اكتمل ✓

لماذا يعلو القرآن على الأكوان وكيف يؤثر في القلوب ويكشف أسرار النفس الإنسانية؟

القرآن كلام الله الذي يعلو على الحروف والأصوات وعلى الأكوان جميعها، لأن عقول البشر لن تبلغ منتهاه ولن تصل إلى سر تأثيره. وقد أعجز الخلائق في لفظه ومعناه، وغاص في خبايا النفس الإنسانية فكشف حقيقتها وخصائصها. من سمعه خرّ ساجداً باكياً، ومن آمن به اطمأنت قلبه بالذكر وصار القرآن موردَه ومصدره.

لماذا يعلو القرآن على الأكوان وكيف يؤثر في القلوب ويكشف أسرار النفس الإنسانية؟
لماذا يعلو القرآن على الأكوان وكيف يؤثر في القلوب ويكشف أسرار النفس الإنسانية؟
3 دقائق قراءة
  • هل تساءلت يوماً لماذا يشعر الإنسان بالسعادة عند الطاعة والشقاء عند المعصية، وكيف يفسر القرآن هذه الحقيقة الفطرية؟

  • جاء رسول الله خاتماً للمرسلين وترك الأمة على المحجة البيضاء التي تتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة.

  • القرآن فوق الحروف والأصوات والأكوان، وعقول البشر لن تبلغ منتهاه ولن تصل إلى سر تأثيره العميق في القلوب.

  • الحروف المقطعة في أوائل السور تُجمع في جملة وصفية هي: نص حكيم قاطع له سر، وهي تعبير دقيق عن طبيعة القرآن.

  • الخاسرون في الدنيا تغلب عليهم ثلاث أمارات: الانشغال بالأكل دون حلال أو حرام، والانغماس في المتعة الدنيوية، وطول الأمل الكاذب.

  • القرآن ميراث النبوة الباقي في هذه الأمة، وورثة الأنبياء هم العلماء الذين اطمأنت قلوبهم بذكر الله.

رسالة النبي الخاتم والمحجة البيضاء وموافقة الفطرة الإنسانية

القرآن فوق الأكوان

جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما للمرسلين‏,‏ وداعيا العالمين إلى ربهم‏,‏ وإلى يوم الدين‏,‏ فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك‏,‏ ورسالته تتوافق مع الفطرة الإنسانية.

فيسعد الإنسان عند الطاعة ويشقى عند المعصية‏,‏ حقا إنه يلهو بما يشتهيه وبالأضواء اللافتة‏,‏ لكنه يعود بعد ذلك إلى نفسه اللوامة‏,‏ والله تعالى بين لنا في صدر ‏(سورة الحجر‏)‏ هذه الحقيقة‏,‏ وبين لنا هذا التداخل بين المعصية والطاعة الذي قد يحدث في قلوب بعض الناس في الدنيا‏.‏

علو القرآن على الحروف والأصوات وتأثيره في القلوب

تفتتح السورة بحروف مقطعة‏,‏ تثبت أن القرآن فوق الحروف وفوق الأصوات‏, وأن عقول البشر لن تبلغ منتهاه‏,‏ ولن تصل إلى سر تأثيره دون ما سواه‏,‏ فالقرآن كلام الرحمن‏,‏ لا يستطيعه الثقلان‏, والقرآن فوق الأكوان‏,‏ يعلو ولا يعلى عليه‏,‏ فهو غالب لا مغلوب‏,‏ لله كم لجلاله وجماله خشعت عقول! ‏ولكم لانت لذكره وتذكرته من قلوب! سمعه أقوام فخروا للأذقان سجدا يبكون‏,‏ وعندما عرفوا ما فيه من الحق فاضت له العيون‏.‏

إعجاز القرآن في لفظه ومعناه وتفاوت الفهم بين الناس

إنه كلام الله‏,‏ حمل من الأسرار ما فوق ظاهرة من الحروف‏,و ما فوق تلاوته بالأصوات‏,‏ وكله حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ فأعجز الخلائق في لفظه وخطه ومبناه‏,‏ كما أعجزهم في معناه ومرماه‏,‏ نزل به الروح الأمين‏,‏ على قلب سيد الأولين والآخرين‏,‏ ما أثقله! لولا أن الله سبحانه يسره بلسانه ليكون من المنذرين‏,‏ وليكون ذكرا للعالمين‏,‏ ولا يزال الله عز وجل يمنح عباده من أنوار الفهم عنه فيه بقدر معلوم‏,‏ ورزق من لدنه مقسوم‏,‏ فتفاوت الناس بقدر تحمله شرفا‏,‏ وتفاضلوا بحسب علمه قدرا‏,‏ وتساموا بقدر فهمه مراقي ودرجا‏,‏ وأما الراسخون في العلم -وقالوا آمنا به كل من عند ربنا- فلا تسأل عن مكانتهم عند مليكهم تصديقا وصدقا‏; إنه بحق ميراث النبوة قائما باقيا في هذه الأمة الغراء‏,‏ وهل ورثة الأنبياء إلا العلماء! هجره أقوام وما لهم من ناصرين‏,‏ أما الصالحون فكان موردهم ومصدرهم‏,‏ وما اتخذوا من دون الله وليا ولا نصيرا‏,‏ بل اطمأنت بالذكر قلوبهم لما ساروا على بصيرة بفضل أنوار المنزل عليه صلى الله عليه وسلم في قوله الله تعالى‏:

ولاية الله للصالحين وشرح الحروف المقطعة ومعنى نص حكيم قاطع له سر

(إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف:196].

