اكتمل ✓

ما هي مصادر التشريع الإسلامي وكيف استنبط العلماء الأحكام من القرآن والسنة؟

مصادر التشريع الإسلامي الأساسية هي القرآن الكريم باعتباره النص المعصوم الموحى به، والسنة النبوية بوصفها النموذج التطبيقي المعصوم لأحكام القرآن. اعتمد العلماء في استنباط الأحكام على منهج علمي دقيق يشمل ثماني خطوات متتالية، تبدأ بتحديد الحجة وتنتهي بتحديد شروط المجتهد، مع توظيف أدوات كالقياس والإجماع والعرف لتغطية الأفعال البشرية المتجددة.

ما هي مصادر التشريع الإسلامي وكيف استنبط العلماء الأحكام من القرآن والسنة؟
ما هي مصادر التشريع الإسلامي وكيف استنبط العلماء الأحكام من القرآن والسنة؟
4 دقائق قراءة
  • كيف تمكّن العلماء من استنباط أحكام لكل فعل بشري رغم محدودية النصوص الشرعية في القرآن والسنة؟

  • مصادر التشريع الإسلامي الأولى هي القرآن الكريم المنقول بالتواتر والسنة النبوية الشارحة له والمفصّلة لأحكامه.

  • أنشأ المسلمون علوماً دقيقة لنقل النصوص وضبطها كعلم الرجال والجرح والتعديل ومصطلح الحديث وعلوم القراءات.

  • تقوم نظرية القطعي والظني على جعل الإجماع سقفاً للاجتهاد، مما أعطى الفقه الإسلامي مرونة في مواجهة تغيّر الأزمنة والأحوال.

  • وظّف الفقهاء آليات الإلحاق كالقياس وتنزيل الكلي على أفراده لتغطية الحوادث المتجددة غير المحصورة.

  • اكتمل المنهج بتحديد المحددات الاستدلالية كالعرف وسد الذرائع وشروط المجتهد لضمان توافق الأحكام مع مقاصد الشريعة.

تحديد الحجة الأولى في منهج استنباط الأحكام عند المسلمين

نظام الإسلام (2)

استمر المسلمون في صياغة منهجهم العلمي الخاص بعلم الشريعة، فقد حددوا ثمان نقاط تمثل الأسئلة المنطقية المتتالية التي حدثت في أذهان المجتهدين وهم يريدون أن يصلوا إلى حكم الله تعالى.

وأول هذه الأسئلة ما الحجة؟ وبعد بحث وتدقيق وتفصيل يرتبط بالعقيدة وبمصادر الشريعة، استقروا علي أن الحجة هي القرآن باعتباره النص المعصوم من التحريف الموحى به من الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، والمنقول إلينا بالتواتر، وأنه هو كلمة الله الأخيرة للبشر حيث إنه لم يتركنا عبثا ولا سدى. والسنة النبوية المشرفة وهي النموذج التطبيقي المعصوم لأحكام القرآن الكريم، وهي الشارحة والمفصلة له أيضا.

وجوب طاعة الرسول وتعريف التكليف والأحكام التكليفية الخمسة

فقد قام الدليل العقلي والنقلي علي وجوب طاعة الله وطاعة رسوله، واتّخاذ الرسول أسوة حسنة، وحجة ومصدرا للتشريع،

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر:7]

وقال تعالى:

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [التغابن:12].

وإننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بما أمر سبحانه تعالى ونهي. فنحن مكلفون والتكليف في اللغة هو طلب ما فيه مشقة. وقد يكون الطلب جازما أو غير جازم وقد يكون أيضا طلب فعل أو طلب ترك، وهذه هي الأحكام الأربعة: الوجوب والندب والحرمة والكراهة، فإذا لم يكن هناك طلب، فهي الإباحة، وبذلك تصبح الأحكام التكليفية خمسة.

