ما هي المعاهدات السلمية التي عقدها المسلمون مع غير المسلمين وكيف أسست لقانون دولي إسلامي عادل؟
عرف الإسلام المعاهدات السلمية منذ فجر الدولة الإسلامية، إذ عقد النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقيات مع المشركين واليهود والنصارى داخل الجزيرة العربية وخارجها. واستمر الخلفاء من بعده في عقد معاهدات مع دول كالنوبة وقبرص وبيزنطة وأوروبا، بعضها استمر ستة قرون. ويقوم هذا النظام على مبدأ الوفاء بالعهود الذي رفعه الإسلام إلى مستوى القداسة، مما أسس لقانون دولي إسلامي يكفل السلم والأمن لجميع الأطراف أقوياء وضعفاء.

- •
هل يمكن للدولة الإسلامية أن تعقد معاهدات سلمية مع غير المسلمين دون اشتراط الجزية؟ نعم، وقد حدث ذلك في معاهدات عديدة منذ عهد النبي.
- •
كانت معاهدة الحديبية عام 6 هـ النموذج الأول للمعاهدات السلمية، وأرست مبدأ الأمن المتبادل بين المسلمين ومشركي مكة.
- •
عقد النبي اتفاقيات مع نصارى نجران ويهود المدينة وقبائل عربية، بعضها كان معاهدات صداقة لا تتضمن جزية بل تكفل الحكم الذاتي.
- •
استمرت معاهدة النوبة المبرمة في عهد عثمان ستة قرون كاملة، مما يدل على أن السلام الدائم مع غير المسلمين مشروع ومعمول به تاريخياً.
- •
في العصر العباسي وصلت العلاقات الدولية إلى عقد أحلاف سياسية وعسكرية مع أباطرة أوروبا المسيحيين كشارلمان وهارون الرشيد.
- •
يقوم القانون الدولي الإسلامي على قدسية الوفاء بالعهود، إذ اعتبره الإسلام فريضة دينية تسري على الأقوياء والضعفاء على حد سواء.
- 1
معاهدة الحديبية عام 6 هـ بين النبي وقريش أرست الأمن والسلام المتبادل وصارت نموذجاً للمعاهدات السلمية الإسلامية مع غير المسلمين.
- 2
عقد النبي معاهدات مع نصارى نجران ويهود المدينة وقبائل أخرى، بعضها بلا جزية، وكفلت الحكم الذاتي وتنظيم العلاقات داخل الدولة الإسلامية.
- 3
معاهدات بني ضمرة وبني غفار ومعاهدة المدينة مع اليهود قامت على التناصر وعدم الاعتداء دون جزية، مرسخةً الأمن والسلام المتبادل.
- 4
قامت العلاقة مع الحبشة على السلام المتبادل دون معاهدة مكتوبة، فامتنع المسلمون عن مهاجمتها وفاءً لحديث نبوي واعترافاً بجميلها على الصحابة.
- 5
معاهدة النوبة في عهد عثمان استمرت ستة قرون بلا جزية، وتُعد أبرز دليل على مشروعية السلام الدائم بين المسلمين وغير المسلمين.
- 6
أهل قبرص دفعوا خراجاً للمسلمين دون أن يكونوا أهل ذمة، وأبقى الفقهاء على معاهدتهم رغم نقضهم العهد مرتين لمصلحة قدرها المسلمون.
- 7
معاهدة الجراجمة في عهد عمر أعفتهم من الجزية مقابل خدمتهم العسكرية والاستخباراتية للمسلمين على الحدود البيزنطية.
- 8
دفع معاوية مقابلاً مالياً للجراجمة لتفادي خطرهم، وبعد هزيمته البحرية صالح بيزنطة بدفع جزية سنوية، مثبتاً قبول الصلح في أوقات الضعف.
- 9
في العصر العباسي بلغت العلاقات الإسلامية الأوروبية ذروتها بأحلاف سياسية وعسكرية مع شارلمان وهارون الرشيد وتبادل سفارات مع بيزنطة وروما.
