اكتمل ✓

ما حكم الإيمان بالكتب السماوية السابقة وكيف يهيمن القرآن عليها وما تعريف الوحي في الإسلام؟

يؤمن المسلم بالكتب السماوية المنزلة على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور، غير أنه لا يعتبرها ملزمة له لسببين: تحريفها من قِبَل أهلها، وهيمنة القرآن الكريم عليها ونسخه للعمل بها. والوحي عند المسلمين يعني القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما المصدران الأصليان للتشريع الإسلامي.

ما حكم الإيمان بالكتب السماوية السابقة وكيف يهيمن القرآن عليها وما تعريف الوحي في الإسلام؟
ما حكم الإيمان بالكتب السماوية السابقة وكيف يهيمن القرآن عليها وما تعريف الوحي في الإسلام؟
9 دقائق قراءة
  • هل يجوز للمسلم اتباع الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل أم أن القرآن نسخ العمل بها؟

  • يؤمن المسلم بأن الله أنزل صحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل، لكنه لا يصدق ما لم يرد في القرآن والسنة ولا يكذبه.

  • أثبت القرآن الكريم بآيات صريحة أن أهل الكتاب حرّفوا كتبهم وكتبوا بأيديهم ما نسبوه إلى الله.

  • حتى لو بقيت الكتب السابقة بلا تحريف فإن القرآن يهيمن عليها وينسخ العمل بشرائعها بنص الآية الكريمة.

  • ذكر القرآن خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام وحدها، والمؤمن يؤمن بجميعهم دون تكذيب أحد.

  • الوحي عند المسلمين هو القرآن الكريم المحفوظ بالتواتر والسنة النبوية الموثقة بجهود علمية فريدة في تاريخ البشرية.

إجمال الإيمان بالكتب السماوية المنزلة على الأنبياء السابقين

الوحي 3

ذكرنا في المقالة السابقة بشأن ما يؤمن به المسلم من الوحي والكتب التي أنزلها أن المسلم يؤمن بأن الله أنزل على إبراهيم عليه السلام صحفًا، وكذلك أنزل على موسى عليه السلام التوراة، وأنزل على داود عليه السلام الزبور، وأنزل على عيسى عليه السلام الإنجيل.

فهو لا يكذب بما جاء من أخبار في هذا الشأن، وما زاد عن ذلك من أخبار لم تذكر في القرآن والسنة، فالمسلم لا يكذبها ولا يصدقها.

ومسألة مهمة في شأن تلك الكتب السماوية، وهي أن المسلم عليه ألا يعتقد أن الله قد حفظ هذه الكتب، ولا يعتقد كذلك أنها ملزمة للمسلمين وأنها وحيهم؛ وذلك لأمرين، الأول: أن الله قد ذكر لنا تحريف هذا الكتب، قال تعالى عن بني إسرائيل:

الأدلة القرآنية على تحريف الكتب السابقة وادعاءات أهل الكتاب

﴿فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]

وقال تعالى عنهم كذلك:

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]

ويقول سبحانه مخاطبًا للمؤمنين:

﴿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]

وقوله تعالى:

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18].

هيمنة القرآن على الكتب السابقة ونسخ العمل بشرائعها

الثاني: أنها حتى إن كانت موجودة وباقية بغير تحريف، فإن القرآن يهيمن عليها وينسخ العمل بها، قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]

قال تعالى:

﴿ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 106]

وقال سبحانه عن القرآن:

﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]

وقوله تعالى:

﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].

علاقة الإيمان بالكتب بالإيمان بالرسل وعموم إرسال النذر

ويترتب على قضية الإيمان بالكتب المنزلة قضية الإيمان بالرسل إذ هم الذين أبلغوا الوحي إلى أقوامهم، فالإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان بالله، وذلك أن المؤمن يؤمن بأن الله أرسل رسلا إلى أقوامهم وما ترك أمة إلا وأرسل إليها بشرا منهم، قال تعالى:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:24].

ويؤمن كذلك بأخبار من جاء الوحي بأخبارهم من الرسل فقد ذكر القرآن الكريم، خمسة وعشرين نبيا ورسولا، منهم ثمانية عشر ذكرهم سورة الأنعام وحدها قوله تعالى:

الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 83: 86].

