أقول لك كل قطعة صغيرة من الخنزير لا، هذا حرام، ننكر عليه شرب الخمر أو آكل الخنزير تماما، ننكره أنه متفق بين العلماء على حرمته، لذلك ينكر المتفق عليه، لكن عندما يكون هناك شئ مختلف فيه.. فلا ننكر على من يفعله، طالما أختلف فيه المجتهدون، أصحاب المناهج العلمية الضخمة، كالشافعي ومالك فأنا أرى عصري، وأري بلدي، ومقتضيات دعوتي.. مع ماذا تتوافق وأتبع من أجاز.. وهذه قاعدة مهمة يجب أن يتبعها المسلمون جميعا.. لأنها ستحل لنا مشكلات كثيرة جدا مع الحياة المعيشية الموجودة معنا دائما.

الكذب وكذبة أبريل ومفهوم الكذبة البيضاء في الإسلام

وبسؤال فضيلته:

ما رأي فضيلتكم فيما يتردد عن كذبة إبريل؟ وما يقوله بعض الناس من الكذب ويسمونه كذبا أبيض؟ فهل هناك كذبة بيضاء وأخرى سوداء؟

أجاب:

الكذب من الكبائر، ومن الأمور التي نهي عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نهيا تاما، سواء أكان كذبا مفردا، أو كذبا كمنهج، لأن هناك من المناهج ما هو كاذب، وما هو يعتمد عليه الكذب في ذاته. سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:

" لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب صديقا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحري الكذب، حتى يكتب كذابا"

ويقال: الصدق منجاة ولو اعتقد فيه هلاكك، والكذب مهلكة ولو اعتقدت أن فيه نجاتك. وهناك قصة طريفة عن السيخ على الخواص، وكان من الأتقياء، وكان يعيش في القرن العاشر الهجري، وهو أستاذ الشيخ الشعراني، وكان الشيخ على الخواص يعمل صانعا للحصير من الخوص، فجاءه شخص كان قد هرب من أناس يجرون وراءه يريدون قتله أو أذاه، فوصل عند الشيخ علي الخواص، فقال له: خبئني عندك، فقال له: اختبئ في هذه الحصيرة.. فلفه في الحصيرة وأوقفه، وجاء الناس فقالوا: هل جاء هنا شخص قد مر عليك؟ فقال: نعم. قالوا: وأين ذهب؟ قال: في هذه الحصيرة. فظنوا يسخر منهم، وانصرفوا.

وعندما خرج الرجل قال له: كدت أن تهلكني وأن تسلمني لهم. فقال: يل بني، صدقي نجاك، فلو أنني قلت لهم لم أراه، وهم يرونك قد جئت من هذه الناحية سوف يفتشون الحل ويجدونك.. فأنا قد قلت الصدق، وأنا أعتقد في الله أنه سينجينا كما قال رسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، أما حكاية الكذبة البيضاء فهي مترجمة من اللغة الأجنبية، وكانوا يعنون بها أولا كذب الأطفال، فالكذبة البيضاء بمعني الكذبة التي يمارس فيها الطفل خياله.. يمارس ذلك ممارسة لتناقض الواقع عند الطفل في خياله فتصدر مثل هذه المخالفات للواقع فيتقمص شخصية الآخرين وهو يرد على التليفون مثلا فكأنه يلعب ويلهو ويمارس شيئا من الخيال.. هو خيال لا يقصد به شيئا.. كذلك سموه بالكذب الأبيض.. وأجروا دراسات على الكذب.. حتى وصلوا إلى اختراع جهاز كشف الكذب سنة 1920 م، وهذا الجهاز يحقق 85% نتائج وليس 100% ولذلك انتقلوا بعد ذلك إلى حركات الوجه، والتعبيرات أيضا خاصة بعد تقدم الفيديو وغيره.. ووجدوا أن الوجه له 7 ألاف حركة، نستطيع من خلالها أن نكشف الكذب، ونكتشف أن هذا الشخص يقول كذبا الآن أو لا، وتقدموا في هذا المعنى جدا في الدراسات التي استقلت بعلم science of lying حول الكذب والحقيقة أنه ينبغي علينا أن نتبرأ من الكذب، وألا يكون منهجنا لحياتنا فهو محرم في كل الديانات خاصة الإسلام.. وقد يصل الأمر في الكذب إلى مرحلة كبيرة وهي الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"

لأنه يخل بالتشريع، الكذب فيه افتراء على الله، لأن الله خلق واقعة معينة، وأنا بالكذب أقول لا، هناك واقعة أخرى، ولم يخلقها الله، كأني افتريت على الله، ومن هنا كان الكذب محرما في كل الديانات. بكل ألوانه وكل ألوان الطيف.

أما قضية الكذب في أول إبريل فهي بدعة منكرة. والأفضل أن تحتفل في أول إبريل بيوم اليتيم وليس بيوم الكذب.

حكم الاحتفال بيوم اليتيم وطرق إدخال السرور على الأيتام

وبسؤال فضيلته:

هل الاحتفال بيوم معين على أنه يوم اليتيم بدعة؟ وماذا علينا تجاه اليتيم في هذا اليوم؟ هل مجرد إرسال هدية مادية أكون بذلك فعلت ما على أو فعلت الواجب؟

أجاب:

القرآن الكريم والسنة النبوية فيهما الوصية باليتيم، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ثوابا كبيرا لمن يضع يديه على رأس اليتيم، فعندما نضع يدنا على رأس يتيم لنا بكل شعرة حسنة، لأننا ندخل السرور إلى قلبه.. اليتيم الغني واليتيم الفقير.. المسألة ليس مسألة مدية، المسألة أن ندخل السرور إلى قلب هذا الإنسان.

ليس الأمر إثبات حالة، أقدم هدية لليتيم على أنها واجب وانتهى الأمر حتى يقول الناس أنني ذهبت وفعلت.. هذا ليس له علاقة بإدخال السرور على هذا القلب، أنا أريد أن أدخل السرور عليه بأية طريقة كانت، وليست بالضرورة أن تكون طريقة مادية، ليس الأمر كلما أنفقت أكثر ستكون هناك سعادة أكثر.. والاحتفال بيوم اليتيم ليس بدعة، ففي القرآن الكريم{ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } . فهناك يوم نجهله لليتيم، بعض الناس يتحرج أن يسميه عيد اليتيم، لأن كلمة العيد مختصة بعيد الفطر وعيد الأضحى، لا مانع، فالأسماء في أيدينا، ولكن المعاني، هذا المعنى الذي فيه بداية تحريك المحرك فتحريك المحرك له شرارة، وهذه الشرارة الأولي هي التي تدفعنا إلى فعل الخير{ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

عدية يس وعدم ثبوتها وبيان دور التلاوة والدعاء

وبسؤال فضيلته:

عن عدية يس، وما أثارت من جدل، وأن كثيرا من الناس يقرؤون" عدية يس" لعدة أسباب، مثلا للمريض حتى يشفى، وللطالب حتى ينجح، ولكل من هو في مأزق، أو يريد أن يضرب بها أحدا.. فما حكاية" عدية يس"؟

أجاب:

لم يرد في الكتاب ولا في السنة شيء من هذا.. لم يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هذا بعلم مستقل.. ونحن ندرس في الأزهر، ولم يكن في منهج الأزهر علم كهذا يبين لي متى أقرأ، أو ماذا أقرأ، أو على ماذا أقرأ، أو كيف أقرأ، أو ما هذه الآثار التي ستترتب على هذه القراءة؟

أما قراءة القرآن الكريم عموما، فهي من قبيل الذكر، ومن قبيل الدعاء، يعني إذا قرأت من أجل أي شيء كان فإنه مثل الدعاء بالضبط، مثلما أقول: يا رب وفقني.. ونجحت في الامتحان.. يا رب اشف مريضا.. يا رب خفف عن.. يا رب سدد دينا.. يا رب ارزقني رزقا واسعا من حيث لا أحتسب.. هذا غاية ما أستطيعه من عمل.. وغاية ما أستطيعه في استرزاق.. لكن أنت الذي بيدك ملك السماوات والأرض.. إلخ. فأقرأ السورة من القرآن، أو الآيات.. ثم أدعو.. ولا حرج على فضل الله. فالله يستجيب الدعاء أو يؤخر الاستجابة لحكمة عنده أو يدخر ذلك لنا يوم القيامة.

لكن ليس هناك علاقة سببية علاجية إكلينيكية.. تقول إنني لو قرأت الآية سوف تؤثر في الجسم تأثيرا معينا.. أبدا.. ليس هكذا. ولذلك قالوا في هذا المجال.. العبرة بالقارئ لا بالمقروء.. نحن جميعا معنا القرآن كله من جهة المقروء نقرؤه مثلا على من عنده سرطان.. نقرؤه من أوله إلى آخره لا فائدة لماذا؟ لأن العبرة بالقارئ وليس بالمقروء.. القارئ لو أنه دعا فاستجيب له، فيوقف الله هذا السرطان ويقضي عليه.. والله قادر على إحياء الموتى.. قادر على شفاء المرضى..

إذن قضية التلاوة هي تشبه تماما قضية الذكر والدعاء.. ولكن بعض الناس يطلق على نفسه( معالج بالقرآن)، ويصبح كأن عنده علما.. هذا مستشار، والمستشار مؤتمن، وهو بذلك يخون هذه المسألة.. هناك فرق أن نجرب هذا فإذ به مرة يصلح ومرة يؤخر ومرة يدخر... إلخ. وهو نوع من أنواع العبادة.. وبين أن أدعي أنني صاحب علم، وأنه مؤثر بكيفية مؤثرة وأنه في يد مقاليد هذا العلم. الأولى مشروعة، وواردة في الشرع الشريف، ولا بأس بها، نجرب والصحابي رقي بالفاتحة فبرئ اللديغ.. ولكن لم يدع أنه معالج بالقرآن، فهذه الكلمة( معالج بالقرآن) عبارة عن بدعة وخيانة للأمانة.

فيجب علينا ألا نحول الديانة إلى خرافة.. الديانة عقلية علمية منضبطة، فيها تقوي، وفيها إيمان، وفيها ورع، وفيها اتصال بالله، وفيها واقع وحقيقة.. وكم رأينا أن الدعاء يشفي المرضي، ولكن لم نقل للمريض قط: لا تذهب إلى الطبيب واكتف بالدعاء. وذلك لأن المؤمن يتخذ الأسباب، ويدعو، ويقول: يا رب.. الفلاح يلقي الحب ويدعو: يا رب.. إذن ترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك لا يجوز، فإن الشافي هو الله وليس الدواء ولا الطبيب، ولكن الله أمرنا أن نأخذ بالأسباب، " لكل داء دواء" "ما خلق الله داء إلا خلق له الدواء" .

