اكتمل ✓

ما معنى الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وكيف يرتبطان بترك الوحي وضعف الأمة الإسلامية؟

الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة هما أساس قوة الأمة الإسلامية وعزتها، فحين أخرج المسلمون الأوائل الدنيا من قلوبهم وتمسكوا بالوحي فتحوا الأرض على مراد الله. أما اليوم فقد تركت الأمة الوحي وأعرضت عن الآخرة فوقعت في متاهة لا تعرف كيف تبدأ ولا كيف تسلك. والسبيل الوحيد للنهوض هو إحياء الإيمان بالآخرة وجعل الوحي منهجاً للحياة في كل شؤونها.

ما معنى الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وكيف يرتبطان بترك الوحي وضعف الأمة الإسلامية؟
ما معنى الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وكيف يرتبطان بترك الوحي وضعف الأمة الإسلامية؟
8 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يكون الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة هما السر الحقيقي وراء فتوحات المسلمين الأوائل وعزتهم؟

  • الإسلام هو الدين الخاتم الذي اجتمعت فيه عقيدة التوحيد وأصول جميع الشرائع السابقة من الصلاة والزكاة وتحريم الكبائر.

  • حملت أمة الإسلام مهمة الشهادة على الناس ونشر كلمة الله الأخيرة، فصلاحها صلاح للأرض وفسادها فساد لها.

  • قصة صاحب الحق الذي سلّم جوهرة تاج كسرى وهو لا يملك ما يستر عورته تجسّد معنى الزهد في الدنيا والجهاد الخالص لله.

  • ترك الوحي وترك الآخرة هما السببان المباشران لأزمة الأمة، إذ أفضيا إلى عزلة عن القرآن وتحوّل التلاوة إلى أصوات بلا هداية.

  • السبيل للخروج من الأزمة هو إحياء الإيمان بالآخرة وجعل الوحي منهجاً للحياة لتحقيق العبادة والعمارة وسعادة الدارين.

تمهيد حول الوحي وحال المسلمين وتساؤل عن سبب التراجع

العلاقة بين ترك الوحي وترك الآخرة تكلمنا عن مفهوم الوحي مقالات سابقة، وعن الإيمان بالكتب السماوية والرسل، وفي هذه المرة نتأمل في حال المسلمين لنبرز العلاقة بين ترك الوحي وترك الآخرة.

إذا كان معنا العهد الأخير من الله، وإذا كنا نؤمن بجميع الديانات السماوية التي سبقتنا ونؤمن برسل الله أجمعين فما الذي حدث ؟

إسلام الدين الحق وكمال الشريعة ورضا الله بها

قال سبحانه

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19].

وقال تعالى:

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]،

وقال عز وجل:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ [المائدة: 3].

اشتراك الإسلام مع الشرائع السابقة في الأصول مع اختلاف الكيفيات

فأراد الله أن يكون الدين الإسلامي هو الدين الخاتم شريعة، كما كان هو الدين الوحيد عقيدة، بالإضافة إلى اشتراك الدين الإسلامي في أصول العبادات والأوامر والنواهي مع جميع الشرائع السابقة له؛ فكل الكبائر التي حرمها الله في الأديان السابقة حرمها في الإسلام كقتل النفس، والزنا، وشهادة الزور..... وكذلك أصول الشرائع والعبادات التي أمر بها في الأديان السابقة كالصلاة والزكاة أمر بها في الإسلام؛ وإنما كيفية الصلاة ومقدار الزكاة هو الذي يختلف باختلاف الشرائع.

الإسلام دين هذه الأمة ودين الأنبياء والرسل جميعا

فالإسلام هو الدين الذي اجتمعت فيه عقيدة الإسلام وشريعته، وأصول جميع الشرائع السابقة؛ ولذلك خاطب الله هذه الأمة بأنه أكمل لها الدين وأتم عليها النعمة ورضي لها الإسلام دينا، فدل ذلك على أن دين الإسلام هو دين هذه الأمة، كما أنه هو دين الأنبياء والرسل أجمعين عليهم الصلاة والسلام.

