ما هو علم الخطاب الإسلامي ولماذا أصبح ضرورة حتمية في عصر العولمة والتحديات المعاصرة؟
علم الخطاب الإسلامي علم جديد مقترح يهدف إلى تأصيل أسس التواصل الإسلامي مع العالم المعاصر بما يحقق البلاغ المبين ويراعي الحكمة والرفق والاعتدال. يُعدّ هذا العلم ضرورة حتمية لحفظ هوية المسلمين في عالم أصبح قرية واحدة، ولمعالجة إشكاليات كالتطرف وسوء فهم الجهاد وصورة الإسلام في الغرب. وقد أوصى مؤتمر الكويت عام 2004 بإنشائه وإدراجه في مناهج الكليات الشرعية.

- •
هل يحتاج المسلمون إلى علم جديد اسمه علم الخطاب الإسلامي لمواجهة تحديات العولمة وحفظ هويتهم في عالم أصبح قرية واحدة؟
- •
أوصى مؤتمر الكويت عام 2004 بإنشاء علم الخطاب الإسلامي وإدراجه في مناهج الكليات الشرعية بالجامعات الإسلامية.
- •
يقوم الخطاب الإسلامي المنفتح على الحكمة والرفق والاعتدال وتجنب إثارة العداوة مع الالتزام بالتقويم الدائم والنقد البنّاء.
- •
كشفت رحلة لندن عن أزمة الجيل الثالث من المسلمين في الغرب وعجز العقل الغربي عن فهم ظاهرة التطرف دون إرجاعها زوراً إلى الإسلام ذاته.
- •
يُبيّن علم الخطاب أن الجهاد مشروط بشروط دقيقة كوجود الراية والمرجعية، وأن غياب هذه الشروط يحوّله إلى قتل لا قتال.
- •
النصوص القرآنية والنبوية تؤكد ضرورة ضبط الحماس بالعلم والشروط الشرعية، وأن الاستعجال في العمل دون استيفاء شروطه مفسدة لا مصلحة.
- 1
يطرح الكاتب ضرورة إنشاء علم الخطاب الإسلامي لحفظ هوية المسلمين في عالم معولم، مستنداً إلى توصيات مؤتمر الكويت 2004 والآية الكريمة.
- 2
يستعرض الكاتب مشاركات علماء مؤتمر الكويت ويستشهد بقصة د. ماهر عليش لتحفيز شهوة المعرفة والبحث العلمي في الخطاب الإسلامي.
- 3
يعرض الكاتب خصائص الخطاب الإسلامي المنفتح من حكمة ورفق واعتدال، مؤكداً على ضرورة التقويم الدائم والجمع بين الأصالة والتجديد.
- 4
يرصد الكاتب أزمة الجيل الثالث من المسلمين في الغرب وتشويه صورة الإسلام عبر ربطه بالإرهاب، مما يؤكد الحاجة لعلم الخطاب الإسلامي.
- 5
يكشف الكاتب أن علم الخطاب سيعالج ظاهرة التطرف بتأكيد مفاهيم المرجعية وشروط الجهاد، موضحاً أن غياب الراية يحوّل الجهاد إلى قتل.
- 6
يستشهد الكاتب بأحاديث خباب وعبد الرحمن بن عوف وآية الفتح لتأكيد ضرورة ضبط الحماس بالشروط الشرعية وفهم مراحل الجهاد.
لماذا يحتاج المسلمون إلى علم جديد للخطاب الإسلامي في ظل العولمة والتحديات المعاصرة؟
يحتاج المسلمون إلى علم الخطاب الإسلامي لمقتضيات وجودهم والحفاظ على هويتهم في عالم أصبح قرية واحدة تتلاشى فيه الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي. وقد أوصى مؤتمر الكويت 2004 بإنشاء هذا العلم وإدراجه في مناهج الكليات الشرعية بالجامعات الإسلامية. ويستند هذا الطرح إلى قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، مما يجعل توليد العلوم فريضة لا خياراً.