هذه أحاديث نبوية، فأمرنا أن نفعل الأسباب، وفي نفس الوقت ندعو الله سبحانه وتعالى والخلط بينهما تدليس وتلبيس من هؤلاء الناس، ولا يجوز ولا يصح.

تقسيم تركة الأرض وأجر المثل لمن قام على استصلاحها

وبسؤال فضيلته:

أبي ترك لي أرضا، وترك لي أخا واحدا وثلاث بنات.. وهذه الأرض ظلت معي قبل أن يموت بحوالي 20 سنة.. وأخي رجل موظف، ويريد أن يغتصب هذه الأرض، ويقول: لا يخرج لك في هذه الأرض في زواجك، ونحن لا يخصنا زواجك، وقد كلمته العائلة كلها ولم يصلوا معه إلى شيء،وأنا أبحث الآن عن حقي في التركة، هل الأرض والبساتين والشجر لي فيه غرس؟ أجر تعبي؟ كما أنهم لا يريدون أن يخرجوا لي بدل زواج، علما بأن هذه الأرض كانت بائرة وأنا استصلحتها..؟

أجاب:

إذا مات الأب وترك ولدين وثلاث بنات، فالوالدان 4 أسهم، لأن كل ولد 2 سهم، والبنات لكل واحدة منهن سهم، أي 3 أسهم، فتكون كلها 7 أسهم فالسائل يأخذ سبعين من هذه الأرض كميراث.

ولكن إذا كان قد حولها من أرض بور، ورعاها، واعتنى بها مدة كبيرة من بداية حياة ابنه حتى وفاته إلى رحمة الله وإلى الآن هم لا يعرفون لا في الزرع ولا في رعاية الأرض ولا الثمر.. لأن أخاه موظف.. والبنات متزوجات. وكلهم بعيدون عن الأرض وهو الذي قام بشأنها، وفلحها، ورعاها. فله أجر المثل.. أجر من يقوم بذلك وهذا الأجر يقوم على هذه السنين الطويلة.. وأظن أنه لو قومه تقويما صحيحا سيخرج أكثر من تكاليف زواجه التي يطالب بها، فهو يتكلم بالمنطق، أخوه تعلم وتوظف، والبنات تزوجن، وتركوه يعمل في الأرض حتى تدر الثمر، ويأخذون نصيبهم.. فأين أجري أنا؟ لماذا لا أتعلم وأوظف وليست لي تأمينات اجتماعية كل هذا المجهود الذي بذلته ألا يكون له مقابل..؟ ونول له: نعم له مقابل، هو أجر المثل، وكأنك قد استأجرت نفسك عندهم.. فإذا كنت قد أخذت من ريع هذه الأرض ما تزوج به نفسك فعندنا دائن ومدين.. فكم لك وكم عليك؟ كم تكلف زواجك؟ وكم هو لك؟ ثم نطرح الاثنين من بعضهما.. وكل واحد يأخذ حقه.

وصول ثواب الصدقة الجارية وسائر الأعمال الصالحة إلى الميت

وبسؤال فضيلته:

هل تقبل الصدقة الجارية على روح الفقيد؟ بمعني لو قمنا بعمل صدقة جارية على روح الميت سيصل له ثوابها أم نحن الذين سنأخذ الثواب ولن يصله شيء؟

أجاب:

الميت أعماله تنقطع إلا من ثلاثة أشياء: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وعلم ينتفع به. ولكن الولد الصالح الذي يدعو له ليس معناه ابنه فقط، بل قد تكون زوجته وأمه وأنوه، وأخته وأخوه وابنته. إلخ.. فهؤلاء يستطيعون أن يقدموا العمل الصالح، ويدعون ربهم أن يعطيهم مثله.. هذا هو الدعاء الصالح.. فمن هذا المدخل، وهو مدخل الدعاء، فإن كل عمل صالح يصل إلى الميت عن طريق لدعاء.. فأنا أذهب وأحج عن أبي.ز ثم أقول: يا رب، وصل ثواب هذا الحج إلى أبي، وصل ثواب هذه الصدقة إلى أبي.ز فاذهب إلى ملف) أبيه، ولا ينقص ذلك من أجري شيئا.. فأنا آخذ أجرا.. وربنا من سعة رحمته يعطي أجرا لمن دعوت له.. وهكذا، فالأمر على السعة وليس على الضيق، والأمر هنا يدخل من مدخل الدعاء.. فالأعمال الصالحة كلها يقوم بها الإنسان ولكنه لا ينسي أن يهب ثوابا لمن مات. فإذا قلت: إن هذه الصدقة الجارية يصل ثوابها إلى من مات فإنه سيصل إن شاء الله.

حكم الدعاء للوالدين غير المسلمين والفرق بين الاستغفار والصلاة

وبسؤال فضيلته:

زوجتي أوروبية، أنعم الله عليها بالإسلام، وكانت والدة زوجتي من أهل الكتاب، ولم تمانع أبدا في زواجي من ابنتها، ولم تعترض من اعتناق ابنتها الإسلام، وكانت سيدة فاضلة تفعل الخير دائما، فلما ماتت كانت زوجتي تدعوا لها بالرحمة والغفران، لكن زميلات زوجتي المسلمات طلبن منها أن تمتنع عن الدعاء لوالدتها الراحلة، لأنها غير مسلمة فتأذت زوجتي كثيرا وتسأل هل أدعو لأمي أم لا؟

أجاب:

هناك نص في القرآن الكريم:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} . فاستثنى الله سبحانه وتعالى استغفار إبراهيم لأبيه، وهناك في سورة التوبة:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} . {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} .

فهنا في هذه الآيات، ما المقصود بالاستغفار، هل هو هذه الحالة التي معنا؟ وأين شعور الإنسان؟

هذه التجربة مر بها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والصحابة الكرام، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وقال له: يا رسول الله، إن أبي مات على الشرك، أهو في الجنة؟ وكان أبوه يحب الخير.. ويفعل الخير.. فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه في النار، الله تعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ، فبكى الرجل وتأثرت نفسه وشعوره حزنا على هذا الأب الحنون، أشفق على أبيه، فرق له النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وأراد أن يبلغه معلومة دينية وليست اجتماعية.. فقال له:

" أبي وأبوك في النار"

حتى يهدي من روع الرجل وبكائه، فقد ماتوا على الشرك، القاعدة أن الله سبحانه وتعالى كتب على نفسه ألا يفعل هذا، لا يغفر أن يشرك به، وهذا البكاء نراه مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حين جلس يبكي على قبر أمه، فلما سألوه عن ذلك أخبرهم بأنه منع أن يستغفر لها. فالمشاعر الإنسانية محترمة، كون أنها تبكي على أمها، على هذا الحال، فهذا محترم، مر به النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وصحابته ومر به الناس.. إنما الأمر لله.. الله قدر أن يموت هذا على حالة معينة.. وقدر على ذاك أن يموت على حالة معينة، والأمر بيد الله يوم القيامة وليس بأيدينا.. أما واجبنا نحن تجاه ذلك فهو كما قال العلماء: إن الممنوع هو الصلاة عليهم، صلاة الجنازة التي تصلي على الميت، فهذا ممنوع، أما الدعاء فليس بممنوع والعلماء قد تأملوا في المسألة.. ورقت قلوبهم للحالة الاجتماعية.. فقالوا: إنه يجوز الدعاء وليست الصلاة، لأن الله عز وجل قال:{ وَلاَ تُصَلِّ ععلى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ ععلى قَبْرِهِ} .

لكن الدعاء يجوز، وللإمام الرازي في تفسيره قول غريب وهو أنه يجوز أن ندعو للميت الذي مات على غير الإسلام إذا كان يتصف بصفات الخير الطيبة.. أي في مثل هذه الحالة، وقد ورد أن بنت حاتم الطائي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، فأكرمها غاية الكرم، وخلع عباءته، وقام لها، وأجلسها عليها، وكان هذا رمزا لمزيد من الاهتمام، ثم قال لها:

" إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق"

فطمعت البنت أن تستمر مع النبي في هذا المقام حتى تطمئن على أبيها، الذي كان مشهورا بالكرم والجود، فقالت: يا رسول الله، أهو في الجنة؟ فأخبرها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأنه مات مشركا، وكان يفعل ما يفعله للسمعة والشهرة، لسمعة يتسمعها.

فالقضية الدينية غير القضية الاجتماعية.. فالدينية أمر الله، وأنا ليس لي تدخل فلا أقترب منه، وأظل أبكي لا مانع.. أحزن.. لا مانع.. ولكن ماذا أفعل لك يا ابنة حاتم؟ الأمر ليس بيدي..؟ كان أبوك يفعل ذلك لسمعة يتسمعها، ليصبح( حاتم الطائي)، من أجل المجد.. وكثير جدا من فاعلى الخير ينشئ مؤسسة، ويكتب عليها( فلان الفلاني).. حتى تبقى.. لا من أجل وجه الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وليس من أجل ألا تعلم يساره ما أنفقت يمينه.

ونفس الأمر مع عبد الله بن جدعان، كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يحب ابن جدعان جدا وأخبر عائشة رضي الله عنه بأنه رأى قصعة عبد الله ابن جدعان وهو يضيف الحجيج يصعد لها بسلالم.. ورغم ذلك ليس من أهل الجنة ، فيجب إذن أن نفصل بين الشؤون الدينية والشؤون النبوية.

خلق الحياء وعلاقته بالحرية والإيمان وضبط السلوك

وبسؤال فضيلته:

كيف يحض الإسلام- المرأة والرجل على السواء- على التحلي بالحياء؟

أجاب:

في الحديث النبوي الشريف:

" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"

فكأن هذه العبارة قد جاءت مع كل نبي، وليس فقط مع دين الإسلام، فليس الإسلام وحده هو الذي يدعو إلى الحياء، بل أن الحياء مطلوب منذ آدم وإلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

إذن الحياء يساوي- كنتيجة لهذا الخلق الفطري الذي فطر الله الناس عليه- الانتظام والانضباط، السير في جماعة يعرف أحدنا وجبه وحقه، فيؤدي هذا ويطلب هذا، ويكون ذلك برفق ورحمة وتعاون، ويعمل الناس- كما خلقهم الله سبحانه وتعالى في مجتمع واحد.