الأنبياء السبعة الآخرون وذكر آدم وذو الكفل وإدريس وهود

والسبعة الباقون هم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وآدم عليه السلام، وهود عليه السلام، وصالح عليه السلام، وذو الكفل عليه السلام، وشعيب عليه السلام، وإدريس عليه السلام. وذكرهم الله في كتابه فقال تعالى:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًۭا كَثِيرًۭا﴾ [الأحزاب: 41].

وجاء ذكر آدم عليه السلام في مواضع كثيرة وأن ربنا أوحى إليه، فقال تعالى:

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 31]

وقال الله تعالى عنه كذلك:

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].

ذكر ذو الكفل وإدريس وهود وصالح وشعيب والإيمان بجميع الأنبياء

أما ذو الكفل عليه السلام فقد ذكر في موضعين في القرآن، قال تعالى:

﴿وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85]

وقوله تعالى:

﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ﴾ [ص: 48]،

وذكر إدريس عليه السلام في أكثر من موضع في القرآن منها قوله تعالى:

﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 56]،

ولهود عليه السلام سورة في القرآن باسمه، وقد ذكره الله تعالى في كتابه في أكثر من موضع منها قوله تعالى:

﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65].

ذكر صالح وشعيب وعدد الأنبياء والمرسلين أكثر من المذكورين

وجاء ذكر صالح عليه السلام في القرآن في أكثر من موضع، منها: قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45].

وذكر الله شعيبًا في القرآن في أكثر من آية منها قوله تعالى:

﴿۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ﴾ [هود: 84]

هؤلاء هم من جاء ذكرهم في القرآن الكريم، فالمؤمن لا يكذب بنبوة أحد منهم، كما يعتقد أن الله أرسل رسولا غيرهم، فعدد الأنبياء والمرسلين أكبر من ذلك، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: 78].

الأحاديث في عدد الأنبياء والمرسلين وختم النبوة بمحمد

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنى خاتم ألف نبي أو أكثر ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال» [أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 79، والحاكم في المستدرك، ج1 ص 588]، وكذلك عن أبي ذر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا رسول الله، كم النبيون ؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي. قلت: كم المرسلون منهم ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر» [أخرجه الحاكم في المستدرك، ج2 ص 652، والبيهقي في السنن الكبرى، ج9 ص 4، وفي الشعب، ج1 ص 49].

منهج الإيمان بالرسل ووجوب اتباع النبي محمد وحده

وكما هو حال المؤمن في الإيمان بالكتب، ينبغي أن يكون حاله في الإيمان بالرسل من حيث الاتباع، فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يترك اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم ويتبع غيره من الأنبياء، وإنما يكون إيمانه بالأنبياء أن يؤمن بأن الله بعثهم لأممهم وأمرهم بطاعتهم، ولا يجوز أن نتبعهم لنفس الأمرين المذكورين في الكتب، وهما؛ الأول: أننا لا نطمئن لما نقل عنهم في كتب الآخرين لما دخل عليه من تحريف. والثاني: حتى إن كان ما نقل عنهم غير محرف لا يجوز لنا اتباعهم لأن؛ اتباعهم نسخه الله ببعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم:

أحاديث تدل على نسخ اتباع الأنبياء السابقين ببعثة النبي الخاتم

« قد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » [رواه البيهقي في شعب الإيمان، ج1 ص 200] وساق ابن كثير بسنده إلى جابر رضي الله عنه حديث: « وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني، وفي بعض الأحاديث لو كان موسى وعيسى حيين ونصف حيين لما وسعهما إلا اتباعي » [راجع تفسير ابن كثير، ج1 ص 379].

تعريف الوحي عند المسلمين ومكانة القرآن الكريم كحجة معصومة

وعندما نتكلم عن الوحي عند المسلمين فإننا نعني القرآن والسنة، وهما الحجة أو المصادر الأصلية للتشريع، فالحجة تتمثل في القرآن الكريم باعتباره الوحي المعصوم المحفوظ الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لقوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:2]

ولقوله تعالى:

﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42].

ولقوله تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9].

مكانة السنة النبوية ووصف النبي بالطاعة والاتباع والقدوة

وفي السنة النبوية المشرفة باعتبارها التطبيق المعصوم الدقيق الواضح العملي الذي علمنا مناهج الوصل بين المطلق [الوحي] وبين النسبي [الواقع]، ولأنها صادرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الموصوف من ربه بأنه:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ [النجم:3]

والموصوف من ربه بأنه:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]

والموصوف من ربه بأنه أسوة حسنة، قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]

والموصوف من ربه بأنه له الطاعة والاتباع، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33]،

وقال سبحانه:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:31].