ما أبرز إسهامات العلماء في مؤتمر الكويت 2004 لبلورة علم الخطاب الإسلامي وما الدرس المستفاد من قصة العلاقات الإنسانية؟
شارك في مؤتمر الكويت 2004 علماء من مصر والسودان وسويسرا وفرنسا وتونس والسعودية وسوريا والكويت، وأكد أ.د أحمد جاب الله على أهمية الخطاب الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية. وضرب الكاتب مثلاً بقصة د. ماهر عليش الذي وجد طابقاً كاملاً من الكتب في العلاقات الإنسانية بمكتبة أمريكية، لا للتعجب بل لتربية ملكة شهوة المعرفة وحب البحث والتأليف. وهذا يدل على الحاجة الماسة لبناء إطار علمي متكامل للخطاب الإسلامي.
ما خصائص الخطاب الإسلامي المنفتح وما أبرز متطلبات تطويره في العصر الحديث؟
يتميز الخطاب الإسلامي المنفتح بتحقيق البلاغ المبين مع الحكمة والرفق ومراعاة شخصية السامع والالتزام بمبدأ الحرية والاعتدال وتجنب إثارة العداوة. ويستلزم تطويره الجمع بين الأصالة والتجديد والعناية بالبعد الإنساني والتصدي بشجاعة للقضايا المثارة بمنطق علمي قائم على الإقناع. والأهم من ذلك إخضاع الخطاب الإسلامي للتقويم الدائم، إذ إن الحق في الفكرة لا يقتضي صواباً في صياغتها، وقد تكون الفكرة قوية لكن سوء التعبير عنها يُفقدها قوتها.
ما مشكلة الجيل الثالث من المسلمين في الغرب وكيف يُشوَّه فهم الإسلام في مواجهة ظاهرة التطرف؟
يعاني الجيل الثالث من المسلمين في بريطانيا من أزمة هوية حادة، إذ وُلد هؤلاء ونشأوا في الغرب ولا يعرفون وطناً سواه، ومع ذلك ينزلق بعضهم نحو الأعمال الانتحارية مما يُحيّر العقل الإنجليزي. ويستغل بعض المفكرين كبرنارد لويس هذه الحيرة ليدّعوا أن الإسلام في ذاته هو السبب وأن الإرهابيين يطبقون الإسلام لا ينحرفون عنه. وهذا التشويه يزيد الحيرة حتى عند بعض من يحملون أسماء مسلمة ممن يعيشون شبه تناقض في أذهانهم.
كيف يعالج علم الخطاب الإسلامي إشكالية التطرف من خلال مفاهيم المرجعية وشروط الجهاد؟
يؤكد علم الخطاب الإسلامي على مفهوم الأمة مقيداً بمفهوم المرجعية والتخصص والفرق بين علم الدين والتدين. ويوضح أن الجهاد كالصلاة تماماً لا يصح إلا بشروطه، فكما لا تجوز الصلاة بغير وضوء لا يجوز الجهاد إلا تحت راية ومرجعية شرعية، وعند فقدان الراية يتحول إلى قتل لا قتال. وغياب المرجعية والشروط هو الجذر الحقيقي لظاهرة التطرف لدى الشباب الذي يحمل مفهوم الأمة صحيحاً لكن دون قيوده الشرعية فيختل ميزانه.
ما الدلالة الشرعية لحديث خباب بن الأرت وحديث عبد الرحمن بن عوف في ضبط الحماس وفهم مراحل الجهاد؟
يدل حديث خباب بن الأرت على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستعجال في القتال في مكة وأكد أن الأمر سيتم بإذن الله في وقته المناسب، مما يُرسّخ مبدأ مراعاة المراحل والشروط. وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف يُبيّن أن النبي أمر بالعفو وعدم القتال في مرحلة الضعف. وتؤكد آية الفتح أن الحماس الأعمى قد يُلحق الضرر بالمؤمنين أنفسهم، وأن من يتحير بين نصوص الجهاد والتسامح لم يعرف شروط كل منهما وأن انفكاك الجهة يجعل الاختلاف تنوعاً لا تضاداً.