- 10
أسس القرآن الكريم لمبدأ الوفاء بالعهود في آيات متعددة، جاعلاً إياه ركيزة القانون الدولي الإسلامي وسبباً للقوة والثقة الدولية.
- 11
أكد النبي تحريم الغدر في العلاقات الدولية وأن غدر الحكام أعظم الغدر، وأمر بالوفاء بالعهود حتى مع من يُشك في نيتهم.
- 12
قدسية المعاهدات في الإسلام أسست لقانون دولي عادل يكفل السلم والأمن للجميع، ويبني الثقة الدولية بالوفاء مع الأقوياء والضعفاء سواء.
ما هي معاهدة الحديبية وما أهميتها في تاريخ المعاهدات الإسلامية؟
معاهدة الحديبية هي الاتفاقية التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة عام 6 هـ، وتضمنت ضماناً متبادلاً بعدم مهاجمة أي طرف للآخر. رسخت الأمن والسلام بعد سنوات من الصراع المسلح في الجزيرة العربية. وقد اعتُبرت قدوة ومثالاً للخلفاء والفقهاء في عقد الاتفاقيات وإجراء المفاوضات مع غير المسلمين.
ما طبيعة المعاهدات التي عقدها النبي مع اليهود والنصارى وهل كانت تشترط الجزية؟
عقد النبي معاهدات مع نصارى نجران ويهود فدك وأيلة وتيماء وبني صخر، وكانت تكفل لهم حكماً إدارياً ذاتياً واستقلالاً عن دولة المدينة مع استمرار تطبيق قوانينهم. ولم تكن الجزية إلزامية في كل هذه الاتفاقيات، فمعاهدة المدينة مع اليهود لم تتضمن جزية بل كانت معاهدة صداقة تنظم العلاقة والصلاحيات. وهذا يدل على مرونة السياسة الخارجية الإسلامية في التعامل مع غير المسلمين.
ما شروط معاهدة المدينة مع اليهود ومعاهدات بني ضمرة وبني غفار؟
معاهدة المدينة مع اليهود لم تتضمن جزية ولم يسبقها عداء، وكانت تهدف إلى ترسيخ الأمن والسلام المشترك. أما معاهدة بني ضمرة فاقتصرت على نصرة الطرفين أحدهما للآخر وعدم المهاجمة دون اشتراط جزية. وعُقدت معاهدة مماثلة بالشروط ذاتها مع بني غفار.
كيف كانت العلاقات السلمية بين المسلمين والحبشة ولماذا لم يهاجمها المسلمون؟
استمرت العلاقات السلمية مع الحبشة قروناً دون معاهدة مكتوبة، إذ هاجر إليها نحو 80 صحابياً هرباً من تعذيب قريش فأمضوا فيها سنوات. اعتبر المسلمون الحبشة مصونة عن الجهاد والفتوحات استجابةً لحديث نبوي مضمونه: لا تهاجموا الحبشة ما دامت لم تهاجمكم. من جهتها اعتمدت الحبشة سياسة سلمية ولم تفكر في مهاجمة الدولة الإسلامية رغم خبرتها العسكرية التاريخية في المنطقة.
ما معاهدة النوبة وكم استمرت وما دلالتها على مشروعية السلام مع غير المسلمين؟
عقد عبدالله بن سعد بن أبي سرح في عهد الخليفة عثمان معاهدة سلمية مع أهل النوبة بعد معركة طاحنة، تضمنت إقرار السلم على هدية سنوية متبادلة دون جزية. بقيت هذه المعاهدة سارية المفعول يحترمها الطرفان مدة 600 عام حتى وصول الحكم الفاطمي. واستمرارها رغم تنامي قوة المسلمين دليل على اعتقادهم بمشروعية السلام الدائم مع غير المسلمين دون اشتراط الجزية.