إذا كان هناك عدم حياء، إذا لم نستحي، فهناك عدم انضباط، لن يكون هناك انضباط ولا ضابط ولا رابط، وهذا هو الفرق الكبير بين الحرية والانفلات، فالحرية حالة مطلوبة، ويجوز أن نسكن بها الحياء، فيكون هناك حرية مع الحياء، يكون هناك حرية مع العقيدة، وفي الانتقال والعمل والرأي.. إلخ.

ليس معنى الحرية أن أعتدي على غيري،وليس معنى الحرية أن أنفلت أو أن أخرج عما يسمى- عند جميع العقلاء وعند جميع النظم وإلى يومنا هذا- النظام العام والآداب، هناك من يسمي بالنظام العام والآداب، وتعد مخالفته جريمة، لأنه قد خرج عن حد الحياء، وعن حد الانضباط، ولأنه قد خرج عن مفهوم الحرية التي هي الوجه الثاني والآخر للمسؤولية. والحياء هو الذي يجعلنا نصف الحرية بالحرية المقبولة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى وأتاحها حتى في العقيدة{ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ، ثم جعل العقاب يوم القيامة وليس في هذه الدنيا نزاع وصدام، فيقول:{ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} فالمسألة بيد الله سبحانه وتعالى في يوم آخر، يحذرنا منه وينبهنا أنه سوف يكون هناك حساب حتى تستقيم سلوكياتنا في هذه الحياة الدنيا.

فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم جاءه رجل يلوم أخاه في الحياء، وقال إنه يستحي، فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :

" لا تلمه فإن الحياء خير كله"

ولذلك من العبارات الشائعة الخاطئة التي ننهى عنها( لا حياء في الدين)، عندما يريد أحد أن يسأل سؤالا في موضوع حساس أو أي شيء آخر، ويريد أن يجعل أخاه يسأل مثلا، فيقول له: يا أخي، لا حياء في الدين أو في العلم. هذا خطأ، الصحيح أن نقول: لا حرج في الدين، فالحياء خير كله، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يشبه لنا الإيمان على أنه شجرة مورقة، فيقول:

" الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها" لا إله إلا الله"- وهي القضية الكبرى، قضية توحيد الإله الخالق- وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس. فإذا وجدت قشرة موز وتنحيتها عن الطريق حتى لا تصيب الناس بالأذى فهذا من الإيمان. " والحياء شعبة من شعب الإيمان"

فلماذا خصص الحياء من جميع الشعب بعد أن عرفنا أعلاها وأدناها، لأنه هو الضابط الرابط. في الحقيقة إذا ارتفع الحياء في مجالات كثيرة فإننا نكون على خطر عظيم، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:

" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"

الرؤى الصالحة وعلاقة الأرواح بالأحياء وطمأنة الحامل

وبسؤال فضيلته:

أنا متزوجة منذ 4 سنوات، ولم يحدث حمل إلا منذ فترة قصيرة جدا.. أنا أصغر إخوتي، ووالدتي متوفاة منذ فترة طويلة، منذ 5 سنوات تقريبا.. وهي تزورني في أحلامي كثيرا.. وقد سألت بعض المشايخ: هل الأموات لهم علاقة بالأحياء؟ هل يشعرون بالأحياء؟ وهل يأتون لزيارتهم والاطمئنان على أحوالهم؟ فقالوا لي: لا، هم لا يشعرون بالأحياء. ومع ذلك فكل ليلة تقريبا أري والدتي في المنام، وعندما أكون متعبة ولا أستطيع أن أتناول الطعام أجدها تأتيني في المنام وتحضر لي طعاما جميلا.. وأقوم من النوم فأجد نفسي شبعانة.. فما تفسير ذلك؟

أجاب:

الأرواح باقية في كل الديانات، ولم ينكر الأرواح وبقاءها إلا الملحدون، وكون أن لها اطلاعا على عالمنا هذا فممكن، ولا مانع شرعي من ذلك، وهذه في الحقيقة من منة الله.

ولكن الثابت أن الأرواح بذاتها لا تستطيع أن تذهب أو تجئ، لا تستطيع أن تعود للدنيا، وأما الرؤيا التي تراها فهي من الله، فالذي يطمئن قلبها ويثلجه بأمها هو الله، والأمر كله أنها حالة نفسية، هذه الحالة النفسية التي وضعها فيها الله من أجل أن يطمئنها، فأرسل إليها صورة أمها وهي تعطيها الطعام الطيب.. فالله سبحانه وتعالى أراد أن يكرمها في حملها كي تقول: الحمد لله، والرؤيا الصالحة جزء من 46 جزءا من النبوة، والنبوة هي عبارة عن وحي، ويقال عن النبوة الإلهام.. بمعنى أن يكون الإنسان ملهما،

" إن كان هناك محدثين فعمر" .

إذن ما تراه الأخت هو منة من عند الله سبحانه وتعالى، وفضل من عنده صوره في صورة الأم.. هذه المنة تستوجب الشكر لله سبحانه وتعالى.

تأهيل خطباء الجمعة بالعلوم الشرعية والمعارف العصرية

وبسؤال فضيلته:

هل هناك منهج معين يستعمله الخطباء في إلقائهم خطبة الجمعة؟

أجاب:

هناك تدريب مستمر على مستوي عال للمتميزين من الخطباء ليكونوا روادا تتكون منهم طليعة لتعلم هذا الأداء في الخطبة. وقد خرجت المجموعة الأولي وكان عددها 50، وخرجت المجموعة الثانية وكان عددها 50 أيضا، وهناك إعداد للمجموعة الثالثة، وهم كلهم حاصلون على دراسات عليا، وخطباء متميزون في مساجدهم.

وهذا التوجيه قديم وليس مستحدثا، وفي هذه الأيام يتعلم الإمام قواعد الكمبيوتر، وكيف يتعامل مع الإنترنت، ويتعلم شيئا من الإنجليزية يستطيع به التفاهم في دخوله على الإنترنت، ويدرس أكثر من 30 علما في السياسة والاقتصاد والاجتماع والآداب والفنون وتاريخ العمارة.. إلخ، من أجل أن يعي عصره، وليكون قادرا على تحليل الخبر وعلى كيفية الخطاب.. إلخ. إذا فهو منهج متميز، ونجح نجاحا كبيرا، ومازال مستمرا.

التوبة من أكل أموال الناس وكتابة الحقوق مع العجز المؤقت

وبسؤال فضيلته:

أنا لن أكذب على حضرتك، وسأقول لك الصراحة: أنا كنت أمد يدي على أشياء ليست لي وأنا صغيرة، كان عمري وقتها 15 سنة، وبعد ذلك فأنا تبت الآن، وعندي 21 سنة.. وليس باستطاعتي أن أرد هذه الأشياء إلى أصحابها والدنيا مغلقة في وجهي.. وللأسف بدأت أفكر في الرجوع في توبتي.. فهل توبتي مقبولة وأنا لا أستطيع أن أرد ما أخذته الآن.. وقد يتيسر لي ذلك ولكن بعد سنوات، مع العلم بأنني أعرف الأشخاص الذين أخذت منهم هذه الأشياء؟!

أجاب:

توبتك مقبولة إن شاء الله، وربنا سبحانه وتعالى يقبلك عنده، وهذا شيء طيب جدا أن يرجع الإنسان إلى نفسه يقلع عن المعصية ويعترف بذنبه، والله سبحانه وتعالى- إن شاء- يكرمك ويوفقك، ويجعل لك صفحة بيضاء لا تلوث أبدا.. وقضية الحقوق وأنت لا تملكين{ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} لكن أحضري مفكرة صغيرة، واكتبي أن فلانا له مقدار كذا، وفلانا له مقدار كذا.. ثم ابذلي كل ما في وسعك.. واجعلى هذه المفكرة عندك حتى يأذن الله سبحانه وتعالى ويرزقك وتقدري على رد هذه الأشياء بأي وسيلة: ترسلينها في جواب.. تسلمينها له أو لها، أما إذا مات أحد من أصحاب الحقوق، ولم تستطيعي الوصول إليه.. أو تعذر عليك الوصول لأحد فيمكنك ـن تتصدقي بما له عندك على حسابهم، يعني: ثواب تلك الصدقة يذهب لهم يوم القيامة.. هذا هو الطريق الخاص بالمسألة.. وتوبتك- إن شاء الله- توبة مقبولة بهذه الحالة، وعليك أن تحافظي على هذه التوبة، والله سبحانه وتعالى يفتح عليك.

خطر الكتب الشعبية ومواد الشعوذة وضرورة الرجوع للعلماء

وبسؤال فضيلته:

عن الكتب التي تباع على الأرصفة وتتعلق بالدين، وكذلك أشرطة الكاسيت التي تنتشر عن بعض المشايخ غير المتخصصين، وكتب الشعوذة والدجل والسحر التي انتشرت في الأسواق، وتحمل الكثير من الأشياء الغريبة.

أجاب:

هذه مشكلة ثقافية، لأن الناس يظنون أننا ننهاهم عن هذه الكتب سيئة السمعة، وعن هذه الأشرطة سيئة السمعة يقولون: لماذا لا تنهون عن المفاسد وعن الخمر وعن الزنا ؟ والحقيقة أننا- ليل نهار- نقول: إن الزنا حرام، الخمر حرام والفساد حرام. ولكن هذا لا يبيح أحد من الناس أن يفسد الدين بمثل هذه الطريقة.. وكثيرا تأتيني بعض تشنجات من صبية يقولون: أنت الآن تتكلم عن الكتب الدينية وتنقدها، وتترك الفساد.. نحن نريدك دائما عندما تأتي لنا ونسمعك تقول: الخمر حرام.. الزنا حرام.. نعم الخمر حرام باتفاق المسلمين، والزنا حرام باتفاق أهل الملل كلهم.