تجديد الخطاب الإسلامي فريضة علمية تقتضي إنشاء علم منهجي يجمع الأصالة بالتجديد ويضبط الحماس بالشروط الشرعية.
تجديد الخطاب الإسلامي ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية في عالم باتت حواجزه الداخلية والخارجية تتلاشى. وقد أكد مؤتمر الكويت 2004 على وجوب إنشاء علم مستقل للخطاب الإسلامي يُدرَّس في الكليات الشرعية، يقوم على الحكمة والرفق والاعتدال، ويخضع للتقويم الدائم بعيداً عن الخطاب الإنشائي السطحي.
كشفت أزمة الجيل الثالث من المسلمين في الغرب أن غياب مفهوم المرجعية وشروط الجهاد هو جوهر الخلل، إذ لا يصح الجهاد إلا تحت راية وبشروطه الشرعية، تماماً كما لا تصح الصلاة بغير وضوء. والنصوص القرآنية والنبوية تؤكد أن الاستعجال دون استيفاء الشروط يُفسد العمل ويحوّل القتال إلى قتل، وأن انفكاك الجهة يجعل الاختلاف بين نصوص الجهاد والتسامح اختلاف تنوع لا تضاد.
أبرز ما تستفيد منه
- علم الخطاب الإسلامي ضرورة لحفظ هوية المسلمين في عصر العولمة.
- الخطاب الإسلامي الصحيح يقوم على الحكمة والرفق والتقويم الدائم.
- الجهاد لا يجوز إلا بشروطه ومرجعيته وإلا تحوّل إلى قتل.
- غياب المرجعية والشروط الشرعية هو جذر ظاهرة التطرف لدى الشباب.
حاجة المسلمين إلى علم جديد للخطاب الإسلامي في عالم معولم
توليد العلوم فرض على المسلمين (3)
هل المسلمون في حاجة إلى علم جديد يقال له علم الخطاب الإسلامي حقا ؟ والإجابة عندي : نعم إنهم في حاجة إلى ذلك؛ لمقتضيات وجودهم والحفاظ على هويتهم وبقائهم وسط العالم الذي أصبح قرية واحدة، والذي وصل من خلال المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة إلى ما نرى من الجوار وتأثر بعضه ببعض، حتى كادت الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي تتلاشى، وحتى رأينا حجج احتلال أرضنا بالعراق والتهديد باحتلال غيرها هو التأثر بما يجري في الداخل من أمور، ولم يعد مجديا نفعا التمسك بأنه أمر داخلي، ومع رفضنا لهذا المبدأ الذي يستعمله القوي في فرض هيمنته الاستعمارية وتحصيل مصالحه الاقتصادية، فإننا لابد أن نعمل على ما يغير حالنا في طريق الله حتى ينظر الله إلينا بعين الرحمة، ويغير ما بنا، ويوفقنا إلى ما يحب ويرضى
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [الرعد : 11].
ولقد حضرت مؤتمرا في دولة الكويت نظمته كلية الشريعة والدراسات الإسلامية هناك تحت عنوان (الخطاب الإسلامي في خضم الأحداث والمستجدات)، وذلك في الفترة من 17-18 مايو 2004م، وتقدمت فيه ببحث عن أصول هذا الموضوع ودعوته فيه إلى إنشاء علم جديد بعنوان (الخطاب الإسلامي) ولقد وافق المؤتمرون من العلماء على هذا الاقتراح، وجعلوه في توصياتهم، وهو ما يبين أهمية هذه الدعوة ووجوب الإسراع في تبنيها وإدخال هذا العلم ضمن ما يدرس في الكليات الشرعية بالجامعات الإسلامية، خاصة جامعة الأزهر، وسرعة تعاون العلماء على الكتابة فيه وإثرائه وعلى استمداده من علوم عدة يتعاون في ذلك جماعة العلماء حتى يتضح هذا العلم، وتقوم له قائمة.