نشأة علوم نقل القرآن والسنة وضبط التلقي عبر الأجيال

والسؤال الثاني كيف إذن نعرف القرآن والسنة؟ وهنا أنشأ المسلمون علوما لنقل النصوص، وضبط التلقي الشفهي عبر الأجيال، وكيفية تسجيل ذلك الشفوي بصورة كتابية وتحريرية. فكان علم الرجال والجرح والتعديل وعلوم القراءات والرسم والضبط القرآني، ومصطلح الحديث، وهو ما لم يحدث إلي يوم الناس هذا في توثيق كلام أحد من البشر.

وامتدّ التوثيق بصور مختلفة ودرجات متعددة لنقل متن اللغة العربية بأشعارها ونصوصها بحيث تصبح دالة علي معاني الألفاظ وعلى قوانين اللغة، وتولدت من أجل ذلك علوم كالنحو والصرف والعروض وفقه اللغة. وتمت مجهودات كبيرة في هذا الشأن مبكرا كالمعجمية واستمرت هذه الخدمة عبر العصور حتى ظهر علم الوضع ونحو ذلك.

أدوات فهم النصوص الشرعية ونشأة منهج الاستنباط الفقهي

والسؤال الثالث كان يدور حول كيفية الفهم لهذه النصوص المنقولة التي هي حجة بذاتها والتي ثبتت لدينا؟ فوضع المسلمون أدوات لتحليل المضمون وأسسا لفهم النصوص، مستمدين ذلك من مجموع اللغة وقوانينها وخصائصها ومن الأحكام الفقهية التي اتّفق عليها المجتهدون ومن الطريقة المنهجية التي توصلوا بها إلى الأحكام التي اختلفوا حولها في جزئيتها وإن اتّفقوا بصورة إجمالية في مناهج استنباطها.

نظرية القطعي والظني والإجماع كسقف للاجتهاد وهويّة الإسلام

والسؤال الرابع بعد أن تمّ تحديد حجية المصدر وإثباته وفهمه ماذا نفعل عندما تختلف الأنظار في فهم نص معين؟ وهنا جاءت نظرية القطعية والظنية؛ حيث إن هناك فعلا أمورا اتّفق عليها كلُّ المسلمين، وليس هناك أي خلاف فيما بينهم حولها، وهو ما أسماه الأُصوليون بعد ذلك بالإجماع. واستدل له الشافعي بقوله تعالى:

(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ) [النساء:115].

وهذا هو المعبر عنه بالقطع فلا يمكن مع وجود هذا الإجماع، أن نفهم النص بحيث نخالف أو نخرق ما اتّفق عليه المسلمون؛ لأن ذلك يدل علي وجود خلل خفي علي الناظر الذي توصل إلي الحكم المخالف. ولذلك جعلوا الإجماع سقفا للاجتهاد، وأنه في الحقيقة يمثل هوية الإسلام. ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي ومسألة الاجتهاد والإفتاء.

التمييز بين الإجماع الأصولي والاتفاق الشائع ومساحة الخلاف الظني

ويجدر بنا التنبيه هنا أن كثيرا ما يدعى الإجماع ولا يكون ذلك صحيحا بل يكون هناك اتفاق شائعا لا يندرج تحت مفهوم الإجماع الأُصولي، الذي هو حجة. ولذلك نرى كثيرا من المعاصرين ينكرون الإجماع، ونحن نخالفهم في هذا. فيمكن أن ننكر الإجماع المدعى في مسألة بعينها ولكن لا يمكن أن ننكر الإجماع باعتباره معبرا عن المساحة القطعية في الشريعة. وهذه المساحة أقل بكثير من المساحة الظنية التي يمكن لنا أن نختلف فيها.

ويعد هذا الاختلاف من باب اختلاف التنوع وليس من باب اختلاف التضاد. واختلاف التنوع أعطى للفقه الإسلامي مرونة وسعة وجعله قادرا علي مواجهة اختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص.

محدودية نصوص الأحكام وطرح سؤال وصف الأفعال البشرية شرعا

والسؤال الخامس إذا كان ولا بد من وصف الأفعال البشرية بحكم من الأحكام الخمسة السابق ذكرها، فكيف نفعل ذلك و النصوص التي بين أيدينا محصورة؟ فالقرآن 6236 آية منه ما لا يزيد عن ثلاثمائة آية وقيل خمسمائة آية متعلقة بالأحكام الشرعية، والباقي في العقيدة والأخلاق.