ولكن هل هذا يبيح أن نخلط في الدين هذا الخلط المقيت.. كيف ندرك الصحيح من القبيح؟ لابد أن يكون متخصصا.. فإذا رأينا أستاذا في جامعة الأزهر نأخذ كلامه.. وأساتذة الأزهر ليسوا على مشرب واحد بل مشارب مختلفة، وليسوا على مذهب واحد بل مذاهب مختلفة.. لكن كلها تحت سقف الحق، واختلافهم اختلاف تنوع وليس تضاد.. وكلامهم لا يؤدي غلي المصائب والكوارث التي تراها.. وظل هذا الاختلاف موجودا عبر القرون، فما زاد الناس إلا قوة وتمسكا بالدين وطيبة وأخلاقا. لأنه راعي اختلافات الناس، وعذر كل واحد منهم أخاه فيما اختلفا فيه، ووضع يده في يده فيما اتفقا عليه، وسارا معا.. فالمشايخ في الأزهر قد يختلفون في بعض الأمور، وهم يأكلون ويعيشون جميعا.. إلخ. فهؤلاء هم العلماء الذين تعلمنا عليهم.. فهناك حب وود.. ولكن كله تحت التخصص ولا يصح أن أذهب إلى " الكفتجي" وأسمعه، وأتأثر به، وأبني حياتي عليه وتصرفاتي عليه، وتصل هذه التصرفات إلى خراب البيوت والطلاق بل وإلى أخص خصائصه، فكيف يتم هذا؟ ومن هذا المجنون الذي يطبع هذا الهراء؟ كيف يخاطر برأس ماله؟ وحاولت أن أعرف فوجدت أنهم هم الذين يطبعون، وليست الشركات، كل ما في الأمر أن صاحب الكتاب أو الشريط يذهب فيؤجر عدد ساعات في الاستديو أو في مطبعة أو شركة.. ويبدأ النسخ أو الطبع.. من الذي يموله ؟ إذن هنا علامة استفهام وراء من الذي يمول هذا؟ وكيف تأتي هذه الأموال؟ ومن أين؟ كيف تنثال هذه الأموال التي مولت هذا الهراء وهذا الصراخ وهذا الخلط في دين الله؟{لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

أما كتب الدجل والشعوذة والخرافات، التي يكتب عليها اسم حضرة وسعادة الشيخ فلان، فقد بحثت كثيرا عن أصول هذا.. والحقيقة أننا في الأزهر لم يعلمونا السحر ولا مقاومة السحر فبحثت من أين مصادر هذه الكتب، وبحثت كثيرا عن مصادر هذه الكتب.

بعضها يأتي بنصوص من القرآن يفسرها أو من الأحاديث وهذا أطيب شئ في هذه الكتب، بغض النظر عن اتفاقنا معه أو صحة هذا التفسير وصحة هذا الاستدلال، أما الباقي فيأتي بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولم نسمعها، ولم نعرفها، فهي مجموعة من الانطباعات أظنها أنها حادثة في هذا العصر، وأنه لم ينقلها من كتاب سابق، ولا حتى من كتاب الشعوذة، وهي لا توجد في تراثنا حتى في السحر فتراثنا في السحر لا يوجد فيه مثل هذا الكلام المبتكر.. وأظنه أنه لا يستحق أن نقول مبتكر.. بل هو مبتدع، لأنه منكر من القول وزور، ونحن نؤكد أن هذا التلبيس خطير في الدين، ونؤكد أيضا على أننا لا نشغل أنفسنا بالرد على هذه الطائفة تزيت بزي الدين وعلم الدين منشغلين بذلك عن نصح الدين في دينهم. نحن ننصح الناس في دينهم دائما.

وحي السنة ومعنى وما ينطق عن الهوى ومصدرية التشريع

وبسؤال فضيلته:

عن قول الله تعالى:{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى} ، وأن البعض يقول: ( ينطق) أي كانت أقواله كذلك.. فهل كانت أفعاله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أيضا من وحي الله سبحانه وتعالى؟

أجاب:

نعم، أقواله وأفعاله من وحي الله سبحانه وتعالى، أما اجتهاده فكان في أمور الحياة الدنيا، في أمور تدبير المعاش بكل وسائله فإن الله سبحانه وتعالى يصححه بالوحي.. فالنبي أقواله وأفعاله في أمور الشرع هي وحي من الله، فهو صاحب الوحيين كما يقول الإمام الشافعي، وحي منطوق متلو وهو الكتاب، ووحي آخر فيه المنطوق ومنه المفعول. وهو السنة، فهو معصوم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، ويقول:

"صلوا كما رأيتموني أصلي"

ويقول في الحج:

" خذوا عني مناسككم"

ويقول لأبي شاه:

" اكتب، فوالله لا أقول إلا الحق".

فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم واضح المعالم، وإن كان نقل السنة ليس منضبطا كما هو منضبط في نقل القرآن.. نقل القرآن تم بطريقة الأداء، فمثلا نقل الحاء مرققة في {وَالضُّحَى} لابد أن يلاحظنا الشيخ فيها، لأنه منقول بهذه الدقة، وليست بالحروف أو بالشكل فقط، أما الأحاديث ففيها رواية بالمعنى، وهنا دخل فيها شئ مما يحتاج إلى نظر العلماء واجتهاد المجتهدين، ولكنها هي المصدر الثاني التشريع دون شك، وهي المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم، وهو التطبيق المعصوم لكتاب ربنا سبحانه وتعالى في واقع متغير..

أكل طعام من مال حرام غير متعين والقاعدة الفقهية في ذلك

وبسؤال فضيلته:

كنت أعرف صديقة، وكنت عندها في البيت، وقد أضافتني ومعي أولادي على الغداء، وأثناء تناولنا للطعام اكتشفت من حديثها معي أنها تعمل في أشياء غير مشروعة، بمعنى أن أموالها قد حصلت عليها من طريق غير مشروع وأنها ليست أموالا حلالا.. وقد استكملت أنا وأولادي أكل الطعام بعدما عرفنا ذلك ونحن نأكل.. فهل هذا الطعام الذي أكلناه سنحاسب عليه، وأننا بذلك قد أكلنا حراما.. فأنا تأكدت أن كسبها غير مشروع أثناء تناولنا للطعام..؟!

أجاب:

الحرمة إذا لم تتعين حلت.. وابن مسعود عندما أكل عند شخص، فقالوا له: إنه برابي، أو أنه يبيع الخمر أو شيئا من هذا القبيل.. فقال: عليه إثمه. ولتهنأ بما أكلت.

كل ما صدر عن النبي من قول داخل في مسمى الحديث

وبسؤال فضيلته:

هل كل ما كان يخرج من الفم الشريف للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان أحاديث؟ أم أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يتحدث أحاديثه العادية مع أصحابه وأزواجه.. ثم إذا أراد أن يقول حديثا يروي عنه يبين أنه سيقول الآن حديثا يروي عنه؟

أجاب:

كل من كان يخرج من فمه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان حديثا.

علم مشكل الحديث وجمع النصوص بين الرحمة والعقوبة

وبسؤال فضيلته:

إذا نظرنا إلى أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نجد أن بعضها- لا نقول إن فيها تناقصا- ولكن نقول إنها تحتاج إلى فض اشتباك، أو إيضاح كي لا يحدث لبس في ذهن المستمعين.. فهل كل حديث قصة معينة لا تنطبق على قصة أخرى؟! فمثلا حديث" دخلت امرأة النار في هرة حبستها" ، ثم حديث" من قال لا إله إلا الله حرم جسده على النار" فكيف أن هذه المرأة تقول لا إله إلا الله، وفعلت كل شئ جيد، ثم تدخل النار بسبب الهرة.. مثل هذا اللبس كيف نزيله عند الناس؟

أجاب:

هناك علم اسمه" علم مشكل الحديث"، فك مثل هذا الإشكال، هذه الإشكالات لها كتب مطبوعة، منها مثلا كتاب الإمام الطحاوي في 15 مجلدا، وكتاب لابن قتيبة.. وغيرهما. علماء الحديث عندما يدخلون في كل تلك الأمور يعرفون كيف يحلون كل هذه الأسئلة.. وهذه الأسئلة مشروعة، ومشروع أن يتأملها الشخص فيحتار.. ثم بعد ذلك تليها إجابات، هي لها إجابات مقنعة، وقد تكون الإجابة في كثير من الأحيان بحديث ثالث موجود، يصل بين هذين الحديثين، فمثلا يقول: إن عذاب النار في الهرة ليس معناه الخلود في النار، هي ليست خالدة فيها أبدا، فهي تدخل النار بقدر تعذيبها للهرة، تدخل في ضحضاحها ثم تخرج منها إلى الجنة.. وإن من يقول لا إله إلا الله حرم جسده على النار يعني أنه لا يخلد فيها، فهو لا يدخل ويخلد فيها، وإنما فقط يدخلها ليعاقب على ذنوبه، ثم يذهب إلى الجنة.. وهكذا.

وهناك أحاديث تتحدث عن عذاب النار، والأبدية في النار، وكيف يكون شكل الخارج، ولماذا يدخل النار ويخرج منها..إلخ، فكل حديث فيه مثل هذا ولكن، نحن ندخل مداخل أخري من السنة.. فمثلا حديث:" دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" أول ما يأتي في أذهاننا ليس الاعتراض على الحديث، ومناقضته حديثا آخر، هذا مشروع ونجيب عنه لا مانع، لكن الذي يأتي في أذهاننا أن نجرد الحديث حتى نفهمه، امرأة: فلو كان رجلا ألا يدخل النار عندما يعذب الهرة؟ فإن لم تكن هرة، وكان كلبا مثلا؟ أو إنسانا؟ فإذن أظل أجرد المرأة حتى أصل إلى أنها إنسان، ولذلك تشمل الرجل والنساء.. إلخ.

وأظل أجرد في الهرة حتى تصبح الكون، ويصبح الحديث يقول إن العلاقة بين الإنسان والكون هي العمار وليس الدمار، وأنك إذا لم هذا عن الله فإنك تكون مخربا مدمرا تستحق عذاب الله، هذا هو الكلام.. هذا الحديث ليس مقصده القطط والكلاب، ولا قصده المرأة والسيدات، إنه يقصد الإنسان والكون.. علاقة الإنسان مع عمار الكون لا دماره.. هذا هو الذي نأخذه من هذا الحديث.. وهكذا.