مؤتمر الكويت وإسهامات العلماء في بلورة علم الخطاب الإسلامي
ومن بحوث ذلك المؤتمر الذي حضره من مصر أ.د أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية و أ.د نبيل غنايم الأستاذ بكلية دار العلوم، أ.د إبراهيم عبد الرحيم الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، زن السودان أ.د عصام البشير وزير الأوقاف، ولفيف من العلماء من سويسرا وفرنسا وتونس والسعودية وسوريا بالإضافة إلى علماء كلية الشريعة بالكويت من أقطار شتى ما يمكن أن يستفاد منه في بناء إطار عام لذلك العلم، ابتدأ وأخص بالذكر بحث أ.د أحمد جاب الله عميد الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية بباريس، وكان تحت عنوان (انفتاح الخطاب الإسلامي ومتطلبات المرحلة المعاصرة) والذي أكد فيه على أهمية الخطاب الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية.
وذكرني بأستاذنا المرحوم د. ماهر عليش عندما حكى لنا وهو يدرس مادة العلاقات الإنسانية أنه ذهب إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الدكتوراه في مادة العلاقات الإنسانية التي لم يكن قد مضى على ولادتها أكثر من ثلاثين عاما، فذهب إلى المكتبة بالجامعة التي يدرس بها ظانا أنه سيجد فيها كتابين أو ثلاثة أو عشرة سينتهي من قراءتها ثم يحضر الدكتوراه ويعود إلى مصر خلال ستة أشهر، وسأل أمين المكتبة عن كتب العلاقات الإنسانية وطلب منه إحضارها مهما بلغت فاصطحبه إلى أحد أدوار المكتبة والذي يمثل دائرة كبيرة تسير حولها سيارة، وقال له : كل ما أمامك من كتب من الأرض إلى السقف بطول هذا الدول كله في العلاقات الإنسانية، لم يذكر لنا د. ماهر عليش هذه الرواية للتسلية، ولا لأن نفتح أفواهنا دهشا وتعجبا من العلم الذي لا يعرف النهاية، بل ذكرها ليربي فينا ملكة أساسية لشهوة المعرفة، وحب الاطلاع والبحث والتأليف، والمعرفة، رحم الله الأستاذ فقد كان مؤمنا بالله ورسوله عاشقا لمصر.
خصائص الخطاب الإسلامي المنفتح ومتطلبات تطويره المعاصر
ثم تكلم أ.د أحمد جاب الله عن تعدد طرائق الخطاب، وعن خصائص الخطاب الإسلامي، وذكر أنه خطاب يحقق البلاغ المبين، وفيه صفة الحكمة، وصفة الرفق ويراعي شخصية السامع، ويلتزم مبدأ الحرية ومبدأ الاعتدال، ويتجنب إثارة العداوة وردود العفل السلبية، ويلتزم التواضع ولا يضيق بالمعارضة والسؤال، وهو خطاب منفتح؛ لأنه يؤمن بواقع الاختلاف بين الناس، وحق الآخر في اعتقاده بصواب ما يعتقد ويقوم بواجب الشهادة على الناس، ويعلم أنه في عصر الإعلام المفتوح والعولمة وهذا الانفتاح يقتضي أن ينطلق الخطاب من القناعة لدى المتكلم والاستعداد لاستيعاب وتفهم حجة المخالف، والاستفادة من التواصل مع الآخر بمراجعة النفس وتصحيح الخطا وإبراز نقاط الالتقاء مع المخالف.