ومعنا نحو ألفين من الأحاديث النبوية تتعلق بهذه الأحكام أيضا. وهنا ظهرت آلية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالا متعددة منها القياس ومنها تنزيل الكلي على أفراده الذي أنتهجه الظاهرية. وبذلك تمكن المسلمون من إيقاع النصوص المحددة المطلقة علي الواقع النسبي المتغير بحوادثه المتجددة غير المحصورة.

مقاصد الشرع والمحددات الاستدلالية كالعرف والعادة وسد الذرائع

والسؤال السادس بعد كل ذلك ما المحددات التي تمكنا من استنباط الحكم بما يتلاءم مع مقاصد الشرع ومراد الله من خلقه وروح التشريع وتحقيق مصالح الناس في معاشهم، والاتفاق مع سنن الله سبحانه وتعالى في الأنفس والأفاق. ومع المبادئ العامة التي ذكرها في كتابه ومع النظام الأخلاقي من القيم الذي دعا إليه الإسلام منذ آدم والي اليوم.

فرأينهم يتكلمون عن هذه المحددات فتكلموا عن العرف والعادة وشرع من قبلنا وسد الذريعة فيما أسموه الاستدلال. وبعضهم يقول الأدلة المختلف فيها. وأوصلها جمال الدين القاسمي بعد تقصيها من كلامهم إلى أكثر من ست وثلاثين عنصرا.

فك التعارض الظاهري بين الأدلة العقلية والنقلية وباب الترجيح

والسؤال السابع كان سؤالا منهجيا حول آلية فك التعارض بين الأدلة العقلية والنقلية التي ظاهرها التعارض في ذهن الباحث أثناء بحثه وإن لم تكن كذلك في نفس الأمر. فافردوا بابا للتعارض والترجيح.

شروط الباحث والمجتهد وعلاقة المنهج بتكوين مسائل الفقه والإفتاء

وجاء السؤال الثامن منهجيا أيضا فتكلموا فيه عن شروط الباحث ومرة يعبرون عنه بالناظر ومرة بالمثبت ومرة بالمجتهد. وهذا هو المنهج الذي أنشأ مسائل الفقه الإسلامي. فكيف كان الإفتاء؟

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد الأسئلة المنطقية المتتالية التي شكّلت منهج المجتهدين في استنباط الأحكام الشرعية؟

ثمانية أسئلة

ما الوصف الدقيق للسنة النبوية في منظومة مصادر التشريع الإسلامي؟

النموذج التطبيقي المعصوم الشارح لأحكام القرآن

ما الآية القرآنية التي استدل بها الشافعي على حجية الإجماع؟

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ

كم عدد الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية تقريباً وفق ما ذكره الفقهاء؟

ثلاثمائة إلى خمسمائة آية

إلى كم عنصراً أوصل جمال الدين القاسمي المحددات الاستدلالية في الفقه الإسلامي؟

أكثر من ستة وثلاثين عنصراً

ما الذي أعطى الفقه الإسلامي مرونة وسعة في مواجهة اختلاف الزمان والمكان والأحوال؟

اختلاف التنوع في المساحة الظنية

ما العلم الذي أنشأه المسلمون لضبط رواية الحديث النبوي وتمييز الرواة؟

علم الرجال والجرح والتعديل

ما الأحكام التكليفية الأربعة الناشئة عن الطلب قبل إضافة الإباحة؟

الوجوب والندب والحرمة والكراهة

ما المنهج الذي انتهجه الظاهرية في مواجهة محدودية النصوص الشرعية؟

تنزيل الكلي على أفراده

ما الفرق الجوهري بين الإجماع الأصولي والاتفاق الشائع؟

الإجماع الأصولي حجة شرعية بينما الاتفاق الشائع لا يندرج تحت مفهومه

ما الذي يدل عليه توصّل باحث إلى حكم يخالف الإجماع وفق المنهج الأصولي؟

وجود خلل خفي في استنباط ذلك الباحث

ما التعريف اللغوي للتكليف في الفقه الإسلامي؟

طلب ما فيه مشقة

ما أول سؤال منطقي طرحه المجتهدون في منهج استنباط الأحكام؟

أول سؤال هو: ما الحجة؟ وقد استقروا على أن الحجة هي القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة.