يقول الله تعالى‏: (الر) [الحجر:1] والحروف المقطعة في أوائل السور هي نصف حروف الهجاء‏,‏ ولو جمعناها لخرجت جملة جميلة تصف معناه‏: (نص حكيم قاطع له سر) فالقرآن ‏(نص‏)‏ يؤخذ منه‏,‏ كل حرف فيه له معنى‏,‏ وهو‏ (‏حكيم‏)‏ وحكيم على وزن فعيل‏,‏ أي أنه محكم (لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصِّلت:42] (قاطع‏)‏ في ثبوته‏,‏ وقاطع في هدايته‏,‏ وقاطع في كونه كتاب حياة‏,‏ و‏(له سر‏) ومن أسراره تلك الحروف التي ذهب فيها المفسرون كل مذهب‏,‏ والتي لا يزال الإنسان وهو يقرؤها يشعر بضآلته -من بعد تحصيله علوما شتى- أمام كلام الله سبحانه‏.‏

وضوح كلام الله والتهيؤ لتلقيه ثم تمني الكافرين الإسلام

والكلام واضح لا خفاء فيه‏,‏ والعلو مشاهد‏,‏ والفخامة ظاهرة‏,‏ والعظمة بادية على كتاب الله تعالى‏,‏ من أول حرف تقرؤه فيه‏: (الر) فإذ بك تفهم المعنى‏,‏ إلا أنك تقف خاشعا أمامه‏,‏ وكأنك قد هيئت لتلقي كلام عظيم من رب عظيم‏.‏

ونقف عند قوله تعالى‏: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر:2] فـ‏(رُبَ) للتقليل كما أن ‏(كم‏)‏ للتكثير (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)‏ يعني كأن الكافرين ‏(قلة منهم‏)‏ يودون في قلوبهم أن لو كانوا مسلمين‏,‏ ومعني هذا أن حجابا كثيفا بين أولئك الكافرين وبين الإسلام يحول دون إسلامهم‏.‏

تمني الكافرين يوم القيامة وصفات الخاسرين في الأكل والمتعة وطول الأمل

بعض المفسرين حمل (رُبَمَا)‏ في الآية على التكثير‏,‏ ولكن يوم القيامة‏,‏ حين يرون عصاة الموحدين يخرجون من النار‏;‏ فيود الكافرون لو أنهم كانوا مسلمين في الدنيا‏,‏ فيخرجون كما خرجوا‏.‏

وعن صفات أولئك الخاسرين يقول تعالى‏: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر:3],‏ إذن لهم في ظاهرهم أمارات ثلاث‏:‏ أولاها الأكل (يَأْكُلُوا‏)‏ غلبت عليهم شهوة الطعام‏,‏ فشأنهم الأكل‏,‏ وسعيهم للأكل‏,‏ وكأنهم للأكل خلقوا‏..‏ والأكل مطلق‏,‏ فماذا يأكلون‏!‏؟ لا يبالون أحلالا كان أم حراما‏;‏ وبإطلاق الأكل صح أن يدخل فيه أكل أموال الناس بالباطل‏,‏ وأكل مال اليتيم‏,‏ وأكل الربا‏,‏ وأكل الدنيا بالدين‏,‏ لا عبرة عندهم بكل ذلك‏!‏ المهم بل الأهم لديهم أن يأكلوا‏; (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا‏)‏ المتعة‏:‏ وهي ثانية الأمارات‏;‏ لما طمس الله على قلوبهم ببغيهم‏,‏ وأذهب نورهم‏,‏ جعلوا أوقاتهم لمتعة‏,‏ وأنفقوا أعمارهم فيها‏,‏ وهذه المتعة متعددة بحسب الحال‏,‏ فهي كلمة جامعة فذة‏,‏ تشمل متع الجنس‏,‏ ومتع الجاه‏,‏ ومتع المال‏,‏ لكنها كلها متعلقة بالدنيا فقط‏,‏ ولا يتعلق منها شيء بالآخرة‏,‏ ولا بوجه الله‏,‏ ولا بذكره‏,‏ ولا بالطيب من القول‏, وإنما لهو ولعب وغرور وخداع ومكره ‏(وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ‏)‏ وهذه هي الأمارة الثالثة الظاهرة‏,‏ فهم يؤملون في هذه الحياة الدنيا أملا كاذبا خادعا‏,‏ ألهاهم عن حقيقتها‏,‏ وما من أجله خلقوا فيها‏,‏ ولا ترى واحدا فيهم يذكر الموت‏,‏ بل يأباه ويكرهه لأنه يكره لقاء الله‏,‏ كما قال تعالى‏:

الغفلة عن الآخرة وعمق معرفة القرآن بالنفس وعلوه على الأكوان

(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الرُّوم:7].‏

إن القرآن غاص داخل خبايا النفس الإنسانية وكشف عن حقيقتها وخصائصها ووظائفها (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) [الملك:14],‏ والإنسان مكرم على الكون كله‏,‏ فصارت النتيجة المنطقية عند أولي الألباب‏:‏ أن القرآن فوق الأكوان‏.‏

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الجملة التي تتكون من جمع الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية؟

نص حكيم قاطع له سر

ما الأمارة الأولى التي وصف بها القرآن الخاسرين في الدنيا؟

الانشغال بالأكل دون مبالاة بحلال أو حرام

ما معنى كلمة حكيم في وصف القرآن بأنه نص حكيم قاطع له سر؟

محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

ما الذي يحول دون إسلام الكافرين الذين يودون في قلوبهم لو كانوا مسلمين؟

حجاب كثيف بينهم وبين الإسلام

ما النتيجة المنطقية التي يصل إليها أولو الألباب من كون القرآن يكشف خبايا النفس الإنسانية؟

أن القرآن فوق الأكوان

من هم ورثة الأنبياء الذين يحملون ميراث النبوة المتمثل في القرآن؟

العلماء الراسخون في العلم

ما الأمارة الثالثة التي تميز الخاسرين وفق الآية الكريمة ذرهم يأكلوا ويتمتعوا؟

طول الأمل الكاذب الذي يلهيهم عن الآخرة

ما الذي يثبته افتتاح السورة بالحروف المقطعة وفق المعنى المذكور؟

أن القرآن فوق الحروف والأصوات وأن عقول البشر لن تبلغ منتهاه

ما الذي يشعر به الإنسان عند الطاعة وفق ما تبينه رسالة النبي الخاتم؟

السعادة والطمأنينة

ما الذي يشمله مفهوم المتعة في وصف الخاسرين وفق الآية الكريمة؟

متع الجنس والجاه والمال المتعلقة بالدنيا فقط

ما معنى المحجة البيضاء التي تركها النبي الخاتم للأمة؟

هي الطريق الواضح الذي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهي رسالة تتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة.

لماذا لا تستطيع عقول البشر بلوغ منتهى القرآن؟

لأن القرآن كلام الرحمن الذي يعلو فوق الحروف والأصوات والأكوان، وهو غالب لا مغلوب، يعلو ولا يعلى عليه.

كيف يتفاوت الناس في الاستفادة من القرآن؟

يمنح الله عباده من أنوار الفهم بقدر معلوم ورزق مقسوم، فيتفاوتون بقدر تحمله شرفاً ويتفاضلون بحسب علمه قدراً.

ما معنى كون القرآن قاطعاً في وصف نص حكيم قاطع له سر؟

قاطع في ثبوته وقاطع في هدايته وقاطع في كونه كتاب حياة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ما الذي يشعر به القارئ حين يقرأ القرآن من أول حرف فيه؟

يفهم المعنى لكنه يقف خاشعاً أمامه كأنه قد هُيِّئ لتلقي كلام عظيم من رب عظيم.

ما دلالة استخدام ربما في قوله تعالى ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين؟

ربما للتقليل، أي أن قلة من الكافرين يودون في قلوبهم الإسلام، لكن حجاباً كثيفاً يحول دون إسلامهم.

متى يود الكافرون لو كانوا مسلمين وفق تفسير بعض المفسرين؟

يوم القيامة حين يرون عصاة الموحدين يخرجون من النار، فيودون لو أنهم كانوا مسلمين في الدنيا فيخرجون كما خرجوا.

لماذا يكره الخاسرون ذكر الموت؟

لأنهم يكرهون لقاء الله، وطول الأمل الكاذب ألهاهم عن حقيقة الحياة وما خُلقوا من أجله.

ما الآية التي استشهد بها القرآن على غفلة الخاسرين عن الآخرة؟

يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، من سورة الروم الآية السابعة.

ما الدليل القرآني على أن الله يعلم خبايا النفس الإنسانية؟

قوله تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، من سورة الملك، إذ الخالق أعلم بما خلق.

ما الفرق بين حال الصالحين وحال الخاسرين في علاقتهم بالقرآن؟

الصالحون كان القرآن موردهم ومصدرهم واطمأنت بذكره قلوبهم، أما الخاسرون فهجروه وانشغلوا بالأكل والمتعة وطول الأمل.

ما الذي يجعل الإنسان يشعر بضآلته أمام القرآن حتى بعد تحصيله علوماً شتى؟

الحروف المقطعة وأسرار القرآن التي لا يزال الإنسان يقرؤها فيشعر بمحدودية عقله أمام كلام الله سبحانه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!