وعندما ننظر إلى الرجل الذي قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحرم جسده على النار، هذا علاقة بين الإنسان وبين ربه قائمة على الرحمة.. فالعلاقة بين الإنسان والكون قائمة على العمار،والعلاقة بين الإنسان والرب قائمة على الرحمة وعلى الحب وعلى العفو وعلى المغفرة.. هذا هو الكلام الجيد.. هل هذا فيه تناقض؟ أن تكون علاقتي مع الكون العمار، وعلاقتي مع الله الرحمة؟! لا يوجد هنا أي تناقض وهذه زاوية جديدة في استقرار ما وراء الأحاديث.. وما بين السطور.. وأنت عندما تنظر إلى الأحاديث وتسير معها تجدها متسقة تماما في بناء مكون لإنسان حضاري عابد لربه معمر لكونه مزك لنفسه.. وهذا هو الإنسان الذي ندعوا إليه..

ونقول لهم: لا داعي للدمار، كفوا عن الدمار، لأن الإسلام يقول بالعمار، وهو يقول به في كل مكان وزمان.. ويقول: دخلت امرأة بغي الجنة في كلب وجدته عطشان فسقته . يريد أن يعلمه الرحمة.. ويريد أن يعلمني في الوقت نفسه أن الذنوب التي بيني وبين الله وإن كانت ذنوبا ومعاصي وقاذورات. إلخ فإن أساسها العفو والتجاوز وعدم الوقوف لديها، ومن كمال التوبة نسيان الذنب، ونسيان أني عصيت، وأقول: إنني لم أعص قط، وصفحتي بيضاء، لأنني ذهبت للحج، أو اعتمرت.. وهو البدء من جديد. بعض الناس يقولون: هل أنت تستهين بالذنب؟ فهو بذلك لا يفهم، فالله يقول:{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وفي الحديث:

" ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"

إن العلاقة بيني وبينه هي الرحمة، فكيف أستهين بالذنب.. أنا أمتثل لأمر الله الذي فتح باب التوبة.

طه ويس بين كونها حروفا مقطعة أو من أسماء النبي

وبسؤال فضيلته:

الأستاذ" هدايت" قال: إن" يس" و" طه" ليست من أسماء الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فأرجو من حضرتك أن توضحها لنا؟

أجاب:

إن{طه} و{ يس } من حروف المصحف وليت أسماء للرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهذا وجه من وجوه التفسير، وهو وجه طيب، واجتهاد مقبول، ولا بأس به، فبعض المفسرين يرى أنها حروف مقطعة مثل{الم} .

ولذلك عندما جمعوا الحروف وجدوها 28 حرفا، عدوا منها" طه" و" يس".. وعندما جمعوا الحروف وجدوا أنه يمكن أن نكون منها جملة" نص حكيم قاطع له سر" وهذه الحروف 14 حرفا، والـ14 حرفا الأخرى هي من الـ28 حرفا لم تذكر في أوائل الصور، فإذا" طه" و" يس" هي ليست من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على قول بعض المفسرين.. وهناك من جمع للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أكثر من 300 اسم، وعدوا منها" طه" و " يس"، فالأمر سهل، وليس محل قضية معضلة، هذه أقوال نسميها اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد.. فمن يقول إنها حروف مقطعة ومن يقول إنها حروف مقطعة ولكنها مطلقة على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .. حسب فهم كل مفسر.. فهذا لا بأس فيه.

التعامل مع اختلاف الأئمة بين الاجتهاد والتقليد والخروج من الخلاف

وبسؤال فضيلته:

أنا طالبة أزهرية.. وأحيانا أجد في الفقه مسائل، يقول فيها إمام من أئمة الفقه: هذه جائزة، أو غير جائزة مخالفة لرأي الآخر، عندما أجد اختلافا بين هؤلاء الأئمة الكبار.. كيف أحكم على المسألة؟ أو كيف أتبعها؟ كيف أعرف الحكم النهائي أو الراجح؟

أجاب:

الناس على مستويات، إما شخص مجتهد، وهذا يكون بالدليل، فهو يعرف الخلاف الذي بين الأئمة عن طريق الأدلة، وهذه الأدلة لها ترتيب، ولها منهج في دراستها، وهذا المنهج اسمه أصول الفقه.. وإما شخص ليس مجتهدا. ولكنه عالم.. فهنا قضايا أخري للترجيح.. من ضمنها المصالح والمقاصد، وكيفية العصر الذي نعيش فيه، وماذا يحتاج من فقه هؤلاء المجتهدين؟ أنا عامي، لا أعرف شيئا.. وقد تكون السائلة- بالرغم من دراستها الأزهرية- هي أيضا كذلك، لأن الدراسة تعلمها أشياء لكن لا تعلمها كل شئ، خاصة في الدرجات القليلة مثل الابتدائي والإعدادي والثانوي.. ورأت اختلافا بين الأئمة.. وما دام هناك خلاف بين الأئمة فإنه يجوز أن أقلد من أجاز.

إذن أنا لي الخيار والسعة كعامي أن أقلد أي شخص فيهم، حتى وإن كانوا مختلفين اختلافا عكسيا.. فأقلد من أجاز، أو أتورع فأخرج منه الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب.. فأنا أمامي طريقان طريق التورع، فأقلد الأصعب، وطريق الجواز فأقلد الأخف، وأنا أفعل هذا فهو جائز، ويمكنني أن أغير رأيي.. فربنا خلق لي هذين الاثنين حتى أكون بينهما. فلمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي، ولا ينقض عند أبي حنيفة.. فإذا لمست امرأة، ولا توجد مياه، ولا إمكان للوضوء، فأقلد أبا حنيفة وأصلي.. هناك إمكان للوضوء، والماء موجود وميسر، فأقلد الشافعي خروجا من الخلاف.. وهكذا.. بمنتهي السهولة واليسر.

الدعاء لاختيار شريك الحياة والتركيز على هم القلب لا الصيغ

وبسؤال فضيلته:

عن الدعاء الذي يقوله الشاب أو الفتاة بعد الصلاة كي يوفقه الله في الحصول على شريك الحياة المناسب( زوج أو زوجة)؟

أجاب:

لتقل: اللهم وفقني في اختيار شريك حياتي. الدين عبارة عن صلة بين الإنسان وربه، وعلى قدر هم القلب وصلة الإنسان مع ربه على قدر الاستجابة، فنذكر في قلبنا أثناء الدعاء( اللهم وفقني..)، هاتان الكلمتان فقط، والله يحدث بهما ما لا يتصوره العقل، فالقضية ليست صيغا.. القضية هي القلب.. القلب المتعلق بالله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي فيه الهمة والهم.. والذي فيه التعلق والصلة.

كيفية صلاة الاستخارة وقراءة التيسير أو التعذر بعد الدعاء

وبسؤال فضيلته:

عن كيفية أداء صلاة الاستخارة؟ وكيف يأتيني الرد بعد الصلاة؟ أو علامات القبول أو الرفض بعد الاستخارة كيف أعرفها؟

أجاب:

صلاة الاستخارة ركعتان.. كأي ركعتين.. ثم بعد ذلك أدعوا: اللهم خيرني في أمري. فالمسألة سهلة جدا،{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ، فلا نريد أن ندخل في أمور وكأنها دوائر طقوسية، وشعائرية معقدة.. هي أن أتوضأ وأصلي ركعتين. وبعد الصلاة أقول: اللهم خيرني في أمري، وأكون عارفا أمري الذي في قلبي.. مثلا أدخل هذه الشركة أم لا، أتزوج هذه أم لا..؟! وهكذا.. أما عن الرد، وعلامات القبول أو الرفض.ز فأنا بعد أن أصلي وادعوا أتوكل على الله. أبدأ ما أنا استخرت فيه،

فإذا وجدت توفيقا.. فهذا التيسير والتوفيق علامة الإذن.. فأنا في التيسير هذا أبدأ.ز وأتوكل على الله.. وعند ذلك أجد تيسيرات أخري.ز فأمضي في الموضوع. لكن إذا لم يحدث.ز فالأفضل أن أتمهل، ولا أسرع بالحكم أن الأمر مرفوض، فمثلا إذا انفجر الموتور وأنا ذاهب.. أو العجلة نامت في الطريق. ربما حدثت هذه الأشياء لأن السيارة قديمة.. وربما كان ذلك يحدث لي في أي وقت.. فلا أتسرع في الحكم. ولكن إذا ذهبت إلى بيتهم فوجدته قد وقع مثلا، فمن الأفضل أن أذهب لحال سبيلي.. فهنا ظهر بعد الاستخارة أن الحكاية غير جيدة.

سبب كون الزنا من الكبائر والفرق بين الشهوة والضرورة

وبسؤال فضيلته:

لماذا الزنا كبيرة؟ إذا كانت السرقة أو شرب الخمر كبيرة فذلك شئ مفهوم.. فليس هناك دافع إلى شرب الخمر.. ليس له شهوة.. ولكن في الزنا هناك شهوة تدفع الإنسان له.. وبعض الضعاف يضعفون أمام شهواتهم فلماذا هي كبيرة؟ هل فقط بسبب مسألة الأنساب والأولاد وفساد المجتمع؟ أم لها حكمة أخرى في الإسلام؟

أجاب:

النظرة في الزنا إلى الشرائع، خاصة في الإسلام، مبنية أساسا على أن الجنس شهوة وليس ضرورة.. الأكل والشرب والنوم وقضاء الحاجة.. ضرورات.. الجنس ليس ضرورة، الجنس مختلف عن الأكل والشرب والنوم وقضاء الحاجة وغير ذلك من ضرورات الحياة ولكن النظرة الغربية للجنس على أنه حاجة need، أي ضرورة وليس شهوة، ولذلك يتفننون فيه في كل صورة وفي كل آداءاته.. والقضية في الإسلام ليست كذلك، القضية أن الله سبحانه وتعالى خلقنا، وجعل لنا ضرورات، وشهوات ليس ضرورية، فنحن إذا امتنعنا مثلا عن الجنس لا نموت، ولكن لو امتنعنا عن الأكل أو الشرب أو النوم أو الإخراج( إخراج الفضلات)، لا نستطيع ذلك، كما أن هذا الجنس يختلف، فنرى الإنسان قبل البلوغ لا يحتاج إلى جنس، وبعد الشيخوخة لا يحتاج إلى جنس.. لكن منذ ولادته يحتاج إلى طعام يأكله.. يحتاج إلى الضرورات وإلا يهلك ويموت. فالجنس ليس نوعا من أنواع الحاجات.. هو نوع من أنواع الشهوات، ولذلك قال الله تعالي:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ} .