وحدة الدين بين الرسل ووصاياهم بالإسلام والاستقامة

قال تعالى:

﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13].

وقال عز وجل:

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 130: 132].

إسلام الأنبياء والأمم السابقة واستسلامهم لله رب العالمين

قال سبحانه:

﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72].

وقال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]

وقال سبحانه حكاية عن بلقيس ملكة سبأ:

﴿قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةًۭ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌۭ مُّمَرَّدٌۭ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [النمل: 44].

تأثير صلاح المسلمين وفسادهم على الأرض ودورهم الخاتم

ففساد المسلمين فساد للأرض، وصلاحهم صلاح للأرض، وذلك لأن الإسلام هو خاتم الأديان، وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو خاتم النبيين، وتلك الأمة التي آمنت بكل الأنبياء وبنبيها الخاتم هي آخر الأمم. فحملها الله مهمة الدعوة ونشر كلمته الأخيرة لجميع البشر، وحملها مهمة الإصلاح وإعمار الكون، يقول الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ [البقرة: 143].

تكليف أمة الإسلام بالشهادة والإصلاح وحدود ضرر الأعداء

وقال سبحانه:

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران: 111].

فأمة الإسلام هي الأمة الشاهدة، وهي الأمة التي تحملت تكاليف الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فسد المسلمون وتركوا ما كلفهم الله به من مهام لإصلاح الأرض فسدت الأرض، ولقد فطن المسلمون الأوائل لهذه المهمة، وكانت تلك الصورة واضحة عندما بينها ربعي بن عامر رضي الله عنه بكلمات قلائل حينما سأله رستم قائد الفرس: ما أنتم ؟

تعريف ربعي بن عامر لمهمة الأمة في إخراج الناس من الظلم

فأجابه بقوله: « نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام » [تاريخ الطبري، ج2 ص 401].

وظيفة الأمة إنقاذ البشرية من الظلمات إلى النور وإتمام نور الله

فترتب على المسئولية التي تحملها المسلمون والنور الذي منحه الله إياهم، تحديد وظيفتهم على الأرض، وهي إنقاذ البشرية، ونقلها إلى طريق الله وإخراجها من الظلمات إلى النور، فإذا ترك المسلمون وظيفتهم وفسدوا والعياذ بالله، فسد العالم تبعًا لهم؛ وذلك لأن معهم النور الذي سيضيء الطريق للناس، فإذا أظلموا وانطفأ النور الذي معهم فمن يضيء الطريق بعدهم، ولكن الله متم نوره، قال تعالى:

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾ [الصف: 8].

تساؤل عن غياب الأمة عن القمة رغم امتلاك كنز الوحي

أين أمة الإسلام ؟ كان ينبغي أن نكون في أعلى قمة الهرم، فهي تمتلك الكنز الذي لا تنتهي عجائبه ولا يخلق عن ثرة الرد، ونحاول أن نتأمل في واقعة أيام عزة المسلمين وتفوقهم لنعلم مدى ابتعادنا عن مصدر عزتنا.

قصة صاحب الحق وجوهرة تاج كسرى كنموذج لعزة المسلمين

إنها واقعة «صاحب الحق» وصاحب الحق رجل لا نعرف اسمه، كان في إحدى المعارك مع الفرس، وقد رعف أن الغلول [وهي سرقة شيء من الغنائم] حرام، وأن كل ما وجد من مال فعليه أن يسلمه إلى القائد، وكان القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وجاء الرجل وسلم علبة، هذه العلبة كانت فيها جوهرة التاج، وهي أعلى جوهرة في الأرض، تاج كسرى، وما أدراك ما كسرى حينئذ ؟ إيوان كسرى كان طوله أكثر من ثمانمائة متر، تدخل من أوله فتأخذك الهيبة، حتى إذا وصلت إلى عرشه سجد له المعظمون له، فمالكم بتاجه الذي على رأسه وجوهرته ؟