لماذا يُعدّ القرآن الكريم حجة في مصادر التشريع الإسلامي؟

لأنه النص المعصوم من التحريف الموحى به من الله إلى نبيه، والمنقول إلينا بالتواتر، وهو كلمة الله الأخيرة للبشر.

ما العلوم التي أنشأها المسلمون لنقل النصوص الشرعية وضبطها؟

أنشأوا علم الرجال والجرح والتعديل، وعلوم القراءات والرسم والضبط القرآني، ومصطلح الحديث، فضلاً عن النحو والصرف وفقه اللغة.

ما المقصود بالإجماع في الاصطلاح الأصولي؟

الإجماع هو اتفاق جميع المسلمين على أمر ما دون أي خلاف بينهم، وهو حجة شرعية يمثل المساحة القطعية في الشريعة وسقفاً للاجتهاد.

ما الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد في الفقه الإسلامي؟

اختلاف التنوع هو الخلاف في المساحة الظنية المقبول شرعاً الذي يُعطي الفقه مرونة، أما اختلاف التضاد فهو تناقض حقيقي لا يُقبل في المسائل القطعية.

ما آلية الإلحاق التي وظّفها الفقهاء لتغطية الحوادث المتجددة؟

أبرز آليات الإلحاق هي القياس وتنزيل الكلي على أفراده، مما مكّن الفقهاء من إيقاع النصوص المحدودة على الواقع المتغير بحوادثه المتجددة.

ما المحددات الاستدلالية التي تكلم عنها الفقهاء لضبط الاستنباط؟

تشمل العرف والعادة وشرع من قبلنا وسد الذريعة وغيرها، وقد أوصلها القاسمي إلى أكثر من ستة وثلاثين عنصراً.

ما الغرض من باب التعارض والترجيح في أصول الفقه؟

يُعالج هذا الباب التعارض الظاهري بين الأدلة العقلية والنقلية في ذهن الباحث، ويضع آليات للترجيح بينها للوصول إلى الحكم الصحيح.

بماذا يُعبّر الفقهاء عن الشخص الذي يقوم بعملية الاستنباط الفقهي؟

يُعبّرون عنه بالباحث أو الناظر أو المجتهد، وقد خصصوا له سؤالاً مستقلاً في المنهج الأصولي لتحديد شروطه.

ما الدليل النقلي على وجوب اتخاذ الرسول مصدراً للتشريع؟

قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، وقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).

ما الذي يميّز توثيق المسلمين للنصوص الشرعية عن توثيق كلام سائر البشر؟

لم يحدث في تاريخ البشرية توثيق مماثل لكلام أحد من الناس بهذا المستوى من الدقة والشمول الذي بلغه المسلمون في توثيق القرآن والسنة.

ما العلوم اللغوية التي تولّدت خدمةً لفهم النصوص الشرعية؟

تولّدت علوم النحو والصرف والعروض وفقه اللغة والمعجمية وعلم الوضع، لضمان دلالة اللغة العربية على معاني الألفاظ وقوانينها.

ما أثر نظرية القطعي والظني على قضايا الخلاف الفقهي؟

لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي ومسألة الاجتهاد والإفتاء، إذ تحدد ما يسوغ فيه الخلاف وما لا يجوز مخالفته.

ما عدد الأحاديث النبوية المتعلقة بالأحكام الشرعية تقريباً؟

نحو ألفي حديث نبوي تتعلق بالأحكام الشرعية، وهي مع آيات الأحكام القرآنية تمثل النصوص المحدودة التي يُلحق بها ما سواها.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!