وخلص من هذا كله إلى وجوب التخصص والتعمق والبعد علن التعميم والسطحية، وغلى الجميع بين الأصالة والتجديد، إلى العناية بالبعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، وإلى التصدي بشجاعة للقضايا المثارة وتغليب المنطق العلمي القائم على الإقناع بدل الخطاب الإنشائي، والجمع بين المثالية والواقعية وإبراز الأبعاد التربوية والروحية والحضارية في الخطاب الإسلامي، وتجديد الخطاب الوعظي شكلا ومضمونا، وحسن الاستفادة من تقنيات الخطاب المعاصر ووسائلة، وأهم نقطة في ذلك كله إخضاع الخطاب الإسلامي إلى التقويم الدائم، وأكد فيه هذه النقطة الأخيرة أن وصف الخطاب الإسلامي لا يعني أنه فوق النقد المستمر الذي يؤدي إلى تحسين صياغته، وإعادة ترتيبه والعمل على تصحيح مساره إن حدث ثمة ما يشينه أو يجعله قاصرا أو مقصرا، وهي مسألة في غاية الأهمية غابت على كثير من المتصدرين للخطاب الإسلامي، بل والناقدين لهم حيث شعر الناقد نفسه وكأنه ضد الإسلام لما أن كان معترضا على صوغه وخطابه لأن (الحق في الفكرة لا يقتضي صوبا في صياغتها وحسن عرضها، بل قد تكون الفكرة غاية في القوة ومساء التعبير عنها صيغة وأسلوبا فتفقد قوتها) على تعبير الدكتور أحمد جاب الله في بحثه المذكور.
رحلة لندن وصورة الإسلام ومشكلة الجيل الثالث في الغرب
ثم ذهبت مع جماعة من العلماء والمفكرين إلى لندن في الفترة من 6-14 يونيو 2004 لمناقشة صورة الإسلام والمسلمين مع بعض المهتمين من أهل الفكر والعلم والسياسة والاجتماع، فازداد يقيني في وجوب إنشاء ذلك العلم الذي سيعالج تلك القضايا الخاصة المعقدة المركبة التي حيرت الغرب وجعلته مع موروثه الحضاري المصادم والمستعمر لبلاد المسلمين في غاية الاضطراب والتخبط في المعامة حتى مع مواطنيه.
وجدت مشكلة الجيل الثالث وما بعده الذي هاجر أجداده من شبه القارة الهندية وغيرها، وشارك في الثورة الصناعية وشارك أبناؤهم في الحروب التي خاضتها بريطانيا، وولد هذا المسلم لا يعرف وطنا سوى هذه الأرض؛ وإذ بالرغم من كل ما تعلمه ونشأ هذ النشأة يذهب لأعمال انتحارية هنا وهناك، والعقل الإنجليزي غير قادر على استيعاب هذه المعضلة، ويخرج له من يقول له : إن الإسلام في ذاته هو السبب؛ لأنه دين صدامي. ويقول برناردلويس : إن الإرهابيين يطبقون الإسلام، وليس أنهم قد انحرفوا عنه، وتبدأ الحيرة لدى غير المسلمين؛ لأنهم رأوهم معمرين سالمين وفجأة يخرج منهم هذا الصنف ويكون برنارد جاهزا بتفسيره هذا، بل إن بعض من أسماؤهم أسماء المسلمين في حيرة أيضا ينشرون هنا وهناك ما يدل على قيام شبه التناقض في أذهانهم.
دور علم الخطاب في توضيح مفاهيم الأمة والمرجعية وشروط الجهاد
إن علم الخطاب سوف يؤكد على مفاهيم كثيرة تفسر هذه الحالة على وجهها، وتجعلها حالة خلل وتبين وجه هذا الخلل من غير حاجة للحيرة، سيؤكد علم الخطاب على مفهوم الأمة، ولكنه سيؤكد أيضا على مفهوم المرجعية، وعلى مفهوم التخصص، وعلى الفرق بين علم الدين والتدين، وسيؤكد على مفهوم الشروط التي لا يصح العمل إلا بها، فالصلاة لا تجوز بغير وضوء، ولو صلى مائة ركعة، ولا لقبلة غير الكعبة، ولو صلى ألف ركعة، ولا قبل دخول الوقت المعتبر شرعا، وكذلك الجهاد لا يجوز إلا تحت راية، وعندما فقدت الراية فلا جهاد، وسيتحول إلى قتل بدل أن يكون قتالا، ولو ادعى صاحبه أنه في سبيل الله، ففقدان المرجعية والشروط هو سبب الظاهرة مع قيام مفهوم الأمة في ذهن ذلك الشاب، وهو مفهوم صحيح ولكن لم يصله مقيدا بشروط العمل من خلاله فاختل الميزان في يده وأفسد أكثر مما أصلح.