أمانة الرجل الفقير وانشغاله بستر عورته عن الدنيا

سلم الرجل الجوهرة إلى خيمة القائد، فتح سعد هذه العلبة فوجد فيها تلك الجوهرة النفيسة، وتعجب أن يكون أحد من البشر يرى هذا ولا يخفيه، فأمر بإحضار الرجل، فجاء الرجل وهو يقبض على ثيابه بيديه، وتعجب سعد المفترض أن يدخل فيسلم أو يصافح القائد، لكن الرجل كان منشغلا بثيابه البالية عن مصافحة سعد، فقال له سعد: أبيدك شيء ؟ قال: لا، إنما أنا أستر عورتي، يخاف أن يترك ثيابه حتى لا تظهر عورته.

تجرد المجاهدين الأوائل من الدنيا وفتح الأرض على مراد الله

فلماذا سلم هذا الرجل الفقير تلك الجوهرة الثمينة ؟ لأنه كان يتذكر الله رب العالمين، ويعلم أن فعله إنما هو جهاد في سبيله لا من أجل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، ولا أرض يضمها إلى أرضه، ولا سلطان يتوخاه ويبتغيه، إنما هو الجهاد في سبيل الله، الذي عرف أنه ليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت.

به وبإخوانه النبلاء فتحت الأرض على مراد الله؛ لأنهم أخرجوا الدنيا من قلوبهم، فما الذي حدث في زماننا ؟

ترك الوحي وترك الآخرة كسببين رئيسيين لأزمة الأمة

حدث أمران: الأول: أننا قد تركنا الوحي. والثاني: أننا قد تركنا الآخرة.

وبتركنا للوحي والآخرة دخلنا في متاهة لا نعرف كيف نبدأ ولا كيف نسلك، ولا نعرف كيف نقوم الأفكار، ولا كيف ننتقد النظم، ولا كيف ننشئ المناهج، ولا كيف نربي أبنائنا، ولا كيف نتفاوض مع عدونا، ولا كيف نسيطر على حالنا، ولا نعرف شيئا مطلقا.

تساؤلات حول انجذاب المسلمين للدنيا والحجاب عن فهم القرآن

هل نحج أعداء أمتنا في جذبنا من الإيمان بالوحي إلى شهوات الدنيا التي ملأت القلوب، فهل نحن فعلا بدأنا بترك الوحي وما تضمنه وتركنا الآخرة ما دعا الله إليه فيها ؟ هل أصبحنا كفقراء اليهود فقدوا الدنيا والآخرة هل صدق فينا قوله تعالى:

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء:45] ؟

هل نحن كمن قال الله فيهم:

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:46] ؟

العزلة عن القرآن وتحويل التلاوة إلى أصوات بلا هداية

يبدو أننا في عزلة تامة عن القرآن الكريم نسمع أصواتا ولا ندرك أحكاما، نسمع التلاوة ولكننا لم نجعلها هداية نهتدي بها، لم نجعله منهج حياة، لم نبدء في بناء حضاراتنا من ذلك المنطلق البديع.

عقلية الأعداء في استماع القرآن واعتباره صناعة بشرية

العقلية القائمة عند أعداءنا يعلمها الله، والرؤية الكلية للكون والإنسان والحياة وما قبل ذلك وما بعده يعلمها الله يقول تعالى:

﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء:47]

فقوله [نحن أعلم بما يستمعون به] ولم يقل يستمعون إليه، إن هناك شيئا يستمعون من خلاله للقرآن، هو أن القرآن من عند محمد، وأنه صناعة بشرية، وأننا لا ينبغي أن نلتفت إليه ولا نقف عنده كثيرا، ولا نستهديه ولا نجعله دستور حياة.