ما وضع أهل قبرص في المعاهدة الإسلامية وهل اعتُبروا من أهل الذمة؟
عقد المسلمون معاهدة سلمية مع سكان قبرص عام 28 هـ، فكانوا يؤدون خراجاً سنوياً دون أن يُعتبروا من أهل الذمة. حين نقضوا العهد بمساعدة الروم غزاهم معاوية ثم أقرهم على الشروط السابقة. وحين ثار بعضهم لاحقاً أشار أكثر الفقهاء ومنهم الإمام مالك بالإبقاء على العهد، مؤكدين أن أهل قبرص ليسوا أهل ذمة رغم دفعهم الخراج.
من هم الجراجمة وما شروط معاهدتهم مع المسلمين في عهد عمر بن الخطاب؟
الجراجمة قوم غير مسلمين كانوا يسكنون جبل اللكام على الحدود بين بيزنطة والدولة الإسلامية، يعيشون شبه مستقلين. نصت معاهدتهم مع المسلمين في عهد عمر على أن يكونوا أعواناً وعيوناً ودوريات عسكرية للمسلمين، مع إعفائهم من الجزية. وفي المقابل يُعطون غنائم من يقتلون من أعداء المسلمين حين يشاركون في المعارك.
كيف تعامل معاوية مع خطر الجراجمة وما ظروف صلحه مع بيزنطة؟
كان الجراجمة يمثلون خطراً جدياً دفع معاوية إلى دفع مقابل مالي لهم لتفادي شرهم. وفي عام 59 هـ خسر معاوية معركة بحرية مع الروم البيزنطيين، فاضطر للتصالح معهم ودفع 3 آلاف قطعة ذهبية سنوياً مع خمسين عبداً وخمسين جواداً. وهذا يدل على أن المسلمين كانوا يقبلون الصلح حتى في أوضاع الضعف العسكري.
كيف كانت العلاقات الدولية للمسلمين مع أوروبا في العصر العباسي وما أبرز تحالفاتهم؟
في العصر العباسي عقد المسلمون معاهدات سلمية مع بيزنطة وفرنسا وروما، وشهدت عواصم تلك الإمبراطوريات حضوراً متواصلاً للسفراء المسلمين. وصلت العلاقات أحياناً إلى عقد أحلاف سياسية وعسكرية مع الأباطرة المسيحيين، ففي عام 197 هـ وقع الخليفة الأموي في إسبانيا اتفاقية مع شارلمان ملك فرنسا. وكان لشارلمان علاقات وثيقة مع هارون الرشيد مما يعكس عمق التبادل الدبلوماسي الإسلامي الأوروبي.
ما الآيات القرآنية التي تحث على الوفاء بالعهود في العلاقات الدولية الإسلامية؟
أكد القرآن الكريم وجوب الوفاء بالعهود في آيات متعددة، منها: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ، ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وفَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ. واعتبر الإسلام الوفاء بالعهد من أسباب القوة لأنه يبني الثقة في العلاقات الدولية. وهذه الآيات تشكل الأساس الديني للقانون الدولي الإسلامي.
ما الأحاديث النبوية التي تحث على الوفاء بالعهود وتحرم الغدر في العلاقات الدولية؟
حث النبي صلى الله عليه وسلم على الوفاء بالعهود بقوله: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له. وحين أُخبر بنية المشركين الغدر به أمر بالوفاء لهم قائلاً: وفوا لهم ونستعين بالله عليهم. واعتبر أعظم الغدر غدر الحكام، إذ قال: لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة.
كيف أسهمت قدسية المعاهدات في الإسلام في تحقيق السلم والأمن الدوليين؟
رفع الإسلام العهد إلى مستوى القداسة، معتبراً الوفاء به قوة والنكث فيه ضعفاً، مما أسس لقانون دولي إسلامي راسخ مبني على الوجدان الديني. وكان هذا الوفاء يسري على الأقوياء والضعفاء على السواء دون تمييز. وقد أسهمت قاعدة حرمة المعاهدات وقدسيتها في استقرار السلم والأمن الدوليين وتأصيل روح الثقة في التعامل السياسي مع الدولة الإسلامية.