النصوص النبوية والقرآنية في ضبط الحماس وفهم مراحل الجهاد
النبي صلى الله عليه وسلم في مكة جاءه خباب يشكو إليه ويطلب النصرة، ويقول خباب بن الأرت رضي الله عنه : (قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا في روياة أحمد (فاحمر وجه وتغير لونه). فَقَالَ « قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [أخرجه البخاري].
وقد ثبت في السنة النبوية (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَاباً لَهُ أَتَوُا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً . فَقَالَ « إِنِّى أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلاَ تُقَاتِلُوا) [رواه النسائي].
وقال الله تعالى، وكأنه يخاطب أولئك الجهلة الذين أعماهم الحماس عن الطاعة لربهم :
(وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوَهُمْ أَن تَطَؤُوَهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ) [الفتح : 25]
والذي تحير في تناقضه بين نصوص الكتاب المؤكدة للجهاد، ونصوصه المؤكدة للتسامح والعفو والصفح وقبول الآخر لم يعرف شروط كل منهما، وانفكاك الجهة يجعل الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
نؤكد مرة أخرى على وجوب إقامة هذا العلم عسى أن نرى مؤلفاته خلال عشرين سنة قادمة وقد ملأت طابقا بحاله في مكتبة كبرى أو حُمّل على C.D حتى امتلأ به حمولة جهاز الكمبيوتر .. آمين.
ما شعورك تجاه هذا المقال؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا المقال؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
في أي عام وأين انعقد المؤتمر الذي أوصى بإنشاء علم الخطاب الإسلامي؟
الكويت 2004
ما الشرط الأساسي الذي يجعل الجهاد مشروعاً وفق علم الخطاب الإسلامي؟
وجود الراية والمرجعية الشرعية
ما الخاصية التي أكد عليها أ.د أحمد جاب الله باعتبارها الأهم في الخطاب الإسلامي؟
التقويم الدائم والنقد البنّاء
ما الدرس الذي أراد د. ماهر عليش إيصاله من قصة مكتبة العلاقات الإنسانية في أمريكا؟
تربية ملكة شهوة المعرفة وحب البحث
ما موقف النبي صلى الله عليه وسلم من طلب خباب بن الأرت النصرة في مكة؟
نهاه عن الاستعجال وأكد أن الأمر سيتم في وقته
ما الإشكالية الرئيسية التي رصدها الكاتب لدى الجيل الثالث من المسلمين في بريطانيا؟
انزلاق بعضهم نحو التطرف رغم نشأتهم الغربية الكاملة
ما رأي برنارد لويس في ظاهرة الإرهاب المنسوبة إلى المسلمين؟
أن الإرهابيين يطبقون الإسلام وليسوا منحرفين عنه
ما الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد في فهم نصوص الجهاد والتسامح؟
اختلاف التنوع يعني أن النصوص تتكامل بحسب شروطها وسياقاتها
ما الجامعة التي أشار الكاتب إلى أهمية إدراج علم الخطاب الإسلامي في مناهجها بشكل خاص؟
جامعة الأزهر
ما الذي يقتضيه الخطاب الإسلامي في عصر الإعلام المفتوح والعولمة وفق أ.د أحمد جاب الله؟
الانطلاق من القناعة واستيعاب حجة المخالف وإبراز نقاط الالتقاء
ما الحديث النبوي الذي يدل على أن النبي أمر بالعفو وعدم القتال في مرحلة الضعف بمكة؟
حديث عبد الرحمن بن عوف وأصحابه
ما الذي يعنيه الكاتب بقوله إن الحق في الفكرة لا يقتضي صواباً في صياغتها؟
أن الفكرة القوية قد تفقد قوتها بسبب سوء التعبير عنها وأسلوب عرضها
ما تعريف علم الخطاب الإسلامي كما اقترحه الكاتب؟
علم جديد يُعنى بتأصيل أسس التواصل الإسلامي مع العالم المعاصر، يستمد من علوم عدة ويعالج قضايا الهوية والحوار والتطرف في ظل العولمة.