نلاحظ كلمة" زين"، وليس احتاجوا إليه لأنه يمكن له أن يعيش من غير هذه الشهوات، إذا كان الإنسان فقيرا، أو مبتعدا عن الجنس، أو ليست عنده خيل ولا مزارع ولا هذه الأشياء.. فلا مانع، يستطيع أن يعيش دون ذلك كله ونحن ونحن عندنا الزنا كبيرة، لأن فيه اعتداء على مجموعة كبيرة من القيم، فيه انتهاك للأعراض، فيه اختلاط للأنساب، فيه كشف للعورات، فيه اعتداء على علاقة مقدسة، علاقة أراد الله أن تكون مقدسة بالزواج، وأنزل بها إلى أسفل سافلين.. هذا هو المبرر لأن تكون كبيرة ولكن ربنا سبحانه وتعالى يغفر الكبائر.. وأي شخص يشرب الخمر فإنه يجد نفسه أنه لا يستطيع أن يمتنع عنها بسهولة.. لكن الله فتح له باب التوبة، فتح باب التوبة من كل هذه القاذورات فعلى العاصي أن يتوب.. هذا معنى يجب أن يتخلق به الإنسان.. ألا ييأس من نفسه.. وربما يكون السائل يائسا من نفسه ولا يعرف كيف ينتهي من الزنا.. فنقول له.. رحمة الله واسعة، يمكن أن نتوب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

القضاء والقدر وحرية الإنسان وحدود العقل في الربط بينهما

وبسؤال فضيلته:

عن قضية أو فكرة الإنسان هل هو مخير أم غير مخير في أفعاله؟ وكيف يكون الإنسان مخيرا وهناك القضاء والقدر واللوح المحفوظ.. وما كتبه الله لكل إنسان؟ وكيف يحاسب ربنا عبده على شيء لم يقترفه بمحض إرادته؟ هل أنا مخير في أفعالي أم غير مخير لأنها كتبت على قبل أن أفعلها؟

أجاب:

هناك ما يسمي بالمشكلات الفلسفية الكبرى.. ومن هذه المشكلات الفلسفية الكبرى التي أجاب عنها الإسلام في منتهي البساطة: من أين نحن؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا سيكون غدا بعد الموت؟ هناك مشكلة فلسفية اسمها مشكلة الموت.. أين سنذهب؟ الإسلام بين لنا أن الذي خلقنا هو ربنا الله الواحد الأحد الفرد الصمد المحيي المميت الخالق.. وماذا نفعل هنا؟ هو لم يتركنا هملا، بعض المذاهب الفلسفية قالت: لا، خلق لنا عقلا وتركنا ولكن الأديان جاءت وقالت: لا، هناك وحي، والفرق بين المتدين وغير المتدين هو هذا ( الوحي)، وليست الإلوهية هي الفرق بين المؤمن والملحد، لأن الملحد هنا ينكر وجود الإله أصلا، ويقول: إن هذا الكون قديم، أو حدث مصادفة.. إلخ.

ولذلك الحياة عنده عبث لا هدف لها، لأنها ليس وراءها مدبر.. لكن الدين يقول: إن هناك وحيا، وهناك رسل، وافعل ولا تفعل، افعل هذا ولا تفعل هذا، وأصبح هذا هو النزاع بين الناس، وهو: من الحاكم على الأشياء؟ فعند المتدينين- خاصة عند المسلمين- أن الحاكم هو الله.. هو الذي قال الزنا خطأ والسرقة خطأ، والقتل خطأ.. إلخ هيا بنا نبحث الأمور بحثا واقعيا من غير دخول في متاهات الفلسفة هل يمكن أن يتصور الإنسان أن الله على كل شيء قدير؟ وأن الله خالق كل شيء؟ نعم، فهأنذا متصور أن الله على كل شيء قدير.. لم تحدث لي مشكلة.. الله رحمن رحيم. الله سبحانه وتعالى أمر ونهي، وأنزل الوحي، الله يرجعنا يوم القيامة للحساب( للعقاب والثواب).. كل هذه الأمور معقولة المعنى.. لا يصدها الذهن البشري.. فالله سبحانه وتعالى خلق كل شئ.

هيا نرجع ونترك مستوى الإلوهية، ونرجع إلى مستوى البشر.. الذين يعيشون في هذه الحياة الدنيا.. أنا مختار أم لست مختارا أن أفعل شيئا بإرادتي أم وغما عني؟ فعندما صليت العشاء مثلا هل وجدت جسمي يرغمني على هذه الصلاة.. مثل دقات قلبي مثلا، لا، هي مختلفة تماما.. وفيها نوع من أنواع الاختيار.. أنا لم أجد جسمي يرغمني على أن أفعل هذا.. إذن أنا مختار.. ولكن ليس من اختياري أن الله خلقني ذكرا وليس أنثي، وليس من اختياري أنه خلقني في مصر وليس في اليابان، وليس من اختياري أنه خلقني يوم كذا.. وسوف يميتني يوم كذا.. كل هذه أشياء ليس من اختياري، ولا أحاسب عليها كل ما هنالك من قهر لخلق الله لا حساب فيه إطلاقا.. لن يسألني لماذا خلقت رجلا؟ أو لماذا خلقت مصريا؟ أو لماذا خلقت في النصف الثاني من القرن العشرين؟.. هذا كله لن أسأل عنه.

إذن، فهم القضية على مستوى الإلوهية، وفهم القضية على مستوى البشرية لا إشكال فيه.. الإشكال عندما نبحث في العلاقة بين الأمرين.. فإذا كنت أقول: إن الله خلق كل شيء، فهو قد خلق صلاتي هذه، ولا يكون في كونه إلا ما يخلق، لأنني لا أخلق أفعال نفسي،{ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } وأنا أفكر فيها وحدها ليس فيها إشكال.. كذلك( أنا مختار) وأنا أفكر فيها وحدها لا يوجد إشكال.. الإشكال في أنني أربط بين القاهرة والجيزة مثلا.. فلابد أن أعرف أرضية القاهرة وأرضية الجيزة حتى أصنع جسرا بينهما.. هل هي أرض طينية أم رملية.. صلبة أم هشة.

وبالقياس، هنا عندما نريد إدراك العلاقة علينا أن نستوعب ونحيط بالأمرين.. من ناحية البشر ممكن.. البشر تحت السيطرة، تحت التجربة.. أما من ناحية الله؟ من ناحية ربنا لا أعرف، ولم يعرف ذلك نبي ولا ملك ولا ولي ولا أحد في العالم.. فالله غيب، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الله سبحانه ليس تحت السيطرة.. لا يجوز أن نحيط به علما.. بل له سبحانه وتعالى تجليات في هذا الكون.

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

لكن هو ذاته لا أعرف، إذن المقارنة مستحيلة، والربط مستحيل، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من قبيل المنهج العلمي وليس من قبيل الهروب من السؤال:

" وإذا ذكر القدر فأمسكوا"

لا تتكلموا، لماذا؟ لأن المنهج العلمي يقول لي:{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} .

إذن من أجل أن تكون عقليتي عقلية عالمة يجب عندما أدرس مسألة أدرسها وأحيط بها علما، وإذا حرمت من هذه المعلومات، ولم أستطع أن أتوصل إليها، فليس من العلم أن أدخل فيها ومن هنا أنا سأؤمن بما أدركته. أنا أدركت صفات الله عن طريق الوحي الذي آمنت به. فوصفته بأنه خالق لكل شيء، وأنه:{خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وأدرك نفسي أني مختار، أن لي إرادة، وهذا يكفي في القضية، ويكفي في المسألة.. الله خالق كل شيء، وأنا مختار ولذلك سأحاسب على هذا الاختيار.. وما فوق هذا ليس إلا نوع من أنواع محاولة العقل اقتحام ما قد حجب عنه.. المنهج العلمي في سورة الإسراء جاء في آية واحدة ترسم طريق البشرية{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا}، فالإله متصف بالصفات العلى، ونحن مختارين فيما نختاره من أفعال الصيام والزكاة والأشياء التي سنحاسب عليها..

أخذ النفقة من الأب الشحيح وحكم ضياع المال في مشروع للأسرة

وبسؤال فضيلته:

والدي- رحمه الله- كان عنده تاكسي ملكه، وكان دخله جيدا لكنه كان لا ينفق على والدتي المريضة أو أخواتي، وأنا أختهم الكبرى.. وكان أبي يدخل معي في جمعيات.. وعندما كان يقع في أزمة كنت أعطيه ولكنني كنت أدخر من ورائه بعض المال. أو بمعنى أصح كنت أغالطه في الحساب حتى أعطي أمي وأخواتي.. وقد تكون معي مبلغ قدره 3 آلف جنيه فأردت أن أدخل بها في مشروع لأصرف من ريعه على إخوتي.. ولكن المشروع فشل.. وضاعت الفلوس، وأصبح في ذمتي الـ3 آلاف جنيه في رقبتي، وأريد أن أعيدها ثانية حتى لا يحاسبني ربنا عليها.. فهل يجوز أن آخذ الـ3 آلاف جنيه وأتبرع بها لدار أيتام وتكون صدقة جارية لوالدي أم هذا يعتبر ميراثا يجب أن أفضي لإخوتي به؟!

أجاب:

لقد كنت مسئولة عن البيت في أثناء مرض والدتك. وما فعلته من احتجاز ما يلزم لهذا البيت من نفقات لا بأس به، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال لهند وهي تشكو أبا سفيان عندما قالت له:

" إن أبا سفيان رجل شحيح" قال لها: " كلي أنت وأبناؤك بالمعروف"

فأجاز لها أن تأخذ حتى من غير علم الرجل الذي هو مكلف بالنفقة. فما فعلته من أخذ هذه الأموال من أجل أن تساعدي البيت.. هذا لا بأس به، فأنت تصرفين على والدتك المريضة وإخوتك وقضية أن توفر عندك 3 آلاف جنيه من أجل أن أدخل معهم في مشروع من أجل أن أكفي نفقات البيت.

وهذا التصرف أيضا جائز، ولا بأس به أيضا في هذا المقام. أما كون المشروع فشل.. فأنت لسا مسئولة عن هذا الفشل، فإن فشل التجارة ونجاحها بيد الله سبحانه وتعالى.. إلا إذا كان هناك تعد منك.. وأعتقد أن الأمر ليس كذلك..