المعاهدات السلمية في الإسلام منظومة راسخة تقوم على قدسية الوفاء بالعهود وتكفل السلم الدولي للجميع.
المعاهدات السلمية في الإسلام ليست استثناءً طارئاً بل أصل راسخ منذ تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة. فقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقيات مع المشركين في الحديبية، ومع اليهود في المدينة، ومع نصارى نجران وقبائل عربية متعددة، وكثير منها لم يتضمن جزية بل كان معاهدات صداقة وتعاون متبادل.
واستمر هذا النهج في عهد الخلفاء، فعقدت معاهدة النوبة التي دامت ستة قرون، ومعاهدة قبرص التي أبقى عليها الفقهاء رغم نقض أهلها للعهد، وبلغت العلاقات الدولية في العصر العباسي حد الأحلاف العسكرية مع أباطرة أوروبا. ويستند هذا كله إلى مبدأ قرآني وحديثي صريح: الوفاء بالعهد فريضة دينية لا تسقط بتغير موازين القوى، وغدر الحكام أعظم الغدر عند الله.
أبرز ما تستفيد منه
- معاهدة الحديبية هي النموذج الأول للمعاهدات السلمية في الإسلام.
- الجزية ليست شرطاً لازماً في كل معاهدة مع غير المسلمين.
- معاهدة النوبة استمرت ستة قرون دليلاً على مشروعية السلام الدائم.
- الوفاء بالعهود فريضة إسلامية تسري على الأقوياء والضعفاء سواء.
بدايات المعاهدات السلمية في الدولة الإسلامية ومعاهدة الحديبية
عرف الإسلام المعاهدات السلمية في السنوات الأولى من تأسيس الدولة الإسلامية الجديدة في المدينة ، إذ عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقيات سلمية مع الجماعات غير الإسلامية. وقد اعتبرت معاهدة الحديبية قدوة ومثالاً لدى الخلفاء والفقهاء عند عقد الاتفاقيات ، وإجراء المفاوضات ، ومدة المعاهدات السلمية مع غير المسلمين .
عقدت معاهدة الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي مكة ، قريش ، في عام (6 هـ /627 م) ، وكانت مواد المعاهدة تتضمن ضماناً من كلا الطرفين بعدم مهاجمة الطرف الآخر . فرسخت الأمن والسلام الذي كان الطرفان بحاجة إليه ، بعد أن شهدت الجزيرة العربية صراعاً عنيفاً وحروباً ومعارك ضارية بين المسلمين والمشركين .
معاهدات النبي مع اليهود والنصارى داخل الجزيرة وخارجها
وكان الرسول قد عقد معاهدات أخرى مع اليهود والمسيحيين ، سواء المقيمين داخل الجزيرة العربية أو خارجها ، وخارج حدود دولة المدينة . فقد عقد اتفاقية سلمية مع نصارى نجران عام (10 هـ/ 631م) ، ومع يهود فدك وأيْلة وتيماء (1) ، ومع بني صخر من كنانة(2) .
وكانت تلك الاتفاقيات تضمن لهم حكماً إدارياً ذاتياً واستقلالا عن دولة المدينة . لقد كان بإمكانهم الاستمرار بتطبيق قوانينهم على أراضيهم . ولم تكن الجزية إلزامية في كل الاتفاقيات والمعاهدات مع أهل الكتاب ، ففي معاهدة المدينة بين الرسول ويهود المدينة وأطرافها ، وهي أول معاهدة سلمية للدولة الإسلامية ، لم تتضمن دفع جزية ، بل يمكن اعتبارها «معاهدة صداقة» ، وبروتوكولاً ينظم العلاقة والصلاحيات والامتيازات الممنوحة لليهود داخل الدولة الإسلامية .