تسرب رؤية الأعداء للمسلمين وإنكار البعث في آيات الإسراء

هل صدر أعداءنا لنا تلك الرؤية فأصبحنا إذا صدقنا القرآن صدقناه على أنه إيمانا جملية لا يتحكم في مورد ولا يتحكم في مصدر ؟ يبدو ذلك. فانظر إلى قوله تعالى:

﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ [الإسراء:47: 51]

إعجاز الربط بين ترك الوحي وترك الآخرة وأثره على المعصية

إن الربط بين ترك الوحي وترك الآخرة إعجاز، فهذا الذي شهد به التاريخ الإسلامي، بدأ الناس بنسيان الآخرة، وصدقوها تصديقا باهتا، ثم بعد ذلك انحلوا من عقدة الوحي، وصدقوه تصديقا جمليا، ولم يجعلوا الآخرة هي الأساس وهي الحيوان [أي الحياتين] لم يجعلوها كذلك، بل جعلوها شيئا عابرا، والأمر ليس كذلك إذا استحضرت الآخرة ومعناها وما ذكره الله عنها في كتابه الكريم لا يمكن أن تقع في معصيته سبحانه، ولا يمكن أن يمتلئ قلبك إلا همة وإقبالا على الله، ولقد مهد نسيان الآخر الطريق لنسيان الوحي.

الدعوة لإحياء الإيمان بالآخرة والوحي وتحقيق العبادة والعمارة

فلا سبيل لنا إلا الرجوع للإيمان بالآخرة وتذكرها دائما، والإيمان بالوحي وجعله منهجا للحياة ومعيارا للتقويم في كل شئون حياتنا ذلك قبل أن نتشابه مع الذين ذكرهم الله في كتابه فقال:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:27: 31].

خاتمة في تحويل العقيدة إلى عمل وجمع سعادة الدارين

لا سبيل لنا إلا أن نحي الإيمان في قلوبنا، ولا تتحول العقائد إلى مفاهيم قائمة في الذهن، بل نريد أن تكون منطلقا للعمل، نريد أن يعيش المسلمون مستحضرين ربهم في حياتهم، منكشفة لهم الحقائق على وجهها، من كون هذه الحياة الدنية فانية، وأن أمر الله فينا هو العبادة والعمارة والتزكية، فلابد أن نعبد الله وأن نعمر الأرض، وأن نزكي النفس، ولا كذلك أن ندعو الناس إلى رب العالمين، ولا بد أن ندرك أن الله قد حل لنا حدودا وأمرنا بأوامر ونهانا عن نواه ينبغي أن نتقيد بها.

إذا تمكنا من ذلك جمع الله لنا سعادة الدارين وانتهى الفساد المستشري في أوساط الناس، نسأل الله السلامة والنجاة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما السببان الرئيسيان اللذان أدّيا إلى أزمة الأمة الإسلامية في العصر الحديث؟

ترك الوحي وترك الآخرة

ما الذي قاله ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس حين سأله عن هوية المسلمين وغايتهم؟

نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده

لماذا سلّم صاحب الحق جوهرة تاج كسرى إلى سعد بن أبي وقاص؟

لأنه علم أن الغلول حرام وأن جهاده لله لا لدنيا يصيبها

ما الآية التي تدل على أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول عند الله؟