وبالتالي فالـ3 آلاف جنيه هذه ليس في ذمتك، لأنك لم تقصري، ولم ترتكبي خطأ في هذه القصة.. وما ستدفعينه الآن هو من مالك وليس له علاقة بـ الـ 3 آلاف جنيه.. فليس عليك شئ أما إذا كنت تريدين أن تطمئني نفسك.. فتأخذي الـ 3 آلاف جنيه، وتجعليها ميراثا أو تعطيها لملجأ.. فافعلى ما شئت.. فهو مالك وليس محلا لما ضاع من غير حول منك ولا قوة.. والله أعلم.

زكاة الزروع وتمييز الأقوات عن الفواكه مثل الموز

وبسؤال فضيلته:

أنا عندي قطعة أرض زراعية، واتفقت مع زميل لي على زراعتها هو سيمول بالمال وأنا بالمجهود والأرض ملكي، وقد زرعتها" موزا"، بالنسبة إلى زكاة الزروع، أنا أخرج نصف العشر.. فهل أخرجه على مكسب الموز، أم على المبلغ الذي بعت به الموز كله؟

أجاب:

الموز ليس عليه زكاة، لأنه ليس قوتا، فهو فاكهة مثل الخوخ والبرتقال.. إلخ فالذي عليه زكاة هو الأقوات، ومن الثمار التي عليها زكاة البلح والعنب، لأن الإنسان يمكن أن يعيش بالبلح، والعنب يكون منه الزبيب الذي يمكن أن يعيش الإنسان به، فالأقوات هي التي عليها زكاة لأن غرض الزكاة إغناء الفقير وليس ترفيه الفقير، فالموز يرفه، والبرتقال.. أنا لو لم آكل برتقال أو موز فلن أموت.. فخراجك هنا صدقة، وإخراجك من الموز صدقة، إذا أحببت أن تستمر عليها فلا بأس بها، لكن ليست مفروضة عليك الزكاة، وما تقدمه هو صدقة، وهي جيدة، فهي تطفئ الخطيئة كما يطفي لماء النار، فإن كنت تخرج منه قيمة الإيراد الخاص بك شيئا للفقراء فهذا أمر طيب.

تمييز الميول القلبية عن العدل في العطية وحكم حرمان وارث

وبسؤال فضيلته:

أب عنده 3 أولاد وهو لا يحب أحدهم، ويفكر أن يستثنيه من الميراث لأنه عاق له، ويعامل أخويه معاملة غير حسنة.. لذلك فالأب يريد أن يخصص الميراث للاثنين الآخرين فقط، فهل هذا يجوز؟

أجاب:

قضية أن الأب يجد نفسه يميل إلى أحد الأبناء دون غيره، أو الأم كذلك.. هي قضية لها جانبان: الأول جانب خاص بالقلب، والثاني جانب خاص بالمعاملة.. أما القلب فهذا لا يملكه أحد، فقد أجد في نفسي أن أحب أحد الأبناء لسبب ما، لمعنى قام فيه، أي لمعنى قام في هذا الإنسان، أنا لا أعرف ما هذا المعنى..( هيئته، طريقته، نظرته، شبه أحد أحبه) لا أعرف، فالهوى القلبي هذا لا أملكه.. أما التصرف الخارجي لابد من أن يكون فيه مساواة، فهذا هو الذي أملكه، فلابد على أن أساوي في المعاملة، سواء كنت أحبه أو لا، سواء أساوي بينهم عن حب، أو أضغط على نفسي، فهذا ما يأمرني به الشرع، لابد من المساواة في العطاء، سواء كان هذا العطاء ماديا أو معنويا، كما تظهر الحب لهذا لابد أن تضغط على نفسك وتظهر الحب للآخر.. اضغط على نفسك حتى تعطيه ما أعطيت الآخر.. هذا ما يأمرك به الشرع.. المساواة في المعاملة بين الأبناء.. بالنسبة للميراث يكون بعد الموت، أما في الحياة الدنيا، وأنت ما زلت على قيد الحياة، فمالك ليس ميراثا، فلك أنت تكتب ما تشاء، وتهب ما تشاء، أنت ما زلت حيا، تمتلك الممتلكات في يدك، فهي ملك لك وليست ميراثا، لأن الولد ربما يموت قبله، ولذلك لا نعرف من سيرث الآخر..ولذلك فإن ملكي ليس اسمه ميراثا.. فمثلا لو عندي ابنة لم تتزوج، أو ولد معاق له طلبات خاصة، أو ولد فقير ومديون وعنده أولاد، وآخر مليونير، فأنا أري أن أكتب للمحتاج شيئا، أو أخص الذي حرم من التعليم وأصبح أخوته في وظائف كبيرة.. من حقك أن تكتب من ملكك ما تشاء لمن تريد.. ولكن هذا ل يظهر في الوصية.. بالنسبة للوصية اكتب فيها في حدود الثلث فقط، لا أزيد عن ثلث ممتلكاتي في الوصية.

والقانون المصري أجاز أن تكون للورثة وصية، واستندوا في ذلك إلى مذهب( الهادوية)، وهو مخالف للأئمة الأربعة، فالوصية للورثة ممنوعة عند الأئمة الأربعة، لكن القانون اعتمد على أحد المذاهب المعتمدة عندنا والتي أخذنا بها، فأخذ بقضية الوصية للورثة في حدود الثلث، فالحاكم اختار هذا، وولي الأمر والحاكم إذا اختار لنا اختيارا فإننا نمشي على هذا الاختيار، ونحن هنا اخترنا أنه تجوز الوصية للوارث في حدود ثلث الميراث، وإذا زاد عن الثلث فيكون بإذن الورثة، إذا أوصى لوارث فيما يزيد عن الثلث يكون ذلك بموافقة الورثة، أما إذا كتبت شيئا من ممتلكاتك لأحد فله أن يتصرف فيها كيف شاء ولا علاقة لذلك بالميراث.

ثقافة التسامح والتوبة ودمج التائبين وعدم اليأس

وبسؤال فضيلته:

عن ثقافة التسامح، وانصهار أفراد ارتكبوا جرائم في مجتمعنا حتى لا يشذوا، ولا ينصرفوا، ولا يشعرون بالكره بعدما تابوا وعادوا..؟

أجاب:

ركن من أركان التكليف بالشريعة هو قضية التوبة، ركن من أركان التكليف في الشريعة إحسان الظن.. فمن لم يرتكب جريمته واتهم بأنه ارتكبها خطأ.. فهنا المتهم برئ حتى تثبت إدانته.. وهذه قاعدة وضعها الفكر الإسلامي على مر العصور.. ولا يجوز أن نحمل المتهم على الاعتراف بشئ لم يرتكبه بالإرهاب أو بالإكراه أو بالملل.. بعض المتهمين يمل. فيقول: أنا فعلت هذا.وهو لم يفعل ولكنه من الملل والضغط عليه وكثرة التحقيق وعه بلا داع قال أنه فعل. فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته.. فإذا ثبتت إدانته فإن التوبة كالإسلام تجنب ما قبلها، فهي تمسح كل ما كان سابقا، هذه هي فكرة الصفحة الجديدة، وأن الله سبحانه وتعالى عفو غفور رحيم.. لذلك كان من شروط التوبة الصحيحة أن أقلع عن الذنب، وأعزم في قلبي على ألا أعود إليه مرة ثانية، وأن أندم على ما فعلت حتى يكون الندم هذا دافعا لي إلى عدم تكرار الذنب، فأنا مستعظم الذنب، فكيف وقعت في هذا الذنب وفي هذا الخطأ أو الجريمة؟!

وإذا كان هناك ما يتعلق بحقوق الناس، فلابد أن أردها إليهم، ولكن هناك ما وراء ذلك، وهو أن أنسي الذنب بعد التوبة كأنني لم أذنب.. فهذا يساعدني على أن أقول لنفسي: إن صفحتي بيضاء، وأنا لم أذنب قط.. أنا أذنب فعلا لكن بعد الندم والترك والعزم على ألا أعود، ورد الحقوق إلى أهلها، والتوبة النصوح الصادقة.. فأشعر أنني لم أذنب.. وهذا يساعدني نفسيا على عدم ارتكاب الذنب مرة ثانية، وأن صفحتي بيضاء مع الله فلا أحب أن ألوثها.. أما المصيبة أن الإنسان إذا أذنب يقول: طالما أنا أذنبت استمر في الذنوب، فيذنب ذنبا آخر، وثالث.. إلخ، فهذه المصيبة تأتي من عدم نسيان الذنب، واستعظامه جدا لدرجة أنه ييأس، وهذا الذي يجعل الإنسان ييأس من روح الله، فالتوبة مطلوبة قطعا، والإقلاع عن الذنب مطلوب،ومطلوب أيضا عدم اليأس من روح الله تعالي، فالله سبحانه وتعالى يحبنا، والله فتح لنا باب المغفرة والتوبة.. فما بالك بمتهم لم يفعل شيئا، في هذا الحال يجب علينا أن نجازيه خيرا، ونفرح به، وله أن يعتبر أن ما فعل به كان ثوبا، وكان عبارة عن ابتلاء واختبار محص فيه، فارتقي درجة عند الله.

أوقات أذكار الصباح والمساء وحدود اليوم الشرعية

وبسؤال فضيلته:

أذكار الصباح والمساء، هل لها وقت معين؟

أجاب:

الصباح يبدأ من الفجر وينتهي عند الظهر، والمساء يبدأ من الظهر.. وأذكار المساء نفعلها عادة بعد العصر أو قبيل المغرب أو بعد المغرب، ويبدأ من المغرب إلى الليل. إذن الظهر حد بين النهار والمساء، أو بين الصباح والمساء، الصبح ينتهي عند الظهر والمساء يبدأ بعد الظهر.. وما عليه العرب هو الذي عليه أوربا مثلا.. فعندهم يقولون صباح الخير قبل الساعة 12 ظهرا، ومساء الخير بعد الظهر.. فإذن أذكار الصباح هي ما قبل الظهر، وأذكار المساء تبدأ بعد الظهر.. ويمكن أن نفعلها بالليل.. والليل يبدأ من المغرب.