وصول القرآن بالتواتر ونشأة العلوم لحفظه وصيانته

وقد وصل إلينا القرآن بالتواتر لم يختل فيه حرف واحد، وحفظ عليه على مستوى الأداء الصوتي للحروف ومخارجها والكلمات وطريقة نطقها، ونشأت عدة علوم للحفاظ على هذا الكتاب الكريم كما هو منها: علم النحو والصرف، والقراءات، والتفسير، بل وعلوم اللغة كلها، بل إن المعاجم العربية إنما وضعت للحفاظ على هذه البيئة التي منها ذلك الكتاب العظيم.

الجهود الفريدة في توثيق السنة ورحلة الصحابة في طلب الحديث

أما السنة فقد بذل المسلمون جهدا مبدعا وغير مكرر في توثيق كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشئوا علوما كثيرة، ولم يحدث مثل ذلك أبدا لأي نبي أو مفكر أو عالم أو شاعر أو أديب في تاريخ البشرية فهو أمر فريد اختص بكلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

كان للصحابة –رضوان الله عليهم- عناية شديدة في رواية الحديث ونقله، فرحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلي عبد الله بن أُنَيْس في حديث واحد [ذكره البخاري في صحيحه].

الاعتماد على الرواية في زمن النبي وعدم التدوين الرسمي للسنة

وقد اعتمد الصحابة على الرواية والمشافهة، فلم يكن التدوين في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تدوينًا رسميًا, بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يأمر الصحابة رسميًا بتدوين السنة، ولم يعين لذلك كتبة مثل كُتَّاب الوحي الذين كانوا يدونون القرآن, غير أنه ورد الأمر النبوي لبعض الصحابة رضي الله عنه بالكتابة بصور فردية غير منتظمة, وبإذن خاص من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا تعارض بين هذا الإذن الخاص والأمر بالكتابة مع قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

حديث النهي عن كتابة غير القرآن وسبب هذا النهي في بداية الإسلام

«لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» [رواه أحمد في مسنده، جـ1 صـ 78، والبخاري في صحيحه، جـ1 صـ 52، ومسلم في صحيحه، جـ1، ص10].

فإن هذا الحديث كان في بداية تدوين القرآن فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ألا ينشغل الصحابة بشيء غير القرآن الكريم ويختلط عليهم القرآن بكلام النبي، وحتى لا يركنوا للكتابة ويهملوا الحفظ ومن هنا نهى في بدء الإسلام عن كتابة أي شيء غير القرآن الكريم،و لما زالت تلك الأسباب أذن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد ذلك في كتابة الحديث لمن أراد من المسلمين، وقد تمثل هذا الإذن النبوي في أحاديث كثيرة نذكر منها:

أحاديث الإذن بكتابة السنة وقصة أبي شاه وعبد الله بن عمرو

  • لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين خطب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاه، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه» [رواه أحمد في مسنده، جـ1، صـ 238، والبخاري في صحيحه، جـ1 صـ 53، ومسلم في صحيحه جـ1، صـ989] وعند البخاري زيادة، عن الوليد بن مسلم، قال: قلت للأوزاعي، ما قوله، اكتبوا ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فدل ذلك على صريح إذنه بالكتابة.

  • وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ؛ وأشار بيده إلى فيه» [رواه أحمد في مسنده، جـ2، صـ 162، والحاكم في المستدرك جـ1، صـ 187]. وغير ذلك من الأحاديث، وظل التدوين والعناية بحفظ السنة حتى يومنا هذا مما جعلها مصدرا موثقا من مصادر التشريع الإسلامي.

خاتمة في وجوب الإيمان بالوحي والدعاء بصدق اليقين

فينبغي على المؤمن أن يؤمن بالوحي على هذا النحو الذي تم ذكره في تلك المقالات، نسأل الله أن يرزقنا صدق اليقين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الموقف الصحيح للمسلم مما لم يُذكر في القرآن والسنة من أخبار الكتب السماوية السابقة؟

لا يصدقه ولا يكذبه

ما السببان اللذان يمنعان المسلم من اتباع الكتب السماوية السابقة؟

تحريفها وهيمنة القرآن عليها ونسخه للعمل بها

كم عدد الأنبياء والرسل الذين ذكرهم القرآن الكريم؟

خمسة وعشرون نبياً ورسولاً

كم عدد الأنبياء الذين ذكرتهم سورة الأنعام وحدها؟

ثمانية عشر نبياً

وفق حديث أبي ذر رضي الله عنه، كم عدد المرسلين من بين الأنبياء؟

ثلاثمائة وثلاثة عشر

ما الآية التي تدل على هيمنة القرآن على الكتب السابقة؟

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾

ما السبب الرئيسي لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنة في بداية الإسلام؟