معاهدة المدينة وترسيخ الأمن ومعاهدات بني ضمرة وبني غفار
وكان من شأنها ترسيخ الأمن والسلام ، إذ لم يسبقها عداء أو حرب مع اليهود ، لولا نكث اليهود لها فيما بعد (3).
كما أن المعاهدة التي عقدها الرسول مع بني ضمرة، لم تتضمن دفع جزية ، بل اقتصرت على نصرة الطرفين أحدهما للآخر ، وعدم مهاجمته(4)، وعقدت نفس المعاهدة مع بني غِفار ، وبالشروط نفسها(5).
العلاقات السلمية مع الحبشة وهجرة الصحابة وموقف الطرفين
أما العلاقات السلمية مع الحبشة ، الدولة المسيحية ، فقد استمرت قروناً دون معاهدة مكتوبة . ففي العهد المبكر للإسلام ، هاجر إلى الحبشة حوالي 80 صحابياً هرباً من تعذيب قريش لهم، وبحثاً عن ملجأ آمن ، حيث أمضوا هناك سنوات . فكان موقف المسلمين هو الشكر والعرفان بالجميل ، حتى إنهم اعتبروا الحبشة مصونة عن الجهاد والفتوحات العسكرية ، فلم يتعرضوا لها ، حتى في أوج قوة الدولة الإسلامية في العصر العباسي، ويعود ذلك إلى موقف الطرفين السلمي ، ففي حين امتنع المسلمون عن مهاجمة الحبشة استجابة لحديث ينسب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مضمونه :
" لا تهاجموا الحبشة ما دامت لم تهاجمكم ".
من ناحية أخرى ، اعتمدت الحبشة سياسة سلمية ، فلم تفكر بمهاجمة الدولة الإسلامية ، رغم أنها لديها خبرة في ذلك ، إذ كانت تحتل اليمن لقرون طويلة قبل الإسلام ، وأسست فيها حكومة حبشية مسيحية . وحاول أبرهة الحبشي مهاجمة مكة عام 570 م، سعياً لهدم الكعبة المقدسة . وبقيت تلك الحادثة التاريخية ماثلة في أذهان العرب، حتى سمي ذلك العام بعام الفيل.
معاهدة النوبة في عهد عثمان واستمرارها ستة قرون
وقد عقد الخلفاء المسلمون بعد النبي معاهدات سلمية رغم أن القوة التي كان يتمتع بها المسلمون وقتها تسمح لهم باستمرار القتال . فقد عقد حاكم مصر ، عبدالله بن سعد بن أبى سرح ، في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، معاهدة سلمية مع أهل النوبة (السودان) تضمنت إقرار السلم بعد معركة طاحنة «فسألوه الصلح والموادعة ، فأجابهم إلى ذلك على غير جزية ، لكن على هدية ثلاثمائة رأس في كل سنة ، وعلى أن يهدي المسلمون إليهم طعاماً بقدر ذلك(6).
وبقيت تلك المعاهدة سارية المفعول ، يحترمها الطرفان ، لمدة 600 عام ، حتى وصول الحكم الفاطمي في مصر (969 ـ 1172 م). فإذا كان سبب قبولها عجز المسلمين عن فتح بلاد النوبة ، فإن استمرارها رغم وصول المسلمين إلى درجة القوة أكبر دليل على اعتقادهم بمشروعيتها ، وعلى أن السلام يمكن أن يقع بين المسلمين والكافرين بدون اشتراط الجزية، إذا التزم الكافرون بعدم الإعانة ضد المسلمين وبعدم التعرض للدعوة الإسلامية(7).