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾

ما الذي يشترك فيه الإسلام مع الشرائع السابقة ويختلف عنها؟

يشترك في أصول العبادات والكبائر ويختلف في الكيفيات والمقادير

ما وصف القرآن لأمة الإسلام في سورة البقرة؟

أمة وسط لتكون شاهدة على الناس

ما الذي يحدث للعالم إذا ترك المسلمون وظيفتهم في إنقاذ البشرية؟

يفسد العالم لأن المسلمين يحملون النور الذي يضيء الطريق

كيف يصف القرآن طريقة استماع أعداء الإسلام للقرآن؟

يستمعون من خلال فلتر اعتقادهم أنه صناعة بشرية

ما الثلاثة التي أمر الله بها المسلمين لتحقيق سعادة الدارين؟

العبادة والعمارة والتزكية

ما الذي وصّى به إبراهيم عليه السلام بنيه ويعقوب؟

ألا يموتوا إلا وهم مسلمون

ما الذي أعلنته بلقيس ملكة سبأ حين رأت قصر سليمان؟

أسلمت مع سليمان لله رب العالمين

ما الحال الذي جاء عليه صاحب الحق حين أُحضر أمام سعد بن أبي وقاص؟

جاء يقبض على ثيابه البالية ليستر عورته

ما الترتيب الذي يصفه المحتوى لعملية نسيان الوحي والآخرة؟

بدأ الناس بنسيان الآخرة ثم انحلوا من عقدة الوحي

ما الآية التي تؤكد أن الله متم نوره رغم محاولات الأعداء إطفاءه؟

﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾

ما الذي يحدث لمن يستحضر الآخرة ومعناها وفق ما جاء في المحتوى؟

لا يمكن أن يقع في معصية الله ويمتلئ قلبه همةً وإقبالاً على الله

ما معنى الغلول وما حكمه في الإسلام؟

الغلول هو سرقة شيء من الغنائم قبل قسمتها، وهو حرام في الإسلام، وكل ما يجده المقاتل من مال عليه تسليمه إلى القائد.

ما الدليل القرآني على أن من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه؟

قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

ما الفرق بين ما يشترك فيه الإسلام مع الشرائع السابقة وما يختلف فيه؟

يشترك الإسلام مع الشرائع السابقة في أصول العبادات كالصلاة والزكاة وتحريم الكبائر، ويختلف في كيفية الصلاة ومقدار الزكاة.

ما مهمة أمة الإسلام التي حددها الله لها على الأرض؟

مهمتها إنقاذ البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور، والشهادة على الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعمار الكون.

ما الثلاثة التي ذكرها ربعي بن عامر في تعريفه لمهمة المسلمين؟

إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

ما الذي يعنيه القرآن بقوله ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ ولم يقل يستمعون إليه؟

يعني أن هناك فلتراً يستمع الأعداء من خلاله للقرآن وهو اعتقادهم أنه صناعة بشرية من عند محمد، فيرفضون جعله دستور حياة.

ما الحياتان اللتان يقصدهما المحتوى بكلمة الحيوان في سياق الآخرة؟

الحيوان يعني الحياتين: الحياة الدنيا والحياة الآخرة، والمقصود أن الآخرة ينبغي أن تكون هي الأساس الذي يجمع الحياتين.

ما الآية التي استشهد بها المحتوى على أن الرسول شكا من هجر قومه للقرآن؟

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: 30].

ما الذي يعنيه المحتوى بتصديق القرآن تصديقاً جملياً؟

يعني الإيمان بالقرآن إيماناً عاماً سطحياً لا يتحكم في مورد ولا مصدر، أي لا يُجعل منهجاً للحياة ومعياراً للتقويم في شؤون الحياة.

ما الشرط الذي ذكره المحتوى لجمع سعادة الدارين؟

أن يعيش المسلمون مستحضرين ربهم في حياتهم، ويعبدوا الله ويعمروا الأرض ويزكوا النفس ويدعوا الناس إلى رب العالمين، ويتقيدوا بأوامر الله ونواهيه.

ما الآية التي تصف الحجاب بين القرآن وغير المؤمنين بالآخرة؟

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45].

لماذا يُعدّ فساد المسلمين فساداً للأرض كلها؟

لأن الإسلام هو خاتم الأديان وأمته هي آخر الأمم، فمعهم النور الذي يضيء الطريق للناس، فإذا أظلموا وانطفأ النور الذي معهم لم يبق من يضيء الطريق.

ما الذي يميّز الزهد في الدنيا عند المجاهدين الأوائل عن مجرد الفقر المادي؟

الزهد في الدنيا عندهم كان إخراج الدنيا من القلب لا مجرد غيابها من اليد، فكانوا يجاهدون لله لا لدنيا يصيبونها أو سلطان يبتغونه.

ما الآية التي تصف ندم الظالم يوم القيامة على عدم اتخاذه مع الرسول سبيلاً؟

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: 27].

ما الذي يعنيه المحتوى بتحويل العقائد من مفاهيم ذهنية إلى منطلق للعمل؟

يعني أن الإيمان لا يكفي أن يكون معلومة في الذهن، بل يجب أن يتحول إلى سلوك وعمل وإصلاح في الحياة الفردية والجماعية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!