زيارة المرأة للقبور ورفرفة الأرواح بين النصوص والتراث

وبسؤال فضيلته:

سيدة مات ابنها، وهي تذهب إليه كل يوم جمعة.. وهي تسأل سؤالين: الأول هل يشعر الميت بذويه أو بأمه وهي موجودة جالسة عند شاهد قبره؟ والثاني: ماذا عن الكلام الذي يتردد بأن روح الأموات ترفرف حول القبور يوم لجمعة واليوم الذي يليه واليوم الذي يسبقه؟

أجاب:

بالنسبة لزيارة المرأة القبر ففيها كراهة، لأن الإسلام يريد لها أن تنسى الحزن وتزاول أعمالها مرة ثانية في الحياة.. ولكن نحن نفتي للمرأة بالذهاب إلى القبر من أجل حالتها النفسية، فربما لو لم تذهب تجن أو تتأثر حالتها النفسية والصحية.. لأنها فقدت ابنها، وهي محرومة منه، وهذا الذهاب للقبر سيريحها.. فنفتي لها أن تذهب، ولكن المهم ألا تحدث مخالفات شرعية، فلا نياحة ولا أصوات مرتفعة بالبكاء ولا تلطم الخد ولا تشق الملابس، لا تقول إلا ما يرضي الله.. وإنما ذهابها مع الالتزام هو من باب العلاج.. ولكن الأفضل أن تبتعد، وتنسي الأحزان، وتخالط الحياة.. ولا داعي للإصرار على الذهاب كل جمعة حتى وإن كان ذلك يسلي قلبها، ويحدث شيئا من تسلية القلب.. إلا أن الأفضل أن تبتعد عن كثرة زيارة القبور..

وربنا يكرمك إن كان لك أولاد آخرون، أو يكرمك في حياتك بصبرك.. ويدخلك به الجنة.. ودائما نحاول أن نجعل الإنسان ينسى أحزانه ويزاول حياته مرة ثانية.

أما بالنسبة الأرواح التي تحس بالزائر، أو ترفرف حول القبور يوم الجمعة أو أي يوم آخر.. فليس في الكتاب ولا في السنة الصحيحة عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في هذا الأمر هذا التفصيل، إنا هو موجود في كتبنا التراثية منسوبا إلى التابعين.. فبعض تابعي الصحابة أو بعض تلامذة الصحابة( كما في كتاب التذكرة للإمام القرطبي صاحب التفسير) يقول: إن الروح لها اتصال بعد عصر يوم الخميس وإلى فجر السبت.. وكأن هناك تلفزيونا تفتحه الروح للاتصال بزائري القبور، فيري فيه زائريه، ويري فيه من يذهب إلية.. هذا الكلام ليس موجودا في الكتاب، وليس موجود في السنة.. إنما هو موجود في التراث.. ونحن في هذه الحالة غير ملزمين باعتقادها، فإنها غير موجودة في القرآن أو في السنة الصحيحة.. وهي وإن كانت ممكنة عقلا..

فالسؤال كيف عرفها التابعي.. ربما يكون قد قرأها في رواية من روايات بني إسرائيل.. أو وردت عن أنبياء بني إسرائيل.. وقد يكون عرفها عن طريق آخر.. ولذلك أنا لا ألتفت إليها، لا أكذبها وكذلك لا أصدقها، لا أكذبها ولا أنكرها، إلا إذا ترتبت عليها مفاسد، ففي هذه الحالة أنكرها وأكذبها.. لكن هي كمعلومة غير موثقة..

فهناك معلومات في الدين غير موثقة، ولذلك لا نعتمد عليها، لأنها غير موجودة في الكتاب ولا في السنة الصحيحة.. وإن كانت موجودة في كلام التابعين.. فإنها لا ترقي إلى مرحلة الاعتماد أو التعامل معها على إنها حقيقة لا خلاف عليها.

مكانة الصحابة والنهي عن سبهم وبيان فضلهم العظيم

وبسؤال فضيلته:

هل يجوز لي نقد أحد الصحابة، بمعنى أن أقول فيه رأيي جهرا، وأنقده سواء في وسائل الإعلام أو مع مجموعة من الناس، أقول مثلا: الصحابي فلان أخطأ في كذا، أو لا تعجبني طريقة إدارته الأمور، سواء في شؤون الدين أو الدنيا؟!

أجاب:

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:

" دعوا لي أصحابي"

فلا داعي أن تتكلم في أناس حملوا كل هذا العبء في الدعوة، ويقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :

" فوالله لو لأنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لا يبلغ مد أحدهم أو نصيفه.."

وجبل أحد ضخم جدا، وهو سلسلة من الجبال وليس فقط المكان الذي حدثت فيه المعركة.. فتخيل أن وزنه ذهبا.. أطنان من الذهب والمد هو 125 جراما، فلو أن الصحابي أنفق 125 جراما ذهبا في سبيل الله، وأنا أنفقت مثل أحد في سبيل الله فلن أصل إلى نصفه.. هذا الكلام لا يعجب بعض الناس.. هم أحرار، لكن هذا هو الدين الموروث.

هذه هي وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :

" أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"

" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور"

الصحابة في المكان الأعلى.. الصحابة كانوا 114 ألف صحابي، وصل إلينا أسماء 9500 صحابي بما فيهم النساء.. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم منهم 1800 صحابي، نحترمهم كلهم ونقدرهم، ونبجلهم وعند أهل السنة يقبل الصحابة كلهم.. لأنهم الجيل الذي فيه المثال، بعضهم أخطأ.. بعضهم أذنب.. بعضهم قد صدرت منه معصية.. ولكن ما زال في نطاق المثال.. ماذا يفعل الإنسان اليوم إذا أخطأ؟ يفعل مثلما فعل الصحابة ماذا يفعل الإنسان إذا رأى أخاه يخطئ؟ أو يفعل الشر؟

" من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله في يوم القيامة"

فهكذا.. علمونا لأنها حياة.. علمونا حتى في معصيتهم.. نحن لم نؤمر بتقلدهم في المعصية.. ل نقلدهم في الخطأ.. ولكننا أمرنا أن نتبع مجمل الصحابة.. وأن نتأدب معهم. هناك فرق بين الأدب وبين قلة الأدب.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد ركعات صلاة الاستخارة؟

ركعتان

ما دعاء صلاة الاستخارة المأثور؟

اللهم خيرني في أمري

ما علامة القبول بعد صلاة الاستخارة؟

التيسير والتوفيق في الأمر

متى تبدأ أذكار الصباح وتنتهي؟

من الفجر إلى الظهر

متى تبدأ أذكار المساء؟

بعد الظهر

ما حكم حلق اللحية عند الإمام الشافعي؟

مكروه لا حرام

ما القاعدة الفقهية المتعلقة بالمسائل الخلافية؟

ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه

هل على الموز زكاة؟

لا زكاة عليه لأنه فاكهة لا قوت

ما ثواب من عشق فعف وكتم حبه حتى مات؟

مات شهيدًا

ما الفرق بين الجنس والأكل في الإسلام؟

الجنس شهوة والأكل ضرورة

ما حكم الدعاء للوالدين غير المسلمين بعد وفاتهم؟

جائز والممنوع هو صلاة الجنازة عليهم

ما حكم أكل طعام من مال حرام غير متعين؟

الحرمة إذا لم تتعين حلت فلا إثم على الآكل

ما الصحيح في قضية الحياء في الدين؟

لا حرج في الدين والحياء خير كله

ما مصدر السنة النبوية من حيث التشريع؟

وحي من الله في أمور الشرع

ما الزروع التي تجب فيها الزكاة؟

الأقوات كالبلح والعنب فقط

ما كيفية أداء صلاة الاستخارة بالتفصيل؟

صلاة الاستخارة ركعتان كأي نافلة، ثم يدعو المصلي: اللهم خيرني في أمري، مع استحضار الأمر الذي يستخير فيه في قلبه.

ما الفرق بين التيسير والتعثر بعد صلاة الاستخارة؟

التيسير علامة الإذن فيمضي في الأمر، والتعثر المستمر إشارة للتمهل، لكن لا يتسرع في الحكم بالرفض من أول عقبة.

ما وقت أذكار الصباح والمساء؟

أذكار الصباح من الفجر إلى الظهر، وأذكار المساء من الظهر إلى الليل، والليل يبدأ من المغرب.

ما رأي الإمام مالك في حكم حلق اللحية؟

الإمام مالك يرى أن حلق اللحية حرام لأنها من علامات المسلم وهيئته.

لماذا لا تجب الزكاة على الموز؟

لأن الموز فاكهة لا قوت، والزكاة تجب على الأقوات التي يعيش بها الإنسان كالبلح والعنب، وغرض الزكاة إغناء الفقير لا ترفيهه.

ما معنى الحب في الله؟

الحب في الله هو الحب المجرد من الشهوة تمامًا، كحب الأخ لأخته، ويمكن أن يكون بين رجل وامرأة إذا كان في إطار الشرع.

ما ثواب من عشق فعف وكتم حبه؟

من عشق فعف وكتم حبه ولم يرتكب الحرام حتى مات نال درجة الشهيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدًا.

ما حكم كذبة أبريل في الإسلام؟

كذبة أبريل بدعة منكرة، والكذب من الكبائر بكل ألوانه، والأفضل الاحتفال في أول أبريل بيوم اليتيم.

هل الاحتفال بيوم اليتيم بدعة؟

لا، الاحتفال بيوم اليتيم مشروع، فالقرآن يأمر بالتذكير بأيام الله، والمقصود إدخال السرور الحقيقي على قلب اليتيم.

ما شروط التوبة الصحيحة؟

الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة، ورد الحقوق إن كانت متعلقة بالناس.

هل الإنسان مخير أم مسير في أفعاله؟

الإنسان مختار في أفعاله الاختيارية كالصلاة والصيام ومحاسب عليها، وغير مختار فيما قهره الله عليه كجنسه وبلده.

ما حكم زيارة المرأة للقبور؟

فيها كراهة، لكن يُفتى بجوازها لمن يخشى على حالتها النفسية، بشرط عدم النياحة والبكاء المرتفع وشق الملابس.

هل رفرفة الأرواح حول القبور يوم الجمعة ثابتة شرعًا؟

لا، ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة الصحيحة، وإنما هي موجودة في كتب التراث منسوبة إلى التابعين.

ما حكم نقد الصحابة والكلام فيهم؟

لا يجوز، فالنبي قال: دعوا لي أصحابي، وهم في المكانة الأعلى، وأهل السنة يقبلونهم جميعًا ويحترمونهم.

ما الفرق بين الدعاء للميت غير المسلم وصلاة الجنازة عليه؟

الدعاء للميت غير المسلم جائز وفق قول العلماء، أما صلاة الجنازة عليه فممنوعة شرعًا.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!