معاهدة قبرص والخراج وعدم اعتبارهم أهل ذمة
وفي عام (28 هـ/ 648 م) عقد المسلمون معاهدة سلمية مع سكان جزيرة قبرص ، والذين لم يدفعوا الجزية ، ولم يعتبروا من أهل الذمة . فكانوا يؤدون خراجاً قدره 7200 دينار سنوياً ، ثم نقضوا العهد لمساعدتهم الروم ضد المسلمين ، فغزاهم معاوية عام (33 هـ/ 654 م) ففتح الجزيرة وأقرهم على الشروط السابقة . ولما تولى عبد الملك بن صالح ولاية قبرص ، قام بعض أهلها بالثورة عليه ، فاستشار عبد الملك الفقهاء في شأن إلغاء معاهدتهم لنكثهم العهد ، فأشار عليه أكثر الفقهاء ـ ومنهم الإمام مالك ـ بالإبقاء على العهد والكف عنهم . وعلل موسى بن عيين ذلك بأن أهل قبرص ليسوا أهل ذمة رغم أنهم كانوا يدفعون خراجاً إلى المسلمين . وهكذا بقيت قبرص على شروط الصلح رغم نقضها العهد ، ولم يلتزم أهلها بعقد الذمة وبدفع الجزية لمصلحة قدرها المسلمون (8).
معاهدة الجراجمة على الحدود البيزنطية وشروطها الخاصة
وفي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، عقد المسلمون معاهدة صلح مع الجراجمة ، وهم قوم غير مسلمين ، كانوا يسكنون جبل اللكام على الحدود بين بيزنطة والدولة الإسلامية . وكانوا يعيشون شبه مستقلين ، مع استعداد مسبق لخدمة الإمبراطورية البيزنطية . وقد نصت الاتفاقية المعقودة معهم «على أن يكونوا أعواناً للمسلمين ، وعيوناً (جواسيس) ومسالح (دوريات عسكرية) في جبل اللكام . وأن لا يؤخذوا بالجزية (لا يدفعوا الجزية) ، وأن ينفلوا (يُعطوا) أسلاب (غنائم) من يقتلون من عدو المسلمين ، إذا حضروا معهم حرباً في مغازيهم»(9).
خطر الجراجمة وصلح معاوية مع بيزنطة بعد الهزيمة البحرية
لقد كان الجراجمة يمثلون **خطراً جدياً** دفع الخليفة الأموي الأول معاوية إلى دفع مقابل لهم لتفادي شرهم(10).وفي سنة (59 هـ/ 679 م) ، خسر معاوية معركة بحرية مع الروم البيزنطيين ، اضطر بعدها للتصالح مع بيزنطة، ودفع مبلغ 3 آلاف قطعة ذهبية سنوياً مع خمسين عبداً وخمسين جواداً(11).
المعاهدات في العصر العباسي والعلاقات مع أوروبا وشارلمان
وفي العصر العباسي عقد المسلمون العديد من المعاهدات السلمية مع الدول المسيحية مثل بيزنطة وفرنسا وروما. وكانت عواصم تلك الإمبراطوريات تشهد حضوراً متواصلاً للمبعوثين والسفراء المسلمين ، كما استقبلت الحواضر الإسلامية كقرطبة والقاهرة وبغداد سفارات مسيحية مماثلة . وقد وصلت العلاقات السلمية مع أوروبا ، أحياناً ، إلى درجة عقد أحلاف سياسية ـ عسكرية مع الأباطرة المسيحيين . ففي عام 197هـ/ 812م ، وقع الخليفة الأموي في إسبانيا ، الحاكم ، اتفاقية مع شارلمان ملك فرنسا . وكان للأخير علاقات وثيقة مع هارون الرشيد.
الوفاء بالعهود كسبب لنجاح العلاقات الدولية في الإسلام
وأحد أهم أسباب نجاح المسلمين في علاقتهم الدولية هو الوفاء بالعهود؛ شدد الإسلام على وجوب الوفاء بالعهد، وعده من أسباب القوة لأنه من أسباب الثقة وقوة التعارف، قال الله تعالى:
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾(12).
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾(13). ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ﴾(14). ﴿ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ (15).
﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾(16).
﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ ﴾(17). ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾(18).