لماذا وصف الكاتب العالم المعاصر بأنه أصبح قرية واحدة؟
لأن المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة جعلت الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي تتلاشى، وأصبح تأثير الدول بعضها ببعض أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله.
ما الآية القرآنية التي استند إليها الكاتب لتأكيد ضرورة التغيير الذاتي؟
آية سورة الرعد: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهي تؤكد أن التغيير الإيجابي مشروط بالسعي الذاتي والعمل الجاد.
ما عنوان بحث أ.د أحمد جاب الله في مؤتمر الكويت 2004؟
انفتاح الخطاب الإسلامي ومتطلبات المرحلة المعاصرة، وقد أكد فيه على أهمية الخطاب الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية.
ما الخصائص الأساسية للخطاب الإسلامي المنفتح؟
يحقق البلاغ المبين ويتسم بالحكمة والرفق ومراعاة شخصية السامع والالتزام بالحرية والاعتدال وتجنب إثارة العداوة والتواضع وقبول المعارضة والسؤال.
ما المقصود بالتقويم الدائم للخطاب الإسلامي؟
إخضاع الخطاب الإسلامي للنقد المستمر البنّاء الذي يؤدي إلى تحسين صياغته وإعادة ترتيبه وتصحيح مساره، دون أن يعني ذلك الوقوف ضد الإسلام.
ما الفرق بين علم الدين والتدين كما يؤكده علم الخطاب الإسلامي؟
علم الدين هو المعرفة المنهجية المتخصصة بأحكام الإسلام وأصوله، أما التدين فهو الممارسة الفردية التي قد تخلو من العلم الصحيح والشروط الشرعية.
لماذا يتحول الجهاد إلى قتل عند غياب الراية والمرجعية؟
لأن الجهاد كالصلاة مشروط بشروط لا يصح بدونها، فكما لا تصح الصلاة بغير وضوء لا يصح الجهاد بغير راية ومرجعية شرعية، وعند غيابها يصبح قتلاً لا قتالاً.
ما الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم تعليمه لخباب بن الأرت حين طلب النصرة؟
علّمه أن الاستعجال في القتال دون استيفاء الشروط خطأ، وأن من قبلهم صبروا على أشد المحن، وأن الأمر سيتم بإذن الله في وقته المناسب.
ما دلالة آية الفتح (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) في سياق الخطاب الإسلامي؟
تدل على أن الحماس الأعمى دون علم بالشروط قد يُلحق الضرر بالمؤمنين أنفسهم، وأن الله يأمر بالتثبت والتعقل قبل الإقدام على أي عمل.
كيف يفسر علم الخطاب الإسلامي التوافق بين نصوص الجهاد ونصوص التسامح؟
يوضح أن من لم يعرف شروط كل منهما يظنهما متناقضين، لكن انفكاك الجهة يجعل الاختلاف بينهما اختلاف تنوع لا تضاد، فلكل منهما سياقه وشروطه.
ما الهدف الذي تمنى الكاتب تحقيقه خلال عشرين سنة من إنشاء علم الخطاب الإسلامي؟
أن تمتلئ مكتبة كبرى بمؤلفات هذا العلم طابقاً بحاله، أو أن تُحمَّل على وسائط رقمية حتى تمتلئ بها، مما يدل على طموحه في بناء تراث علمي ضخم.
ما الذي كشفته رحلة لندن 2004 للكاتب حول صورة الإسلام في الغرب؟
كشفت أن العقل الغربي في غاية الاضطراب والتخبط في التعامل مع المسلمين حتى مواطنيه منهم، وأن ثمة من يستغل هذه الحيرة لتشويه الإسلام وربطه بالإرهاب.
ما الملكة الأساسية التي أراد د. ماهر عليش تربيتها في طلابه من خلال قصة مكتبة العلاقات الإنسانية؟
ملكة شهوة المعرفة وحب الاطلاع والبحث والتأليف، وهي الملكة التي يحتاجها المسلمون لبناء علومهم وتطوير خطابهم الحضاري.