خشية اختلاط القرآن بكلام النبي وإهمال الحفظ

ما الذي يدل على إذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة السنة في قصة أبي شاه؟

أن النبي قال: اكتبوا لأبي شاه

ما الوصف الذي أعطاه الله للنبي محمد في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾؟

أنه رحمة للعالمين

ما العلوم التي نشأت للحفاظ على القرآن الكريم؟

علم النحو والصرف والقراءات والتفسير

ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو حين أخبره بكتابة كل ما يسمعه؟

قال له: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق

من هم الأنبياء السبعة الذين لم يُذكروا في سورة الأنعام؟

محمد وآدم وهود وصالح وذو الكفل وشعيب وإدريس

ما معنى الوحي عند المسلمين؟

القرآن الكريم والسنة النبوية معاً

ما الذي يميز جهود المسلمين في توثيق السنة النبوية عن غيرهم؟

أنه جهد فريد لم يحدث مثله لأي نبي أو مفكر في تاريخ البشرية

ما الدليل القرآني على أن الله تكفّل بحفظ القرآن الكريم؟

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾

ما الكتب السماوية التي يؤمن بها المسلم؟

يؤمن المسلم بصحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على موسى، والزبور المنزل على داود، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن الكريم المنزل على محمد عليهم السلام.

لماذا لا يعتبر المسلم الكتب السماوية السابقة ملزمة له؟

لسببين: الأول أن الله أخبر بتحريفها، والثاني أن القرآن الكريم يهيمن عليها وينسخ العمل بشرائعها.

ما معنى هيمنة القرآن على الكتب السابقة؟

هيمنة القرآن تعني أنه المرجع الأعلى والحاكم على ما سبقه من الكتب، وأنه نسخ العمل بشرائعها حتى لو كانت غير محرفة.

ما الآية التي تثبت تحريف أهل الكتاب لكتبهم بأيديهم؟

قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 79].

كم عدد الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم؟

ذكر القرآن الكريم خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام وحدها.

ما الدليل على أن عدد الأنبياء أكبر مما ذُكر في القرآن؟

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، وحديث أبي ذر الذي يذكر مائة وأربعة وعشرين ألف نبي.

ما الفرق بين النبي والرسول من حيث العدد وفق الأحاديث؟

وفق حديث أبي ذر رضي الله عنه، عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر فقط.

ما الدليل الحديثي على أن النبي محمد خاتم الأنبياء؟

قوله صلى الله عليه وسلم: «إني خاتم ألف نبي أو أكثر ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال».

لماذا لا يجوز للمسلم اتباع الأنبياء السابقين في شرائعهم؟

لأن ما نُقل عنهم دخله التحريف، ولأن الله نسخ اتباعهم ببعثة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

ما الذي قاله النبي عن موسى وعيسى لو كانا حيين؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي»، وفي رواية: «لو كان موسى وعيسى حيين ونصف حيين لما وسعهما إلا اتباعي».

ما وصف القرآن الكريم لنفسه من حيث الحفظ والعصمة؟

وصف القرآن نفسه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكفّل الله بحفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

ما دور السنة النبوية في الإسلام؟

السنة النبوية هي التطبيق المعصوم الدقيق الذي يُعلّم مناهج الوصل بين الوحي المطلق والواقع النسبي، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن.

كيف وصل القرآن الكريم إلينا محفوظاً؟

وصل القرآن بالتواتر القاطع دون اختلال في حرف واحد، وحُفظ على مستوى الأداء الصوتي، ونشأت علوم النحو والقراءات والتفسير للحفاظ عليه.

ما مثال على عناية الصحابة الشديدة في طلب الحديث النبوي؟

رحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد، كما ذكره البخاري في صحيحه.

ما الأسباب التي دفعت النبي للنهي عن كتابة السنة في بداية الإسلام؟

ثلاثة أسباب: حتى لا ينشغل الصحابة بغير القرآن، وحتى لا يختلط القرآن بكلام النبي، وحتى لا يركنوا للكتابة ويهملوا الحفظ.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!