الأحاديث النبوية في الحث على الوفاء بالعهود وتحريم الغدر
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الوفاء بالعهود عامة، وعلى الوفاء بالعهود التي يعقدها رؤساء الأمم في تنظيم العلاقات الدولية خاصة، قال عليه السلام :
" لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"(19).
وقد كان بينه وبين المشركين عهد، فوفى به، فذكر له بعض المسلمين أنهم على نية الغدر به، فقال عليه السلام :
"وفوا لهم، ونستعين بالله عليهم" ،
وكان ينهى عن الغدر بمقدار حثه على الوفاء، وكان يعتبر أعظم الغدر غدر الحكام، يقول عليه الصلاة والسلام:
"لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة"(20).
قدسية العهد في الإسلام وأثرها على السلم والأمن الدوليين
وإذا كانت المعاهدات لا تستمد قوتها من نصوصها، بل من عزيمة عاقديها على الوفاء، فإن الإسلام حث على الوفاء، واعتبر الوفاء بالعهد والميثاق قوة، والنكث فيه أخذاً في أسباب الضعف.
وهكذا يكون الإسلام قد وثق أصول القانون الدولي العام الإسلامي أحكم توثيق، وبناها على الوجدان الديني للدولة الإسلامية؛ حيث لا يكون الوفاء للأقوياء، فقط، بل يكون هذا الوفاء للأقوياء والضعفاء على السواء.
ولا نعلم ديناً ولا تشريعاً، قد رفع من شأن «العهد» إلى هذا المستوى من القداسة، وقد كان لقاعدة «حرمة المعاهدات وقدسيتها في السلم والحرب» أثرها في العمل على استقرار السلم والأمن الدوليين، من جهة، وعلى تأصيل روح الثقة فيمن يتعامل سياسياً مع الدولة الإسلامية، على الصعيد الدولي من جهة أخرى، مما يعتبر بحق من أهم خصائص سياسة الإسلام الخارجية العادلة.
ما شعورك تجاه هذا المقال؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا المقال؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
في أي عام عُقدت معاهدة الحديبية بين النبي ومشركي مكة؟
6 هـ
ما الذي ميّز معاهدة المدينة بين النبي ويهود المدينة عن غيرها من المعاهدات؟
كونها معاهدة صداقة لا تتضمن جزية
كم استمرت معاهدة النوبة المبرمة في عهد الخليفة عثمان بن عفان؟
ستمائة عام
لماذا امتنع المسلمون عن مهاجمة الحبشة حتى في أوج قوة الدولة الإسلامية؟
استجابةً لحديث نبوي ولموقف الحبشة السلمي
ما الشرط الذي قبله المسلمون من أهل النوبة بدلاً من الجزية في معاهدتهم؟
هدية سنوية متبادلة من الطرفين
ما موقف الإمام مالك من معاهدة قبرص بعد نقض أهلها للعهد؟
أشار بالإبقاء على العهد والكف عنهم
ما الميزة التي حصل عليها الجراجمة في معاهدتهم مع المسلمين مقابل خدمتهم العسكرية؟
الإعفاء من الجزية وأخذ غنائم من يقتلون
ماذا دفع معاوية لبيزنطة بعد هزيمته البحرية عام 59 هـ؟
ثلاثة آلاف قطعة ذهبية مع خمسين عبداً وخمسين جواداً
مع من وقّع الخليفة الأموي في إسبانيا اتفاقية عام 197 هـ؟
شارلمان ملك فرنسا
ما الحديث النبوي الذي يُعبّر عن أعلى درجات الغدر المحرّم؟
لكل غادر لواء يوم القيامة ولا غادر أعظم من أمير عامة
على ماذا نصت معاهدة بني ضمرة مع النبي؟
نصرة الطرفين أحدهما للآخر وعدم المهاجمة
ما الذي يعنيه الإسلام بجعل الوفاء بالعهد من أسباب القوة؟
أنه يبني الثقة ويقوي التعارف الدولي
ما أول معاهدة سلمية في تاريخ الدولة الإسلامية؟
معاهدة المدينة بين النبي ويهود المدينة، وهي معاهدة صداقة لم تتضمن جزية بل نظّمت العلاقة والصلاحيات والامتيازات الممنوحة لليهود داخل الدولة الإسلامية.
لماذا اعتُبرت معاهدة الحديبية نموذجاً للخلفاء والفقهاء؟
لأنها أرست مبدأ الأمن المتبادل وأثبتت إمكانية التعايش السلمي مع غير المسلمين، فصارت مرجعاً في عقد الاتفاقيات وإجراء المفاوضات وتحديد مدة المعاهدات.
ما الفرق بين أهل الذمة وأهل العهد في السياسة الخارجية الإسلامية؟
أهل الذمة يعيشون داخل الدولة الإسلامية ويدفعون الجزية مقابل الحماية، أما أهل العهد كأهل قبرص فيمكنهم دفع خراج دون أن يُعتبروا أهل ذمة ودون الالتزام بشروط الذمة الكاملة.
ما الحديث النبوي الذي يربط الإيمان بالأمانة والعهد؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له، مما يجعل الوفاء بالعهود شرطاً من شروط الإيمان الصحيح.
ما الذي يدل على أن السلام مع غير المسلمين مشروع حتى دون اشتراط الجزية؟
معاهدة النوبة التي استمرت ستة قرون بلا جزية، ومعاهدات بني ضمرة وبني غفار، ومعاهدة المدينة مع اليهود، كلها أمثلة تاريخية على مشروعية السلام دون جزية.
كم عدد الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة وما سبب هجرتهم؟
هاجر إلى الحبشة حوالي 80 صحابياً هرباً من تعذيب قريش لهم، بحثاً عن ملجأ آمن في ظل الدولة المسيحية التي أمضوا فيها سنوات.
ما الحادثة التاريخية التي جعلت العرب يسمون عام 570 م بعام الفيل؟
محاولة أبرهة الحبشي مهاجمة مكة سعياً لهدم الكعبة المقدسة عام 570 م، وبقيت تلك الحادثة ماثلة في أذهان العرب حتى سُمي ذلك العام بعام الفيل.
ما الشرط الذي يجعل السلام مع الكافرين مشروعاً وفق معاهدة النوبة؟
أن يلتزم الكافرون بعدم الإعانة ضد المسلمين وبعدم التعرض للدعوة الإسلامية، وهو ما أكده استمرار معاهدة النوبة ستة قرون.
ما طبيعة العلاقة بين هارون الرشيد وشارلمان؟
كانت علاقات وثيقة بين الخليفة العباسي هارون الرشيد وشارلمان ملك فرنسا، وتجلّت في تبادل السفارات والهدايا وعقد الاتفاقيات السياسية.
ما الآية القرآنية التي تأمر بإتمام العهد حتى مدته المحددة؟
قوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، وهي تؤكد وجوب الوفاء بالعهد حتى انتهاء مدته المتفق عليها.
ما الذي يميز القانون الدولي الإسلامي عن غيره في مسألة الوفاء بالعهود؟
أن الوفاء بالعهود في الإسلام مبني على الوجدان الديني لا على موازين القوى، فيسري على الأقوياء والضعفاء على السواء، ولا يُعرف دين آخر رفع العهد إلى هذا المستوى من القداسة.
ما الخراج الذي كان يدفعه أهل قبرص للمسلمين؟
كان أهل قبرص يؤدون خراجاً قدره 7200 دينار سنوياً، وكانوا يُعاملون بموجب معاهدة خاصة لا بوصفهم أهل ذمة.
ما الدور الذي أدّاه الجراجمة للمسلمين بموجب معاهدتهم؟
كانوا يعملون أعواناً وعيوناً ودوريات عسكرية للمسلمين في جبل اللكام على الحدود البيزنطية، مقابل إعفائهم من الجزية وحصولهم على غنائم من يقتلون من أعداء المسلمين.